المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌وأما القسم الثالث: وهو ما كان معه من حين ولادته إلى وفاته - المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - جـ ٢

[القسطلاني]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الثاني

- ‌[المقصد الثالث]

- ‌الفصل الأول فى كمال خلقته وجمال صورته صلى الله عليه وسلم وشرفه وكرمه

- ‌الفصل الثانى فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية وشرفه به من الأوصاف المرضية

- ‌الفصل الثالث فيما تدعو ضرورته إليه صلى الله عليه وسلم من غذائه وملبسه ومنكحه وما يلحق بذلك

- ‌النوع الأول فى عيشه صلى الله عليه وسلم فى المأكل والمشرب

- ‌النوع الثانى فى لباسه صلى الله عليه وسلم وفراشه

- ‌النوع الثالث فى سيرته صلى الله عليه وسلم فى نكاحه

- ‌النوع الرابع فى نومه صلى الله عليه وسلم

- ‌المقصد الرابع وفيه فصلان:

- ‌الفصل الأول فى معجزاته ص

- ‌تعريف المعجزة بالدليل:

- ‌[شروط المعجزة]

- ‌ أحدها: أن تكون خارقة للعادة

- ‌ الثانى: أن تكون مقرونة بالتحدى

- ‌ والشرط الثالث من شروط المعجزة:

- ‌[وجوه بطلان دعوى اشتراط التحدي بالمعجزة]

- ‌أحدها: أن اشتراط التحدى قول لا دليل عليه

- ‌الثانى: أن أكثر آياته- صلى الله عليه وسلم وأعمها وأبلغها كانت بلا تحد

- ‌والوجه الثالث:

- ‌الرابع من شروط المعجزة: أن تقع على وفق دعوى المتحدى بها

- ‌[وجوه إعجاز القرآن الكريم]

- ‌ أحدها: أن وجه إعجازه هو الإيجاز والبلاغة

- ‌ والثانى: أن إعجازه هو الوصف الذى صار به خارجا عن جنس كلام العرب

- ‌ والثالث: أن وجه إعجازه هو أن قارئه لا يمله

- ‌ والرابع: أن وجه إعجازه هو ما فيه من الإخبار بما كان

- ‌ والخامس: أن وجه إعجازه هو ما فيه من علم الغيب

- ‌ السادس: أن وجه إعجازه هو كونه جامعا لعلوم كثيرة، لم تتعاط العرب فيها الكلام

- ‌[أقسام معجزاته ص]

- ‌[القسم الأول ما كان قبل ظهوره]

- ‌وأما القسم الثانى ما وقع بعد وفاته- ص:

- ‌وأما القسم الثالث: وهو ما كان معه من حين ولادته إلى وفاته

- ‌حديث القصعة

- ‌الفصل الثانى فيما خصّه الله تعالى به من المعجزات وشرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات والآيات البيّنات

- ‌[خصائص النبي ص من الفضائل والكرامات]

- ‌القسم الأول: ما اختص به- صلى الله عليه وسلم من الواجبات والحكمة

- ‌ فاختص- صلى الله عليه وسلم بوجوب الضحى على المذهب

- ‌ ومنها الوتر وركعتا الفجر

- ‌ ومنها صلاة الليل

- ‌ ومنها السواك

- ‌ ومنها الأضحية

- ‌ ومنها المشاورة

- ‌ ومنها مصابرة العدو

- ‌ ومنها تغيير المنكر إذا رآه

- ‌ ومنها قضاء دين من مات مسلما معسرا

- ‌ ومنها تخيير نسائه- صلى الله عليه وسلم فى فراقه

- ‌الثانى:

- ‌[سبب تخييره ص نساءه]

- ‌أحدها: أن الله تعالى خيره بين ملك الدنيا ونعيم الآخرة على الدنيا، فاختار الآخرة

- ‌والثالث: لأن أزواجه طالبنه وكان غير مستطيع

- ‌والرابع: أن أزواجه- صلى الله عليه وسلم اجتمعن يوما فقلن: نريد ما تريد النساء من الحلى

- ‌ ومنها: إتمام كل تطوع شرع فيه

- ‌ ومنها: أنه كان يلزمه- صلى الله عليه وسلم أداء فرض الصلاة بلا خلل

- ‌ وقال بعضهم: كان يجب عليه- صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يعجبه أن يقول: «لبيك إن العيش عيش الآخرة»

- ‌ ومنها: أنه- صلى الله عليه وسلم كان يؤخذ عن الدنيا حالة الوحى

- ‌ ومنها: أنه كان- صلى الله عليه وسلم يغان على قلبه فيستغفر الله سبعين مرة

- ‌القسم الثانى: ما اختص به- صلى الله عليه وسلم مما حرم عليه:

- ‌ فمنها: تحريم الزكاة عليه

- ‌ ومنها: تحريم الزكاة على آله- صلى الله عليه وسلم

- ‌ ومنها: أنه يحرم عليه- صلى الله عليه وسلم أكل ما له رائحة كريهة

- ‌ ومنها: تحريم الكتابة والشعر

- ‌ ومنها: نزع لأمته إذا لبسها، حتى يقاتل

- ‌ ومنها: المن ليستكثر

- ‌ ومنها: مد العين إلى ما متع به الناس

- ‌ ومنها: خائنة الأعين

- ‌ ومنها: نكاح من لم تهاجر

- ‌ ومنها: تحريم إمساك من كرهته

- ‌ ومنها: نكاح الكتابية

- ‌ ومنها: نكاح الأمة المسلمة

- ‌ ومنها: تحريم الإغارة

- ‌القسم الثالث: فيما اختص به- صلى الله عليه وسلم من المباحات

- ‌ اختص- صلى الله عليه وسلم بإباحة المكث فى المسجد جنبا

- ‌ ومما اختص به أيضا أنه لا ينتقض وضوؤه بالنوم مضطجعا

- ‌ واختص أيضا بإباحة الصلاة بعد العصر

- ‌ وبالقبلة فى الصوم

- ‌ واختص أيضا بإباحة الوصال فى الصوم:

- ‌ وأن يأخذ الطعام والشراب من مالكهما المحتاج إليهما إذا احتاج

- ‌وبإباحة النظر إلى الأجنبيات لعصمته

- ‌ ومنها نكاح أكثر من أربع نسوة

- ‌ وكذا يجوز له- صلى الله عليه وسلم النكاح بلا مهر

- ‌ وكذا يجوز له النكاح فى حال الإحرام

- ‌ وكذا يجوز له- صلى الله عليه وسلم النكاح بغير رضى المرأة

- ‌ وكذا يجوز له- صلى الله عليه وسلم النكاح بلا ولى وبلا شهود

- ‌ وأعتق أمته صفية وجعل عتقها صداقها

- ‌ واختلف فى انحصار طلاقه- صلى الله عليه وسلم فى الثلاث

- ‌ وفى وجوب نفقة زوجاته

- ‌ وكان له- صلى الله عليه وسلم أن يصطفى ما شاء من المغنم قبل القسمة

- ‌ وأبيح له القتال بمكة والقتل بها

- ‌ ومن خصائصه- صلى الله عليه وسلم أنه كان يقضى بعلمه من غير خلاف

- ‌ وكان له أن يدعو لمن شاء بلفظ الصلاة

- ‌ وكان له أن يقتل بعد الأمان

- ‌ وجعل الله شتمه ولعنه قربة للمشتوم والملعون

- ‌ وكان يقطع الأراضى قبل فتحها

- ‌القسم الرابع: فيما اختص به- صلى الله عليه وسلم من الفضائل والكرامات

- ‌ منها: أنه أول النبيين خلقا

- ‌ ومنها: أنه أول من أخذ عليه الميثاق

- ‌ ومنها: أنه أول من قال: «بلى» يوم أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ

- ‌ ومنها: أن آدم وجميع المخلوقات خلقوا لأجله

- ‌ ومنها: أن الله كتب اسمه الشريف على العرش

- ‌ ومنها: أن الله تعالى أخذ الميثاق على النبيين، آدم فمن بعده، أن يؤمنوا به وينصروه

- ‌ ومنها: أنه وقع التبشير به فى الكتب السالفة

- ‌ ومنها: أنه لم يقع فى نسبه من لدن آدم سفاح

- ‌ ومنها: أنه نكست الأصنام لمولده

- ‌ ومنها: أنه ولد مختونا مقطوع السرة

- ‌ ومنها: أنه خرج نظيفا

- ‌ ومنها: أنه وقع إلى الأرض ساجدا رافعا أصبعيه كالمتضرع المبتهل

- ‌ ومنها: شق صدره الشريف

- ‌ وغطه جبريل عند ابتداء الوحى ثلاث غطات

- ‌ ومنها: أن الله تعالى ذكره فى القرآن عضوا عضوا

- ‌ ومنها أنه- صلى الله عليه وسلم كان يبيت جائعا، ويصبح طاعما

- ‌ وكان يرى من خلفه كما يرى أمامه

- ‌ وكانت ريقه يعذب الماء الملح

- ‌ ومنها: أنه- صلى الله عليه وسلم كان إذا مشى فى الصخر غاصت قدماه فيه

- ‌ وكان إبطه- صلى الله عليه وسلم لا شعر عليه

- ‌ وكان- صلى الله عليه وسلم يبلغ صوته وسمعه

- ‌ وكان تنام عينه ولا ينام قلبه

- ‌ وما تثاءب قط

- ‌ وما احتلم قط

- ‌وإذا مشى مع الطويل طاله

- ‌وكان- صلى الله عليه وسلم لا يقع على ثيابه ذباب قط

- ‌ومنها: انقطاع الكهنة عند مبعثه

- ‌ومنها أنه أتى بالبراق ليلة الإسراء مسرجا ملجما

- ‌ومنها أنه أسرى به- صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى

- ‌ومنها: أنه رأى الله تعالى بعينيه

- ‌ومنها أن الملائكة تسير معه حيث سار

- ‌ومنها: أنه يجب علينا أن نصلى ونسلم عليه

- ‌ومنها: أنه أوتى الكتاب العزيز، وهو أمى

- ‌ومنها: حفظ كتابه هذا من التبديل والتحريف

- ‌ومنها: أنه أنزل على سبعة أحرف

- ‌ومنها: أنه تعالى تكفل بحفظه

- ‌ومنها: أنه- صلى الله عليه وسلم خص باية الكرسى

- ‌ومنها: أنه أعطى مفاتيح الخزائن

- ‌ومنها: أنه أوتى جوامع الكلم

- ‌ومنها: أنه بعث إلى الناس كافة

- ‌ومنها: نصره- صلى الله عليه وسلم بالرعب مسيرة شهر

- ‌ومنها: إحلال الغنائم ولم تحل لأحد قبله

- ‌ومنها: جعل الأرض له ولأمته مسجدا وطهورا

- ‌ومنها: أن معجزته- صلى الله عليه وسلم مستمرة إلى يوم القيامة

- ‌ومنها: أنه أكثر الأنبياء معجزة

- ‌ومنها: أنه خاتم الأنبياء والمرسلين

- ‌ومنها: أن شرعه مؤبد إلى يوم الدين

- ‌ومنها: أنه لو أدركه الأنبياء لوجب عليهم اتباعه

- ‌ومنها: أنه أرسل إلى الجن اتفاقا

- ‌ومنها: أنه أرسل الملائكة

- ‌ومنها: أنه أرسل رحمة للعالمين

- ‌ ومنها: أن الله تعالى خاطب جميع الأنبياء بأسمائهم فى القرآن

- ‌ ومنها: أنه حرم على الأمة نداءه باسمه

- ‌ ومنها: أنه يحرم الجهر له بالقول

- ‌ ومنها: أنه يحرم نداؤه من وراء الحجرات

- ‌ ومنها: أنه حبيب الله، وجمع له بين المحبة والخلة

- ‌ ومنها: أنه تعالى أقسم على رسالته وبحياته وببلده وعصره

- ‌ ومنها: أنه كلم بجميع أصناف الوحى

- ‌ ومنها: أن إسرافيل هبط عليه، ولم يهبط على نبى قبله

- ‌ ومنها: أنه سيد ولد آدم

- ‌ ومنها: أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر

- ‌ ومنها: أنه أكرم الخلق على الله

- ‌ ومنها: إسلام قرينه

- ‌ ومنها: أنه لا يجوز عليه الخطأ

- ‌ ومنها: أن الميت يسأل عنه- ص فى قبره

- ‌ ومنها: أنه حرم نكاح أزواجه من بعده

- ‌ ومنها: ما عده ابن عبد السلام أنه يجوز أن يقسم على الله به

- ‌ ومنها: أنه يحرم رؤية أشخاص أزواجه فى الأزر

- ‌ ومنها: أن أولاد بناته ينسبون إليه

- ‌ ومنها: أن كل نسب وسبب منقطع يوم القيامة إلا سببه ونسبه

- ‌ ومنها: أنه لا يتزوج على بناته

- ‌ومنها: أن من رآه فى المنام فقد رآه حقّا

- ‌وبالجملة:

- ‌ومنها: أنه يكره لقارئ حديثه أن يقوم لأحد

- ‌ومنها أن قراء حديثه لا تزال وجوههم نضرة

- ‌ومنها: أنه تثبت الصحبة لمن اجتمع به- صلى الله عليه وسلم لحظة

- ‌ومنها: أن أصحابه كلهم عدول

- ‌ومنها أن المصلى يخاطبه بقوله: السلام عليك أيها النبى

- ‌ومنها أنه كان يجب على من دعاه وهو فى الصلاة أن يجيبه

- ‌ومنها: أن الكذب عليه ليس كالكذب على غيره

- ‌ومنها أنه معصوم من الذنوب كبيرها وصغيرها

- ‌ومنها أنه لا يجوز عليه الجنون

- ‌ ومن خصائصه- صلى الله عليه وسلم أنه كان- صلى الله عليه وسلم يخص من شاء بما شاء من الأحكام

- ‌ ومنها أنه كان يوعك كما يوعك رجلان

- ‌ ومنها أن جبريل أرسل إليه ثلاثا فى مرضه

- ‌ ومنها: أنه صلى عليه الناس أفواجا أفواجا بغير إمام

- ‌ ومنها: أنه لا يبلى جسده

- ‌ ومنها: أنه لا يورث

- ‌ ومنها: أنه حى فى قبره

- ‌ ومنها: أنه وكل بقبره ملك يبلغه صلاة المصلين عليه

- ‌ ومنها: أن منبره- صلى الله عليه وسلم على حوضه

- ‌ ومنها أن ما بين منبره وقبره روضة من رياض الجنة

- ‌ ومنها: أنه- صلى الله عليه وسلم أول من ينشق عنه القبر

- ‌ ومنها: أنه يعطى المقام المحمود

- ‌ ومنها أنه يعطى الشفاعة العظمى

- ‌ ومنها: أنه صاحب لواء الحمد

- ‌ ومنها أنه- صلى الله عليه وسلم أول من يدخل الجنة

- ‌ ومن خصائصه- صلى الله عليه وسلم الكوثر

- ‌[خصائص أمة النبي ص]

- ‌ ومن خصائص هذه الأمة الوضوء

- ‌ ومنها مجموع الصلوات الخمس

- ‌ ومنها الأذان والإقامة

- ‌ ومنها البسملة

- ‌ ومنها التأمين

- ‌ ومنها الاختصاص بالركوع

- ‌ ومنها الصفوف فى الصلاة

- ‌ ومنها تحية الإسلام

- ‌ ومنها الجمعة

- ‌ ومنها ساعة الإجابة التى فى الجمعة

- ‌ ومنها: أنه إذا كان أول ليلة من شهر رمضان نظر الله إليهم

- ‌ ومنها السحور

- ‌ ومنها: ليلة القدر

- ‌ ومنها أن لهم الاسترجاع عند المصيبة

- ‌ ومنها: أن الله تعالى رفع عنهم الأصرار

- ‌ ومنها أن الله تعالى أحل لهم كثيرا مما شدد على من قبلهم

- ‌ ومنها: أن الله رفع عنهم المؤاخذة بالخطأ والنسيان

- ‌ ومنها أن الإسلام وصف خاص بهم

- ‌ ومنها: أن شريعتهم أكمل من جميع شرائع الأمم المتقدمة

- ‌ وكذلك تحريم ما حرم على هذه الأمة صيانة وحمية

- ‌ ومنها: أنهم لا يجتمعون على ضلالة

- ‌ ومنها: أن إجماعهم حجة وأن اختلافهم رحمة

- ‌ ومنها: أنهم إذا شهد اثنان منهم لعبد بخير وجبت له الجنة

- ‌ ومنها أنهم أقل الأمم عملا، وأكثرهم أجرا

- ‌ ومنها: أنهم أوتوا الإسناد

- ‌ ومنها: أنهم أوتوا الأنساب والاعراب

- ‌ ومنها: أنهم أوتوا تصنيف الكتب

- ‌ ومنها: أن فيهم أقطابا وأوتادا ونجباء وأبدالا

- ‌ ومنها أنهم يدخلون قبورهم بذنوبهم، ويخرجون منها بلا ذنوب

- ‌ ومنها أنهم اختصوا فى الآخرة بأنهم أول من تنشق عنهم الأرض من الأمم

- ‌ ومنها: أنهم يدعون يوم القيامة غرّا محجلين من آثار الوضوء

- ‌ ومنها أنهم يكونون فى الموقف على مكان عال

- ‌ ومنها: أن سيماهم فى وجوههم من أثر السجود

- ‌ ومنها أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم

- ‌ ومنها أن نورهم يسعى بين أيديهم

- ‌ ومنها: أن لهم ما سعوا، وما يسعى لهم

- ‌ ومن خصائص هذه الأمة أنهم يدخلون الجنة قبل سائر الأمم

- ‌ ومنها: أنه يدخل منهم الجنة سبعون ألفا بغير حساب

- ‌المقصد الخامس الإسراء والمعراج

- ‌المقصد السادس فيما ورد فى آى التنزيل من تعظيم قدره صلى الله عليه وسلم

- ‌النوع الأول فى آيات تتضمن تعظيم قدره ورفعة ذكره وجليل رتبته وعلو درجته على الأنبياء وتشريف منزلته

- ‌النوع الثانى فى أخذ الله الميثاق له على النبيين فضلا ومنة ليؤمنن به إن أدركوه ولينصرنه

- ‌النوع الثالث فى وصفه له ص بالشهادة وشهادته له بالرسالة

- ‌تنبيه:

- ‌النوع الرابع فى التنويه به ص فى الكتب السالفة كالتوراة والإنجيل بأنه صاحب الرسالة والتبجيل

- ‌فصل

- ‌النوع الخامس فى آيات تتضمن إقسامه تعالى على تحقيق رسالته وثبوت ما أوحى إليه من آياته وعلو رتبته الشريفة ومكانته

- ‌الفصل الأول فى قسمه تعالى على ما خصه به من الخلق العظيم وحباه من الفضل العميم

- ‌الفصل الثانى فى قسمه تعالى على ما أنعم به عليه وأظهره من قدره العلى لديه

- ‌الفصل الثالث فى قسمه تعالى على تصديقه ص فيما أتى به من وحيه وكتابه وتنزيهه عن الهوى فى خطابه

- ‌الفصل الرابع: فى قسمه تعالى على تحقيق رسالته

- ‌الفصل الخامس فى قسمه تعالى بمدة حياته صلى الله عليه وسلم وعصره وبلده

- ‌النوع السادس فى وصفه تعالى له ص بالنور والسراج المنير

- ‌النوع السابع فى آيات تتضمن وجوب طاعته واتباع سنته

- ‌النوع الثامن فيما يتضمن الأدب معه ص

- ‌النوع التاسع فى آيات تتضمن رده تعالى بنفسه المقدسة على عدوه ص ترفيعا لشأنه

- ‌النوع العاشر فى إزالة الشبهات عن آيات وردت فى حقه ص متشابهات

- ‌[وجوه تفسير آية وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى]

- ‌أحدها: وجدك ضالا عن معالم النبوة

- ‌الثانى: من معنى قوله: (ضالا)

- ‌الثالث: يقال: ضل الماء فى اللبن إذا صار مغمورا، فمعنى الآية:

- ‌الرابع: أن العرب تسمى الشجرة الفريدة فى الفلاة ضالة

- ‌الخامس: قد يخاطب السيد، والمراد قومه

- ‌السادس: أى محبّا لمعرفتى

- ‌السابع: أى وجدك ناسيا فذكرك

- ‌الثامن: أى وجدك بين أهل ضلال فعصمك من ذلك

- ‌التاسع: أى وجدك متحيرا فى بيان ما أنزل إليك

- ‌العاشر: عن على أنه- صلى الله عليه وسلم قال:

- ‌المقصد السابع فى وجوب محبته واتباع سنته والاهتداء بهديه

- ‌الفصل الأول فى وجوب محبته واتباع سنته والاقتداء بهديه وسيرته ص

- ‌[حدود قيلت فى المحبة]

- ‌فمنها: موافقة الحبيب فى المشهد والمغيب

- ‌ومنها: استقلال الكثير من نفسك، واستكثار القليل من حبيبك

- ‌ومنها: استكثار القليل من جنايتك، واستقلال الكثير من طاعتك

- ‌ومنها: أن تهب كلك لمن أحببت

- ‌ومنها: أن تمحو من القلب ما سوى المحبوب

- ‌ومنها: أن تغار على المحبوب أن يحبه مثلك

- ‌ومنها: ميلك إلى الشىء بكليتك ثم إيثارك له على نفسك

- ‌ومنها: سفر القلب فى طلب المحبوب، ولهج اللسان بذكره على الدوام

- ‌ومنها: الميل إلى ما يوافق الإنسان

- ‌[أقسام محبة الله تبارك وتعالى]

- ‌فالفرض: المحبة التى تبعث على امتثال الأوامر والانتهاء عن المعاصى

- ‌والندب: أن يواظب على النوافل ويجتنب الوقوع فى الشبهات

- ‌‌‌[إشكال]

- ‌[إشكال]

- ‌وأجيب:

- ‌وأجيب بأجوبة:

- ‌منها: أنه ورد على سبيل التمثيل

- ‌‌‌ومنها: أن المعنىأن كليته مشغولة بى

- ‌ومنها: أن المعنى

- ‌ومنها: أنه على حذف مضاف

- ‌[فروق بين المحبة والخلة]

- ‌منها:

- ‌‌‌‌‌ومنها:

- ‌‌‌ومنها:

- ‌ومنها:

- ‌[مناقشة المؤلف للفروق بين المحبة والخلة]

- ‌تنبيه:

- ‌الفصل الثانى فى حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنة وفضيلة وصفة ومحلّا

- ‌[سؤال]

- ‌فالجواب

- ‌[حكم الصلاة على النبي ص]

- ‌أحدها: أنها تجب فى الجملة

- ‌الثانى: يجب الإكثار منها، من غير تقييد بعدد

- ‌الثالث: تجب كل ما ذكر

- ‌الرابع: فى كل مجلس مرة ولو تكرر ذكره مرارا

- ‌الخامس: فى كل دعاء

- ‌السادس: أنها من المستحبات

- ‌السابع: تجب فى العمر مرة

- ‌الثامن: تجب فى الصلاة من غير تعيين المحل

- ‌التاسع: تجب فى التشهد

- ‌العاشر: تجب فى القعود آخر الصلاة، بين قول التشهد وسلام التحلل

- ‌[استدلال الشافعي على وجوب الصلاة على النبي ص]

- ‌[تعقيب هذا الاستدلال]

- ‌أحدها: ضعف إبراهيم بن محمد بن أبى يحيى

- ‌الثانى: على تقدير صحته فقوله فى الأول: يعنى فى الصلاة

- ‌الثالث: قوله فى الثانى: «أنه كان يقول فى الصلاة»

- ‌الرابع: ليس فى الحديث ما يدل على تعيين ذلك فى التشهد

- ‌[إشكال]

- ‌[الجواب]

- ‌منها: أنه- صلى الله عليه وسلم قال ذلك قبل أن يعلم أنه أفضل من إبراهيم

- ‌ومنها: أنه قال ذلك تواضعا

- ‌ومنها: أن التشبيه إنما هو لأصل الصلاة بأصل الصلاة، لا للقدر بالقدر

- ‌ومنها: أن قوله: (اللهم صل على محمد) مقطوع عن التشبيه

- ‌ومنها: رفع المقدمة المذكورة أولا

- ‌[مواطن الصلاة على النبي ص]

- ‌فمنها: التشهد الأخير

- ‌ومنها: خطبة الجمعة

- ‌ومنها: عقب إجابة المؤذن

- ‌تنبيه:

- ‌ومنها: أول الدعاء وأوسطه وآخره

- ‌ومنها: وهو من آكدها، عقب دعاء القنوت

- ‌ومنها: أثناء تكبيرات العيدين

- ‌ومنها: عند دخول المسجد والخروج منه

- ‌ومنها: فى صلاة الجنازة

- ‌ومنها: عند التلبية

- ‌ومنها: عند الصفا والمروة

- ‌ومنها: عند الإجماع والتفرق

- ‌ومنها: عند الصباح والمساء

- ‌ومنها: عند الوضوء

- ‌ومنها: عند طنين الأذن

- ‌ومنها: عند نسيان الشىء

- ‌ومنها: بعد العطاس

- ‌ومنها: عند زيارة قبره الشريف

- ‌[الإكثار من الصلاة عليه ليلة الجمعة]

- ‌[فضيلة الصلاة على النبي ص]

- ‌الفصل الثالث فى ذكر محبة أصحابه ص وقرابته وأهل بيته وذريته

- ‌[فى ذكر محبة آله ص وقرابته وأهل بيته وذريته]

- ‌فى محبة الصحابة:

- ‌[طبقات الصحابة]

- ‌الطبقة الأولى: قوم أسلموا بمكة أول البعث

- ‌الطبقة الثانية: أصحاب دار الندوة

- ‌الطبقة الثالثة: الذين هاجروا إلى الحبشة فرارا بدينهم

- ‌الطبقة الرابعة: أصحاب العقبة الأولى

- ‌الطبقة الخامسة: أصحاب العقبة الثالثة

- ‌الطبقة السادسة: المهاجرون

- ‌الطبقة السابعة: أهل بدر الكبرى

- ‌الطبقة الثامنة: الذين هاجروا بين بدر والحديبية

- ‌الطبقة التاسعة: أهل بيعة الرضوان

- ‌الطبقة العاشرة: الذين هاجروا بعد الحديبية

- ‌الطبقة الحادية عشر: الذين أسلموا يوم الفتح

- ‌الطبقة الثانية عشر: صبيان أدركوا النبى- صلى الله عليه وسلم ورأوه عام الفتح وبعده

- ‌فهرس المحتويات

الفصل: ‌وأما القسم الثالث: وهو ما كان معه من حين ولادته إلى وفاته

كل حين يقع لخواص أمته من خوارق العادات بسببه مما يدل على تعظيم قدره الكريم ما لا يحصى كالاستغاثة به وغير ذلك مما يأتى فى المقصد الأخير، فى أثناء الكلام على زيارة قبره الشريف المنير.

‌وأما القسم الثالث: وهو ما كان معه من حين ولادته إلى وفاته

،

فكالنور الذى خرج معه حتى أضاء له قصور الشام وأسواقها، حتى رؤيت أعناق الإبل ببصرى، ومسح الطائر على فؤاد أمه حتى لم تجد ألما لولادته، والطواف به فى الآفاق، إلى غير ذلك. وكانشقاق القمر عند اقتراحه عليه، وانضمام الشجرتين لما دعاهما إليه، وكإطعام الجيش الكثير من النزر اليسير، فى عدة من المواضع واستيلاء الفجائع، وغير ذلك مما أمده الله تعالى به من المعجزات، وأكرمه به خوارق العادات تأييدا لإقامة حجته، وتمهيدا لهداية محجته، وتأييدا لسيادته فى كل أمة، وتسديدا لمن ادكر بعد أمة، مما تتبعه يخرج عن مقصود الاختصار، إذ هو باب فسيح المجال منيع المنال، لكنى أنبه من ذلك على نبذة يسيرة، وأنوه فى أثنائها بجملة خطيرة، فأقول وما توفيقى إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.

أما معجزة انشقاق القمر، فقد قال تعالى فى كتابه العزيز: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ «1» . الآية، والمراد وقوع انشقاقه، ويؤيده قوله تعالى بعد ذلك: وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ «2» . فإن ذلك ظاهر فى أن المراد بقوله: «انشق» وقوع انشقاقه، لأن الكفار لا يقولون ذلك يوم القيامة، وإذا تبين أن قولهم إنما هو فى الدنيا تبين وقوع الانشقاق وأنه المراد بالآية التى زعموا أنها سحر، وسيأتى ذلك صريحا فى حديث ابن مسعود وغيره.

واعلم أن القمر لم ينشق لأحد غير نبينا- صلى الله عليه وسلم، وهو من أمهات معجزاته- صلى الله عليه وسلم. وقد أجمع المفسرون وأهل السنة على وقوعه لأجله

(1) سورة القمر: 1.

(2)

سورة القمر: 2.

ص: 253

- صلى الله عليه وسلم، فإن كفار قريش لما كذبوه ولم يصدقوه طلبوا منه آية تدل على صدقه على دعواه، فأعطاه الله هذه الآية العظيمة، التى لا قدرة لبشر على إيجادها، دلالة على صدقه- صلى الله عليه وسلم فى دعواه الوحدانية لله تعالى، وأنه منفرد بالربوبية، وأن هذه الآلهة التى يعبدونها باطلة لا تنفع ولا تضر، وأن العبادة إنما تكون لله وحده لا شريك له.

قال الخطابى: انشقاق القمر آية عظيمة، لا يكاد يعدلها شىء من آيات الأنبياء، وذلك أنه ظهر فى ملكوت السماوات خارجا عن جملة طباع ما فى هذا العالم المركب من الطبائع، فليس فيما يطمع فى الوصول إليه بحيلة، فلذلك صار البرهان به أظهر. انتهى.

وقال ابن عبد البر: قد روى هذا الحديث- يعنى حديث انشقاق القمر- جماعة كثيرة من الصحابة، وروى ذلك عنهم أمثالهم من التابعين، ثم نقله عنهم الجم الغفير إلى أن انتهى إلينا. وتأيد بالآية الكريمة. انتهى.

وقال العلامة ابن السبكى فى شرحه لمختصر ابن الحاجب: والصحيح عندى أن انشقاق القمر متواتر، منصوص عليه فى القرآن، مروى فى الصحيحين وغيرهما من طرق من حديث شعبة عن سليمان عن إبراهيم عن أبى معمر عن ابن مسعود، ثم قال: وله طرق أخر شتى، بحيث لا يمترى فى تواتره. انتهى.

وقد جاءت أحاديث الانشقاق فى روايات صحيحة عن جماعة من الصحابة منهم: أنس، وابن مسعود، وابن عباس، وعلى، وحذيفة، وجبير ابن مطعم، وابن عمر، وغيرهم. فأما أنس وابن عباس فلم يحضرا ذلك، لأنه كان بمكة قبل الهجرة بنحو خمس سنين، وكان ابن عباس إذ ذاك لم يولد، وأما أنس فكان ابن أربع سنين أو خمس بالمدينة، وأما غيرهما فيمكن أن يكون شاهد ذلك.

ففى الصحيحين: من حديث أنس- رضى الله عنه-: أن أهل مكة سألوا رسول الله- صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر شقتين، حتى رأوا حراء

ص: 254

بينهما، وقوله: شقتين- بكسر الشين المعجمة- أى نصفين «1» . ومن حديث ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم فرقتين، فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم «اشهدوا» «2» . وفى الترمذى من حديث ابن عمر، فى قوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ «3» قال:

قد كان ذلك على عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم، انشق فلقتين، فلقة دون الجبل، وفلقة فوق الجبل، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم:«اشهدوا» «4» . وعند الإمام أحمد، من حديث جبير بن مطعم قال: انشق القمر على عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم فصار فرقتين، فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل، فقالوا:

سحرنا محمد، فقالوا: إن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس «5» .

وعن عبد الله بن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم، فقال كفار قريش: هذا سحر ابن أبى كبشة، قال: فقالوا انظروا ما يأتيكم به السفار، فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم. قال: فجاء السفار فأخبروهم بذلك «6» رواه أبو داود الطيالسى.

ورواه البيهقى بلفظ: انشق القمر بمكة فقالوا: سحركم ابن أبى كبشة، فاسألوا السفار، فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق وإن لم يكونوا رأوا ما رأيتم فهو سحر، فسألوا السفار وقد قدموا من كل وجه فقالوا: رأيناه.

(1) صحيح: أخرجه البخارى (36367) فى المناقب، باب: سؤال المشركين أن يريهم النبى- صلى الله عليه وسلم آية فأراهم انشقاق القمر، ومسلم (2802) فى صفة القيامة والجنة والنار، باب: انشقاق القمر.

(2)

صحيح: أخرجه البخارى (3636) فى المناقب، باب: سؤال المشركين أن يريهم النبى- صلى الله عليه وسلم آية فأراهم انشقاق القمر، ومسلم (2800) فى صفة القيامة والجنة، باب: انشقاق القمر.

(3)

سورة القمر: 1.

(4)

صحيح: أخرجه مسلم (2801) فى صفة القيامة والجنة والنار، باب: انشقاق القمر، والترمذى (3288) فى التفسير، باب: ومن سورة القمر.

(5)

أخرجه أحمد فى «المسند» (4/ 81) ، وهو عند الترمذى (3289) .

(6)

أخرجه أبو داود الطيالسى فى «مسنده» (295) .

ص: 255

وعند أبى نعيم فى الدلائل من حديث ضعيف عن ابن عباس قال:

اجتمع المشركون إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم منهم الوليد بن المغيرة وأبو جهل والعاصى بن وائل، والأسود بن المطلب، والنضر بن الحارث ونظراؤهم فقالوا للنبى- صلى الله عليه وسلم: إن كنت صادقا فشق لنا القمر فرقتين، فسأل ربه فانشق.

وعند البخارى مختصرا من حديث ابن عباس بلفظ: إن القمر انشق على عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم «1» ، وابن عباس وإن كان لم يشاهد القصة كما قدمته، ففى بعض طرقه أنه حمل الحديث عن ابن مسعود «2» . وعند مسلم من حديث شعبة عن قتادة بلفظ فأراهم انشقاق القمر مرتين «3» .

وكذا فى مصنف عبد الرزاق عن معمر بلفظ مرتين أيضا. واتفق الشيخان عليه من رواية شعبة عن قتادة بلفظ: فرقتين، كما فى حديث جبير عند أحمد. وفى حديث ابن عمر فلقتين- باللام- كما قدمته. وفى لفظ من حديث جبير: فانشق باثنتين. وفى رواية عن ابن عباس عند أبى نعيم فى الدلائل: فصار قمرين. ووقع فى نظم السيرة للحافظ أبى الفضل العراقى:

وانشق مرتين بالإجماع. قال الحافظ ابن حجر: وأظن قوله: «بالإجماع» يتعلق ب «انشق» لا ب «مرتين» ، فإنى لا أعلم من جزم من علماء الحديث بتعدد الانشقاق فى زمنه- صلى الله عليه وسلم. ولعل قائل «مرتين» أراد: فرقتين. وهذا الذى لا يتجه غيره جمعا بين الروايات. وقد وقع فى رواية البخارى من حديث ابن مسعود: ونحن بمنى، وهذا لا يعارض قول أنس: إن ذلك كان بمكة، لأنه لم يصرح بأنه- صلى الله عليه وسلم كان ليلتئذ بمكة. فالمراد أن الانشقاق كان وهم بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة والله أعلم.

(1) صحيح: أخرجه البخارى (3638) فى المناقب، باب: سؤال المشركين أن يريهم النبى- صلى الله عليه وسلم آية، فأراهم انشقاق القمر، ومسلم (2803) فى صفات المنافقين وأحكامهم، باب: انشقاق القمر.

(2)

صحيح: وقد تقدم حديث ابن مسعود- رضى الله عنه-.

(3)

صحيح: أخرجه مسلم (2802)(47) فى صفة المنافقين وأحكامهم، باب: انشقاق القمر.

ص: 256

وقد أنكر هذه المعجزة جماعة من المبتدعة، كجمهور الفلاسفة، متمسكين بأن الأجرام العلوية لا يتهيأ فيها الانخراق والالتئام، وكذا قالوا فى فتح أبواب السماء ليلة الإسراء، إلى غير ذلك. وجواب هؤلاء: إن كانوا كفارا أن يناظروا أولا على ثبوت دين الإسلام، فإذا تمت اشتركوا مع غيرهم ممن أنكر ذلك من المسلمين، ومتى سلّم المسلم بعض ذلك دون بعض لزم التناقض. وأيضا لا سبيل إلى إنكار ما ثبت فى القرآن من الانخراق والالتئام فى القيامة، وإذا ثبت هذا استلزم الجواز، ووقوعه معجزة للنبى- صلى الله عليه وسلم. وقد أجاب القدماء عن ذلك، فقال أبو إسحاق الزجاج فى «معانى القرآن» : أنكر بعض المبتدعة الموافقين لمخالفى الملة انشقاق القمر، ولا إنكار للعقل فيه، لأن القمر مخلوق لله يفعل فيه ما يشاء كما يكوره يوم القيامة ويفنيه. انتهى.

وأما قول بعض الملاحدة: لو وقع هذا النقل جاء متواترا واشترك أهل الأرض كلهم فى معرفته، ولم يختص بها أهل مكة، لأنه أمر صدر عن حس ومشاهدة، فالناس فيه شركاء، والدواعى متوفرة على رواية كل غريب، ونقل ما لم يعهد، ولو كان لذلك أصل لخلد فى كتب التسيير والتنجيم، إذ لا يجوز إطباقهم على تركه وإغفاله مع جلالة شأنه ووضوح أمره.

فأجاب عنه الخطابى وغيره: بأن هذه القصة خرجت عن الأمور التى ذكروها، لأنه شىء طلبه خاص من الناس، فوقع ليلا، لأن القمر لا سلطان له بالنهار، ومن شأن الليل أن يكون الناس فيه نياما ومستكنين فى الأبنية، والبارز منهم فى الصحراء إذا كان يقظانا يحتمل أن يتفق أنه كان فى ذلك الوقت مشغولا بما يلهيه من سمر وغيره، ومن المستبعد أن يقصدوا إلى مراكز القمر ناظرين إليه ولا يغافلوا عنه، فقد يجوز أنه وقع ولم يشعر به أكثر الناس، وإنما رآه من تصدى لرؤيته ممن اقترح وقوعه، ولعل ذلك إنما كان فى قدر اللحظة التى هى مدرك البصر، وقد يكون القمر حينئذ فى بعض المنازل التى تظهر لبعض الآفاق دون بعض، كما يكون ظاهرا لقوم غائبا عند قوم، وكما يجد الكسوف أهل بلد دون بلد آخر.

ص: 257

وقد أبدى الخطابى حكمة بالغة فى كون المعجزات المحمدية لم يبلغ شىء منها مبلغ التواتر الذى لا نزاع فيه كالقرآن بما حاصله: إن معجزة كل نبى كانت إذا وقعت عامة أعقبت هلاك من كذب بها من قومه، والنبى- صلى الله عليه وسلم بعث رحمة للعالمين، فكانت معجزته التى تحدى بها عقلية، فاختص بها القوم الذين بعث منهم، لما أوتوه من فضل العقول وزيادة الأفهام، ولو كان إدراكها عامّا لعوجل من كذب بها كما عوجل من قبلهم. انتهى. وكذا أجاب ابن عبد البر بنحوه.

تنبيه: ما يذكره بعض القصاص: أن القمر دخل فى جيب النبى- صلى الله عليه وسلم وخرج من كمه، فليس له أصل، كما حكاه الشيخ بدر الدين الزركشى عن شيخه العماد بن كثير.

وأما رد الشمس له- صلى الله عليه وسلم، فروى عن أسماء بنت عميس أن النبى- صلى الله عليه وسلم كان يوحى إليه ورأسه فى حجر على- رضى الله عنه-، فلم يصل العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم:«أصليت يا على؟» فقال:

لا، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم:«اللهم إنه كان فى طاعتك وطاعة رسولك، فاردد عليه الشمس» ، قالت أسماء: فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت ووقعت على الجبال والأرض، وذلك فى الصهباء فى خيبر «1» ، رواه الطحاوى فى مشكل الحديث، كما حكاه القاضى عياض فى الشفاء وقال:

قال الطحاوى: إن أحمد بن صالح كان يقول: لا ينبغى لمن سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء لأنه من علامات النبوة. انتهى.

قال بعضهم: هذا الحديث ليس بصحيح، وإن أوهم تخريج القاضى عياض له فى الشفاء عن الطحاوى من طريقين، فقد ذكره ابن الجوزى فى الموضوعات وقال: إنه موضوع بلا شك وفى سنده أحمد بن داود وهو متروك الحديث كذاب، كما قال الدار قطنى. وقال ابن حبان: كان يضع الحديث.

قال ابن الجوزى: وقد روى هذا الحديث ابن شاهين فذكره ثم قال:

(1) ضعيف: أخرجه الطحاوى فى مشكل الآثار: (2/ 9) و (4/ 388) ، بسند فيه متروك.

ص: 258

وهذا حديث باطل، قال: ومن تغافل واضعه أنه نظر إلى صورة فضيلة، ولم يلمح عدم الفائدة فيها، فإن صلاة العصر بغيبوبة الشمس تصير قضاء، ورجوع الشمس لا يعيدها أداء. انتهى.

وقد أفرد ابن تيمية تصنيفا مفردا فى الرد على الروافض ذكر فيه الحديث بطرقه ورجاله وأنه موضوع، والعجب من القاضى مع جلالة قدره وعلو خطره فى علوم الحديث كيف سكت عنه موهما صحته، ناقلا ثبوته، موثقا رجاله. انتهى.

وقال شيخنا: قال أحمد: لا أصل له، وتبعه ابن الجوزى فأورده فى الموضوعات. ولكن قد صححه الطحاوى والقاضى عياض، وأخرجه ابن منده وابن شاهين من حديث أسماء بنت عميس، وابن مردويه من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه- انتهى.

ورواه الطبرانى فى معجمه الكبير بإسناد حسن كما حكاه شيخ الإسلام ابن العراقى فى شرح التقريب عن أسماء بنت عميس ولفظه: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالصهباء ثم أرسل عليّا فى حاجة فرجع وقد صلى النبى- صلى الله عليه وسلم العصر، فوضع- صلى الله عليه وسلم رأسه فى حجر على ونام، فلم يحركه حتى غابت الشمس، فقال- صلى الله عليه وسلم:«اللهم إن عبدك عليّا احتبس بنفسه على نبيه فرد عليه الشمس» قالت أسماء: فطلعت عليه الشمس حتى وقعت على الجبال وعلى الأرض، وقام على فتوضأ وصلى العصر ثم غابت وذلك بالصهباء «1» .

وفى لفظ آخر: كان- صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحى يغشى عليه، فأنزل الله عليه يوما وهو فى حجر على، فقال له النبى- صلى الله عليه وسلم:«صليت العصر يا على؟» فقال: لا، يا رسول الله، فدعا الله فرد عليه الشمس حتى صلى العصر قالت أسماء: فرأيت الشمس طلعت بعد ما غابت حين ردت حتى صلى العصر «2» .

(1) ضعيف: أخرجه الطبرانى فى «الكبير» (24/ 144) .

(2)

ضعيف: أخرجه الطبرانى فى «الكبير» (24/ 152) .

ص: 259

قال: وروى الطبرانى أيضا فى معجمه الأوسط بإسناد حسن عن جابر:

أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم أمر الشمس فتأخرت ساعة من نهار.

وروى يونس بن بكير فى زيادة المغازى فى روايته عن ابن إسحاق، مما ذكره القاضى عياض: لما أسرى بالنبى- صلى الله عليه وسلم وأخبر قومه بالرفقة والعلامة التى فى العير، قالوا: متى تجىء؟ قال: «يوم الأربعاء» ، فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينتظرون، وقد ولى النهار، ولم تجئ، فدعا رسول الله- صلى الله عليه وسلم فزيد له فى النهار ساعة وحبست عليه الشمس «1» . انتهى.

وهذا يعارضه قوله فى الحديث: لم تحبس الشمس على أحد إلا ليوشع ابن نون، يعنى حين قاتل الجبارين يوم الجمعة، فلما أدبرت الشمس خاف أن تغيب قبل أن يفرغ منهم ويدخل السبت فلا يحل له قتالهم، فدعا الله تعالى فرد عليه الشمس حتى فرغ من قتالهم.

قال الحافظ ابن كثير: فيه أن هذا كان من خصائص يوشع، فيدل على ضعف الحديث الذى رويناه أن الشمس رجعت حتى صلى على بن أبى طالب، وقد صححه أحمد بن صالح المصرى، ولكنه منكر، ليس فى شىء من الصحاح والحسان، وهو مما تتوفر الدواعى على نقله، وتفردت بنقله امرأة من أهل البيت مجهولة لا يعرف حالها. انتهى. ويحتمل الجمع: بأن المعنى لم تحبس الشمس على أحد من الأنبياء غيرى إلا ليوشع، والله أعلم.

وكذا روى حبس الشمس لنبينا- صلى الله عليه وسلم أيضا يوم الخندق، حين شغل عن صلاة العصر، فيكون حبس الشمس مخصوصا بنبينا- صلى الله عليه وسلم وبيوشع، كما ذكره القاضى عياض فى الإكمال، وعزاه لمشكل الآثار، ونقله النووى فى شرح مسلم فى باب حل الغنائم عن عياض وكذا الحافظ ابن حجر فى باب الأذان فى تخريج أحاديث الرافعى ومغلطاى فى الزهر الباسم، وأقروه.

وتعقب: بأن الثابت فى الصحيح وغيره: أنه- صلى الله عليه وسلم صلى العصر فى وقعة الخندق بعد ما غربت الشمس. كما سبق فى غزوتها. وذكر البغوى فى

(1) انظر «الشفا» للقاضى عياض (1/ 284) .

ص: 260

تفسيره: أنها حبست لسليمان- عليه السلام أيضا، لقوله: رُدُّوها عَلَيَّ «1» .

ونوزع فيه بعدم ذكر الشمس فى الآية، فالمراد: الصافنات الجياد والله أعلم.

قال القاضى عياض: واختلف فى حبس الشمس المذكور هنا، فقيل:

ردت على أدراجها وقيل: وقفت ولم ترد، وقيل: بطء حركتها. قال: وكل ذلك من معجزات النبوة. انتهى.

وأما ما روى من طاعات الجمادات وتكليمها له بالتسبيح والسلام ونحو ذلك مما وردت به الأخبار، فمنها تسبيح الطعام والحصى فى كفه الشريف- صلى الله عليه وسلم «2» . فخرج محمد بن يحيى الذهلى فى الزهريات قال:

أخبرنا أبو اليمان قال: حدثنا شعيب عن الزهرى قال: ذكر الوليد بن سويدان رجلا من بنى سليم كبير السن كان ممن أدرك أبا ذر بالربذة: عن أبى ذر قال:

هجرت يوما من الأيام، فإذا النبى- صلى الله عليه وسلم قد خرج من بيته فسألت عنه الخادم فأخبرنى أنه ببيت عائشة، فأتيته وهو جالس ليس عنده أحد من الناس، وكأنى حينئذ أرى أنه فى وحى، فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال:

«ما جاء بك؟» قلت: الله ورسوله، فأمرنى أن أجلس فجلست إلى جنبه، لا أسأله عن شىء ولا يذكره لى، فمكثت غير كثير، فجاء أبو بكر يمشى مسرعا فسلم عليه، فرد عليه السلام، ثم قال:«ما جاء بك؟» قال: جاء بى الله ورسوله، فأشار بيده أن اجلس، فجلس إلى ربوة مقابل النبى- صلى الله عليه وسلم، ثم جاء عمر ففعل مثل ذلك، ثم قال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، وجلس إلى جنب أبى بكر، ثم جاء عثمان كذلك وجلس إلى جنب عمر، ثم قبض رسول الله- صلى الله عليه وسلم على حصيات سبع أو تسع أو ما قرب من ذلك، فسبحان فى يده، حتى سمع لهن حنين كحنين النحل فى كف رسول الله- صلى الله عليه وسلم، ثم ناولهن أبا بكر، وجاوزنى، فسبحان فى كف أبى بكر، ثم أخذهن منه فوضعهن فى الأرض فخرسن وصرن حصى، ثم ناولهن عمر، فسبحان فى

(1) سورة ص: 33.

(2)

انظر «دلائل النبوة» للبيهقى (6/ 64) .

ص: 261

كفه، كما سبحان فى كف أبى بكر، ثم أخذهن منه فوضعهن فى الأرض فخرسن، ثم ناولهن عثمان فسبحان فى كفه، كما سبحان فى كف أبى بكر وعمر، ثم أخذهن فوضعهن فى الأرض فخرسن «1» .

وقال الحافظ ابن حجر: قد اشتهر على الألسنة تسبيح الحصى. ففى حديث أبى ذر قال: تناول النبى- صلى الله عليه وسلم سبع حصيات فسبحان فى يده حتى سمعت لهن حنينا، ثم وضعهن فى يد أبى بكر فسبحان، ثم وضعهن فى يد عمر فسبحان، ثم وضعهن فى يد عثمان فسبحان «2» ، أخرجه البزار، والطبرانى فى الأوسط.

وفى رواية الطبرانى: فسمع تسبيحهن من فى الحلقة، ثم دفعهن إلينا فلم يسبحان مع أحد منا، قال البيهقى فى «الدلائل» «3» : كذا رواه صالح بن أبى الأخضر- ولم يكن بالحافظ- عن الزهرى عن سويد بن يزيد السلمى عن أبى ذر. والمحفوظ ما رواه شعيب عن أبى حمزة عن الزهرى قال: ذكر الوليد ابن سويد أن رجلا من بنى سليم كان كبير السن، انتهى. وليس لحديث تسبيح الحصى إلا هذه الطريق الواحدة مع ضعفها، لكنه مشهور عند الناس.

وما أحسن قول سيدى محمد وفا- رحمه الله تعالى- حيث قال:

لسبحة ذاك الوجه قد سبح الحصا

ومن سح سحب الكف قد سبح الرعد

وقال الآخر:

يا حبذا لو لثمت كفا

قد سبحت وسطها الحصاء

وقد أخرج البخارى من حديث ابن مسعود: كنا نأكل مع النبى- صلى الله عليه وسلم الطعام، ونحن نسمع تسبيح الطعام «4» . وعن جعفر بن محمد عن أبيه

(1) ذكره ابن عساكر فى «تهذيب تاريخ دمشق» (2/ 108) ، والقاضى عياض فى «الشفا» له (1/ 306) .

(2)

ذكره الهيثمى فى «المجمع» (8/ 299) وقال: رواه البزار بإسنادين ورجال أحدهما ثقات، وفى بعضهم ضعف.

(3)

(6/ 65) .

(4)

صحيح: أخرجه البخارى (3579) فى المناقب، باب: علامات النبوة فى الإسلام.

ص: 262

قال: مرض النبى- صلى الله عليه وسلم فأتاه جبريل بطبق فيه رمان وعنب فأكل منه النبى- صلى الله عليه وسلم فسبح «1» . رواه القاضى عياض فى «الشفاء» ونقله عنه الحافظ أبو الفضل فى فتح البارى.

واعلم أن التسبيح من قبيل الألفاظ الدالة على معنى التنزيه. واللفظ يوجد حقيقة ممن قام به اللفظ، فيكون فى غير من قام به مجازا، فالطعام والحصا والشجر ونحو ذلك، كل منها متكلم باعتبار خلق الكلام فيها حقيقة، وهذا من قبيل خرق العادة. وفى قوله:«ونحن نسمع تسبيحه» تصريح بكرامة الصحابة لسماع هذا التسبيح وفهمه وذلك ببركته- صلى الله عليه وسلم.

ومن ذلك تسليم الحجر عليه- صلى الله عليه وسلم: خرج مسلم من حديث جابر بن سمرة قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «إنى لأعرف حجرا بمكة كان يسلم على قبل أن أبعث، إنى لأعرفه الآن» «2» . وقد اختلف فى هذا الحجر، فقيل: هو الحجر الأسود، وقيل: حجر غيره بزقاق يعرف به بمكة، والناس يتبركون بلمسه، ويقولون: إنه هو الذى كان يسلم على النبى- صلى الله عليه وسلم متى اجتاز به.

وقد ذكر الإمام أبو عبد الله، محمد بن رشيد- بضم الراء- فى رحلته مما ذكره فى «شفاء الغرام» عن علم الدين أحمد بن أبى بكر بن خليل قال:

أخبرنى عمى سليمان قال: أخبرنى محمد بن إسماعيل بن أبى الصيف قال:

أخبرنى أبو حفص الميانشى قال: أخبرنى كل من لقيته بمكة أن هذا الحجر- يعنى المذكور- هو الذى كلم النبى- صلى الله عليه وسلم.

وروى الترمذى والدارمى والحاكم وصححه، عن على بن أبى طالب قال: كنت أمشى مع النبى- صلى الله عليه وسلم بمكة فخرجنا فى بعض نواحيها، فما استقبله شجر ولا حجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله «3» . وعن عائشة

(1) لا أصل له: والحديث ذكره القاضى عياض فى «الشفا» (1/ 307) .

(2)

صحيح: أخرجه مسلم (2277) فى الفضائل، باب: فضل نسب النبى- صلى الله عليه وسلم وتسليم الحجر عليه قبل النبوة.

(3)

إسناده ضعيف: أخرجه الترمذى (3626) فى المناقب، باب: فى آيات إثبات نبوة النبى- صلى الله عليه وسلم، والدارمى فى «سننه» (21) ، والحاكم فى «المستدرك» (2/ 677) ، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن الترمذى» .

ص: 263

قالت: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «لما استقبلنى جبريل بالرسالة جعلت لا أمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله» «1» رواه البزار وأبو نعيم. وعن جابر بن عبد الله قال: لم يكن النبى- صلى الله عليه وسلم يمر بحجر ولا شجر إلا سجد له «2» .

ومن ذلك: تأمين أسكفة الباب وحوائط البيت على دعائه- صلى الله عليه وسلم، عن أبى أسيد الساعدى قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم للعباس بن عبد المطلب: «يا أبا الفضل، لا ترم منزلك أنت وبنوك غدا حتى آتيكم، فإن لى فيكم حاجة» .

فانتظروه حتى جاء بعد ما أضحى، فدخل عليهم فقال:«السلام عليكم» ، فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، قال:«كيف أصبحتم؟» قالوا:

أصبحنا بخير بحمد الله، فقال لهم:«تقاربوا» فتقاربوا يزحف بعضهم إلى بعض، حتى إذا أمكنوه اشتمل عليهم بملاءته فقال:«يا رب، هذا عمى، وصنو أبى، وهؤلاء أهل بيتى فاسترهم من النار كسترى إياهم بملاءتى هذه، قال: فأمنت أسكفة الباب وحوائط البيت فقال: آمين آمين آمين» «3» رواه البيهقى فى الدلائل وابن ماجه مختصرا.

ومن ذلك كلامه للجبل وكلام الجبل له- صلى الله عليه وسلم، عن أنس قال: صعد النبى- صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان أحدا، فرجف بهم، فضربه النبى- صلى الله عليه وسلم برجله وقال:«اثبت أحد، فإنما عليك نبى وصديق وشهيدان» «4» رواه أحمد والبخارى والترمذى وأبو حاتم. قال ابن المنير: قيل الحكمة فى ذلك أنه لما رجف أراد رسول الله- صلى الله عليه وسلم أن يبين أن هذه الرجفة ليست من جنس

(1) إسناده ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (8/ 260) وقال: رواه البزار عن شيخه عبد الله بن شبيب، وهو ضعيف.

(2)

أخرجه البيهقى فى «دلائل النبوة» (6/ 69) .

(3)

أخرجه الطبرانى فى «الكبير» (19/ 263) .

(4)

صحيح: أخرجه البخارى (3686) فى المناقب، باب: مناقب عمر بن الخطاب أبى حفص القرشى العدوى- رضى الله عنه-، وأبو داود (4651) فى السنة، باب: فى الخلفاء، والترمذى (3697) فى المناقب، باب: فى مناقب عثمان بن عفان- رضى الله عنه-.

ص: 264

رجفة الجبل بقوم موسى لما حرفوا الكلم، وأن تلك رجفة الغضب، وهذه هزة الطرب، ولهذا نص على مقام النبوة والصديقية والشهادة التى توجب سرور ما اتصلت به لا رجفانه، فأقر الجبل بذلك فاستقر، انتهى.

وأحد: جبل بالمدينة، وهو الذى قال فيه:«أحد جبل يحبنا ونحبه» «1» .

رواه البخارى ومسلم. واختلف فى المراد بذلك، فقيل: أراد به أهل المدينة، كما قال تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ «2» . أى أهلها، قاله الخطابى، وقال البغوى فيما حكاه الحافظ المنذرى: الأولى إجراؤه على ظاهره، ولا ينكر وصف الجمادات بحب الأنبياء والأولياء، وأهل الطاعة، كما حنت الأسطوانة على مفارقته- صلى الله عليه وسلم حتى سمع الناس حنينها إلى أن سكنها، وكما أخبر أن حجرا كان يسلم عليه قبل الوحى، فلا ينكر أن يكون جبل أحد وجميع أجزاء المدينة تحبه وتحن إلى لقائه حالة مفارقته إياها. انتهى.

وقال الحافظ المنذرى: هذا الذى قاله البغوى جيد. وعن ثمامة عن عثمان بن عفان أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم كان على ثبير مكة، ومعه أبو بكر وعمر وأنا، فتحرك الجبل حتى تساقطت حجارته بالحضيض، فركله برجله وقال:«اسكن ثبير، فإنما عليك نبى وصديق وشهيدان» «3» . خرجه النسائى والترمذى والدارقطنى.

والحضيض: القرار من الأرض عند منقطع الجبل. وركله برجله: أى ضربه بها. وعن أبى هريرة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة، فقال- صلى الله عليه وسلم:

(1) صحيح: أخرجه البخارى (2889) فى الجهاد والسير، باب: فضل الخدمة فى الغزو، ومسلم (1365) فى الحج، باب: فضل المدينة، و (1393) فى الحج، باب: أحد جبل يحبنا ونحبه، من حديث أنس- رضى الله عنه-.

(2)

سورة يوسف: 82.

(3)

حسن: أخرجه الترمذى (3703) فى المناقب، باب: فى مناقب عثمان بن عفان- رضى الله عنه-، والنسائى (6/ 236) فى الأحباس، باب: وقف المساجد، وفى «الكبرى» (6435) ، والدار قطنى فى «سننه» (4/ 196 و 197) ، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .

ص: 265

«اسكن حراء، فما عليك إلا نبى أو صديق أو شهيد» «1» . وفى رواية: وسعد ابن أبى وقاص، ولم يذكر عليّا. خرجهما مسلم وانفرد بذلك. وخرجه الترمذى فى مناقب عثمان، ولم يذكر «سعدا» وقال:«اهدأ» مكان «اسكن» وقال: حديث صحيح. وخرجه الترمذى أيضا عن سعيد بن زيد وذكر أنه كان عليه العشرة إلا أبا عبيدة «2» . وقال: اثبت حراء. وكذا رواه الخلعى عنه بنحوه، ولم يذكر أبا عبيدة بن الجراح. ورواه أيضا إسحاق البغدادى فيما رواه الكبار عن الصغار، والآباء عن الأبناء، ولله در القائل:

ومال حراء من تحته فرحا به

لولا مقال «اسكن» تضعضع وانقضا

وحراء وثبير: جبلان متقابلان معروفان بمكة. واختلاف الروايات تحمل على أنها قضايا تكررت. قاله الطبرى وغيره. لكن صحح الحافظ ابن حجر:

أنه «أحد» قال: ولولا اتحاد المخرج لجوزت تعدد القصة، ثم ظهر لى أن الاختلاف فيه من سعيد، فإنى وجدته فى مسند الحارث بن أبى أسامة عن روح بن عبادة فقال فيه:«أحد» أو «حراء» بالشك. وقد أخرجه أحمد من حديث بريدة «3» بلفظ حراء وإسناده صحيح. وأخرجه أبو يعلى من حديث سهل بن سعد بلفظ «أحد» وإسناده صحيح فقوى احتمال تعدد القصة.

وأخرج مسلم «4» من حديث أبى هريرة ما يؤيد تعدد القصة، فذكر أنه كان على حراء ومعه المذكورون هنا وزاد معهم غيرهم. ولما طلبته- صلى الله عليه وسلم قريش قال له ثبير: اهبط يا رسول الله فإنى أخاف أن يقتلوك على ظهرى فيعذبنى الله، فقال له حراء: إلى يا رسول الله رواه فى «الشفاء» وهو حديث مروى فى الهجرة من السيرة. وحراء مقابل لثبير، والوادى بينها، وهو على يسار السالك إلى منى، وحراء قبلى ثبير مما يلى شمال الشمس. وهذه الواقعة غير واقعة ثور فى خبر الهجرة. هذا هو الظاهر والله أعلم.

(1) صحيح: أخرجه مسلم (2417) فى فضائل الصحابة، باب: فضائل طلحة والزبير- رضى الله عنهما-.

(2)

قلت: هو عند أحمد فى «مسنده» (1/ 187 و 188) .

(3)

أخرجه أحمد فى «المسند» (5/ 346) .

(4)

صحيح: وقد تقدم حديث مسلم قبل حديثين.

ص: 266

قال السهيلى فى حديث الهجرة: وأحسب فى الحديث أن ثورا ناداه أيضا، لما قال له ثبير: اهبط عنى. ومن ذلك كلام الشجر له وسلامها عليه وطواعيتها له، وشهادتها له بالرسالة- صلى الله عليه وسلم. أخرج البزار وأبو نعيم من حديث عائشة قالت: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «لما أوحى إلى جعلت لا أمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله» «1» .

وأخرج الإمام أحمد عن أبى سفيان طلحة بن نافع عن جابر قال: جاء جبريل إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو جالس حزين، قد خضب بالدماء، ضربه بعض أهل مكة، فقال له: ما لك؟ فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «فعل بى هؤلاء وفعلوا» ، فقال له جبريل: أتحب أن أريك آية؟

فقال: «نعم» ، قال: فنظر إلى شجرة من وراء الوادى فقال: ادع تلك الشجرة فدعاها، قال فجاءت تمشى حتى قامت بين يديه، فقال: مرها فلترجع إلى مكانها، فأمرها فرجعت إلى مكانها، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم:«حسبى حسبى» «2» ، ورواه الدارمى من حديث أنس.

وعن على قال: كنت مع النبى- صلى الله عليه وسلم بمكة، فخرجنا فى بعض نواحيها، فما استقبله جبل ولا شجر إلا وهو يقول السلام عليك يا رسول الله «3» ، رواه الترمذى وقال: حديث حسن غريب.

وخرج الحاكم فى مستدركه بإسناد جيد عن ابن عمر قال: كنا مع النبى- صلى الله عليه وسلم فى سفر فأقبل أعرابى، فلما دنا منه قال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم:«أين تريد» قال: إلى أهلى، قال:«هل لك إلى خير» ، قال: وما هو؟ قال:

«تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله» قال:

هل لك من شاهد على ما تقول؟ قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «هذه الشجرة»

(1) تقدم.

(2)

قلت: هو عند ابن ماجه (4028) فى الفتن، باب: الصبر على البلاء، والدارمى فى «سننه» (23) ، وأحمد فى «المسند» (3/ 113) من حديث أنس- رضى الله عنه-، ولم أقف عليه من حديث جابر كما قال المصنف، ولعله وهم. وإسناده صحيح.

(3)

ضعيف: وقد تقدم قريبا.

ص: 267

فدعاها رسول الله- صلى الله عليه وسلم وهى على شاطئ الوادى فأقبلت تخد الأرض خدا، فقامت بين يديه فاستشهدها ثلاثا فشهدت، ثم رجعت إلى منبتها «1» ، الحديث. ورواه الدارمى أيضا بنحوه.

وقوله: تخد- بضم الخاء المعجمة وتشديد الدال المهملة- أى تشق الأرض. وعن بريدة: سأل أعرابى النبى- صلى الله عليه وسلم آية، فقال له:«قل لتلك الشجر رسول الله يدعوك» ، قال: فمالت الشجرة عن يمينها وشمالها، وبين يديها وخلفها، فتقطعت عروقها ثم جاءت تخد الأرض تجر عروقها مغيرة حتى وقفت بين يدى رسول الله- صلى الله عليه وسلم فقالت: السلام عليك يا رسول الله، فقال الأعرابى: مرها فلترجع إلى منبتها، فرجعت فدلت عروقها فى ذلك الموضع فاستقرت. فقال الأعرابى: ائذن لى أن أسجد لك، قال:«لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» رواه البزار فى الشفاء.

وعن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال: جاء أعرابى إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم فقال: بم أعرف أنك رسول الله؟ قال: «إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة، أتشهد أنى رسول الله؟» قال: نعم فدعاه رسول الله فجعل ينزل من النخلة حتى سقط إلى النبى- صلى الله عليه وسلم، ثم قال:«ارجع» فعاد، فأسلم الأعرابى «2» ، رواه الترمذى وصححه.

وفى حديث يعلى بن مرة الثقفى: ثم سرنا حتى نزلنا منزلا فنام النبى- صلى الله عليه وسلم، فجاءت شجرة تشق الأرض حتى غشيته ثم رجعت إلى مكانها، فلما استيقظ رسول الله- صلى الله عليه وسلم ذكرت له، فقال:«هى شجرة استأذنت ربها أن تسلم على فأذن لها» «3» الحديث رواه البغوى فى شرح السنة.

(1) رجاله ثقات: أخرجه الدارمى فى «سننه» (16) ، وابن حبان فى «صحيحه» (6505) ، والطبرانى فى «الكبير» (12/ 431) ، وأبو يعلى فى «مسنده» (5662)، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: رجاله ثقات.

(2)

صحيح: أخرجه الترمذى (3628) فى المناقب، باب: فى آيات إثبات نبوة النبى- صلى الله عليه وسلم، والحاكم فى «مستدركه» (2/ 676) ، والطبرانى فى «الكبير» (12/ 110) ، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .

(3)

أخرجه أحمد فى «المسند» (4/ 173) ، وعبد بن حميد فى «منتخبه» (405) .

ص: 268

وفى حديث جابر بن عبد الله: سرنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم حتى نزلنا واديا أفيح، فذهب رسول الله- صلى الله عليه وسلم يقضى حاجته، فاتبعته بإداوة من ماء، فنظر رسول الله- صلى الله عليه وسلم فلم ير شيئا يستتر به، فإذا شجرتان فى شاطئ الوادى فانطلق رسول الله- صلى الله عليه وسلم إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها فقال:«انقادى على بإذن الله» فانقادت معه كالبعير المخشوش «1» الذى يصانع قائده، ثم فعل بالآخرى كذلك، حتى إذا كان بالمنصب بينهما قال:«التئما على بإذن الله فالتأمتا» «2» الحديث رواه مسلم. والمنصف: - بفتح الميم- الموضع الوسط بين الموضعين. والتلاؤم: الاجتماع. ولله در الأبوصيرى حيث قال:

جاءت لدعوته الأشجار ساجدة

تمشى إليه على ساق بلا قدم

كأنما سطرت سطرا لما كتبت

فروعها من بديع الخط فى اللقم

فشبه آثار مشى الشجر لما جاءت إليه- صلى الله عليه وسلم بكتابة كاتب أوقعها على نسبة معلومة فى أسطر منظومة.

وإذا كانت الأشجار تبادر لامتثال أمره- صلى الله عليه وسلم حتى تخر ساجدة بين يديه، فنحن أولى بالمبادرة لامتثال ما دعا إليه زاده الله شرفا لديه.

وتأمل قول الأعرابى: «ائذن لى أن أسجد لك» لما رأى من سجود الشجرة، فرأى أنه أحرى بذلك، حتى أعلمه- صلى الله عليه وسلم أن ذلك لا يكون إلا لله، فحق على كل مؤمن أن يلازم السجود للحق المعبود، ويقوم على ساق العبودية، وإن لم يكن له قدم كما قامت الشجرة.

ومن ذلك: حنين الجذع شوقا إليه «3» . اعلم أن «الحنين» مصدر مضاف

(1) البعير المخشوش: هو الذى وضع فى أنفه عود خشاش من خشب لينقاد بسهولة.

(2)

صحيح: وهو جزء من حديث طويل أخرجه مسلم (3012) فى الزهد والرقائق باب: حديث جابر الطويل.

(3)

صحيح: والحديث أخرجه البخارى (3583) فى المناقب، باب: علامات النبوة فى الإسلام، من حديث ابن عمر- رضى الله عنهما-.

ص: 269

إلى الفاعل. والمراد: شوقه وانعطافه إلى النبى- صلى الله عليه وسلم، والذى فى الأحاديث المسوقة هنا أنه صوت، ولعل المراد منه الدلالة على الشوق، أى الصوت الدال على شوقه إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم. والجذع: واحد جذوع النخل، وهو بالذال المعجمة. وقد روى حديث حنين الجذع عن جماعة من الصحابة من طرق كثيرة تفيد القطع بوقوع ذلك.

قال العلامة التاج ابن السبكى فى شرحه لمختصر ابن الحاجب:

والصحيح عندى أن حنين الجذع متواتر: رواه البخارى عن نافع عن ابن عمر. ورواه أحمد من رواية أبى جناب عن أبيه عن ابن عمر.

ورواه ابن ماجه وأبو يعلى الموصلى وغيرهما من رواية حماد بن سلمة، عن ثابت عن أنس، وإسناده على شرط مسلم. ورواه الترمذى وصححه، وأبو يعلى وابن خزيمة والطبرانى والحاكم وصححه وقال: على شرط مسلم، يلزمه إخراجه من رواية إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة عن أنس. ورواه الطبرانى من رواية الحسن عن أنس. ورواه أحمد وابن منيع والطبرانى وغيرهم من رواية حماد بن سلمة عن عمار بن أبى عامر عن ابن عباس.

ورواه أحمد والدارمى وأبو يعلى وابن ماجه وغيرهم من رواية الطفيل بن أبى كعب عن أبيه. ورواه الدارمى من رواية أبى حازم عن سهل بن سعد.

ورواه أبو محمد الجوهرى من رواية عبد العزيز أبى رواد عن نافع عن تميم الدارى.

ثم قال: ولست أدعى أن التواتر حاصل بما عددت من الطريق، بل من طرق أخرى كثيرة يجدها المحدث ضمن المسانيد والأجزاء وغيرها، وإنما ذكرت فى المشاهد منها أو فى بعضها، ورب متواتر عند قوم غير متواتر عند آخرين. انتهى.

وقال الحافظ ابن حجر: فى فتح البارى، حنين الجذع وانشقاق القمر نقل كل منهما نقلا مستفيضا يفيد القطع عند من يطلع على طرق الحديث دون غيرهم ممن لا ممارسة له فى ذلك، والله أعلم، انتهى.

ص: 270

وقال البيهقى: قصة حنين الجذع من الأمور الظاهرة التى حملها الخلف عن السلف، انتهى. وهذه الآية من أكبر الآيات والمعجزات الدالة على نبوة نبينا- صلى الله عليه وسلم. قال الشافعى- فيما نقله ابن أبى حاتم عنه، فى مناقبه-: ما أعطى الله نبيّا ما أعطى نبينا محمدا- صلى الله عليه وسلم، فقيل له: أعطى عيسى إحياء الموتى، قال: أعطى محمد حنين الجذع حتى سمع صوته، فهو أكبر من ذلك. وقال القاضى عياض: حديث حنين الجذع مشهور منتشر، والخبر به متواتر، أخرجه أهل الصحيح، ورواه من الصحابة بضعة عشر، منهم: أبى ابن كعب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وسهل بن سعد، وأبو سعيد الخدرى، وبريدة، وأم سلمة، والمطلب بن أبى وداعة، انتهى.

فأما حديث أبى، فرواه الشافعى من حديث الطفيل بن أبى بن كعب عن أبيه، قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم يصلى إلى جذع إذ كان المسجد عريشا، وكان يخطب إلى ذلك الجذع، فقال رجل من أصحابه: هل لك أن نجعل لك منبرا تقوم عليه يوم الجمعة، وتسمع الناس خطبتك؟ قال:«نعم» فصنع له ثلاث درجات، هى التى على المنبر، فلما صنع وضعه رسول الله- صلى الله عليه وسلم موضعه الذى هو فيه، فكان إذا بدا لرسول الله- صلى الله عليه وسلم أن يخطب عليه، تجاوز الجذع الذى كان يخطب عليه، خار حتى تصدع وانشق، فنزل رسول الله- صلى الله عليه وسلم لما سمع صوت الجذع فمسحه بيده ثم رجع إلى المنبر، الحديث.

وأما حديث جابر، فرواه البخارى من طرق، وفى لفظ له: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار، أو رجل من الأنصار: ألا نجعل لك منبرا؟ قال: «إن شئتم» فجعلوا له منبرا، فلما كان يوم الجمعة رفع إلى المنبر، فصاحت النخلة فنزل رسول الله- صلى الله عليه وسلم وضمها إليه فجعلت تئن أنين الصبى الذى يسكن، قال:«كانت تبكى على ما كانت تسمع من الذكر عندها» «1» .

(1) صحيح: والحديث عند البخارى (3584 و 3585) فيما سبق، من حديث جابر- رضى الله عنه-.

ص: 271

وفى لفظ: قال جابر بن عبد الله: كان المسجد مسقوفا على جذوع نخل، فكان النبى- صلى الله عليه وسلم إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر سمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار- وهو بكسر العين: النوق الحوامل- وفى حديث أبى الزبير عن جابر- عند النسائى فى الكبرى-: اضطربت تلك السارية كحنين الناقة الخلوج. انتهى. والخلوج: - بفتح الخاء المعجمة، وضم اللام الخفيفة وآخره جيم- الناقة التى انتزع منها ولدها. والحنين: صوت المتألم المشتاق عند الفراق.

وإنما يشتاق إلى بركة الرسول ويتأسف على مفارقته أعقل العقلاء.

والعقل والحنين بهذا الاعتبار يستدعى الحياة، وهذا يدل على أن الله عز وجل خلق فيه الحياة والعقل والشوق ولهذا حنّ وأنّ. فإن قيل: مذهب الشيخ أبى الحسن الأشعرى: أن الأصوات لا يستلزم خلقها فى المحل خلق الحياة ولا العقل.

أجيب: بأنه كذلك، ونحن لم نجعل الحياة لازمة، إلا أن الشوق إلى الحق شوقا معنويّا عقليّا لا طبيعيا بهيميّا. ومذهب الشيخ أبى الحسن أن الذكر المعنوى والكلام النفسى يستلزمان الحياة استلزام العلم لها. وقد بينا أن هذه المعانى وجدت فى الجذع، وأطلق الحاضرون حينئذ على صوته أنه حنين، وفهموا أنه شوق إلى الذكر وإلى مقام الحبيب عنده، وقد عامله النبى- صلى الله عليه وسلم هذه المعاملة، فالتزمه كما يلتزم الغائب أهله وأعزته يبرد غليل شوقهم إليه وأسفهم عليه، ولله در القائل:

وحن إليه الجذع شوقا ورقة

ورجع صوتا كالعشار مرددا

فبادره ضما فقر لوقته

لكل امرئ من دهره ما تعودا

وأما حديث أنس، فرواه أبو يعلى الموصلى بلفظ: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم كان يوم الجمعة يسند ظهره إلى جذع منصوب فى المسجد يخطب الناس، فجاءه رومى فقال: ألا أصنع لك شيئا تقعد عليه كأنك قائم؟ فصنع له منبرا له درجتان ويقعد على الثالثة، فلما قعد رسول الله- صلى الله عليه وسلم على المنبر

ص: 272

جأر الجذع كجؤر الثور، حتى ارتج المسجد لجؤاره حزنا على رسول الله- صلى الله عليه وسلم فنزل إليه رسول الله- صلى الله عليه وسلم عن المنبر فالتزمه وهو يجأر، فلما التزمه سكت. ثم قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم:«والذى نفس محمد بيده، لو لم ألتزمه لما زال هكذا حتى تقوم الساعة حزنا على رسول الله- صلى الله عليه وسلم، فأمر به- صلى الله عليه وسلم فدفن» «1» ورواه الترمذى وقال: صحيح غريب.

وكذا رواه ابن ماجه والإمام أحمد من طريق الحسن عن أنس ولفظه:

كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم إذا خطب يوم الجمعة يسند ظهره إلى خشبة، فلما كثر الناس قال:«ابنوا لى منبرا» أراد أن يسمعهم، فبنوا له عتبتين، فتحول من الخشبة إلى المنبر، قال: فأخبر أنس بن مالك أنه سمع الخشبة تحن حنين الواله، قال: فما زالت تحن حتى نزل رسول الله- صلى الله عليه وسلم عن المنبر فمشى إليها فاحتضنها فسكتت.

ورواه أبو القاسم البغوى وزاد فيه: فكان الحسن إذا حدث بهذا الحديث بكى ثم قال: يا عباد الله الخشبة تحن إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم شوقا إليه لمكانه من الله، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه.

ولله در القائل:

وألقى حتى فى الجمادات حبه

فكانت لإهداء السلام له تهدى

وفارق جذعا كان يخطب عنده

فأنّ أنين الأم إذ تجد الفقدا

يحن إليه الجذع يا قوم هكذا

أما نحن أولى أن نحنّ له وجدا

إذا كان جذع لم يطق بعد ساعة

فليس وفاء أن نطيق له بعدا

وأما حديث سهل بن سعد، ففى الصحيحين من طرق. وأما حديث

(1) صحيح: أخرجه الترمذى (3627) فى المناقب، باب: فى آيات إثبات نبوة النبى- صلى الله عليه وسلم، وابن ماجه (1415) فى إقامة الصلاة، باب: ما جاء فى بدء شأن المنبر، وأحمد فى «المسند» (1/ 266 و 363) ، وأبو يعلى فى «مسنده» (3384) ، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .

ص: 273

ابن عباس فعند الإمام أحمد بإسناد على شرط مسلم، ورواه ابن ماجه. وأما حديث ابن عمر، ففى البخارى. وأما حديث أبى سعيد الخدرى، فعند عبد ابن حميد. وأما حديث عائشة، فعند البيهقى وفى آخره: أنه خير الجذع بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة. وأما حديث بريدة، فعند الدارمى وفيه: أن النبى- صلى الله عليه وسلم قال: «إن شئت أردك إلى الحائط الذى كنت فيه تنبت لك عروقك ويكمل خلقك، ويجدد لك خوص وثمرة، وإن شئت أغرسك فى الجنة فيأكل أولياء الله من ثمرك؟» ثم أصغى له النبى- صلى الله عليه وسلم ليسمع ما يقول، فقال: بل تغرسنى فى الجنة فيأكل منى أولياء الله وأكون فى مكان لا أبلى فيه، فسمعه من يليه، فقال النبى- صلى الله عليه وسلم:«قد فعلت» ثم قال: «اختار دار البقاء على دار الفناء» «1» . وأما حديث أم سلمة، فعند أبى نعيم فى الدلائل. والقصة واحدة، وما فى ألفاظها مما ظاهره التغاير هو من الرواة.

وعند التحقيق ترجع إلى معنى واحد، فلا نطيل بذكر ذلك والله أعلم.

وأما كلام الحيوانات وطاعتها له- صلى الله عليه وسلم:

فمنها: سجود الجمل وشكواه إليه- صلى الله عليه وسلم «2» . عن أنس بن مالك- رضى الله عنه- قال: كان أهل بيت من الأنصار لهم جمل يسنون عليه، وأنه استصعب عليهم فمنعهم ظهره، وأن الأنصار جاؤا إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنه كان لنا جمل نسنى عليه، وإنه استصعب علينا ومنعنا ظهره، وقد عطش النخل والزرع، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم لأصحابه:«قوموا» فقاموا فدخل الحائط، والجمل فى ناحية فمشى رسول الله- صلى الله عليه وسلم نحوه، فقالت الأنصار: يا رسول الله، قد صار مثل الكلب الكلب، وإنا نخاف عليك صولته، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم:«ليس على منه بأس» فلما نظر الجمل إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم أقبل نحوه حتى خر ساجدا بين يديه، فأخذ رسول الله- صلى الله عليه وسلم بناصيته أذل ما كان قط، حتى أدخله فى العمل، فقال له أصحابه: يا رسول الله، هذه بهيمة لا تعقل تسجد لك ونحن نعقل فنحن أحق أن نسجد

(1) تقدمت هذه الأحاديث.

(2)

أخرجها البيهقى فى «دلائل النبوة» (6/ 28) .

ص: 274

لك، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم:«لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، لو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها» «1» ، رواه أحمد والنسائى. والحائط: هو البستان. وقوله: نسنى عليه: - بالنون والسين المهملة- أى نستقى عليه. وفى حديث يعلى بن مرة الثقفى: بينا نحن نسير مع النبى- صلى الله عليه وسلم إذ مررنا ببعير يسنى عليه، فلما رآه البعير جرجر، فوضع جرانه، فوقف عليه النبى- صلى الله عليه وسلم فقال:«أين صاحب هذا البعير» ، فجاءه، فقال:«بعنيه» ، فقال: بل نهبه لك يا رسول الله، وإنه لأهل بيت ما لهم معيشة غيره، فقال:«أما إذ ذكرت هذا من أمره، فإنه شكا كثرة العمل، وقلة العلف، فأحسنوا إليه» «2» رواه البغوى فى شرح السنة.

والجران: بكسر الجيم، قال ابن فارس: مقدم عنق البعير من مذبحه إلى منحره. وروى الإمام أحمد قصة أخرى نحو ما تقدم من حديث جابر ضعيفة السند، والبيهقى بإسناد جيد. وكذا روى الطبرانى قصة أخرى عن عكرمة عن ابن عباس: لكن بإسناد ضعيف. والإمام أحمد أيضا من حديث يعلى بن مرة.

وأخرج ابن شاهين فى الدلائل عن عبد الله بن جعفر- رضى الله عنهما- قال:

أردفنى رسول الله- صلى الله عليه وسلم ذات يوم خلفه فأسر إلى حديثا لا أحدث به أحدا من الناس، قال: وكان أحب ما استتر به النبى- صلى الله عليه وسلم لحاجته هدف أو حائش نخل، فدخل حائط رجل من الأنصار، فإذا جمل، فلما رأى النبى- صلى الله عليه وسلم حنّ فذرفت عيناه، فأتاه النبى- صلى الله عليه وسلم فمسح ذفراه، وفى رواية فسكن، ثم قال:«من رب هذا الجمل؟» فجاء فتى من الأنصار فقال: هذا لى يا رسول الله، فقال: «ألا تتقى الله فى هذه البهيمة التى ملكك الله إياها،

(1) أخرجه أحمد فى «المسند» (3/ 158)، وذكره الهيثمى فى «المجمع» (9/ 4) وقال: رواه أحمد والبزار، ورجاله رجال الصحيح غير حفص ابن أخى أنس، وهو ثقة.

(2)

أخرجه أحمد فى «المسند» (4/ 170 و 173) ، وذكره الهيثمى فى «المجمع» (9/ 5، 6) وقال: رواه أحمد بإسنادين والطبرانى بنحوه، وأحد إسنادى أحمد رجاله رجال الصحيح.

ص: 275

فإنه شكا إلى أنك تجيعه وتدئبه» «1» قال فى المصابيح: وهو حديث صحيح، قال: ورواه أبو داود عن موسى بن إسماعيل عن مهدى بن ميمون.

والحائش: - بالحاء المهملة وبالشين المعجمة ممدودا- هو جماعة النخل، لا واحد له من لفظه. وقوله: ذفران: تثنية ذفرا، بكسر الذال المعجمة مقصور، وهو الموضع الذى يعرف من قفا البعير عند أذنه.

ومنها: سجود الغنم له- صلى الله عليه وسلم، عن أنس بن مالك قال: دخل رسول الله- صلى الله عليه وسلم حائطا للأنصار ومعه أبو بكر وعمر ورجل من الأنصار، وفى الحائط غنم فسجدت له، فقال أبو بكر: يا رسول الله، نحن أحق بالسجود لك من هذه الغنم، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم:«لا ينبغى لأحد أن يسجد لأحد» «2» رواه أبو محمد عبد الله بن حامد الفقيه فى كتاب دلائل النبوة بإسناد ضعيف. وذكره القاضى عياض فى الشفاء وذكر أيضا عن جابر عن عبد الله عن رجل أتى النبى- صلى الله عليه وسلم وآمن به وهو على بعض حصون خيبر، وكان من غنم يرعاها لهم، فقال: يا رسول الله، كيف لى بالغنم، قال:

«احصب وجوهها فإن الله سيؤدى عنك أمانتك ويردها إلى أهلها» ففعل فسارت كل شاة حتى دخلت إلى أهلها «3» . ومنها: قصة كلام الذئب وشهادته له بالرسالة «4» . اعلم أنه قد جاء حديث قصة كلام الذئب فى عدة طرق من حديث أبى هريرة وأنس وابن عمر وأبى سعيد الخدرى. فأما حديث أبى سعيد، فرواه الإمام أحمد بإسناد جيد ولفظه: عدا الذئب على شاة فأخذها، فطلبه الراعى فانتزعها منه فأقعى الذئب على ذنبه وقال: ألا تتقى الله؟ تنزع منى رزقا ساقه الله إلى، فقال الراعى: يا عجبا، ذئب مقع على ذنبه يكلمنى بكلام الإنس، فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك:

(1) أخرجه أبو داود (2549) فى الجهاد، باب: ما يؤمر به من القيام على الدواب والبهائم، وأحمد فى «المسند» (1/ 204 و 205) ، وطرفه الأول عند مسلم (342) فى الحيض.

(2)

ذكره ابن كثير فى «البداية والنهاية» له (6/ 150) .

(3)

أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (2/ 148) ، والبيهقى فى «السنن الكبرى» (9/ 143) .

(4)

أخرجه البيهقى فى «دلائل النبوة» (6/ 39 و 41) .

ص: 276

محمد بيثرب يخبر الناس بأنباء ما سبق قال: فأقبل الراعى يسوق غنمه حتى دخل المدينة، فزواها إلى زواياها، ثم أتى رسول الله- صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم فنودى بالصلاة جامعة، ثم خرج فقال للأعرابى:

«أخبرهم» «1» فأخبرهم.

وأما حديث ابن عمر فأخرجه أبو سعد المالينى والبيهقى. وأما حديث أنس فأخرجه أبو نعيم فى الدلائل. وأما حديث أبى هريرة، فرواه سعيد بن منصور فى سننه قال: جاء الذئب فأقعى بين يدى رسول الله- صلى الله عليه وسلم وجعل يبصبص بذنبه فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «هذا وافد الذئاب جاء يسألكم أن تجعلوا له من أموالكم شيئا» قالوا: والله لا نفعل، وأخذ رجل من القوم حجرا رماه به، فأدبر الذئب وله عواء، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم:«الذئب وما الذئب» «2» .

وروى البغوى فى شرح السنة وأحمد وأبو نعيم بسند صحيح عن أبى هريرة أيضا قال: جاء ذئب إلى راعى غنم فأخذ منه شاة، فطلبه الراعى حتى انتزعها منه، قال فصعد الذئب على تل فأقعى واستثفر وقال: عمدت إلى رزق رزقنيه الله أخذته ثم انتزعته منى فقال الرجل: تالله إن رأيت كاليوم ذئب يتكلم، فقال الذئب: أعجب من هذا رجل فى النخلات بين الحرتين يخبركم بما مضى وما هو كائن بعدكم، ولا تتبعونه، قال: وكان الرجل يهوديّا فجاء إلى النبى- صلى الله عليه وسلم فأخبره وأسلم فصدقه النبى ثم قال: «إنها أمارات بين يدى الساعة، قد أوشك الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى يحدثه نعلاه وسوطه بما

(1) صحيح: أخرجه أحمد فى «المسند» (3/ 83 و 88) ، وابن حبان فى «صحيحه» (6494) ، والحاكم فى «المستدرك» (4/ 514)، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وهو كما قال.

(2)

حديث أبى هريرة أصله عند البخارى (3663) فى المناقب، باب: قول النبى- صلى الله عليه وسلم: «لو كنت متخذا خليلا» ، ومسلم (2388) فى فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبى بكر الصديق- رضى الله عنه-، وهو بلفظه عند البيهقى فى «دلائل النبوة» (6/ 40) .

ص: 277

أحدث أهله بعده» «1» . واستثفر: - بالسين والمثناة ثم المثلاثة والفاء آخره راء- كاستفعل، أى جعل ذنبه بين رجليه كما يفعل الكلب.

قال القاضى عياض: وفى بعض الطرق عن أبى هريرة: فقال الذئب أنت أعجب منى واقفا على غنمك وتركت نبيّا لم يبعث الله قط أعظم منه عنده قدرا، وقد فتحت له أبواب الجنة وأشرف أهلها على أصحابه ينظرون قتالهم وما بينك وبينه إلا هذا الشعب، فتصير من جنود الله. قال الراعى:

من لى بغنمى؟ قال الذئب: أنا أرعاها حتى ترجع، فأسلم الرجل إليه غنمه ومضى، وذكر قصته وإسلامه ووجوده النبى- صلى الله عليه وسلم يقاتل، فقال له النبى- صلى الله عليه وسلم:«عد إلى غنمك تجدها بوفرها» فوجدها كذلك، وذبح للذئب شاة منها.

وقد روى ابن وهب مثل هذا أنه جرى لأبى سفيان بن حرب وصفوان ابن أمية مع ذئب وجداه أخذ ظبيا، فدخل الظبى الحرم فانصرف الذئب، فعجبا من ذلك فقال الذئب: أعجب من ذلك محمد بن عبد الله بالمدينة يدعوكم إلى الجنة وتدعونه إلى النار، فقال أبو سفيان: واللات والعزى، لئن ذكرت هذا بمكة لتتركنها خلوفا- بضم الخاء المعجمة- أى فاسدة متغيرة، بمعنى: يقع الفساد والتغير فى أهلها.

ومن ذلك حديث الحمار: أخرج ابن عساكر عن أبى منظور قال: لما فتح رسول الله- صلى الله عليه وسلم خيبر أصاب حمارا أسود، فكلم رسول الله- صلى الله عليه وسلم الحمار، فكلمه الحمار، فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم:«ما اسمك» قال: يزيد ابن شهاب، أخرج الله من نسل جدى ستين حمارا كلهم لا يركبه إلا نبى، وقد كنت أتوقعك أن تركبنى، لم يبق من نسل جدى غيرى ولا من الأنبياء غيرك وقد كنت قبلك لرجل يهودى وكنت أتعثر به عمدا، وكان يجيع بطنى ويضرب ظهرى، فقال له النبى- صلى الله عليه وسلم:«فأنت يعفور» فكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم يبعثه إلى باب الرجل فيأتى الباب فيقرعه برأسه فإذا خرج إليه

(1) أخرجه البيهقى فى «دلائل النبوة» (6/ 41- 43) ، ولكنه فيه من حديث أبى سعيد.

ص: 278

صاحب الدار أومأ إليه أن أجب رسول الله- صلى الله عليه وسلم، فلما قبض رسول الله- صلى الله عليه وسلم جاء إلى بئر كانت لأبى الهيثم بن التهيان فتردى فيها جزعا على رسول الله- صلى الله عليه وسلم «1» . ورواه أبو نعيم بنحوه من حديث معاذ بن جبل، لكن الحديث مطعون فيه. وذكره ابن الجوزى فى الموضوعات.

وفى معجزاته- صلى الله عليه وسلم ما هو أعظم من كلام الحمار وغيره. ومن ذلك:

من حديث الضب، وهو مشهور على الألسنة، ورواه البيهقى «2» فى أحاديث كثيرة، لكنه حديث غريب ضعيف. قال المزى: لا يصح إسنادا ولا متنا، وذكره القاضى عياض فى الشفاء، وقد روى من حديث عمر أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم كان فى محفل عن أصحابه، إذ جاء أعرابى من بنى سليم قد صاد ضبا جعله فى كمه ليذهب به إلى رحله فيشويه ويأكله، فلما رأى الجماعة قال من هذا؟ قالوا: نبى الله، فأخرج الضب من كمه وقال: واللات والعزى لا آمنت بك أو يؤمن هذا الضب. وطرحه بين يدى رسول الله- صلى الله عليه وسلم، فقال النبى- صلى الله عليه وسلم:«يا ضب» فأجابه بلسان مبين يسمعه القوم جميعا: لبيك وسعديك يا زين من وافى القيامة، قال:«من تعبد؟» قال: الذى فى السماء عرشه وفى الأرض سلطانه وفى البحر سبيله وفى الجنة رحمته وفى النار عقابه، قال:«فمن أنا؟» قال: رسول رب العالمين وخاتم النبيين، وقد أفلح من صدقك وقد خاب من كذبك فأسلم الأعرابى الحديث بطوله، وهو مطعون فيه وقيل إنه موضوع. لكن معجزاته- صلى الله عليه وسلم فيها ما هو أبلغ من هذا وليس فيه ما ينكر شرعا خصوصا وقد رواه الأئمة فنهايته الضعف لا الوضع، والله أعلم.

ومن ذلك: حديث الغزالة. روى حديثها البيهقى من طرق، وضعفه جماعة من الأئمة، لكن طرقه يقوى بعضها بعضا. وذكره القاضى عياض فى الشفاء، ورواه أبو نعيم فى الدلائل بإسناد فيه مجاهيل، عن حبيب بن محصن عن أم سلمة- رضى الله عنها- قالت: بينما رسول الله- صلى الله عليه وسلم فى صحراء من

(1) ذكره القاضى عياض فى «الشفاء» له (1/ 314) .

(2)

ذكره فى «دلائل النبوة» له (6/ 36) .

ص: 279

الأرض، إذا هاتف يهتف: يا رسول الله ثلاث مرات فالتفت فإذا ظبية مشدودة فى وثاق، وأعرابى منجدل فى شملة نائم فى الشمس، فقال:«ما حاجتك؟» قالت: صادنى هذا الأعرابى، ولى خشفان فى ذلك الجبل فأطلقنى حتى أذهب فأرضعهما وأرجع، قال:«وتفعلين؟» فقالت: عذبنى الله عذاب العشار إن لم أعد، فأطلقها فذهبت ورجعت فأوثقها النبى- صلى الله عليه وسلم فانتبه الأعرابى وقال: يا رسول الله ألك حاجة؟ قال: «تطلق هذه الظبية» فأطلقها فخرجت تعدو فى الصحراء فرحا وهى تضرب برجليها الأرض وتقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله «1» .

وكذا رواه الطبرانى بنحوه، وساق الحافظ المنذرى حديثه فى الترغيب والترهيب من باب الزكاة: ونقل شيخنا الحافظ أبو الخير السخاوى عن ابن كثير: أنه لا أصل له، وأن من نسبه إلى النبى- صلى الله عليه وسلم فقد كذب، ثم قال:

شيخنا: لكن ورد فى الجملة فى عدة أحاديث يتقوى بعضها ببعض أوردها شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر فى المجلس الحادى والستين من تخريج أحاديث المختصر والله أعلم. انتهى.

وفى شرح مختصر ابن الحاجب للعلامة ابن السبكى، وتسبيح الحصى رواه الطبرانى وابن أبى عاصم من حديث أبى ذر، وتسليم الغزالة رواه أبو نعيم الأصبهانى والبيهقى فى دلائل النبوة، ونحن نقول فيهما: وإن لم يكونا متواترين فلعلهما استغنى عنهما بنقل غيرهما، أو لعلهما تواترا إذ ذاك، انتهى.

ومن ذلك، داجن البيوت، وهو ما ألفها من الحيوان، كالطير والشاة وغيرهما، روى قاسم بن ثابت عن عائشة- رضى الله عنها- قالت: كان عندنا داجن، فإذا كان عندنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم قر وثبت مكانه، فلم يجئ ولم يذهب، وإذا خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم جاء وذهب، وذكره القاضى عياض بسنده.

وأما نبع الماء الطهور من بين أصابعه- صلى الله عليه وسلم، وهو أشرف المياه، فقال

(1) أخرجه البيهقى فى «دلائل النبوة» (6/ 34) .

ص: 280

القرطبى: قصة نبع الماء من بين أصابعه قد تكررت منه- صلى الله عليه وسلم فى عدة مواطن فى مشاهد عظيمة، ووردت من طرق كثيرة، يفيد مجموعها العلم القطعى المستفاد من التواتر المعنوى، ولم يسمع بمثل هذه المعجزة عن غير نبينا- صلى الله عليه وسلم، حيث نبع الماء من بين عظمه وعصبه ولحمه ودمه، وقد نقل ابن عبد البر عن المزنى أنه قال: نبع الماء من بين أصابعه- صلى الله عليه وسلم أبلغ فى المعجزة من نبع الماء من الحجر حيث ضربه موسى بالعصا فتفجرت منه المياه، لأن خروج الماء من الحجارة معهود بخلاف خروج الماء من بين اللحم والدم. انتهى.

وقد روى حديث نبع الماء جماعة من الصحابة، منهم أنس وجابر وابن مسعود. فأما حديث أنس ففى الصحيحين قال: رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم وحانت صلاة العصر، والتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأتى رسول الله- صلى الله عليه وسلم بوضوء فوضع يده فى ذلك الإناء، فأمر الناس أن يتوضؤوا منه، فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضؤوا من عند آخرهم وفى لفظ البخارى: كانوا ثمانين رجلا، وفى لفظ له: فجعل الماء ينبع من بين أصابعه وأطراف أصابعه حتى توضأ القوم، قال: فقلنا لأنس كم كنتم قال:

كنا ثلاثمائة «1» .

قوله: «حتى توضؤوا من عند آخرهم» قال الكرمانى: حتى للتدريج، ومن للبيان، أى: توضأ الناس حتى توضأ الذين هم عند آخرهم، وهو كناية عن جميعهم، و «عند» بمعنى «فى» لأن «عند» وإن كانت للظرفية الخاصة لكن المبالغة تقتضى أن تكون لمطلق الظرفية، فكأنه قال: الذين هم فى آخرهم.

وقال التيمى: المعنى توضأ القوم حتى وصلت النوبة إلى الآخر، وقال النووى:«من» هنا بمعنى «إلى» وهى لغة، وتعقبه الكرمانى بأنها شاذة، قال:

ثم إن «إلى» لا يجوز أن تدخل على «عند» ويلزم عليه وعلى ما قاله التيمى أن لا يدخل إلا خبر، لكن ما قاله الكرمانى من أن «إلى» لا تدخل على عند

(1) صحيح: أخرجه البخارى (169) فى الوضوء، باب: التماس الوضوء إذا حانت الصلاة، وأطرافه (195 و 200 و 3572 و 3573 و 3574 و 3575) ، ومسلم (2279) فى الفضائل، باب: فى معجزات النبى- صلى الله عليه وسلم.

ص: 281

لا يلزم مثله فى «من» إذا وقعت بمعنى «إلى» وعلى توجيه النووى يمكن أن يقال عند زائدة. قاله فى فتح البارى.

وروى هذا الحديث أيضا عن أنس، ابن شاهين، ولفظه: قال كنت مع النبى- صلى الله عليه وسلم فى غزوة تبوك، فقال المسلمون: يا رسول الله، عطشت دوابنا وإبلنا، فقال:«هل من فضلة ماء» فجاء رجل فى شن بشىء، فقال:«هاتوا صحيفة» فصب الماء ثم وضع راحته فى الماء، قال: فرأيتها تخلل عيونا بين أصابعه، قال: فسقينا إبلنا ودوابنا وتزودنا، فقال:«اكتفيتم؟» فقالوا: نعم اكتفينا يا نبى الله، فرفع يده فارتفع الماء «1» .

وأخرج البيهقى عن أنس أيضا، قال: خرج النبى- صلى الله عليه وسلم إلى قباء فأتى من بعض بيوتهم بقدح صغير، فأدخل يده فلم يسعه القدح، فأدخل أصابعه الأربعة ولم يستطع أن يدخل إبهامه، ثم قال للقوم:«هلموا إلى الشراب» قال أنس: بصر عينى ينبع الماء من بين أصابعه فلم يزل القوم يردون القدح حتى رووا منه جميعا «2» .

وأما حديث جابر: ففى الصحيحين، قال: عطش الناس يوم الحديبية، وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة يتوضأ منها، وجهش الناس نحوه، فقال:«ما لكم؟» فقالوا يا رسول الله ما عندنا ماء نتوضأ به ولا نشربه إلا ما بين يديك، فوضع يده فى الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، فشربنا وتوضأنا، قلت: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة «3» . وقوله:«يفور» ، أى يغلى ويظهر متدفقا.

وفى رواية الوليد بن عبادة بن الصامت عنه فى حديث مسلم الطويل فى ذكر غزوة بواط، قال لى رسول الله- صلى الله عليه وسلم:«يا جابر ناد: الوضوء» وذكر الحديث بطوله، وأنه لم يجد إلا قطرة فى عزلاء شجب فأتى به النبى

(1) أخرجه البخارى (3579) فى المناقب، باب: علامات النبوة فى الإسلام، بنحوه.

(2)

أخرجه البيهقى فى «دلائل النبوة» (4/ 123) .

(3)

صحيح: أخرجه البخارى (3576) فى المناقب، باب: علامات النبوة فى الإسلام.

ص: 282

- صلى الله عليه وسلم فغمزه وتكلم بشىء لا أدرى ما هو، وقال:«ناد بجفنة الركب» فأتيت بها فوضعتها بين يديه، وذكر أن النبى- صلى الله عليه وسلم بسط يده فى الجفنة وفرق أصابعه وصب عليه جابر، فقال:«بسم الله» ، فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، ثم فارت الجفنة واستدارت حتى امتلأت وأمر الناس بالاستقاء فاستقوا حتى رووا، فقلت: هل بقى من أحد له حاجة؟ فرفع رسول الله- صلى الله عليه وسلم يده من الجفنة وهى ملأى «1» .

وروى حديث جابر أيضا الإمام أحمد فى مسنده بلفظ: اشتكى أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم إليه العطش، فدعا بعس فصب فيه شيئا من الماء، فوضع رسول الله- صلى الله عليه وسلم فيه يده، وقال:«استقوا» فاستقى الناس، فكنت أرى العيون تنبع من بين أصابعه «2» .

وفى لفظ من حديث له أيضا: فوضع رسول الله- صلى الله عليه وسلم كفه فى الإناء ثم قال: «بسم الله» ثم قال: «أسبغوا الوضوء» قال جابر: فو الذى ابتلانى ببصرى، لقد رأيت العيون، عيون الماء يومئذ تخرج من بين أصابعه- صلى الله عليه وسلم فما رفعها حتى توضؤوا أجمعون «3» .

ورواه أيضا عند البيهقى فى الدلائل قال: كنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم فى سفر، فأصابنا عطش فجهشنا إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم قال: «فوضع يده فى تور من ماء بين يديه، قال: فجعل الماء ينبع من بين أصابعه كأنه العيون قال:

خذوا بسم الله» ، فشربنا، فوسعنا وكفانا، ولو كنا مائة ألف لكفانا، قلت لجابر: كم كنتم؟ قال: ألفا وخمسمائة «4» .

وأخرجه ابن شاهين من حديث جابر أيضا، وقال: أصابنا عطش بالحديبية فجهشنا إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم، الحديث: وأخرجه أيضا- عن

(1) صحيح: والحديث عند مسلم (3013) في الزهد والرقائق، باب: حديث جابر الطويل، وقد تقدم.

(2)

صحيح: أخرجه أحمد فى «المسند» (3/ 343) .

(3)

أخرجه أحمد فى «المسند» (3/ 292) ، والبيهقى فى «الدلائل» (4/ 117- 118) .

(4)

تقدم فيما قبله.

ص: 283

جابر- أحمد من طريق نبيح العنزى عنه، وفيه: فجاء رجل بإداوة فيها شىء من ماء ليس فى القوم ماء غيره، فصبه رسول الله- صلى الله عليه وسلم فى قدح ثم توضأ فأحسن الوضوء، ثم انصرف وترك القدح، قال:«فتزاحم الناس على القدح» فقال: «على رسلكم» ، فوضع كفه فى القدح ثم قال:«أسبغوا الوضوء» قال: فلقد رأيت العيون عيون الماء تخرج من بين أصابعه.

وأما حديث ابن مسعود، ففى الصحيح من رواية علقمة: بينما نحن مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم وليس معنا ماء، فقال لنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم:«اطلبوا من معه فضل ماء» ، فأتى بما فصبه فى إناء، ثم وضع كفه فيه، فجعل الماء ينبع من بين أصابع رسول الله- صلى الله عليه وسلم «1» .

وظاهر هذا أن الماء ينبع من بين أصابعه بالنسبة إلى رؤية الرائى، وهو فى نفس الأمر- للبركة الحاصلة فيه- يفور ويكثر، وكفه- صلى الله عليه وسلم فى الإناء، فيراه الرائى نابعا من بين أصابعه.

وظاهر كلام القرطبى: أنه نبع من نفس اللحم الكائن فى الأصابع، وبه صرح النووى فى شرح مسلم، ويؤيده قول جابر: فرأيت الماء يخرج من بين أصابعه، وفى رواية: فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه، وهذا هو الصحيح، وكلاهما معجزة له- صلى الله عليه وسلم.

وإنما فعل ذلك ولم يخرجه من غير ملامسة ماء ولا وضع إناء تأدبا مع الله تعالى، إذ هو المنفرد بابتداع المعدومات وإيجادها من غير أصل.

وروى ابن عباس قال: دعا النبى- صلى الله عليه وسلم بلالا فطلب الماء، فقال: لا والله ما وجدت الماء، قال:«فهل من شن؟» فأتاه بشن فبسط كفه فيه فانبعث تحت يده عين، فكان ابن مسعود يشرب وغيره يتوضأ «2» ، رواه الدارمى وأبو نعيم، وكذا رواه الطبرانى وأبو نعيم من حديث أبى ليلى الأنصارى وأبو نعيم من طريق القاسم بن عبد الله بن أبى رافع عن أبيه عن جده.

(1) صحيح: أخرجه البخارى (3579) فى المناقب، باب: علامات النبوة فى الإسلام.

(2)

أخرجه الدارمى فى «سننه» (25) .

ص: 284

ومن ذلك تفجير الماء ببركته، وانبعاثه بمسه ودعوته. روى مسلم فى صحيحه عن معاذ أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم قال لهم:«إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتى» قال: فجئناها، وقد سبق إليها رجلان، والعين مثل الشراك تبض بشىء من ماء «1» ، فسألهما رسول الله- صلى الله عليه وسلم:«هل مسستما من مائها شيئا؟» قالا: نعم، فسبهما وقال لهما ما شاء الله أن يقول ثم غرفوا من العين قليلا قليلا حتى اجتمع فى شىء، ثم غسل- صلى الله عليه وسلم به وجهه ويديه ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء كثير، فاستقى الناس ثم قال- صلى الله عليه وسلم:«يا معاذ، يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملىء جنانا» «2» . أى بساتين وعمرانا، وهذا أيضا من معجزاته- صلى الله عليه وسلم.

ورواه القاضى عياض فى الشفاء بنحوه من طريق مالك فى الموطأ، وزاد فقال: قال فى حديث ابن إسحاق: فانخرق من الماء ما له حس كحس الصواعق.

وفى البخارى، فى غزوة الحديبية، من حديث المسور بن مخرمة ومروان ابن الحكم: أنهم نزلوا بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه الناس تبرضا، فلم يلبثه الناس حتى نزحوه وشكى إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم العطش، فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فو الله ما زال يجيش لهم بالرى حتى صدروا عنه «3» . والثمد: - بالمثلاثة والتحريك- الماء القليل.

وقوله: «يتبرضه الناس تبرضا» - بالضاد المعجمة- أى يأخذونه قليلا قليلا، والبرض: الشىء القليل. وقوله: «فما زال يجيش» - بفتح المثناة التحتية، وبالجيم آخره شين- أى: يفور ماؤه ويرتفع. وفى رواية: أنه- صلى الله عليه وسلم توضأ فتمضمض ودعا ومج فى بئر الحديبية من فمه، فجاشت بالماء كذلك.

(1) يقصد: أن الماء قليل جدّا.

(2)

صحيح: أخرجه مسلم (706) فى الفضائل، باب: فى معجزات النبى- صلى الله عليه وسلم.

(3)

صحيح: والحديث أخرجه البخارى (2731 و 2732) فى الشروط، باب: الشروط فى الجهاد.

ص: 285

وفى مغازى أبى الأسود عن عروة: أنه توضأ فى الدلو، ومضمض فاه ثم مج فيه، وأمر أن يصب فى البئر، ونزع سهما من كنانته وألقاه فى البئر ودعا الله تعالى، ففارت بالماء حتى جعلوا يغترفون بأيديهم منها وهم جلوس على شفتيها، فجمع بين الأمرين.

وكذا رواه الواقدى من طريق أوس بن خولى. وهذه القصة غير القصة السابقة فى ذكر نبع الماء من بين أصابعه- صلى الله عليه وسلم مما رواه البخارى فى المغازى من حديث جابر: عطش الناس بالحديبية وبين يدى رسول الله- صلى الله عليه وسلم ركوة فوضع يده فى الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه. الحديث «1» . فبين القصتين مغايرة، وجمع ابن حبان بينهما: بأن ذلك وقع فى وقتين، انتهى.

فحديث جابر فى نبع الماء كان حين حضرت صلاة العصر عند إرادة الوضوء، وحديث البراء كان لإرادة ما هو أعم من ذلك. ويحتمل أن يكون الماء لما تفجر من أصابعه ويده فى الركوة، وتوضؤوا كلهم وشربوا أمر حينئذ بصب الماء الذى بقى فى الركوة فى البئر فتكاثر الماء فيها. انتهى.

وفى حديث البراء وسلمة بن الأكوع مما رواه البخارى فى قصة الحديبية وهم أربع عشرة مائة، وبئرها لا تروى خمسين شاة، فنزحناها فلم نترك فيها قطرة، فقعد رسول الله- صلى الله عليه وسلم على جباها، قال البراء: وأتى بدلو منها فبصق ودعا، وقال سلمة: فإما دعا وإما بصق فيها، فجاشت فأرووا أنفسهم وركابهم، وقال فى رواية البراء: ثم مضمض ودعا ثم صبه فيها ثم قال:

«دعوها ساعة» «2» . قوله: «على جباها» - بفتح الجيم والموحدة والقصر- ما حول البئر، وبالكسر: ما جمعت فيها من الماء. وقوله: «وركابهم» أى الإبل التى يسار عليها.

وفى الصحيحين عن عمران بن الحصين قال: كنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم فى سفر، فاشتكى إليه الناس من العطش، فنزل فدعا فلانا- كان يسميه أبو

(1) صحيح: أخرجه البخارى (4152) فى المغازى، باب: غزوة الحديبية.

(2)

صحيح: أخرجه البخارى (4151) فيما سبق.

ص: 286

رجاء ونسبه عوف- ودعا عليّا، وقال:«اذهبا فابتغيا الماء» فانطلقا فتلقيا امرأة بين مزادتين أو سطيحتين من ماء فجاآ بها إلى النبى- صلى الله عليه وسلم، فاستنزلوها عن بعيرها، ودعا النبى- صلى الله عليه وسلم بإناء ففرّغ فيه من أفواه المزادتين أو السطيحتين، وأوكأ أفواههما، وأطلق العزالى، ونودى فى الناس:«اسقوا واستقوا» فسقى من سقى، واستقى من شاء، وهى قائمة تنظر إلى ما يفعل بمائها، وايم الله لقد أقلع عنها وإنه ليخيل إلينا أنها أشد ملأة منها حين ابتدأ فيها، فقال النبى- صلى الله عليه وسلم:«اجمعوا لها» فجمعوا لها من بين عجوة ورقيقة وسويقة حتى جمعوا لها طعاما، فجعلوه فى ثوب وحملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها قال لها:«تعلمين ما رزأنا من مائك شيئا ولكن الله هو الذى سقانا» فأتت أهلها فقالت: العجب، لقينى رجلان فذهبا بى إلى الرجل الذى يقال له الصابئ ففعل كذا وكذا، فو الله إنه لأسحر الناس كلهم أو إنه لرسول الله حقّا، فقالت لقومها: ما أرى أن هؤلاء يدعونكم عمدا فهل لكم فى الإسلام «1» . الحديث.

وعن أبى قتادة قال: خطبنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم فقال: «إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم وتأتون الماء غدا إن شاء الله» فانطلق الناس لا يلوى أحد على أحد، فبينا رسول الله- صلى الله عليه وسلم يسير حتى ابهارّ الليل- أى ابيض- فمال عن الطريق فوضع رأسه ثم قال:«احافظوا علينا صلاتنا» فكان أول من استيقظ رسول الله- صلى الله عليه وسلم والشمس فى ظهره، ثم قال:«اركبوا» ، فركبنا فسرنا، حتى إذا ارتفعت الشمس نزل، ثم دعا بميضأة كانت معى فيها شىء من ماء، فتوضأ منها وضوآ، قال:«وبقى شىء من ماء» ، ثم قال:«احفظ علينا ميضأتك» فسيكون لها نبأ، ثم أذن بلال بالصلاة، فصلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم ركعتين ثم صلى الغداة، وركب وركبنا معه، فانتهينا إلى الناس حين اشتد النهار وحمى كل شىء، وهم يقولون: يا رسول الله هلكنا وعطشنا، فقال:«لا هلك عليكم» ودعا بالميضأة فجعل يصب وأبو قتادة يسقيهم فلم

(1) صحيح: والحديث أخرجه البخارى (344) فى التيمم، باب: الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء، ومسلم (682) فى المساجد، باب: قضاء الصلاة الفائتة.

ص: 287

يعد أن رأى الناس ماء فى الميضأة فتكابوا عليها، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم:

«أحسنوا الملأ «1» كلكم سيروى» ، قال: ففعلوا، فجعل رسول الله- صلى الله عليه وسلم يصب وأسقيهم، حتى ما بقى غيرى وغير رسول الله- صلى الله عليه وسلم، ثم صب فقال لى:«اشرب» فقلت: لا أشرب حتى تشرب يا رسول الله، فقال:«إن ساقى القوم آخرهم» قال: فشربت وشرب «2» ، الحديث رواه مسلم.

وعن أنس قال: أصاب الناس سنة «3» على عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم، فبينما النبى- صلى الله عليه وسلم يخطب فى يوم الجمعة، قام أعرابى فقال: يا رسول الله، هلك المال وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يديه وما نرى فى السماء قزعة «4» ، «فو الذى نفسى بيده» ما وضعهما حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته، فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد ومن بعد الغد، حتى الجمعة الآخرى، وقام ذلك الأعرابى أو غيره وقال: يا رسول الله، تهدم البناء وغرق المال، فادع الله لنا، فرفع يديه فقال:

«اللهم حوالينا ولا علينا» ، فما يشير إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت، وصارت المدينة مثل الجوبة، وسال الوادى قناة شهرا، ولم يجئ أحد من ناحية إلا حدث بالجود. وفى رواية قال:«اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر» فأقلعت وخرجنا نمشى فى الشمس «5» . رواه البخارى ومسلم.

و «الجوبة» - بفتح الجيم والموحدة بينهما واو ساكنة- الحفرة المستديرة الواسعة، وكل منفتق بلا بناء جوبة، أى حتى صار الغيم والسحاب محيطا بافاق المدينة. و «الجود» : - بفتح الجيم وإسكان الواو- المطر الواسع الغزير.

وعن عبد الله بن عباس، أنه قيل لعمر بن الخطاب- رضى الله عنه- حدثنا عن

(1) أى: الملء لأوانيكم.

(2)

صحيح: أخرجه مسلم (681) في المساجد، باب: قضاء الصلاة الفائتة.

(3)

السنة: القحط والجدب.

(4)

القزعة: القطعة من السحاب.

(5)

صحيح: أخرجه البخارى (1013) فى الاستسقاء، باب: الاستسقاء فى المسجد الجامع.

ص: 288

ساعة العسرة فقال عمر: خرجنا إلى تبوك فى قيظ شديد، فنزلنا منزلا أصابنا عطش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الرجل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن كان الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقى على كبده. فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن الله قد عودك فى الدعاء خيرا، فادع الله لنا، قال:«أتحبون ذلك؟» قال: نعم، فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء فانسكبت، فملؤوا ما معهم من آنية، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها تجاوز العسكر «1» ، قال الحافظ المنذرى: أخرجه البيهقى فى الدلائل، وشيخه ابن بشران ثقة، ودعلج ثقة، وابن خزيمة أحد الأئمة، ويونس احتج به مسلم فى صحيحه وابن وهب وعمرو بن الحارث ونافع بن جبير احتج بهم البخارى ومسلم، وعتبة فيه مقال. وقد رواه القاضى عياض فى الشفاء مختصرا وروى ابن إسحاق فى مغازيه نحوه.

وروى صاحب «مصباح الظلام» عن عمرو بن شعيب: أن أبا طالب قال: كنت مع ابن أخى- يعنى النبى- صلى الله عليه وسلم بذى المجاز، فأدركنى العطش، فشكوت إليه فقلت: يا ابن أخى عطشت، وما قلت له ذلك وأنا أرى عنده شيئا إلا الجزع، فثنى وركه ثم نزل وقال:«يا عم، أعطشت؟» فقلت: نعم، فأهوى بعقبه إلى الأرض فإذا بالماء، فقال:«اشرب يا عم فشربت» وكذا رواه ابن سعد وابن عساكر.

ومن ذلك: تكثير الطعام القليل ببركته ودعائه- صلى الله عليه وسلم. عن جابر، فى غزوة الخندق قال: فانكفأت إلى امرأتى، فقلت هل عندك شىء، فإنى رأيت بالنبى- صلى الله عليه وسلم خمصا «2» شديدا، فأخرجت جرابا فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة داجن «3» فذبحتها وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم فى البرمة ثم

(1) أخرجه البيهقى فى «دلائل النبوة» (5/ 231) .

(2)

الخمص: الجوع.

(3)

الداجن: الشاة التى يعلفها الناس فى منازلهم فيقال: شاة داجن.

ص: 289

جئت النبى- صلى الله عليه وسلم فساررته فقلت: يا رسول الله ذبحنا بهيمة لنا وطحنت صاعا من شعير. فتعال أنت ونفر معك. فصاح النبى- صلى الله عليه وسلم: «يا أهل الخندق، إن جابرا صنع سورا، فحى هلا بكم» فقال- صلى الله عليه وسلم: «لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجىء برجال» فأخرجت له عجينا فبصق فيه وبارك ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك ثم قال: «ادع خابزة فلتخبز معك، واقدحى من برمتكم ولا تنزلوها» وهم ألف. فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هى، وإن عجيننا ليخبز كما هو «1» ، رواه البخارى ومسلم. وقوله:«فانكفأت» أى: انقلبت. وقوله: «داجن» يعنى سمينة. وقوله: «فذبحتها» بسكون الحاء، و «طحنت» بسكون التاء، يعنى إن الذى ذبح هو جابر، والتى طحنت هى امرأته سهيلة بنت معوذ الأنصارية. وقوله:«سورا» بضم المهملة وسكون الواو بغير همز. قال ابن الأثير: أى طعاما يدعو إليه الناس. قال: اللفظة فارسية. وقوله: «فحى هلا بكم» كلمة استدعاء فيه حث، أى هلموا مسرعين. وقوله:«واقدحى» أى:

اغرفى. وقوله: «إن برمتنا لتغط» بالغين المعجمة والطاء المهملة، أى: تغلى ويسمع غطيطها.

وعن أنس قال: قال أبو طلحة لأم سليم، لقد سمعت صوت رسول الله- صلى الله عليه وسلم ضعيفا، أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شىء، فقالت: نعم، فأخرجت أقراصا من شعير، ثم أخرجت خمارا، فلفت الخبز ببعضه ثم دسته تحت يدى ولاثتنى ببعضه- أى أدارت بعض الخمار على رأسى مرتين كالعمائم- ثم أرسلتنى إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم، فذهبت به فوجدت رسول الله- صلى الله عليه وسلم فى المسجد ومعه الناس، فسلمت عليه، فقال لى رسول الله- صلى الله عليه وسلم:«أرسلك أبو طلحة؟» فقلت: نعم، قال:«لطعام؟» قلت:

نعم، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم لمن معه:«قوموا» فانطلق وانطلقت بين أيديهم، حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليم قد جاء

(1) صحيح: أخرجه البخارى (4102) فى المغازى، باب: غزوة الخندق، ومسلم (2039) فى الأشربة، باب: جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك.

ص: 290

رسول الله- صلى الله عليه وسلم بالناس، وليس عندنا ما نطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم، فانطلق أبو طلحة حتى لقى رسول الله- صلى الله عليه وسلم، فأقبل رسول الله- صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة معه، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم:«هلمى يا أم سليم ما عندك» فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله- صلى الله عليه وسلم ففت، وعصرت أم سليم عكة فأدمته، ثم قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم فيه ما شاء الله أن يقول، ثم قال:«ائذن لعشرة» فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال:

«ائذن لعشرة» ثم لعشرة، فأكل القوم كلهم وشبعوا، والقوم سبعون أو ثمانون رجلا «1» . رواه البخارى ومسلم.

والمراد بالمسجد- هنا- الموضع الذى أعده النبى- صلى الله عليه وسلم للصلاة فيه حين محاصرة الأحزاب للمدينة فى غزوة الخندق. وفى رواية لمسلم: أنه قال:

«ائذن لعشرة» فدخلوا فقال: «كلوا وسموا الله» ، فأكلوا حتى فعل ذلك بثمانين رجلا، ثم أكل النبى- صلى الله عليه وسلم وأهل البيت وترك سؤرا. أى بقية وهو بالهمز. وفى رواية للبخارى: قال: «أدخل على عشرة» ، حتى عد أربعين، ثم أكل النبى- صلى الله عليه وسلم، فجعلت أنظر هل نقص منها شىء؟. وفى رواية يعقوب: أدخل على ثمانية ثمانية، فما زال حتى دخل عليها ثمانون، ثم دعانى ودعا أمى وأبا طلحة فأكلنا حتى شبعنا. انتهى.

وهذا يدل على تعدد القصة، فإن أكثر الروايات فيها أنه أدخلهم عشرة عشرة سوى هذه، قاله الحافظ ابن حجر، قال: وظاهره أنه- صلى الله عليه وسلم دخل لمنزل أبى طلحة وحده، وصرح بذلك فى رواية عبد الرحمن بن أبى ليلى ولفظه: فلما انتهى رسول الله- صلى الله عليه وسلم إلى الباب قال لهم: «اقعدوا» ودخل.

وفى رواية يعقوب عن أنس: فقال أبو طلحة: يا رسول الله إنما أرسلت أنسا يدعوك وحدك، ولم يكن عندنا ما يشبع من أرى، وفى رواية عمرو بن عبد الله عن أنس: فقال أبو طلحة: إنما هو قرص، فقال:«إن الله سيبارك فيه» «2» .

(1) صحيح: أخرجه البخارى (3578) فى المناقب، باب: علامات النبوة فى الإسلام، ومسلم (2040) فى الأشربة، باب: جواز استتباعه غيره إلى من يثق برضاه بذلك.

(2)

صحيح: أخرجه البخارى (5450) فى الأطعمة، باب: من أدخل الضيفان عشرة عشرة.

ص: 291

قال العلماء: وإنما أدخلهم عشرة عشرة- والله أعلم- لأنها كانت قصعة واحدة، لا يمكن الجماعة الكثيرة أن يقدروا على التناول منها مع قلة الطعام، فجعلهم عشرة عشرة لينالوا من الأكل ولا يزدحموا.

وأما قوله- صلى الله عليه وسلم: «أرسلك أبو طلحة؟» قلت: نعم، قال:«لطعام؟» قلت: نعم، فقال لمن معه:«قوموا» فظاهره: أن النبى- صلى الله عليه وسلم فهم أن أبا طلحة استدعاه إلى منزله، فلذلك قال لمن عنده قوموا، وأول الكلام يقتضى أن أم سليم وأبا طلحة أرسلا الخبز مع أنس؟!.

فيجمع: بأنهما أرادا الخبز مع أنس «1» أن يأخذه النبى- صلى الله عليه وسلم فيأكله، فلما وصل أنس ورأى كثرة الناس حول النبى- صلى الله عليه وسلم استحيى، وظهر له أن يدعو النبى- صلى الله عليه وسلم ليقوم معه وحده إلى المنزل فيحصل مقصودهم من إطعامه.

ويحتمل أن يكون ذلك عن رأى من أرسله، عهد إليه أنه إذا رأى كثرة الناس أن يستدعى النبى- صلى الله عليه وسلم وحده، خشية أن لا يكفى ذلك النبى- صلى الله عليه وسلم هو ومن معه، وقد عرفوا إيثاره- صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يأكل وحده.

ووقع فى رواية يعقوب بن عبد الله بن أبى طلحة عن أنس- عند أبى نعيم وأصله عند مسلم- فقال لى أبو طلحة: يا أنس اذهب فقم قريبا من رسول الله- صلى الله عليه وسلم، فإذا قام فدعه حتى يتفرق عنه أصحابه، ثم اتبعه حتى إذا قام على عتبة بابه فقل له: إن أبى يدعوك، وفيه: فقال أبو طلحة: يا رسول الله إنما أرسلت أنسا يدعوك وحدك، ولم يكن عندنا ما يشبع من أرى، فقال:«ادخل فإن الله سيبارك فيما عندك» .

وفى رواية مبارك بن فضالة: فقال: هل من سمن؟ فقال أبو طلحة: قد كان فى العكة شىء فجاء بها، فجعلا يعصرانها حتى خرج، ثم مسح رسول الله- صلى الله عليه وسلم القرص فانتفخ، وقال:«بسم الله» فلم يزل يصنع ذلك والقرص

(1) زيادة من فتح البارى (6/ 730) .

ص: 292

ينتفخ حتى رأيت القرص فى الجفنة يتسع «1» . وفى رواية النضر بن أنس:

فجئت بها ففتح رباطها ثم قال: «بسم الله، اللهم أعظم فيها البركة» «2» وعرف بهذا المراد بقوله فى رواية الصحيحين: «فقال فيها ما شاء الله أن يقول» . وفى رواية أنس عند أحمد: أن أبا طلحة رأى رسول الله- صلى الله عليه وسلم طاويا. وعند أبى يعلى من طريق محمد بن سيرين عن أنس: أن أبا طلحة بلغه أنه ليس عند رسول الله- صلى الله عليه وسلم طعام فاجر نفسه بصاع من شعير فعمل بقية يومه ذلك ثم جاء به الحديث.

وفى رواية عمرو بن عبد الله بن أبى طلحة عند مسلم وأبى يعلى قال:

رأى أبو طلحة رسول الله- صلى الله عليه وسلم مضطجعا ينقلب ظهرا لبطن. وفى رواية يعقوب بن عبد الله بن أبى طلحة عند مسلم أيضا عن أنس قال: جئت رسول الله- صلى الله عليه وسلم فوجدته جالسا مع أصحابه يحدثهم وقد عصب بطنه بعصابة، فسألت بعض أصحابه فقال من الجوع، فذهبت إلى أبى طلحة فأخبرته، فدخل على أم سليم فقال: هل من شىء؟.

وفى رواية محمد بن كعب عن أنس عند أبى نعيم قال: جاء أبو طلحة إلى أم سليم فقال: «أعندك شىء؟ فإنى مررت على النبى- صلى الله عليه وسلم وهو يقرئ أصحاب الصفة سورة النساء وقد ربط على بطنه حجرا» .

وعن أبى هريرة قال: لما كان غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، فقال عمر: يا رسول الله ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادع الله لهم عليها بالبركة، فقال:«نعم» فدعا بنطع فبسط، ثم دعا بفضل أزوادهم فجعل الرجل يجىء بكف ذرة، ويجىء الآخر بكسرة، حتى اجتمع على النطع شىء يسير، فدعا رسول الله- صلى الله عليه وسلم بالبركة ثم قال:«خذوا فى أوعيتكم» فأخذوا فى أوعيتهم، حتى ما تركوا فى العسكر وعاء إلا ملئوه. قال: فأكلوا حتى شبعوا

(1) حسن: أخرجه ابن حبان فى «صحيحه» (5285) وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده حسن.

(2)

أخرجه أحمد فى «المسند» (3/ 342) .

ص: 293

وفضلت فضلة فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأنى رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيحجز عن الجنة» «1» رواه مسلم.

وعن أنس قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم عروسا بزينب، فعمدت أمى أم سليم إلى تمر وسمن وأقط فصنعت حيسا، فجعلته فى تور، فقالت: يا أنس اذهب بهذا إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم فقل: بعثت بهذا إليك أمى، وهى تقرئك السلام، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم:«ضعه» ثم قال: «اذهب فادع لى فلانا وفلانا» رجالا سماهم، «وادع لى من لقيت» فدعوت من سمى ومن لقيت، فرجعت فإذا البيت غاص بأهله، قيل لأنس: عددكم كانوا؟ قال: زهاء ثلاثمائة، فرأيت النبى- صلى الله عليه وسلم وضع يده على تلك الحيسة وتكلم بما شاء الله، ثم جعل يدعو عشرة عشرة يأكلون منه، ويقول لهم:«اذكروا اسم الله، وليأكل كل رجل مما يليه» قال: فأكلوا حتى شبعوا، فخرجت طائفة بعد طائفة حتى أكلوا كلهم، قال لى:«يا أنس ارفع فرفعت، فما أدرى حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت» «2» رواه البخارى ومسلم.

وعن جابر أن أم مالك كانت تهدى للنبى- صلى الله عليه وسلم فى عكة لها سمنا، فيأتيها فيسألونها الأدم، وليس عندهم شىء، فتعمد إلى الذى كانت تهدى فيها للنبى- صلى الله عليه وسلم فتجد فيه سمنا، فما زال يقيم لها أدم بيتها حتى عصرته، فأتت النبى- صلى الله عليه وسلم فقال:«أعصرتيها؟» قالت: نعم، قال:«لو تركتيها ما زال قائما» «3» رواه مسلم.

وعنه أن رجلا أتى النبى- صلى الله عليه وسلم يستطعمه، فأطعمه شطر وسق من شعير، فما زال يأكل منه وامرأته وضيفه حتى كاله، فأتى النبى- صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال:«لو لم تكله لأكلتم منه ولقام بكم» «4» . رواه مسلم أيضا.

(1) صحيح: أخرجه مسلم (27) فى الإيمان، باب: الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا.

(2)

صحيح: أخرجه البخارى (5163) فى النكاح، باب: الهدية للعروس تعليقا، ووصله مسلم (1428) فى النكاح، باب: زواج زينب بنت جحش ونزول الحجاب.

(3)

صحيح: أخرجه مسلم (2280) فى الفضائل، باب: فى معجزات النبى- صلى الله عليه وسلم.

(4)

صحيح: أخرجه مسلم (2281) فيما سبق.

ص: 294