الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النوع الثالث فى سيرته صلى الله عليه وسلم فى نكاحه
قد كان- صلى الله عليه وسلم يأخذ من الجماع بالأكمل، مما تحفظ به الصحة، وتتم به اللذة وسرور النفس، وتحصل به مقاصده التى وضع لأجلها. فإن الجماع فى الأصل وضع لثلاثة أشياء، هى مقاصده الأصلية:
أحدها: حفظ النفس ودوام النوع الإنسانى إلى أن تتكامل العدة التى قدر الله تعالى بروزها إلى هذا العالم.
الثانى: إخراج الماء الذى يضر احتباسه واحتقانه بجملة البدن.
الثالث: قضاء الوطر ونيل اللذة والتمتع بالنعمة، وهذه هى الفائدة التى فى الجنة، إذ لا تناسل هناك، ولا احتقان يستفرغه الإنزال، وفضلاء الأطباء يرون أن الجماع من أسباب حفظ الصحة. لكن لا ينبغى إخراج المنى إلا فى طلب النسل، وإخراج ما احتقن منه، فإنه إذا دام احتقانه أحدث أمراضا رديئة، منها الوسواس والجنون والصرع وغير ذلك، وقد يبرئ استعماله من هذه الأمراض كثيرا، فإنه إذا طال احتباسه فسد واستحال إلى كيفية سمية توجب أمراضا رديئة.
قال محمد بن زكريا: من ترك الجماع مدة طويلة ضعفت قوى أعضائه وانسدت مجاريها، وتقلص ذكره، وقد رأيت جماعة تركوه لنوع من التقشف فبردت أبدانهم وعسرت حركاتهم ووقعت عليهم كابة بلا سبب، وقلت شهواتهم وهضمهم. أشار إليه فى زاد المعاد.
ومن منافعه: غض البصر، وكف النفس، والقدرة على العفة عن الحرام، وتحصيل ذلك للمرأة، فهو ينفع نفسه فى دنياه وآخرته، وينفع المرأة، ولم يزل التفاخر بكثرته عادة معروفة، والتمادح به سيرة ماضية، ولذلك كان- صلى الله عليه وسلم يتعاهده ويقول كما فى حديث أنس عند الطبرانى فى الأوسط،
والنسائى فى سننه: «حبب إلى من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عينى فى الصلاة» «1» أى لمناجاته فيها ربه، زاد الإمام أحمد فى الزهد: وأصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر عنهن.
فمحبة النساء والنكاح من كمال الإنسان، هذا خليل الله إبراهيم، إمام الحنفاء، كان عنده سارة أجمل نساء العالمين، أحب هاجر وتسرى بها. وذكر سعد بن إبراهيم عن عامر بن سعد عن أبيه قال: كان الخليل إبراهيم- عليه الصلاة والسلام يزور هاجر فى كل يوم من الشام على البراق شغفا بها وقلة صبر عنها. وهذا داود- عليه الصلاة والسلام كان عنده تسع وتسعون امرأة فأحب تلك المرأة وتزوج بها فكمل المائة وهذا سليمان ابنه كان يطوف فى الليلة على تسعين امرأة.
تنبيه: قد وقع فى الإحياء للغزالى، وتفسير آل عمران من الكشاف، وكثير من كتب الفقهاء:«حبب إلى من دنياكم ثلاث» «2» . وقالوا: إنه- عليه الصلاة والسلام قال «ثلاث» ولم يذكر إلا اثنتين: الطيب والنساء. قالوا:
ومنه قول الشاعر:
إن الأحامرة الثلاثة أهلكت
…
مالى وكنت بهن قدما مولعا
الخمر والماء القراح وأطلى
…
بالزعفران فلا أزال مولعا
وذكرها ابن فورك فى جزء مفرد ووجهها وأطنب فى ذلك، وهذا عندهم يسمى «طيا» وهو أن يذكر جمع ثم يؤتى ببعضه ويسكت عن ذكر باقيه لغرض للمتكلم، وأنشد الزمخشرى عليه:
كانت حنيفة أثلاثا فثلثهم
…
من العبيد وثلث من مواليها
وفائدة الطى عندهم تكثير ذلك الشىء: لكن قال ابن القيم وغيره: من
(1) صحيح: أخرجه النسائى (7/ 61) فى عشرة النساء، باب: حب النساء، وأحمد فى «مسنده» (3/ 128 و 199 و 285) من حديث أنس- رضى الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (3124) .
(2)
انظر فى ذلك «كشف الخفاء» للعجلونى (1089) .
رواه «حبب إلى من دنياكم ثلاث» فقد وهم، ولم يقل- صلى الله عليه وسلم: ثلاث، والصلاة ليست من أمور الدنيا التى تضاف إليها. انتهى، نعم تضاف إليها لكونها ظرفا لوقوعها فقط، فهى عبادة محضة. وقال شيخ الإسلام والحافظ ابن حجر فى تاريخ الكشاف: إن لفظ «ثلاث» لم تقع فى شىء من طرقه، وزيادته مفسدة للمعنى. وكذا قال شيخ الإسلام الولى ابن العراقى فى أماليه، وعبارته: ليست هذه اللفظة وهى «ثلاث» فى شىء من كتب الحديث، وهى مفسدة للمعنى، فإن الصلاة ليست من أمور الدنيا. وكذا صرح به الزركشى وغيره، كما حكاه شيخنا فى المقاصد الحسنة وأقره.
وقال ابن الحاج فى المدخل: انظر إلى حكمة قوله- صلى الله عليه وسلم «حبب» ولم يقل: أحببت، وقال:«من دنياكم» فأضافها إليهم دونه- عليه الصلاة والسلام، فدل على أن حبه كان خاصا بمولاه تعالى، وجعلت قرة عينه فى الصلاة، فكان- صلى الله عليه وسلم بشرىّ الظاهر، ملكوتى الباطن. وكان- صلى الله عليه وسلم لا يأتى إلى شىء من أحوال البشرية إلا تأنيسا لأمته وتشريعا لها، لا أنه محتاج إلى شىء من ذلك، ألا ترى إلى قوله تعالى: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ «1» فقال: «لكم» ولم يقل: إنى ملك، فلم ينف الملكية عنه إلا بالنسبة إليهم، أعنى فى معانيه- صلى الله عليه وسلم لا فى ذاته الكريمة، إذ إنه- صلى الله عليه وسلم يلحق بشريته ما يلحق البشر، ولهذا قال سيدى أبو الحسن الشاذلى فى صفته- صلى الله عليه وسلم: هو بشر ليس كالأبشار، كما أن الياقوت حجر ليس كالأحجار. وهذا منه- رحمه الله على سبيل التقريب للفهوم، فدل على أنه- صلى الله عليه وسلم ملكى الباطن، ومن كان ملكى الباطن ملك نفسه.
انتهى.
وهاهنا لطيفة: روى أنه- صلى الله عليه وسلم لما قال: «حبب إلى من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عينى فى الصلاة» ، قال أبو بكر: وأنا يا رسول الله حبب إلى من الدنيا: النظر إلى وجهك، وجمع المال للإنفاق عليك،
(1) سورة الأنعام: 50.
والتوسل بقرابتك إليك. وقال عمر: وأنا يا رسول الله حبب إلى من الدنيا:
الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والقيام بأمر الله، وقال عثمان: وأنا يا رسول الله حبب إلى من الدنيا إشباع الجائع وإرواء الظمان وكسوة العارى، وقال على بن أبى طالب: وأنا يا رسول الله حبب إلى من الدنيا الصوم فى الصيف، وإقراء الضيف والضرب بين يديك بالسيف. قال الطبرى: خرجه الجندى. كذا قال والعهدة عليه.
وعن أنس أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم قال: «فضلت على الناس بأربع بالسماحة والشجاعة وكثرة الجماع وشدة البطش» «1» . رواه الطبرانى. وقال أنس: (كان- صلى الله عليه وسلم يدور على نسائه فى الساعة الواحدة من الليل، وهن إحدى عشرة، قلت لأنس: أو كان يطيقه؟ قال: كنا نتحدث أنه أعطى قوة ثلاثين)«2» رواه البخارى من طريق قتادة. قال ابن خزيمة: تفرد بذلك معاذ بن هشام عن أبيه. ورواه سعيد بن أبى عروبة وغيره عن قتادة فقال: (تسع نسوة)«3» انتهى. وكذا رواه البخارى من طريق سعيد بن أبى عروبة أيضا بلفظ (وله يومئذ تسع نسوة) . وقد جمع بينهما ابن حبان فى صحيحه بأن حمل ذلك على حالتين، لكنه وهم فى قوله: إن الأولى كانت فى أول قدومه المدينة، حيث كان تحته تسع نسوة، والحالة الثانية فى آخر الأمر، حيث اجتمع عنده إحدى عشرة امرأة.
وموضع هذا الوهم منه: إنه- صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة لم يكن تحته سوى سودة ثم دخل على عائشة بالمدينة، ثم تزوج أم سلمة وحفصة وزينب بنت خزيمة فى السنة الرابعة، ثم زينب بنت جحش فى الخامسة، ثم جويرية فى السادسة، ثم صفية وأم حبيبة وميمونة فى السابعة، هؤلاء جميع من دخل بهن من الزوجات بعد الهجرة على المشهور
…
لكن تحمل رواية هشام على
(1) موضوع: أخرجه الطبرانى فى الكبير، والإسماعيلى فى معجمه، كما فى «ضعيف الجامع» (3985) .
(2)
صحيح: أخرجه البخارى (268) فى الغسل، باب: إذا جامع ثم عاد.
(3)
هو تتمة ما قبله.
أنه ضم مارية وريحانة إليهن وأطلق عليهن لفظ «نسائه» تغليبا. فإن قلت:
وطء المرأة فى يوم الآخرى ممنوع، والقسم وإن لم يكن واجبا عليه- صلى الله عليه وسلم لكنه التزمه تطييبا لنفوسهن. أجيب: باحتمال إذن صاحبة اليوم له، أو أنه فى يوم لم يثبت فيه قسم بعد، كيوم قدومه من سفر، أو اليوم الذى بعد كمال الدورة، لأنه يستأنف القسم فيما بعد، أو أنه من خصائصه- صلى الله عليه وسلم، وقد اختص فى باب النساء بأشياء، كما سيأتى إن شاء الله تعالى.
وعن طاووس ومجاهد: أعطى- صلى الله عليه وسلم قوة أربعين رجلا فى الجماع «1» . رواه ابن سعد. وفى رواية عن مجاهد: قوة بضع وأربعين رجلا كل رجل من أهل الجنة. رواه الحارث بن أبى أسامة. وعند أحمد والنسائى، وصححه الحاكم من حديث زيد بن أرقم رفعه:«إن الرجل من أهل الجنة ليعطى قوة مائة فى الأكل والشرب والجماع والشهوة» «2» . وعن صفوان بن سليم مرفوعا: «أتانى جبريل بقدر، فأكلت منها فأعطيت قوة أربعين رجلا فى الجماع» «3» . رواه ابن سعد.
ولما كان- صلى الله عليه وسلم ممن أقدر على القوة فى الجماع وأعطى الكثير منه، أبيح له من عدد الحرائر ما لم يبح لغيره. قال ابن عباس: تزوجوا فإن أفضل هذه الأمة أكثرها نساء. يشير إليه- صلى الله عليه وسلم، وقيد بهذه الأمة ليخرج مثل سليمان- عليه السلام فإنه كان أكثر نساء.
ووقع عند الطبرانى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: تزوجوا فإن خيرنا أكثرنا نساء، قيل المعنى: خير أمة محمد- صلى الله عليه وسلم من كان أكثر نساء من غيره ممن يتساوى معه فيما عدا ذلك من الفضائل.
قال الحافظ أبو الفضل العسقلانى: والذى يظهر أن مراد ابن عباس ب «الخير» النبى- صلى الله عليه وسلم وب «الأمة» أخصاء أصحابه، وكأنه أشار إلى أن ترك
(1) تقدم فى حديث الهريسة، وهو ضعيف.
(2)
أخرجه أحمد فى «المسند» (4/ 371) ، والدارمى فى «سننه» (2825) ، والطبرانى فى «الكبير» (5/ 177 و 178) .
(3)
تقدم.
التزويج مرجوح، إذ لو كان راجحا ما آثر النبى- صلى الله عليه وسلم غيره، وكان- مع كونه أخشى الناس لله وأعلمهم به- يكثر التزويج لمصلحة تبليغ الأحكام التى لا يطلع عليها الرجال، ولإظهار المعجزة البالغة فى خرق العادة لكونه كان لا يجد ما يستمتع به من القوت غالبا، وإن وجد فكان يؤثر بأكثره، ويصوم كثيرا ويواصل، ومع ذلك فكان يطوف على نسائه فى الليلة الواحدة، ولا يطاق ذلك إلا مع قوة البدن، وقوة البدن تابعة لما يقوم به من استعمال المقويات من مأكول ومشروب، وهى عنده- صلى الله عليه وسلم نادرة أو معدومة.
وقال بعض العلماء: لما كان الحر لفضله على العبد يستبيح من النساء أكثر مما يستبيح العبد، وجب أن يكون النبى- صلى الله عليه وسلم لفضله على جميع الأمة يستبيح من النساء أكثر مما تستبيحه الأمة. قالوا: ومن فوائد ذلك، زيادة التكليف بهن مع تحمل أعباء الرسالة، فيكون ذلك أعظم لمشاقه وأكثر لأجره، ومنها: أن النكاح فى حقه عبادة، ومنها: نقل محاسنه الباطنة، وقد تزوج- صلى الله عليه وسلم أم حبيبة وكان أبوها فى ذلك الوقت عدوه، وصفية وقد قتل أباها وعمها وزوجها، فلو لم يطلعن من باطن أحواله على أنه أكمل خلق الله لكانت الطباع البشرية تقتضى ميلهن إلى آبائهن وقرابتهن، فكان فى كثرة النساء عنده بيان لمعجزاته وكماله باطنا، كما عرف الرجال منه الظاهر.
وقد رغب- صلى الله عليه وسلم فى النكاح. فروى أبو داود والنسائى من حديث معقل بن يسار مرفوعا: «تزوجوا الولود الودود فإنى مكاثر بكم الأمم» «1» وفى ابن ماجه عن أبى هريرة رفعه: «انكحوا فإنى مكاثر بكم الأمم» . وهو معنى ما اشتهر على الألسنة: «تناكحوا تناسلوا فإنى أباهى بكم الأمم» «2» ، ولم أقف عليه بهذا اللفظ.
(1) صحيح: أخرجه أبو داود (2050) فى النكاح، باب: من تزوج الولود، والنسائى (6/ 65) فى النكاح، باب: كراهية تزويج العقيم، والحاكم فى «المستدرك» (2/ 176) ، من حديث معقل بن يسار- رضى الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (2940) .
(2)
انظر هذه الرواية فى «كشف الخفاء» للعجلونى (1021) .
وأرشد- صلى الله عليه وسلم من لم يستطع الباءة إلى الصوم، لأن كثرته تقلل مادة النكاح، وتضعف ما يجده المرء من الحرارة القوية التى تبعثه على النكاح، وخص الشباب فى قوله:«يا معشر الشباب» «1» لأن للشباب من شهوة النكاح ما ليس لغيرهم. وقد ظهر لك أن النكاح أعظم فى الأجر والثواب من الصيام، فإنه- صلى الله عليه وسلم لم يأمر أولا بالصوم إنما أمر به عند عدم الطول إلى النكاح، وإذا كان النكاح ينوى به التناسل لتكثير هذه الأمة المحمدية فهو بلا شك أفضل.
قال عمر بن الخطاب- رضى الله عنه-: إنى لأطأ النساء وما لى إليهن حاجة، رجاء أن يخرج الله من ظهرى من يكاثر به محمد- صلى الله عليه وسلم الأمم يوم القيامة.
ذكره ابن أبى جمرة.
وانظر كون نبينا- صلى الله عليه وسلم بالإجماع- أعبد الناس، مع ما طبعت عليه بشريته من حب الجماع، وكيف لم يخل بعبادته شيئا، لأنه- صلى الله عليه وسلم لم يكن يأتيها إلا على مشروعيتها، وهذا هو غاية الكمال فى البشرية، لأنه يرجع ما طبع عليه تابعا لما أمر به.
وقد روى عنه- صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا رهبانية فى الإسلام» «2» . وهى ترك النساء، ولو كان تركهن أفضل لشرع ذلك فى ديننا، إذ هو خير الأديان. وقد قال سليمان- عليه السلام: لأطوفن الليلة على مائة امرأة «3» . رواه البخارى.
وهذا فيه معجزة لسليمان- عليه السلام، إذ البشر عاجز عن الطواف على مائة
(1) صحيح: أخرجه البخارى (5065) فى النكاح، باب: قول النبى- صلى الله عليه وسلم: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج» ، ومسلم (1400) فى النكاح، باب: استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه، من حديث عبد الله بن مسعود- رضى الله عنه-.
(2)
لم أره بهذا اللفظ: قاله الحافظ ابن حجر، لكن فى حديث سعد بن أبى وقاص عند البيهقى «أن الله أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة» ، نقلا عن «كشف الخفاء» (3154) .
(3)
صحيح: أخرجه البخارى (3424) فى أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ، نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ، ومسلم (1654) فى الأيمان، باب: الاستثناء، من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه-.