الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
للشرط الأول فى استحباب الحل، فإن هبتها نفسها منه لا توجب له إلا بإرادته نكاحها، فإنها جارية مجرى القبول، قال: والعدول عن الخطاب إلى الغيبة بلفظ «النبى» صلى الله عليه وسلم مكررا. ثم الرجوع إليه فى قوله: خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ «1» . إيذان بأنه مما خص به لشرف نبوته وتقرير لاستحقاقه الكرامة لأجله. انتهى.
وقال المعافى: وفى معنى «خالصة» ثلاثة أقوال: أحدها: أن المرأة إذا وهبت نفسها له يلزمه صداقها دون غيره من المؤمنين. قاله أنس بن مالك وابن المسيب. والثانى: أن له أن ينكحها بلا ولى ولا شهود دون غيره. قاله قتادة، والثالث: خالصة لك أن تملك عقد نكاحها بلفظ الهبة دون المؤمنين، قال: وهذا قول الشافعى وأحمد، وعن أبى حنيفة ينعقد النكاح بلفظ الهبة لغيره- صلى الله عليه وسلم أيضا.
*
وكذا يجوز له- صلى الله عليه وسلم النكاح بلا مهر
ابتداء وانتهاء، كما تقدم أن المرأة إذا وهبت نفسها له- صلى الله عليه وسلم لا يلزمه صداقها. قال النووى: إذا وهبت امرأة نفسها له- صلى الله عليه وسلم فتزوجها بلا مهر حل له ذلك، ولا يجب عليه بعد ذلك مهرها بالدخول، ولا بغير ذلك، بخلاف غيره فإنه لا يخلو نكاحه من وجوب مهر، إما مسمى وإما مهر المثل والله أعلم.
*
وكذا يجوز له النكاح فى حال الإحرام
،
قال النووى فى شرح مسلم: قال جماعة من أصحابنا أنه- صلى الله عليه وسلم كان له أن يتزوج فى حال الإحرام، وهو مما خص به دون الأمة، قال: وهذا أصح الوجهين عند أصحابنا. انتهى.
*
وكذا يجوز له- صلى الله عليه وسلم النكاح بغير رضى المرأة
،
فلو رغب فى نكاح امرأة خلية لزمها الإجابة، وحرم على غيره خطبتها، أو متزوجة وجب على زوجها طلاقها.
قال الغزالى: ولعل السر فيه من جانب الزوج امتحان إيمانه بتكليف
(1) سورة الأحزاب: 50.
النزول عن أهله، فإنه- صلى الله عليه وسلم قال:«لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وولده والناس أجمعين» «1» .
ويدل لهذه الخصيصة قصة زينب بنت جحش بنت عمته- صلى الله عليه وسلم أميمة بنت عبد المطلب، المنصوص عليها بقوله تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ «2» . أى بنعمة الإسلام وهى أجل النعم وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أى بالإعتاق بتوفيق الله لك، وهو زيد بن حارثة الكلبى، وكان من سبى الجاهلية، فملكه رسول الله- صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وأعتقه وتبناه وخطب له زينب فأبت هى وأخوها عبد الله، ثم رضيا لما نزل قوله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ «3» . الآية وكان الرجل فى الجاهلية وصدر الإسلام إذا تبنى ولد غيره يدعوه الناس به ويرث ميراثه وتحرم عليه زوجته، فنسخ الله تعالى التبنى بقوله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ «4» . وبهذه القصة يثبت الحكم بالقول والفعل، فأوحى الله إليه أن زيدا سيطلقها، وأنه- صلى الله عليه وسلم يتزوجها، وألقى فى قلب زيد كراهتها فأراد فراقها فأتى رسول الله- صلى الله عليه وسلم فقال إنى أريد أن أفارق صاحبتى قال:«ما لك؟ أرابك منها شىء؟» قال: لا والله يا رسول الله ما رأيت منها إلا خيرا، ولكنها تتعظم على بشرفها وتؤذينى بلسانها، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ «5» ، أى فى أمرها، فلا تطلقها ضرارا وتعللا فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً «6» . ولم يبق له فيها حاجة، ولما طلقها وانقضت عدتها زوجها الله تعالى له، كما قال تعالى:
(1) صحيح: والحديث أخرجه البخارى (15) فى الإيمان، باب: حب الرسول- صلى الله عليه وسلم من الإيمان، ومسلم (44) فى الإيمان، باب: وجوب محبة رسول الله- صلى الله عليه وسلم أكثر من الأهل والوالد والولد، من حديث أنس- رضى الله عنه-.
(2)
سورة الأحزاب: 37.
(3)
سورة الأحزاب: 36.
(4)
سورة الأحزاب: 5.
(5)
سورة الأحزاب: 37.
(6)
سورة الأحزاب: 37.
زَوَّجْناكَها «1» . والمعنى أنه أمره بتزويجها منه، أو جعلها زوجته بلا واسطة عقد. ويؤيده أنها كانت تقول لسائر نساء رسول الله- صلى الله عليه وسلم: إن الله تولى نكاحى، وأنتن زوجكن أولياؤكن. وقيل إن زيدا كان السفير للتزويج، وفى ذلك لزيد ابتلاء عظيم وشاهد بين على قوة إيمانه.
وقد علل تعالى تزويجه إياها بقوله: لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ «2» . أى فى أن يتزوجوا زوجات من كانوا يتبنونه إذا فارقوهن، وأن هؤلاء الزوجات ليست داخلات فيما حرم فى قوله:
وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ «3» .
وأما قوله: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ «4» . فمعناه: علمك أنه سيطلقها وتتزوجها، فعاتبه الله تعالى على هذا القدر فى شىء أباحه له، بأن قال:
أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ «5» . مع علمه أنه سيطلق، وهذا مروى عن على بن الحسين، وعليه أهل التحقيق من المفسرين، كالزهرى، وبكر بن العلاء، والقاضى أبى بكر بن العربى وغيرهم.
والمراد بقوله: وَتَخْشَى النَّاسَ «6» . إنما هو فى إرجاف المنافقين فى تزويج نساء الأبناء، والنبى- صلى الله عليه وسلم معصوم فى الحركات والسكنات. ولبعض المفسرين هنا كلام لا يليق بمنصب النبوة.
وقيل قوله: وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ «7» . خطاب من الله تعالى، أو من الرسول- صلى الله عليه وسلم لزيد، فإنه أخفى الميل إليها وأظهر الرغبة عنها لما توهم أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم يريد أن تكون من نسائه.
(1) سورة الأحزاب: 37.
(2)
سورة الأحزاب: 37.
(3)
سورة النساء: 23.
(4)
سورة الأحزاب: 37.
(5)
سورة الأحزاب: 37.
(6)
سورة الأحزاب: 37.
(7)
سورة الأحزاب: 37.