الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومثل من كان قبلكم مثل رجل استأجر أجراء، فقال: من يعمل لى من الفجر إلى الظهر بقيراط، فعملت اليهود، ثم قال من يعمل لى من الظهر إلى العصر بقيراط، فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لى من العصر إلى المغرب بقيراطين فعملتم، فغضبت اليهود والنصارى وقالوا: نحن أكثر عملا وأقل أجرا، فقال الله تعالى: وهل نقصت من أجركم شيئا؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلى أوتيه من أشاء، فكنتم أقل عملا وأكثر أجرا» «1» رواه البخارى.
قالوا: فهذا الحديث دل على أن العصر هو عصره- صلى الله عليه وسلم الذى هو فيه، فيكون على هذا أقسم تعالى بزمانه فى هذه الآية، وبمكانه فى قوله:
وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ «2» ، وبعمره فى قوله لَعَمْرُكَ «3» ، فكأنه قال:
وعصرك وبلدك وعمرك، وذلك كله كالظرف له، فإذا وجب تعظيم الظرف فكيف حال المظروف، قال: ووجه القسم كأنه تعالى قال: ما أعظم خسرانهم إذا أعرضوا عنك. انتهى.
النوع السادس فى وصفه تعالى له ص بالنور والسراج المنير
اعلم أن الله تعالى قد وصف رسوله- صلى الله عليه وسلم ب «النور» فى قوله تعالى:
قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ «4» ، وقيل المراد: القرآن. ووصفه- صلى الله عليه وسلم أيضا ب «السراج المنير» فى قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (45) وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً «5» .
(1) صحيح: أخرجه البخارى (2268) فى الإجارة، باب: الإجارة إلى نصف النهار، وأطرافه (2269 و 3459 و 5021 و 7467 و 7533) ، من حديث ابن عمر- رضى الله عنهما-.
(2)
سورة البلد: 2.
(3)
سورة الحجر: 72.
(4)
سورة المائدة: 15.
(5)
سورة الأحزاب: 45، 46.
والمراد: كونه هاديا مبينا كالسراج الذى يرى الطريق ويبين الهدى والرشاد، فبيانه أقوى وأتم وأنفع من نور الشمس، وإذا كان كذلك وجب أن تكون نفسه القدسية أعظم فى النورانية من الشمس، فكما أن الشمس فى عالم الأجسام تفيد النور لغيرها ولا تستفيد من غيرها فكذا نفس النبى- صلى الله عليه وسلم تفيد الأنوار العقلية لسائر الأنفس البشرية، ولذلك وصف الله الشمس بأنها سراج حيث قال: وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً «1» .
وكما وصف الله رسوله بأنه نور، وصف نفسه المقدسة بذلك فقال:
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ «2» ، فليس فيهما نور إلا الله، ونوره القدسى هو سر الوجود والحياة والجمال والكمال، وهو الذى أشرق على العالم فأشرق على العوالم الروحانية، وهم الملائكة، فصارت سرجا منيره، يستمد منها من هو دونها بجود الله تعالى، ثم سرى النور إلى عالم النفوس الإنسانية، ثم طرحته النفوس على صفحات الجسوم، فليس فى الوجود إلا نور الله السارى إلى الشىء منه بقدر قبوله ووسع استعداده ورحب تلقيه.
والنور فى الأصل: كيفية يدركها الباصر أولا، وبواسطتها سائر المبصرات، كالكيفية الفائضة من النيرين- الشمس والقمر- على الأجرام الكثيفة المحاذية لهما، وهو بهذا المعنى لا يصح إطلاقه على الله تعالى إلا بتقدير مضاف، كقولك: زيد كرم، بمعنى: ذو كرم، أو معنى منور السماوات والأرض، فإنه تعالى نورهما بالكواكب، وما يفيض عنها من الأنوار، وبالملائكة والأنبياء من قولهم للرئيس الفائق فى التدبير: نور القوم، لأنهم يهتدون به فى الأمور، ويؤيد هذا القول قراءة على بن أبى طالب وزيد بن
(1) سورة الفرقان: 61.
(2)
سورة النور: 35.
على وغيرهما (نوّر) فعلا ماضيا، و (الأرض) بالنصب. وقوله:(مثل نوره) أى: مثل هداه سبحانه وتعالى. وأضاف النور إلى السماوات والأرض إما دلالة على سعة إشراقه، وفشو إضاءته حتى تضىء له السماوات والأرض، وإما لإرادة أهل السماء والأرض، وأنهم يستضيئون به.
وعن مقاتل: أى مثل الإيمان فى قلب محمد كمشكاة فيها مصباح، فالمشكاة نظير صدر عبد الله، والزجاجة نظير جسد محمد- صلى الله عليه وسلم، المصباح نظير الإيمان والنبوة فى قلب محمد- صلى الله عليه وسلم. وعن غيره: المشكاة نظير إبراهيم، والزجاجة نظير إسماعيل- عليهما السلام، والمصباح جسد محمد- صلى الله عليه وسلم، والشجرة: النبوة والرسالة.
وعن أبى سعيد الخراز «1» : المشكاة: جوف محمد- صلى الله عليه وسلم، والزجاجة قلبه، والمصباح النور الذى جعله الله فى قلب محمد- صلى الله عليه وسلم. وعن كعب وابن جبير: النور الثانى هنا محمد- صلى الله عليه وسلم. وعن سهل بن عبد الله: مثل نور محمد إذ كان مستودعا فى الأصلاب كمشكاة صفتها كذا وكذا، وأراد بالمصباح قلبه وبالزجاجة صدره، أى كأنه كوكب درى لما فيه من الإيمان والحكمة.
توقد من شجرة مباركة، أى من نور إبراهيم، وضرب المثل بالشجرة المباركة.
وقوله: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ «2» أى تكاد نبوة محمد تبين للناس قبل كلامه، حكى هذا القول الأخير القاضى أبو الفضل اليحصبى والفخر الرازى، لكنه عن كعب الأحبار.
(1) هو: أحمد بن عيسى الخراز، أبو سعيد، أحد مشايخ الصوفية، توفى سنة (286 هـ، وقيل 277 هـ) .
(2)
سورة النور: 35.
وعن الضحاك: يكاد محمد يتكلم بالحكمة قبل الوحى. قال عبد الله ابن رواحة:
لو لم تكن فيه آيات مبينة
…
كانت بديهته تنبيك بالخبر
لكن التفسير الأول فى هذه الآية هو المختار، لأنه تعالى ذكر قبل هذه الآية وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ «1» فإذا كان المراد بقوله (مثل نوره) أى مثل هداه كان ذلك مطابقا لما قبله.
واختلفوا فى هذا التشبيه. أو هو مشبه جملة بجملة، لا يقصد فيها إلى تشبيه جزء بجزء، ومقابلة شىء بشىء، أو مما قصد منه ذلك؟ أى: مثل نور الله، الذى هو هداه وإتقانه صنعة كل مخلوق، وبراهينه الساطعة، على الجملة كهذه الجملة من النور الذى تتخذونه أنتم على هذه الصفة التى هى أبلغ صفات النور الذى بين يدى الناس، أى: مثل نور الله فى الوضوح كهذا الذى هو منتهاكم أيها البشر.
وقيل: هو من التشبيه المفصل، المقابل جزء بجزء، قد رده على تلك الأقوال الثلاثة.
أى: مثل نوره فى محمد- صلى الله عليه وسلم، أو فى المؤمنين، أو فى القرآن والإيمان كمشكاة، فالمشكاة هو الرسول أو صدره، والمصباح هو النبوة وما يتصل بها من علمه وهداه، والزجاجة قلبه، والشجرة المباركة الوحى، والملائكة رسل الله إليه، وشبه الفضل به بالزيت وهو الحجج والبراهين، والآيات التى تضمنها الوحى.
وعلى قول: «المؤمنين» ، فالمشكاة صدره، والمصباح الإيمان والعلم، والزجاجة قلبه، والشجرة القرآن، وزيتها هو الحجج والحكمة التى تضمنتها.
(1) سورة النور: 34.