الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثالث فيما تدعو ضرورته إليه صلى الله عليه وسلم من غذائه وملبسه ومنكحه وما يلحق بذلك
وفيه أربعة أنواع:
النوع الأول فى عيشه صلى الله عليه وسلم فى المأكل والمشرب
اعلم أن تناول الطعام أصل كبير، يحتاج إلى علوم كثيرة، لاشتماله على المصالح الدينية والدنيوية، وتعلق أثره بالقلب والقالب، وبه قوام البدن بإجراء سنة الله تعالى بذلك، والقالب مركب القلب، وبهما عمارة الدنيا والآخرة، والقالب بمفرده على طبيعة الحيوان يستعان به على عمارة الدنيا، والروح والقلب على طبيعة الملائكة يستعان بهما على عمارة الآخرة، وباجتماعهما يصلحان لعمارة الدارين.
قال الغزالى: ولا طريق إلى الوصول إلى اللقاء إلا بالعلم والعمل، ولا يمكن المواظبة عليهما إلا بسلامة البدن، ولا تصفو سلامة البدن إلا بالأطعمة والأقوات، والتناول منها بقدر الحاجات، على تكرار الأوقات. فمن هذا الوجه، قال بعض السلف الصالحين: إن الأكل من الدين، وعليه نبه رب العالمين بقوله، وهو أصدق القائلين: كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً «1» ، فمن تناول الأكل ليستعين به على العلم والعمل، ويقوى به على التقوى فلا ينبغى أن يترك نفسه سدى يسترسل فى الأكل استرسال البهائم فى المرعى، فإنما هو ذريعة إلى الدين ووسيلة إليه، ينبغى أن تظهر أنوار الدين عليه، وإنما
(1) سورة المؤمنون: 51.
نور الدين وآدابه وسننه، التى يزم العبد بزمامها، ويلجم المتقى بلجامها، حتى يزن بميزان الشرع، شهوة الطعام فى إقدامها وإحجامها، فيصير بسببها مدفعة للوزر ومجلبة للأجر.
واعلم أن الشبع بدعة ظهرت بعد القرن الأول، وقد روى النسائى وابن ماجه وصححه الحاكم من حديث المقدام بن معدى كرب أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم قال:«ما ملأ ابن آدم وعاء شرّا من بطنه، حسب الآدمى لقيمات يقمن صلبه، فإن غلبت الآدمى نفسه فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس» «1» .
قال القرطبى فى شرح «الأسماء» كما نقله شيخ الإسلام والحافظ ابن حجر: لو سمع بقراط بهذه القسمة لعجب من هذه الحكمة. وقال غيره: إنما خص الثلاثة بالذكر لأنها أسباب حياة الحيوان، ولأنه لا يدخل البطن سواها.
وهل المراد بالثلث التساوى على ظاهر الخبر، أو التقسيم على ثلاثة أقسام متقاربة؟ محل احتمال. وقد صح، (المؤمن يأكل فى معى واحد- وهى بكسر الميم مقصور: المصارين- والكافر يأكل فى سبعة أمعاء) «2» وليست حقيقة العدد مرادة، وتخصيص السبعة للمبالغة فى التكثير، والمعنى: أن المؤمن من شأنه التقلل من الأكل لاشتغاله بأسباب العبادة ولعلمه بأن مقصود الشرع من الأكل ما سد الجوع، ويعين على العبادة، ولخشيته أيضا من حساب من زاد على ذلك، والكافر بخلاف ذلك.
وعند أهل التشريح أن أمعاء الإنسان سبعة؛ المعدة ثم ثلاثة أمعاء بعدها
(1) صحيح: أخرجه الترمذى (2380) فى الزهد، باب: ما جاء فى كراهية كثرة الأكل، وابن ماجه (3349) فى الأطعمة، باب: الاقتصاد فى الأكل وكراهة الشبع، وأحمد فى «المسند» (4/ 132) ، وابن حبان فى «صحيحه» (5236) ، والحاكم فى «مستدركه» (4/ 367)، وقال الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (5674) : صحيح.
(2)
صحيح: والحديث أخرجه البخارى (5393- 5395) فى الأطعمة، باب: المؤمن يأكل فى معى واحد، ومسلم (2060 و 2061) فى الأشربة، باب: المؤمن يأكل فى معى واحد، من حديث ابن عمر- رضى الله عنهما-.
متصلة بها: البواب ثم الصائم ثم الرقيق، والثلاثة رقاق. ثم الأعور والقولون والمستقيم وطرفه الدبر، وكلها غلاظ، وقد نظمها زين الدين العراقى فى قوله:
سبعة أمعاء لكل آدمى
…
معدة بوابها مع صائم
ثم الرقيق أعور قولون مع
…
المستقيم مسلك المطاعم
فيكون المعنى: أن الكافر لكونه يأكل بشراهة لا يشبعه إلا ملء أمعائه السبعة، والمؤمن يشبعه ملء معى واحد.
ولا يلزم من هذا الحديث اطراده فى حق كل مؤمن وكافر، فقد يكون فى المؤمنين من يأكل كثيرا، إما بحسب العادة أو لعارض له من مرض باطن أو لغير ذلك. ويكون فى الكفار من يأكل قليلا إما لمراعاة الصحة على رأى الأطباء، وإنما للرياضة على رأى الرهبان، وإما لعارض كضعف المعدة.
ومحصل القول إن من شأن المؤمن الحرص على الزهادة والاقتناع بالبلغة، بخلاف الكافر. وقيل: المراد أن المؤمن يسمى الله عند طعامه وشرابه فلا يشركه الشيطان فيكفيه القليل بخلاف الكافر. وقيل: المراد بالمؤمن- فى هذا الحديث- التام الإيمان، لأن من حسن إسلامه وكمل إيمانه اشتغل فكره فيما يصير إليه من الموت وما بعده، فيمنعه شدة الخوف وكثرة الفكر والإشفاق على نفسه من استيفاء شهوته كما ورد فى حديث لأبى أمامة رفعه:«من كثر تفكره قل مطعمه، ومن قل تفكره كثر مطعمه، وقسا قلبه» وقالوا: لا تدخل الحكمة معدة ملئت طعاما، ومن قل طعامه قل شربه وخف منامه، ومن خف منامه ظهرت بركة عمره، ومن امتلأ بطنه كثر شربه، ومن كثر شربه ثقل نومه، ومن ثقل نومه محقت بركة عمره، فإذا اكتفى بدون الشبع حسن اغتذاء بدنه، وصلح حال نفسه وقلبه، ومن تملأ من الطعام ساء غذاء بدنه وأشرت نفسه وقسا قلبه.
وعن ابن عباس قال- صلى الله عليه وسلم: «إن أهل الشبع فى الدنيا هم أهل الجوع غدا فى الآخرة» «1» رواه الطبرانى.
وعن سلمان وأبى جحيفة أن النبى- صلى الله عليه وسلم قال: «إن أكثر الناس شبعا فى الدنيا أطولهم جوعا فى الآخرة» «2» .
وقالت عائشة: لم يمتلئ جوف النبى- صلى الله عليه وسلم شبعا قط. وإنه كان فى أهله لا يسألهم طعاما ولا يتشهاه، إن أطعموه أكل، وما أطعموه قبل، وما سقوه شرب.
وقولها: لم يمتلئ جوف النبى- صلى الله عليه وسلم شبعا قط، محمول على الشبع الذى يثقل المعدة ويثبط صاحبه عن القيام بالعبادة، ويفضى إلى البطر والأشر والنوم والكسل، وقد تنتهى كراهته إلى التحريم بحسب ما يترتب عليه من المفسدة، وليس المراد بالشبع النسبى المعتاد فى الجملة، ففى صحيح مسلم:
خروجه- صلى الله عليه وسلم وصاحبيه من الجوع، وذهابهم إلى بيت الأنصارى، وذبحه الشاة «3» . وفيه: فلما أن شبعوا ورووا. قال النووى: فيه جواز الشبع، وما جاء فى كراهته محمول على المداومة عليه.
وعن أبى هريرة قال: ما شبع آل محمد- صلى الله عليه وسلم من طعام ثلاثة أيام تباعا حتى قبض «4» . رواه الشيخان.
(1) أخرجه الطبرانى فى «الكبير» (11/ 267) وذكره الهيثمى فى «المجمع» (10/ 250، 251) وقال: فيه يحيى بن سليمان الحفرى، وقد تقدم الكلام عليه، وبقية رجاله ثقات. اه. قلت: وقال فى (10/ 249) : أما يحيى فقد ذكر الذهبى فى الميزان فى آخر ترجمة يحيى ابن سليمان الجعفى فقال: فأما سميه يحيى بن سليمان الحفرى فما علمت به بأسا، ثم ذكر بعده يحيى بن سليمان القرشى، قال أبو نعيم: فيه مقال، وذكره ابن الجوزى، فإن كانا اثنين فالحفرى ثقة.
(2)
أخرجه الطبرانى فى «الكبير» (6/ 236 و 268) من حديث سلمان- رضى الله عنه- و (22/ 126 و 132) من حديث أبى جحيفة- رضى الله عنه-، وذكره الهيثمى فى «المجمع» (5/ 31) وقال: رواه الطبرانى فى الأوسط والكبير بأسانيد وفى أحد أسانيد الكبير محمد بن خالد الكوفى ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
(3)
صحيح: وسيأتى بتمامه بعد قليل.
(4)
صحيح: أخرجه البخارى (5374) فى الأطعمة، باب: قول الله تعالى: كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ، ومسلم (2976) فى الزهد والرقائق، باب: رقم (1) .
وعن ابن عباس قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم يبيت الليالى المتتابعة وأهله طاويا لا يجدون عشاء، وإنما كان خبزهم الشعير «1» . رواه الترمذى وصححه.
وفى حديث مسعر عند مسلم: «ما شبع آل محمد يومين من خبز البر، إلا وأحدهما تمر» «2» .
وأخرج ابن سعد من طريق عمران بن زيد المدنى: حدثنى والدى قال:
دخلنا على عائشة فقالت: خرج- تعنى النبى- صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يملأ بطنه فى يوم من طعامين، كان إذا شبع من التمر لم يشبع من الشعير، وإذا شبع من الشعير لم يشبع من التمر «3» .
وليس فى هذا ما يدل على ترك الجمع بين لونين، فقد جمع- صلى الله عليه وسلم القثاء والرطب كما سيأتى- إن شاء الله تعالى-.
وعن الحسن قال: خطب رسول الله- صلى الله عليه وسلم فقال: «والله ما أمسى فى آل محمد صاع من طعام، وإنها لتسعة أبيات» والله ما قالها استقلالا لرزق الله ولكن أراد أن تتأسى به أمته. رواه الدمياطى فى السيرة له.
وعن عائشة قالت: كان يعجب نبى الله- صلى الله عليه وسلم من الدنيا ثلاثة أشياء:
الطيب والنساء والطعام، فأصاب اثنتين ولم يصب واحدة، أصاب النساء والطيب، ولم يصب الطعام. ذكره الدمياطى أيضا.
وفى رواية مسلم: «يظل اليوم يلتوى ما يجد من الدقل ما يملأ بطنه» «4» .
(1) حسن: أخرجه الترمذى (2360) فى الزهد، باب: ما جاء فى معيشة النبى- صلى الله عليه وسلم وأهله، وابن ماجه (3347) فى الأطعمة، باب: خبز الشعير، والطبرانى فى «الكبير» (11/ 328) ، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (4895) .
(2)
صحيح: أخرجه مسلم (2971) فى الزهد والرقائق، باب: رقم (1) ، من حديث عائشة- رضى الله عنها-، ومسعر هذا أحد رواته.
(3)
أخرجه ابن سعد فى «الطبقات» (1/ 405) .
(4)
صحيح: أخرجه مسلم (2977) فى الزهد والرقائق، باب: رقم (1) ، من حديث النعمان بن بشير- رضى الله عنه-.
وقالت عائشة: إن كنا آل محمد نمكث شهرا ما نستوقد بنار، إن هو إلا الماء والتمر «1» .
وقال عتبة بن غزوان: لقد رأيتنى- وإنى لسابع سبعة- مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم ما لنا طعام إلا ورق السمر حتى تقرحت أشداقنا «2» .
وفى البخارى ومسلم: كانت عائشة تقول لعروة: والله يا ابن أختى، إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال، ثلاثة أهلة فى شهرين وما أوقد فى أبيات رسول الله- صلى الله عليه وسلم نار، قال: قلت: يا خالة فما كان يعيشكم؟
قالت: الأسودان، التمر والماء، إلا أنه كان لرسول الله- صلى الله عليه وسلم جيران من الأنصار، وكانت لهم منائح فكانوا يرسلون إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم من ألبانها فيسقيناه «3» .
ولمسلم أيضا: قالت: لقد مات رسول الله- صلى الله عليه وسلم وما شبع من خبز وزيت فى يوم واحد مرتين «4» .
وقال أنس: ما أعلم أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم رأى رغيفا مرققا حتى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطا بعينه حتى لحق بالله «5» . رواه البخارى.
والمرقق: الملين المحسن كخبز الحوارى وشبهه، والترقيق: التليين، ولم يكن عندهم مناخل، وقد يكون المرقق: الرقيق الموسع، قاله القاضى عياض.
وجزم به ابن الأثير فقال: وهو السميد وما يصنع من كعك وغيره، وقال ابن الجوزى: هو الخفيف. كأنه أخذه من الرقاق وهى الخشبة التى يرقق بها.
والحوارى: - بضم المهملة وتشديد الواو وفتح الراء- الخالص الذى ينخل مرة بعد أخرى.
(1) صحيح: أخرجه مسلم (2972) فى الزهد والرقائق، باب: رقم (1) .
(2)
صحيح: أخرجه مسلم (2967) فى كتاب الزهد والرقائق، باب: رقم (1) .
(3)
صحيح: أخرجه البخارى (2567) فى الهبة، باب: فضلها والتحريض عليها، ومسلم (2972) فى الزهد والرقائق، باب: رقم (1) .
(4)
صحيح: أخرجه مسلم (2974) فى الزهد والرقائق، باب: رقم (1) .
(5)
صحيح: أخرجه البخارى (5421) فى الأطعمة، باب: شاة مسموطة.
وقوله: ولا شاة سميطا: هو الذى أزيل شعره بالماء السخن وشوى بجلده، وإنما يصنع ذلك فى الصغير السن، وهو من فعل المترفهين من وجهين: أحدهما المبادرة إلى ذبح ما لو بقى لازداد ثمنه، وثانيهما: أن المسلوخ ينتفع بجلده فى اللبس وغيره. والسمط يفسده، وقد جرى ابن بطال وابن الأثير على أن المسموط هو المشوى، لكن الثانى ذكر أن أصله نزع صوفه بالماء الحار كما تقدم، قال: وإنما يفعل ذلك فى الغالب ليشوى.
ولعله يعنى: أنه لم يرد السميط فى مأكوله، وإلا فإن لم يكن معهودا فلا تمدح.
وعن أبى حازم أنه سأل سهلا: هل رأيتم فى زمان النبى- صلى الله عليه وسلم النقى؟ قال: لا، فقلت: كنتم تنخلون الشعير؟ قال: لا، ولكن كنا ننفخه «1» . رواه البخارى.
وفى رواية له: هل كانت لكم فى عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم مناخل؟
فقال: ما رأى النبى- صلى الله عليه وسلم منخلا من حين ابتعثه الله حتى قبضه الله «2» .
قال شيخ الإسلام ابن حجر: أظنه احترز عما قبل البعثة، لكونه- صلى الله عليه وسلم كان يسافر فى تلك المدة إلى الشام تاجرا، وكانت الشام إذ ذاك مع الروم، والخبز النقى عندهم كثير، وكذا المناخل وغيرها من آلات الترفه، ولا ريب أنه رأى ذلك عندهم، وأما بعد البعثة فلم يكن إلا بمكة والطائف والمدينة، ووصل إلى تبوك وهى من أطراف الشام لكن لم يفتحها ولا طالت إقامته بها. انتهى.
وقد تتبعت هل كانت أقراص خبزه صغارا أم كبارا؟ فلم أجد فى ذلك
(1) صحيح: أخرجه البخارى (5410) فى الأطعمة، باب: النفخ فى الشعير.
(2)
صحيح: أخرجه البخارى (5413) فى الأطعمة، باب: ما كان النبى- صلى الله عليه وسلم وأصحابه يأكلون.
شيئا بعد التفتيش. نعم روى أمره بتصغيرها فى حديث عند الديلمى عن عائشة رفعته بلفظ: «صغروا الخبز وأكثروا عدده يبارك لكم فيه» «1» ، وهو واه، بحيث ذكره ابن الجوزى فى الموضوعات وقال: إن المتهم به جابر بن سليم. وروى عن ابن عمر مرفوعا: «البركة فى صغر القرص» «2» ، ونقل عن النسائى أنه كذب. لكن روى البزار بسند ضعيف عن أبى الدرداء مرفوعا.
«قوتوا طعامكم يبارك لكم فيه» «3» قال فى النهاية: وحكى عن الأوزاعى أنه تصغير الأرغفة، كذا حكى البزار عن إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد عن بعض أهل العلم: أنه تصغير الأرغفة. أشار إلى ذلك شيخنا فى المقاصد الحسنة.
ولعل هذا سند شيخى وقدوتى وإنسان عين بصيرتى العارف الربانى رهان العارفين أبى إسحاق إبراهيم المتبولى فى تصغير أرغفة سماطه كالشيخ أبى العباس أحمد البدوى «4» والسادات إكسير معارف السعادات أولى المواهب
(1) موضوع: أخرجه الأزدى فى الضعفاء والإسماعيلى فى معجمه، كما فى «الجامع الصغير» (4998)، وقال الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (3472) : موضوع.
(2)
موضوع: أخرجه أبو الشيخ ابن حبان فى الثواب عن ابن عباس، والسلفى فى الطوريات عن ابن عمر، كما فى «الجامع الصغير» (3203)، وقال الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (2372) : موضوع.
(3)
ضعيف: أخرجه الطبرانى عن أبى الدرداء، كما فى «ضعيف الجامع» (4117) .
(4)
قلت: الثابت عنه من كتب السير أنه كان يأتى بأفعال المجاذيب، ومما يؤسف له أن كل من أتى بفعل من أفعال المجاذيب، اعتبره الناس وليّا، وأقاموا له ضريحا بعد وفاته، يطوفون به، وينذرون له، ويستغيثون به، وكلها أفعال شركية، لا يصح للمسلم الإتيان بها، ومن أراد معرفة الولاية الحقيقية فلينظر فى سيرة أنبياء الله، فى خلق الله، الذين أمرنا باتباعهم، والهدى على سيرهم، وكذلك صحابتهم الكرام والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين، ويكفى أن يعرف عن هؤلاء المجاذيب أنه لم يعرف لهم صلاة ولا صيام ولا حج ولا درس علم ولا فقه عنهم منتشر كالأئمة الأربعة مثلا، ولا أعلم على أى شىء اعتبرهم الناس أولياء، أو عارفين بالله، وهل العارف بالله من يترك الصلاة، أو الصيام أو غيرها من العبادات، بل والنكاح الذى هو من سنن المرسلين، سبحانك ما هذا إلا بهتان عظيم، بل ومما يؤسف له أن بعضهم كأحمد البدوى مثلا ترك الجهاد فى سبيل-
العلية والحقائق المحمدية بنى الوفاء أعاد الله من بركاتهم وواصل إمداداتهم إلينا.
وعن عائشة قالت: توفى- صلى الله عليه وسلم وليس عندى شىء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير فى رف لى، فأكلت منه حتى طال على فكلته ففنى «1» رواه البخارى ومسلم.
وعندهما أيضا قالت: توفى رسول الله- صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودى فى ثلاثين صاعا من شعير «2» .
وقال ابن عباس: ودرعه مرهونة بعشرين صاعا من طعام أخذه لأهله.
رواه الترمذى «3» .
وعن أبى هريرة قال: خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم ذات يوم فإذا هو بأبى بكر وعمر، فقال: ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ قالا: الجوع يا رسول الله، قال:«وأنا والذى نفسى بيده لآخرجنى الذى أخرجكما» فأتى رجلا من الأنصار، فإذا هو ليس فى بيته، فلما رأته المرأة قالت: مرحبا وأهلا. فقال لها- صلى الله عليه وسلم: «أين فلان؟» قالت: ذهب يستعذب لنا الماء، إذ جاء الأنصارى، فنظر إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم وصاحبيه فقال: الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافا منى. قال: فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر
- الله ضد أعداء الله حينما أغاروا على بلاد المسلمين واستباحوا بيضتهم ولم يحرك ساكنا، بل دعا الناس إلى ترك جهادهم!! بحجة أنهم قدر الله، ولو عرف هذا قدر الله حقّا لأمر بمدافعة قدر الله بالأسباب المشروعة، ورحم الله عمر حينما أراد دخول الشام، فعلم أن فيها وباء فامتنع عن الدخول، فقيل له: أتفر من قدر الله، فقال: بل نفر من قدر الله إلى قدر الله، وما هذا منه إلا أخذا بالأسباب المشروعة، وغير ذلك كثير، والله المستعان.
(1)
صحيح: أخرجه البخارى (3097) فى الخمس، باب: نفقة نساء النبى- صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، ومسلم (2973) فى الزهد والرقائق، باب: رقم (1) .
(2)
صحيح: أخرجه البخارى (2916) فى الجهاد والسير، باب: ما قيل فى درع النبى- صلى الله عليه وسلم. ومسلم (1603) فى الجهاد والسير.
(3)
أخرجه الترمذى (1214) فى البيوع، باب: ما جاء فى الرخصة فى الشراء إلى أجل.
ورطب، فقال: كلوا، وأخذ المدية فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم:«إياك والحلوب» فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا، فلما أن شبعوا ورووا قال- صلى الله عليه وسلم لأبى بكر وعمر:«والذى نفسى بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم» «1» رواه مسلم وغيره. وهذا السؤال سؤال تشريف وإنعام وتعديد فضل وإكرام.
وعن طلحة بن نافع أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: أخذ رسول الله- صلى الله عليه وسلم بيدى ذات يوم إلى منزله فأخرج إليه فلق من خبز، فقال:«ما من أدم؟» فقالوا: لا، إلا شىء من خل، قال:«نعم الأدم الخل» . قال جابر:
فما زلت أحب الخل منذ سمعتها من نبى الله- صلى الله عليه وسلم وقال طلحة: فما زلت أحب الخل منذ سمعتها من جابر «2» . رواه مسلم.
وروى عن ابن بجير قال: أصاب النبى- صلى الله عليه وسلم جوع يوما، فعمد إلى حجر فوضعه على بطنه ثم قال:«ألا رب نفس الدنيا جائعة عارية يوم القيامة، ألا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين، ألا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم» «3» رواه ابن أبى الدنيا.
وعن أنس عن أبى طلحة قال: شكونا إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم الجوع ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله- صلى الله عليه وسلم عن بطنه عن حجرين «4» ، قال الترمذى: هذا حديث غريب من حديث أبى طلحة لا نعرفه
(1) صحيح: والحديث أخرجه مسلم (2038) فى الأشربة، باب: جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك.
(2)
صحيح: أخرجه مسلم (2052) فى الأشربة، باب: فضيلة الخل.
(3)
ضعيف جدّا: أخرجه ابن سعد والبيهقى فى شعب الإيمان، كما فى «ضعيف الجامع» (2181) .
(4)
ضعيف: أخرجه الترمذى (2371) فى الزهد، باب: ما جاء فى معيشة أصحاب النبى- صلى الله عليه وسلم، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن الترمذى» .
إلا من هذا الوجه. ومعنى قوله: ورفعنا عن بطوننا عن حجر. قال: كان أحدهم يشد فى بطنه الحجر من الجهد والضعف الذى به من الجوع.
وقصة جابر- يوم الخندق- حين رأى النبى- صلى الله عليه وسلم يوم الخندق، وقد قام إلى الكدية وبطنه معصوب بحجر. وتقدمت، وما أحسن قول الأبوصيرى:
وشد من سغب أحشاءه وطوى
…
تحت الحجارة كشحا مترف الأدم
والكشح: كما ذكرته فى شرح هذه القصيدة، ما بين خاصرته الشريفة وأقصر ضلع من جنبه الشريف، وإنما فعل هذا- صلى الله عليه وسلم ليسكن بعض ألم الجوع، وإنما كان هذا الفعل مسكنا لأن كلب الجوع من شدة حرارة المعدة الغريزية، فهى إذا امتلأت من الطعام اشتغلت تلك الحرارة بالطعام، فإذا لم يكن فيها طعام طلبت رطوبات الجسم وجواهره، فيتألم الإنسان بتلك الحرارة فتتعلق بكثير من جواهر البدن، فإذا انضمت على المعدة الأحشاء والجلد خمدت نارها بعض الخمود فقل الألم.
وإنما تألمه بالجوع ليحصل به تضعيف الأجر مع حفظ قوته ونضارة جسمه، حتى إن من رآه لا يظن أن به جوعا، لأن جسمه- صلى الله عليه وسلم إنما كان يرى أشد نضارة من أجسام المترفين بالنعم فى الدنيا. وهذا المعنى هو الذى قصده الناظم بقوله «مترف الأدم» وهو من باب الاحتراس والتكميل، لأنه لما ذكر أنه شد من سغب. خاف أن يتوهم أن جسمه الشريف حينئذ يظهر فيه أثر الجوع فاحترس ورفع ذلك الإبهام بقوله: مترف الأدم.
وقد أنكر أبو حاتم بن حبان أحاديث وضع الحجر على بطنه الشريف من الجوع، وقال: إنها باطلة، متمسكا بحديث الوصال «لست كأحدكم إنى
أطعم وأسقى» «1» قال: وإنما معناه: الحجز، بالزاى وهو طرف الإزار، لأن الله تعالى قد كان يطعم رسول الله- صلى الله عليه وسلم ويسقيه إذا واصل، فكيف يحتاج إلى شد الحجر على بطنه؟ وما يغنى الحجر عن الجوع. انتهى.
وقال بعضهم: يجوز أن يكون عصب الحجر لعادة العرب أو أهل المدينة أنهم يفعلون ذلك إذا خلت أجوافهم وغارت بطونهم يشدون عليها حجرا ففعل- صلى الله عليه وسلم ذلك ليعلم أصحابه أنه ليس عنده ما يستأثر به عليهم.
والصواب: صحة الأحاديث، وأنه- صلى الله عليه وسلم فعل ذلك اختيارا للثواب.
(1) صحيح: والحديث أخرجه البخارى (1961) فى الصوم، باب: الوصال، ومسلم (1104) فى الصيام، باب: النهى عن الوصال فى الصوم، وابن حبان فى «صحيحه» (3579) ، من حديث أنس- رضى الله عنه-، وقال ابن حبان هذا الكلام عقب الحديث السابق.
وقد استشكل كونه- صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يطوون الأيام جوعا، مع ما ثبت أنه كان يرفع لأهله قوت سنة، وأنه قسم بين أربعة أنفس من أصحابه ألف بعير مما أفاء الله عليه، وأنه ساق فى عمرته مائة بدنة فنحرها وأطعمها المساكين، وأنه أمر لأعرابى بقطيع من الغنم، وغير ذلك، مع من كان معه من أصحاب الأموال كأبى بكر وعمر وعثمان وطلحة وغيرهم، مع بذلهم أنفسهم وأموالهم بين يديه. وقد أمر بالصدقة فجاء أبو بكر بجميع ماله، وعمر بنصفه، وحث على تجهيز جيش العسرة فجهزهم عثمان بألف بعير إلى غير ذلك.
وأجاب عنه الطبرى- كما حكاه فى فتح البارى- أن ذلك كان منهم فى حالة دون حالة لا لعوز وضيق، بل تارة للإيثار وتارة لكراهة الشبع وكثرة الأكل، انتهى. وتعقب: بأن ما نفاه مطلقا فيه نظر لما تقدم من الأحاديث وأخرج ابن حبان فى صحيحه عن عائشة: «من حدثكم أنا كنا نشبع من التمر فقد كذبكم» «1» ، فلما افتتحت قريظة أصبنا شيئا من التمر والودك إلى غير ذلك.
قال الحافظ ابن حجر: والحق أن الكثير منهم كانوا فى حال ضيق قبل الهجرة، حيث كانوا بمكة ثم لما هاجروا إلى المدينة كان أكثرهم كذلك، فواساهم الأنصار بالمنازل والمنائح، فلما فتحت لهم النضير وما بعدها ردوا عليهم منائحهم كما تقدم.
وقد قال- صلى الله عليه وسلم: «لقد أخفت فى الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيت فى الله وما يؤذى أحد، ولقد أتت على ثلاثون من يوم وليلة ما لى ولبلال طعام يأكله أحد إلا شىء يواريه إبط بلال» «2» . رواه الترمذى وصححه.
(1) إسناده قوى: أخرجه ابن حبان فى «صحيحه» (684)، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده قوى.
(2)
صحيح: أخرجه الترمذى (2472) فى صفة القيامة والرقائق والورع، وابن ماجه (151) فى المقدمة، باب: فى فضائل أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم، من حديث أنس- رضى الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .
نعم كان- صلى الله عليه وسلم يختار ذلك مع إمكان حصول التوسع والتبسط فى الدنيا له، كما أخرج الترمذى من حديث أبى أمامة، أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم قال:«عرض على ربى ليجعل لى بطحاء مكة ذهبا، قلت: لا، يا رب ولكن أشبع يوما وأجوع يوما، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك» «1» وحكمة هذا التفصيل الاستلذاذ بالخطاب، وإلا فالله تعالى عالم بالأشياء جملة وتفصيلا.
وعن ابن عباس قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم ذات يوم وجبريل على الصفا، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم:«يا جبريل والذى بعثك بالحق ما أمسى لآل محمد سفة من دقيق، ولا كف من سويق» ، فلم يكن كلامه بأسرع من أن سمع هدة من السماء أفزعته فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم:«أمر الله القيامة أن تقوم؟ قال: لا، ولكن أمر إسرافيل فنزل إليك حين سمع كلامك، فأتاه إسرافيل فقال: إن الله سمع ما ذكرت فبعثنى إليك بمفاتيح خزائن الأرض، وأمرنى أن أعرض عليك أسير معك جبال تهامة زمردا وياقوتا وذهبا وفضة فإن رضيت فعلت، فإن شئت نبيّا ملكا، وإن شئت نبيّا عبدا، فأومأ إليه جبريل أن تواضع فقال: بل نبيّا عبدا ثلاثا» «2» ، رواه الطبرانى بإسناد حسن.
فانظر إلى همته العلية كيف عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض فأباها، ومعلوم أنه لو أخذها لأنفقها فى طاعة ربه، فأبى ذلك واختار العبودية المحضة، فيا لها من همة شريفة رفيعة ما أسناها ونفس زكية كريمة ما أبهاها، ولله در صاحب بردة المديح حيث قال:
وراودته الجبال الشم من ذهب
…
عن نفسه فأراه أيما شمم
وأكدت زهده فيها ضرورته
…
إن الضرورة لا تعدو على العصم
وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من
…
لولاه لم تخرج الدنيا من العدم
(1) ضعيف: أخرجه الترمذى (2347) فى الزهد، باب: ما جاء فى الكفاف والصبر عليه، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن الترمذى» .
(2)
قلت: انظر «مجمع الزوائد» (9/ 19، 20) .
أى كيف تدعو ضرورة سيد المعصومين إلى زخرف الدنيا، وهى وما فيها إنما برزت لأجله، فكيف يضطر إليها. لكن فى كلامه شىء، فإنه فى مقام المديح فلا يليق منه الوصف بالزهد ولا بالضرورة.
قال الحليمى فى شعب الإيمان: من تعظيم النبى- صلى الله عليه وسلم أن لا يوصف بما هو عند الناس من أوصاف الضعة، فلا يقال كان فقيرا.
وأنكر بعضهم إطلاق الزهد فى حقه- صلى الله عليه وسلم. وقد حكى صاحب «نثر الدر» عن محمد بن واسع أنه قيل له: فلان زاهد، قال: وما قدر الدنيا حتى يزهد فيها. وقد ذكر القاضى عياض فى الشفاء، ونقله عنه الشيخ تقى الدين السبكى فى كتابه «السيف المسلول» أن فقهاء الأندلس أفتوا بقتل حاتم المتفقه الطليطلى وصلبه لاستخفافه بحق النبى- صلى الله عليه وسلم وتسميته إياه أثناء مناظرته باليتيم، وزعمه أن زهده لم يكن قصدا، ولو قدر على الطيبات لأكلها.
انتهى.
وقد ذكر الشيخ بدر الدين الزركشى عن بعض الفقهاء المتأخرين أنه كان يقول: لم يكن النبى- صلى الله عليه وسلم فقيرا من المال قط، ولا حاله حال فقير، بل كان أغنى الناس بالله، قد كفى أمر دنياه فى نفسه وعياله، وكان يقول فى قوله- صلى الله عليه وسلم:«اللهم أحينى مسكينا» «1» إن المراد به استكانة القلب لا المسكنة التى هى أن لا يجد ما يقع موقعا من كفايته. وكان يشدد النكير على من يعتقد خلاف ذلك انتهى. وأما ما يروى أنه- صلى الله عليه وسلم قال: «الفقر فخرى وبه أفتخر» «2» فقال شيخ الإسلام والحافظ ابن حجر: هو باطل موضوع.
واعلم أنه لم يكن من عادته الكريمة- صلى الله عليه وسلم حبس نفسه الشريفة على نوع واحد من الأغذية لا يتعداه إلى سواه، فإن ذلك يضر بالطبيعة جدّا، ولو
(1) صحيح: أخرجه الترمذى (2352) فى الزهد، باب: ما جاء أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم، من حديث أنس- رضى الله عنه- وأخرجه ابن ماجه (4126) فى الزهد، باب: مجالسة الفقراء، من حديث أبى سعيد الخدرى- رضى الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (1261) .
(2)
باطل موضوع: قاله الحافظ ابن حجر كما فى «كشف الخفاء» (1835) للعجلونى.
أنه أفضل الأغذية، بل كان- صلى الله عليه وسلم يأكل مما جرت عادة أهل بلده بأكله من اللحم والفاكهة والخبز والتمر وغيره مما سيأتى، فأكل- صلى الله عليه وسلم الحلوى والعسل وكان يحبهما «1» ، رواه البخارى والترمذى، والحلوى: بالقصر والمد، كل حلو، وقال الخطابى: اسم الحلوى لا يقع إلا على ما دخلته الصنعة، وقال ابن سيدة: ما عولج من الطعام بحلو، وقد يطلق على الفاكهة.
قال الخطابى: ولم يكن حبه- صلى الله عليه وسلم لها على معنى كثرة التشهى لها، وشدة نزاع النفس إليها، وإنما كان ينال منها إذا أحضرت إليه نيلا صالحا فيعلم بذلك أنها تعجبه، ووقع فى كتاب فقه اللغة للثعالبى: أن حلوى النبى- صلى الله عليه وسلم التى كان يحبها هى المجيع- بالميم والجيم، بوزن عظيم- وهو تمر يعجن بلبن، حكاه فى فتح البارى.
ولم يصح ورود أنه- صلى الله عليه وسلم كان يحب السكر ولا أنه تصدق به ولا أنه رآه. لكن أخرج أبو جعفر الطحاوى والبيهقى فى سننه من حديث لمازة عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن معاذ بن جبل: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم حضر ملاك رجل من الأنصار، فجاءت الجوارى معهن الأطباق عليها اللوز والسكر فأمسك القوم أيديهم، فقال- صلى الله عليه وسلم:«ألا تنتهبون؟» قالوا: إنك نهيت عن النهبة، قال:«أما العرسان فلا» «2» ، قال: فرأيت النبى- صلى الله عليه وسلم يجاذبهم ويجاذبونه.
واحتج به الطحاوى على أن النثار غير مكروه، كما ذهب إليه أبو حنيفة، وقضى به على الأحاديث الصحيحة التى فيها النهى عن النهبة. لكن
(1) صحيح: أخرجه البخارى (5599) فى الأشربة، باب: الباذق، والترمذى (1831) فى الأطعمة، باب: ما جاء فى حب النبى- صلى الله عليه وسلم الحلواء والعسل، من حديث عائشة- رضى الله عنها-.
(2)
أخرجه الطبرانى فى «الكبير» (20/ 97) ، وذكره الهيثمى فى «المجمع» (4/ 56، 290) وقال: رواه الطبرانى فى الكبير، وفيه حازم مولى بنى هاشم عن لمازة، وليس ابن زبار، هذا متأخر، ولم أجد من ترجمها وبقية رجاله ثقات، ورواه الطبرانى فى الأوسط أتم من هذا، بإسناد فيه بشر بن إبراهيم وهو وضاع، وهو غير هذا الإسناد.
قال البيهقى بعد رواية الحديث: وهذا لا يثبت، ثم قال: وروى من حديث عائشة عنه- صلى الله عليه وسلم، ولا يثبت فى هذا المعنى شىء، وشنع على الطحاوى القول فى ذلك جدّا فى كتاب المعرفة وقال: الحديث إنما يروى عن عون بن عمارة وعصمة بن سليمان وكلاهما لا يحتج به، وشيخهما لمازة بن المغيرة مجهول، فهاتان علتان كل منهما منفردة توجب ضعف الحديث فكيف بهما مجتمعتان؟! هذا وخالد بن معدان منقطع ولا حجة فى منقطع. فهذه علل ثلاث يضعف الحديث بدونها. وقد أفرد الكلام على ذلك ابن مفلح اليوسفى والله أعلم.
وعن ليث بن أبى سالم قال: أول من خبص فى الإسلام عثمان بن عفان، قدمت عليه عير تحمل الدقيق والعسل فخلط بينهما وبعث به إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم فأكل فاستطابه. قال الطبرى فى الرياض: رواه خيثمة فى فضائل عثمان. وعن عبد الله بن سلام قال: قدمت عير فيها جمل لعثمان بن عفان عليه دقيق حوارى وسمن وعسل، فأتى بها النبى- صلى الله عليه وسلم فدعا فيها بالبركة ثم دعا ببرمة فنصبت على النار وجعل فيها من العسل والدقيق والسمن ثم عصد حتى نضج أو كاد ينضج ثم أنزل فقال- صلى الله عليه وسلم:«كلوا هذا شىء تسميه فارس الخبيص» «1» قال الطبرى: خرجه تمام فى فوائده والطبرانى فى معجمه ورجاله ثقات. وأكل- صلى الله عليه وسلم لحم الضأن. وهذه الثلاثة- أعنى:
الحلوى والعسل واللحم. من أفضل الأغذية وأنفعها للبدن والكبد والأعضاء، ولا ينفر منها إلا من به علة وآفة.
«واللحم سيد طعام أهل الجنة» ، وفى رواية «هو سيد الطعام لأهل الدنيا والآخرة» «2» ، رواه ابن ماجة وابن أبى الدنيا من حديث أبى الدرداء مرفوعا. وسنده ضعيف وله شواهد منها:
(1) أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (4/ 112) ، والطبرانى فى «الصغير» (833) ، من حديث عبد الله بن سلام- رضى الله عنه-، وذكره الهيثمى فى «المجمع» (5/ 37، 38) وقال: رواه الطبرانى فى الثلاثة، ورجال الصغير والأوسط ثقات.
(2)
ضعيف جدّا: أخرجه ابن ماجه (3305) فى الأطعمة، باب: اللحم، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن ابن ماجه» ، وانظر «ضعيف الجامع» (3327) .
عن على رفعه: سيد طعام الدنيا اللحم ثم الأرز، أخرجه أبو نعيم فى الطب النبوى. وأكل اللحم يزيد سبعين قوة. قاله الزهرى.
وعن على: أنه يصفى اللون ويحسن الخلق ومن تركه أربعين ليلة ساء خلقه. ولأبى الشيخ ابن حيان من رواية ابن سمعان قال: سمعت من علمائنا يقولون: كان أحب الطعام إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم اللحم، وهو يزيد فى السمع، وهو سيد الطعام فى الدنيا والآخرة، ولو سألت ربى أن يعطمنيه كل يوم لفعل. وقال الإمام الشافعى: إن أكله يزيد فى العقل.
وكان- صلى الله عليه وسلم يعجبه الذراع ولذلك سم فيه، وعن أبى رافع أنه أهديت له شاة فجعلها فى قدر، فدخل رسول الله- صلى الله عليه وسلم فقال:«ما هذا يا أبا رافع؟» فقال: شاة أهديت لنا يا رسول الله فطبختها فى القدر. قال: «ناولنى الذراع يا أبا رافع» ، فناولته الذراع، ثم قال:«ناولنى الذراع الآخر» ، فناولته الذراع الآخر، فقال:«ناولنى الذراع الآخر» فقال: يا رسول الله، إنما للشاة ذراعان فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم:«أما إنك لو سكت لناولتنى ذراعا فذراعا ما سكت» ، ثم دعا بماء فمضمض فاه وغسل أطراف أصابعه ثم قام فصلى «1» . الحديث رواه أحمد.
ورواه الدارمى والترمذى عن أبى عبيد بلفظ: طبخت له- صلى الله عليه وسلم قدرا، وكان يعجبه الذراع، فناولته الذراع، ثم قال:«ناولنى الذراع» ، فقلت: يا رسول الله وكم للشاة من ذراع؟ فقال: «والذى نفسى بيده لو سكت لناولتنى الذراع ما دعوت» .
وقالت عائشة: وكان الذراع أحب إليه، وكان لا يأكل اللحم إلا غبّا، وكان يعجل إليها لأنه أعجل نضجا «2» ، رواه الترمذى.
(1) حسن: أخرجه أحمد فى «المسند» (6/ 8 و 392)، والطبرانى فى «الكبير» (1/ 324 و 325) والحديث ذكره الهيثمى فى «المجمع» (8/ 311) وقال: رواه أحمد والطبرانى، ورواه فى الأوسط باختصار، وأحد إسنادى أحمد حسن.
(2)
منكر: أخرجه الترمذى (1838) فى الأطعمة، باب: ما جاء فى أى اللحم كان أحب إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم، وقال الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن الترمذى» منكر.
وكذلك كان يحب لحم الرقبة. فعن ضباعة بنت الزبير أنها ذبحت فى بيتها شاة، فأرسل إليها رسول الله- صلى الله عليه وسلم:«أن أطعمينا من شاتكم» ، فقالت: ما بقى عندنا إلا الرقبة، وإنى لأستحى أن أرسل بها إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم. فرجع الرسول فأخبره، فقال:«ارجع إليها فقل لها: أرسلى بها فإنها هاربة الشاة وأقرب الشاة إلى الخير وأبعدها من الأذى» «1» .
ولا ريب أن أخف لحم الشاة لحم الرقبة ولحم الذراع والعضد، وهو أخف على المعدة وأسرع انهضاما، وفى هذا أنه ينبغى مراعاة الأغذية التى تجمع ثلاث خواص: أحدها: كثرة نفعها وتأثيرها فى القوى، الثانى: خفتها على المعدة وسرعة انحدارها عنها، الثالث: سرعة هضمها، وهذا أفضل ما يكون من الغذاء.
وقال- صلى الله عليه وسلم: «أطيب اللحم لحم الظهر» «2» ، رواه الترمذى.
وأما الحديث أنه- صلى الله عليه وسلم كان يكره الكليتين لمكانهما من البول، فقال الحافظ العراقى رويناه فى جزء من حديث أبى بكر محمد بن عبد الله بن الشخير من حديث ابن عباس بإسناد فيه ضعف. انتهى.
وكان- صلى الله عليه وسلم ينتهش اللحم، أى يقبض عليه بفمه ويزيله من العظم أو غيره، وينتشله أى يقتلعه من المرق. والنهش بعد الانتشال.
وفى البخارى: أنه- صلى الله عليه وسلم احتز من كتف شاة فى يده، فدعى إلى الصلاة، فألقاها والسكين التى يحتز بها، ثم قال إلى الصلاة، ولم يتوضأ «3» .
(1) أخرجه أحمد فى «المسند» (6/ 360) ، والنسائى فى «الكبرى» (6658) ، والطبرانى فى «الكبير» (24/ 337) .
(2)
أخرجه ابن ماجه (3308) فى الأطعمة، باب: أطايب اللحم، وأحمد فى «المسند» (1/ 204) ، والحاكم فى «المستدرك» (4/ 124) .
(3)
صحيح: أخرجه البخارى (207) فى الوضوء، باب: من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق، ومسلم (254) فى الحيض، باب: نسخ الوضوء مما مست النار، من حديث ابن عباس- رضى الله عنهما-.
قال ابن بطال: هذا الحديث يرد حديث أبى معشر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رفعته: «لا تقطعوا اللحم بالسكين فإنه من صنيع الأعاجم وانهشوا فإنه أهنأ وأمرأ» «1» قال أبو داود وهو حديث ليس بالقوى.
قال الحافظ أبو الفضل العسقلانى- رحمه الله، له شاهد من حديث صفوان بن أمية. أخرجه الترمذى بلفظ:«انهشوا اللحم نهشا، فإنه أهنأ وأمرأ» «2» وقال: لا نعرفه إلا من حديث عبد الكريم انتهى. قال: وعبد الكريم هو أبو أمية بن أبى المخارق، ضعيف، لكن أخرجه ابن أبى عاصم من وجه آخر عن صفوان بن أمية فهو حسن لكن ليس فيه ما زاده أبو معشر من التصريح بالنهى عن قطع اللحم بالسكين. وأكثر ما فى حديث صفوان أن النهش أولى. انتهى.
ويمكن الجمع: بأن النهش مما على العظم الصغير، والاحتزاز مما على الكبير. وأكل- صلى الله عليه وسلم الشواء، فعن أم سلمة أنها قربت إلى النبى- صلى الله عليه وسلم جنبا مشويّا فأكل منه ثم قام إلى الصلاة وما توضأ «3» ، قال الترمذى: حسن صحيح. وأكل- صلى الله عليه وسلم القديد، كما فى حديث فى السنن عن رجل قال:
ذبحت لرسول الله- صلى الله عليه وسلم شاة ونحن مسافرون. فقال: «أصلح لحمها» ، فلم أزل أطعمه منه إلى المدينة «4» وأكل- صلى الله عليه وسلم من الكبد المشوية. وأكل لحم الدجاج «5» رواه الشيخان والترمذى وغيرهم. وأكل لحم حمار
(1) ضعيف: أخرجه أبو داود (3778) فى الأطعمة، باب: فى أكل اللحم، من حديث عائشة- رضى الله عنها-، وأخرجه الترمذى (1835) فى الأطعمة، باب: ما جاء أنه قال: انهشوا اللحم نهشا، وأحمد فى «المسند» من حديث صفوان بن أمية- رضى الله عنه-، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن أبى داود» .
(2)
ضعيف: وقد تقدم فيما قبله.
(3)
صحيح: أخرجه الترمذى (1829) فى الأطعمة، باب: ما جاء فى أكل الشواء، والنسائى فى «الكبرى» (189) ، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .
(4)
صحيح: أخرجه مسلم (1975) فى الأضاحى، باب: بيان ما كان من النهى عن أكل لحوم الأضاحى بعد ثلاث فى أول الإسلام.
(5)
صحيح: والحديث الدال على ذلك أخرجه البخارى (5517) فى الذبائح والصيد، -
الوحش «1» رواه الشيخان، وأكل لحم الجمل سفرا وحضرا. وأكل لحم الأرنب «2» رواه الشيخان. وأكل من دواب البحر «3» رواه مسلم.
وأكل الثريد- وهو بفتح المثلاثة- أن يثرد الخبز بمرق اللحم، وقد يكون معه اللحم. ومن أمثالهم: الثريد أحد اللحمين. وروى أبو داود من حديث ابن عباس قال: أحب الطعام إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم الثريد من الخبز والثريد من الحيس «4» . وأكله- صلى الله عليه وسلم بالسمن، وأكل الخبز بالزيت.
وعن حذيفة أن النبى- صلى الله عليه وسلم قال: «إن جبريل أطعمنى الهريسة، يشد بها ظهرى لقيام الليل» «5» ، رواه الطبرانى فى الأوسط، وفيه محمد بن الحجاج اللخمى، وهو الذى وضع هذا الحديث.
وأكل- صلى الله عليه وسلم الدباء وكانت تعجبه، وكان يتتبعها من حوالى القصعة، قال أنس فلم أزل أحب الدباء من يومئذ «6» . رواه مسلم. وقال النووى: فيه
- باب: لحم الدجاج، ومسلم (1649) فى الأيمان، باب: ندب من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها، أن يأتى الذى هو خير، ويكفر عن يمينه، من حديث أبى موسى الأشعرى- رضى الله عنه-.
(1)
قلت: الذى فى الصحيحين، أنه لم يأكل لأنه كان حرم، وهو يدل على إباحته، لأن رده- صلى الله عليه وسلم لم يكن لحرمته، كما أنه قد أكل أمامه بأمره فى قصة أخرى، وكلتاهما فى الصحيحين، انظر صحيح البخارى (1821) ، ومسلم (1196) من حديث أبى قتادة- رضى الله عنه-، والبخارى (2596) ، ومسلم (1193) من حديث الصعب بن جثامة- رضى الله عنه-.
(2)
صحيح: والحديث الدال على ذلك أخرجه البخارى (2572) فى الهبة، باب: قبول هدية الصيد، ومسلم (1953) فى الصيد والذبائح، باب: إباحة الأرنب، من حديث أنس- رضى الله عنه-.
(3)
صحيح: والحديث الدال على ذلك أخرجه مسلم (1935) فى الصيد والذبائح، باب: إباحة ميتات البحر، من حديث جابر- رضى الله عنه-.
(4)
ضعيف: أخرجه أبو داود (3783) فى الأطعمة، باب: فى أكل الثريد، والحديث ضعفه أبو داود والشيخ الألبانى.
(5)
موضوع: ذكره الحافظ ابن حجر فى «اللسان» (5/ 116) فى ترجمة محمد بن الحجاج اللخمى، وحكم عليه بالوضع به.
(6)
صحيح: أخرجه البخارى (2092) فى البيوع، باب: السهولة والسماحة فى الشراء والبيع، ومسلم (2041) فى الأشربة، باب: جواز أكل المرق واستحباب أكل اليقطين.
أنه يستحب أن تحب الدباء وكذلك كل شىء كان يحبه- صلى الله عليه وسلم. وكذلك أكل- صلى الله عليه وسلم السلق مطبوخا بالشعير قال الترمذى: حديث حسن غريب.
وأتى الحسن بن على وابن عباس وابن جعفر إلى سلمى فقالوا: اصنعى لنا طعاما مما كان يعجب رسول الله- صلى الله عليه وسلم ويحسن أكله: فقالت: يا بنى لا تشتهيه اليوم فقال: بلى اصنعيه لنا، فقامت فأخذت شيئا من الشعير فطحنته ثم جعلته فى قدر وصبت عليه شيئا من زيت ودقت الفلفل والتوابل فقربته إليهم فقالت: هذا مما كان يعجبه- صلى الله عليه وسلم ويحسن أكله. رواه الترمذى.
وأكل- صلى الله عليه وسلم الخزيرة- وهى بخاء معجمة مفتوحة ثم زاى مكسورة، وبعد التحتانية الساكنة راء- ما يتخذ من الدقيق على هيئة العصيدة، لكن أرق منها، قاله الطبرى. وقال ابن فارس: دقيق يخلط بشحم، وقال القتبى وتبعه الجوهرى: أن يؤخذ اللحم فيقطع صغارا ويصب عليه ماء كثير فإذا نضج ذر عليه الدقيق، فإن لم يكن فيها لحم فهى عصيدة. وقيل: مرقة تصفى من بلالة النخالة ثم تطبخ، وقيل: الخزيرة بالإعجام من النخالة، والحريرة- يعنى بالإهمال- من اللبن.
وقال عتبان: غدا على رسول الله- صلى الله عليه وسلم وأبو بكر حين ارتفع النهار، وحبسناه على خزير صنعناه «1» وأكل- صلى الله عليه وسلم الأقط «2» ، قاله ابن عباس فيما رواه وهو جبن اللبن المستخرج زبده، أكلته وهو كثير بمكة والمدينة زادهما الله شرفا، وهو أشبه شىء بالكشك. وأكل- صلى الله عليه وسلم الرطب والتمر والبسر. رواه مسلم والترمذى وغيرهما.
وأكل الكباث «3» . رواه مسلم، وهو بفتح الكاف وتخفيف الموحدة وبعد
(1) صحيح: والحديث أخرجه البخارى (1186) فى التطوع، باب: صلاة النوافل جماعة، ومسلم (263) فى المساجد، باب: الرخصة فى التخلف عن الجماعة بعذر.
(2)
صحيح: أخرجه البخارى (2575) فى الهبة، باب: قبول الهدية، ومسلم (1947) فى الصيد والذبائح، باب: إباحة العنب، من حديث ابن عباس- رضى الله عنهما-:
(3)
قلت: هو فى الصحيحين الأمر بأكل الأسود منه لأنه أطيبه، والحديث أخرجه البخارى (3406) فى أحاديث الأنبياء، باب: يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ، ومسلم (2050) فى الأشربة، باب: فضيلة الأسود من الكباث، من حديث جابر- رضى الله عنه- و (الكباث) شىء يشبه التين.
الألف مثلاثة، النضيج من تمر الأراك. وقيل ورق الأراك، وتعقبه الإسماعيلى فقال: إنما هو تمر الأراك وهو البرير- بموحدة بوزن الحرير- فإذا اسود فهو الكباث. وفى النهاية لابن الأثير؛ أنه- صلى الله عليه وسلم كان يحب الجذب- بالجيم والذال المعجمة المفتوحتين- أى الجمار، وهو شحم النخل واحدتها جذبة.
وأما الجبن، ففى السنن من حديث ابن عمر قال: أتى النبى- صلى الله عليه وسلم بجبنة فى تبوك فدعا بسكين فسمى وقطع «1» رواه أبو داود.
وكان- صلى الله عليه وسلم يراعى صفات الأطعمة وطبائعها واستعمالها على قاعدة الطب، فإذا كان فى أحد الطعامين ما يحتاج إلى كسر وتعديل كسره وعدله بضده إن أمكن، كتعديله حرارة الرطب بالبطيخ. وهذا أصل كبير فى المركبات من الأدوية، وإن لم يجد ذلك تناوله على حاجة وداعية من النفس من غير إسراف. وروى أبو داود من حديث أبى أسامة عن هشام أنه- صلى الله عليه وسلم كان يأكل البطيخ بالرطب، ويقول يكسر حر هذا ببرد هذا، وبرد هذا بحر هذا «2» . ورواه يزيد بن رومان عن الزهرى عن عروة بتقديم «الطاء» كما للنوقانى، وبتأخيرها كما للنسائى فى الوليمة، فكأنه عند هشام باللفظين.
وكذا رواه ابن حبان فى صحيحه من حديث محمد بن عبد الرحمن عن الإمام أحمد بن حنبل عن وهب بن جرير بن حازم، حدثنا أبى، سمعت حميدا يحدث عن أنس أن النبى- صلى الله عليه وسلم كان يأكل الطبيخ أو البطيخ بالرطب، وقال عقبة: الشك من أحمد «3» . وتقديم الطاء لغة حكاها صاحب المحكم.
وقد كان محمد بن أسلم لا يأكل البطيخ لأنه لم ينقل كيفية أكل رسول الله- صلى الله عليه وسلم له. وروى الطبرانى فى الأوسط من حديث عبد الله بن جعفر
(1) حسن: أخرجه أبو داود (3819) فى الأطعمة باب: أكل الجبن، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
(2)
حسن: أخرجه أبو داود (3836) فى الأطعمة، باب: فى الجمع بين لونين فى الأكل، والترمذى (1843) فى الأطعمة، باب: ما جاء فى أكل البطيخ بالرطب من حديث عائشة- رضى الله عنها- والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
(3)
صحيح: وهو عند ابن حبان فى «صحيحه» (5248) ، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط، إسناده صحيح على شرط الشيخين.
قال: رأيت فى يمين النبى- صلى الله عليه وسلم قثاء وفى شماله رطبا وهو يأكل من ذا مرة، ومن ذا مرة «1» ، وفى سنده ضعف. وأخرج فيه، وفى الطب لأبى نعيم من حديث أنس. كان يأخذ الرطب بيمينه والبطيخ بيساره، فيأكل الرطب بالبطيخ، وكان أحب الفاكهة إليه. وسنده ضعيف أيضا.
وأخرج النسائى بسند صحيح عن حميد عن أنس: رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرطب والخربز- «2» وهو بكسر الخاء المعجمة وسكون الراء وكسر الموحدة بعدها زاى- نوع من البطيخ الأصفر. وفى هذا تعقب على من زعم أن المراد بالبطيخ فى الحديث الأخضر، واعتلوا بأن الأصفر فيه حرارة كما فى الرطب، وقد ورد التعليل بأن أحدهما يطفئ الآخر. والجواب عن ذلك بأن فى الأصفر بالنسبة للرطب برودة، وإن كان فيه لحلاوته طرف حرارة، والله أعلم.
وفى رواية النسائى أيضا، بسند صحيح عن عائشة أن نبى الله- صلى الله عليه وسلم أكل البطيخ والرطب جميعا «3» . وأخرج ابن ماجه عن عائشة: أرادت أمى معالجتى للسمنة لتدخلنى على رسول الله- صلى الله عليه وسلم فما استقام لها ذلك حتى أكلت الرطب بالقثاء، فسمنت كأحسن سمنة «4» . ورواه النسائى وقال:
بالتمر، مكان الرطب. وأما فضائل البطيخ فأحاديثه باطلة، وإن أفرده النوقاتى فى جزء كما قال الحافظ والله أعلم.
وقد كان- صلى الله عليه وسلم يأكل التمر بالزبد ويعجبه. فعن عبد الله وعطية ابنى بسر، قالا: دخل علينا رسول الله- صلى الله عليه وسلم فقدمنا له زبدا وتمرا، وكان يحب
(1) ضعيف جدّا: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (9/ 170) وقال: رواه الطبرانى فى الأوسط، وفيه أصرم بن حوشب، وهو متروك.
(2)
صحيح: أخرجه البغدادى فى «تاريخ بغداد» (3/ 40) ، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (4916) وعزاه فيه لأحمد والترمذى فى الشمائل والنسائى.
(3)
حسن: وقد تقدم قريبا.
(4)
صحيح: والحديث أخرجه أبو داود (3903) فى الطب، باب: فى السمنة، والنسائى فى «الكبرى» (6725) ، وابن ماجه (3324) فى الأطعمة، باب: القثاء والرطب يجمعان، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
الزبد والتمر»
. رواه أبو داود وابن ماجه. وسمى النبى- صلى الله عليه وسلم اللبن والتمر الأطيبين «2» . رواه أحمد. وكان يأكل الخبز مأدوما ما وجد له إداما، فتارة يأدمه باللحم ويقول: هو سيد الطعام لأهل الدنيا والآخرة، وتارة بالبطيخ، وتارة بالتمر، فإنه وضع تمرة على كسرة من خبز الشعير، وقال:«هذه إدام هذه» «3» ، رواه أبو داود والترمذى بسند حسن من حديث يوسف بن عبد الله ابن سلام قال: رأيت النبى- صلى الله عليه وسلم أخذ
…
فذكره. قال ابن القيم: وهذا من تدبير الغذاء، فإن الشعير بارد يابس، والتمر حار رطب- على أصح القولين- فإدام خبز الشعير به من أحسن التدبير. وتارة بالخل، ويقول: نعم الأدم الخل «4» رواه مسلم، وتقدم.
قال الخطابى والقاضى عياض: معناه مدح الاقتصاد فى المأكل، ومنع النفس من ملاذ الأطعمة، تقديره: ائتدموا بالخل وما فى معناه مما تخفف مؤنته ولا يعز وجوده، ولا تنافسوا فى الشهوات فإنها مفسدة للدين مسقمة للبدن.
وتعقبه النووى فقال: الذى ينبغى أن يجزم به، أنه مدح للخل نفسه، وأما الاقتصاد فى المطعم وترك الشهوات فمعلوم من قواعد أخر. انتهى. وقال ابن القيم: هذا ثناء عليه بحسب مقتضى الحال الحاضر، لا تفضيله على غيره كما ظنه بعضهم، قال: وسبب الحديث أنه دخل على أهله يوما فقدموا له خبزا فقال: «ما من أدم؟» فقالوا: ما عندنا إلا الخل، فقال:«نعم الأدم الخل» والمقصود أن أكل الخبز مع الأدم من أسباب حفظ الصحة بخلاف الاقتصار على أحدهما، وسمى الأدم أدما لإصلاحه الخبز وجعله ملائما لحفظ الصحة،
(1) صحيح: أخرجه أبو داود (3837) فى الأطعمة، باب: فى الجمع بين لونين فى الأكل، وابن ماجه (3334) فى الأطعمة، باب: التمر بالزبد، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (4921) .
(2)
أخرجه أحمد فى «المسند» (3/ 474) عن رجل من الصحابة.
(3)
ضعيف: أخرجه أبو داود (3259 و 3260) فى الأيمان والنذور، باب: الرجل يحلف أن لا يتأدم، و (3830) فى الأطعمة، باب: فى التمر، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن أبى داود» .
(4)
صحيح: وقد تقدم.
وليس فى هذا تفضيل له على اللبن واللحم والعسل والمرق، ولو حضر لحم أو لبن لكان أولى بالمدح منه، فقال هذا جبرا وتطييبا لقلب من قدمه له، لا تفضيلا له على سائر أنواع الأدم.
وكان- صلى الله عليه وسلم يأكل من فاكهة بلده عند مجيئها، ولا يحتمى عنها.
وهذا من أكبر أسباب الصحة، فإن الله سبحانه بحكمته جعل فى كل بلد من الفاكهة ما ينتفع به أهلها فى وقته، فيكون تناوله من أسباب صحتهم وعافيتهم، ويغنى عن كثير من الأدوية، وقل من احتمى عن فاكهة بلدة خشية السقم إلا وهو من أسقم الناس جسما وأبعدهم من الصحة والقوة، فمن أكل منها ما ينبغى فى الوقت الذى ينبغى، على الوجه الذى ينبغى كان له دواء نافعا.
وقد روى ابن عباس قال: رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم يأكل العنب خرطا «1» . رويناه فى الغيلانيات. لكن قال أبو جعفر العقيلى- كما حكاه فى الهدى- لا أصل لهذا الحديث. قال ابن الأثير: يقال خرط العنقود واخترطه إذا وضعه فى فيه ثم يأخذ حبه ويخرج عرجونه عاريا منه. قال: وجاء فى بعض الروايات خرصا- بالصاد بدل الطاء-.
وأما البصل فروى أبو داود فى سننه عن عائشة أنها سئلت عن البصل فقالت: إن آخر طعام أكله رسول الله- صلى الله عليه وسلم فيه بصل «2» . وثبت عنه فى الصحيحين أنه منع آكله من دخول المسجد «3» . وكان- صلى الله عليه وسلم يترك الثوم دائما
(1) موضوع: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (5/ 38) وقال: رواه الطبرانى، وفيه زياد بن المنذر، وهو كذاب. اه. قلت: وانظر «ضعيف الجامع» (4520) .
(2)
ضعيف: أخرجه أبو داود (3829) فى الأطعمة، باب: فى أكل الثوم، وأحمد فى «المسند» (6/ 89) ، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن أبى داود» .
(3)
صحيح: والحديث الدال على ذلك أخرجه البخارى (854) فى الأذان، باب: ما جاء فى الثوم النىء والبصل والكراث، ومسلم (564) فى المساجد، باب: نهى من أكل ثوما أو بصلا أو كراثا أو نحوها مما له رائحة كريهة عن حضور المسجد حتى تذهب تلك الريح، من حديث جابر- رضى الله عنه-، وفى الباب عن غيره من الصحابة.
لأنه يتوقع مجىء الملائكة والوحى كل ساعة. قال النووى: واختلف أصحابنا فى حكم الثوم فى حقه- صلى الله عليه وسلم وكذلك البصل والكراث ونحوها، فقال بعض أصحابنا: هى محرمة عليه، والأصح عندهم أنها مكروهة كراهة تنزيه وليست محرمة لعموم قوله- صلى الله عليه وسلم:«لا» فى جواب: أحرام هى؟ «1» ومن قال بالأول يقول: معنى الحديث: ليس بحرام فى حقكم. انتهى. فينبغى لمحبه موافقته- صلى الله عليه وسلم فى ترك الثوم ونحوه، وكراهة ما كان يكرهه- صلى الله عليه وسلم، فإن من أوصاف المحب الصادق أن يحب ما أحب محبوبه ويكره ما يكرهه.
وكان- صلى الله عليه وسلم يأكل بأصابعه الثلاث «2» . رواه الترمذى فى الشمائل وهذا- كما فى الهدى- أنفع ما يكون من الأكلات، فإن الأكل بأصبع أكل المتكبر، ولا يستلذ به الآكل ولا يمريه ولا يشبعه إلا بعد طول، ولا يفرح آلات الطعام والمعدة بما ينالها فى كل أكلة فيأخذها على إغماض كما يأخذ الرجل حقه حبة حبة أو نحو ذلك، فلا يلتذ بأخذه، والأكل بالخمسة والراحة يوجب ازدحام الطعام على الآلة وعلى المعدة، وربما استدت الآلات فمات، وتغصب الآلات على دفعه، والمعدة على احتماله، ولا يجد له لذة ولا استمراء، فأنفع الأكل أكله- صلى الله عليه وسلم، وأكل من اقتدى به بالأصابع الثلاثة.
وكان- صلى الله عليه وسلم يلعق أصابعه إذا فرغ ثلاثا: رواه الترمذى فى الشمائل.
وفى رواية مسلم ويلعق يده قبل أن يمسحها. وفى رواية أنه أمر بلعق الأصابع والصحفة «3» . وقد روى الترمذى عن أم عاصم قالت: دخل علينا نبيشة الخير، ونحن نأكل فى قصعة فحدثنا أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم قال: «من أكل
(1) صحيح: والحديث أخرجه مسلم (565) فيما سبق، من حديث أبى سعيد الخدرى- رضى الله عنه-.
(2)
صحيح: والحديث أخرجه مسلم (2032) فى الأشربة، باب: استحباب لعق الأصابع والقصعة، وأبو داود (3848) فى الأطعمة، باب: فى المنديل، من حديث كعب بن مالك- رضى الله عنه-.
(3)
صحيح: وهو إحدى روايات حديث مسلم السابق.
فى قصعة ثم لحسها استغفرت له القصعة» «1» ، وكذا أخرجه ابن ماجه وأحمد وابن شاهين والدارمى وغيرهم. وقال الترمذى: إنه حديث غريب. وأورده بعضهم بلفظ: تستغفر الصحفة للاحسها. وفى حديث جابر مرفوعا عن أبى الشيخ فى الثواب: «من أكل ما يسقط من الخوان أو القصعة أمن من الفقر والبرص والجذام وصرف عن ولده الحمق» «2» . وللديلمى من طريق الرشيد عن آبائه عن ابن عباس رفعه؛ «من أكل ما يسقط من المائدة خرج ولده صباح الوجوه، ونفى عنه الفقر» «3» .
وأورده الغزالى فى الإحياء بلفظ: «عاش فى سعة وعوفى فى ولده» وكلها مناكير.
لكن فى مسلم عن جابر وأنس مرفوعا: «إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها فليمط ما كان بها من أذى ولا يدعها للشيطان، ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه لأنه لا يدرى فى أى طعامه البركة» «4» . وفى حديث كعب بن عجرة عند الطبرانى فى الأوسط صفة لعق الأصابع، ولفظه:
رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم يأكل بأصابعه الثلاث، بالإبهام والتى تليها والوسطى، ثم رأيته يلعق أصابعه الثلاث قبل أن يمسحها، الوسطى ثم التى تليها ثم الإبهام «5» . قال الحافظ زين الدين العراقى فى شرح الترمذى: كأن السر فيه أن الوسطى أكثر تلويثا لأنها أطول فيبقى فيها من الطعام أكثر من غيرها، ولأنها لطولها أول ما ينزل الطعام. وقد وقع فى مرسل ابن شهاب
(1) ضعيف: أخرجه الترمذى (1804) فى الأطعمة، باب: ما جاء فى اللقمة تسقط، وابن ماجه (3271 و 3272) فى الأطعمة، باب: تنقية الصحفة، وأحمد فى «المسند» (5/ 76) ، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن الترمذى» .
(2)
ضعيف: أخرجه الحسن بن معروف فى فضائل بنى هاشم، والخطيب وابن النجار عن ابن عباس، كما فى «كنز العمال» (40823) ، وانظر «كشف الخفاء» (2393) .
(3)
تقدم فيما قبله.
(4)
صحيح: أخرجه مسلم (2033) فى الأشربة، باب: استحباب لعق الأصابع والقصعة من حديث جابر- رضى الله عنه-، وأخرجه مسلم (2034) من حديث أنس- رضى الله عنه-.
(5)
ذكره الهيثمى فى «المجمع» (5/ 28) وقال: رواه الطبرانى فى الأوسط، وفيه الحسن بن إبراهيم الأوبى، ومحمد بن كعب بن عجرة ولم أعرفهما، وبقية رجاله ثقات.
عند سعيد بن منصور أن النبى- صلى الله عليه وسلم كان إذا أكل أكل بخمس. فيجمع بينه وبين ما تقدم باختلاف الحال. وقد جاءت علة اللعق مبينة- فى بعض الروايات- أنه لا يدرى أحدكم فى أى طعامه البركة. وفى الحديث رد على من كره لعق الأصابع استقذارا ممن ينسب للرياسة والإمرة فى الدنيا. نعم، يحصل ذلك لو فعله أثناء الأكل لأنه يعيد أصابعه فى الطعام، وعليها أثر ريقه.
قال الخطابى: عاب قوم أفسد عقلهم الترفه لعق الأصابع، وزعموا أنه مستقبح، كأنهم لم يعلموا أن الطعام الذى علق بالأصابع والصحفة جزء من أجزاء ما أكلوه، وإذا لم يكن سائر أجزائه مستقذرا لم يكن الجزء اليسير منه مستقذرا، وليس فى ذلك أكثر من مصه أصابعه بباطن شفتيه، ولا يشك عاقل أن لا بأس بذلك، فقد يتمضمض الإنسان فيدخل أصبعه فى فيه فيدلك أسنانه وباطن فمه، ثم لم يقل أحد إن ذلك قذارة وسوء أدب، انتهى. ولا ريب أن من استقذر ما نسب إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم سيىء الأدب، يخشى عليه أمر عظيم، فنسأل الله بوجاهة وجهه الكريم أن لا يسلك بنا غير حلاوة سبيل سنته وأن يديم لنا محبته. وقد كان- صلى الله عليه وسلم لا يأكل متكئا، لما صح أنه قال «لا آكل متكئا» «1» . رواه البخارى. وقال:«إنما أنا عبد أجلس كما يجلس العبد، وآكل كما يأكل العبد» «2» . وروى ابن ماجه والطبرانى بإسناد حسن قال: أهديت للنبى- صلى الله عليه وسلم شاة، فجثا على ركبتيه يأكل فقال له أعرابى: ما هذه الجلسة؟ فقال: «إن الله جعلنى كريما ولم يجعلنى جبارا عنيدا» «3» .
(1) صحيح: أخرجه البخارى (5398 و 5399) فى الأطعمة، باب: الأكل متكئا، من حديث أبى جحيفة- رضى الله عنه-.
(2)
تقدم.
(3)
صحيح: أخرجه أبو داود (3773) فى الأطعمة، باب: ما جاء فى الأكل من أعلى الصحفة، وابن ماجه (3263) فى الأطعمة، باب: الأكل متكئا، من حديث عبد الله بن بسر- رضى الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن ابن ماجه» .
قال ابن بطال: إنما فعل ذلك النبى- صلى الله عليه وسلم تواضعا لله، ثم ذكر من طريق أيوب عن الزهرى قال: أتى النبى- صلى الله عليه وسلم ملك لم يأته قبلها فقال: إن ربك يخيرك بين أن تكون نبيّا ملكا أو نبيّا عبدا، فنظر إلى جبريل كالمستشير له، فأومأ إليه أن تواضع، فقال:«بل عبدا نبيّا» قال فما أكل متكئا «1» .
وهذا مرسل أو معضل، وقد وصله النسائى من طريق الزبيدى عن الزهرى عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاصى قال: ما رؤى النبى- صلى الله عليه وسلم يأكل متكئا قط. وأخرج ابن أبى شيبة عن مجاهد قال: ما أكل النبى- صلى الله عليه وسلم متكئا إلا مرة واحدة. ويمكن الجمع بأن تلك المرة التى فى أثر مجاهد لم يطلع عليها عبد الله بن عمرو. فقد أخرج ابن شاهين «فى ناسخه» من مرسل عطاء بن يسار: أن جبريل رأى النبى- صلى الله عليه وسلم يأكل متكئا فنهاه، وروى ابن ماجه أنه- صلى الله عليه وسلم نهى أن يأكل الرجل وهو منبطح على وجهه «2» . وقد فسر القاضى عياض فى الشفاء الاتكاء بالتمكن للأكل والتقعدد للجلوس له كالمتربع وشبهه من تمكن الجلسات التى يعتمد فيها الجالس على ما تحته. قال:
والجالس على هذه الهيئة يستدعى الأكل ويستكثر منه. والنبى- صلى الله عليه وسلم إنما كان جلوسه للأكل المستوفز مقعيا. قال: وليس معنى الحديث فى الاتكاء الميل على شق عند المحققين انتهى. والإقعاء: أن يلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويتساند إلى ظهره، وهو المنهى عنه فى الصلاة.
وتفسير القاضى عياض الاتكاء بما فسره به حكاه فى الإكمال عن الخطابى، وقال: إن الخطابى خالف فى هذا التأويل أكثر الناس، وأنهم إنما حملوا الاتكاء على أنه الميل على أحد الجانبين. انتهى. والذى رأيته يعزى للخطابى: تحسب العامة أن المتكئ هو الآكل على أحد شقيه وليس كذلك،
(1) تقدم.
(2)
حسن: أخرجه أبو داود (3774) فى الأطعمة، باب: ما جاء فى الجلوس على مائدة عليها بعض ما يكره، وابن ماجه (3370) فى الأطعمة، باب: النهى عن الأكل منبطحا، من حديث عبد الله بن عمر- رضى الله عنهما-، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن ابن ماجه» .
بل هو المعتمد على الوطاء الذى تحته. انتهى. وقد فسر أيضا بالميل على أحد الشقين، وبه فسر ابن الجوزى: وقيل هو الاعتماد على الشىء، وقيل: أن يعتمد على يده اليسرى من الأرض. وقد أخرج ابن عدى بسند ضعيف: زجر النبى- صلى الله عليه وسلم أن يعتمد الرجل على يده اليسرى عند الأكل. قال الإمام مالك: هو نوع من الاتكاء، قال الحافظ أبو الفضل العسقلانى: وفى هذا إشارة من مالك إلى كراهة كل ما يعد الآكل فيه متكئا، ولا يختص بصفة بعينها، وحكى ابن الأثير فى النهاية أن من فسر الاتكاء بالميل على أحد الشقين تأوله على مذهب الطب. وقال ابن القيم: إنه يضر بالآكل، فإنه يمنع مجرى الطعام الطبيعى عن هيئته ويعوقه عن سرعة نفوذه إلى المعدة ويضغط المعدة فلا يستحكم فتحها للغذاء.
وأما الاعتماد على الشىء فهو جلوس الجبابرة المنافى للعبودية، ولهذا قال- صلى الله عليه وسلم:«آكل كما يأكل العبد» «1» . وإن كان المراد بالاتكاء الاعتماد على الوسائل والوطاء الذى تحت الجالس- كما ذكرته عن الخطابى- فيكون المعنى: أنى إذا أكلت لم أقعد متكئا على الأوطئة والوسائد كفعل الجبابرة ومن يريد الإكثار من الطعام، لكنى آكل بلغة من الزاد، فلذلك أقعد مستوفزا.
وفى حديث أنس أنه- صلى الله عليه وسلم أكل تمرا وهو مقع «2» ، من الجوع. وفى رواية: وهو محتفز. والمراد الجلوس على وركيه غير متمكن. واختلف السلف فى حكم الأكل متكئا، فزعم ابن القاص: أن ذلك من خصائصه- صلى الله عليه وسلم.
وتعقبه السهيلى فقال: قد يكره لغيره أيضا لأنه من فعل المتعظمين، وأصله مأخوذ من ملوك العجم، قال: فإن كان بالمرء مانع لا يتمكن معه من الأكل إلا متكئا لم يكن فى ذلك كراهة، ثم ساق عن جماعة من السلف أنهم أكلوا كذلك، وأشار إلى حمل ذلك عنهم على الضرورة.
(1) تقدم.
(2)
صحيح: أخرجه أبو داود (3771) فى الأطعمة، باب: ما جاء فى الأكل متكئا، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
قال فى فتح البارى: وفى الحمل نظر، وقد أخرج ابن أبى شيبة عن ابن عباس وخالد بن الوليد ومحمد بن سيرين وعطاء بن يسار وغيرهم جواز ذلك مطلقا، وإذا ثبت كونه مكروها أو خلاف الأولى، فالمستحب فى صفة الجلوس للآكل أن يكون جاثيا على ركبتيه وظهور قدميه، أو ينصب الرجل اليمنى ويجلس على اليسرى. انتهى.
وقال ابن القيم: ويذكر عنه- صلى الله عليه وسلم أنه كان يجلس للأكل متوركا على ركبتيه ويضع بطن قدمه اليسرى على ظهر اليمنى تواضعا- صلى الله عليه وسلم لله عز وجل وأدبا بين يديه. قال وهذه الهيئة أنفع هيئات الأكل وأفضلها لأن الأعضاء كلها تكون على وضعها الطبيعى الذى خلقها الله تعالى عليه.
انتهى. وأخرج ابن أبى شيبة من طريق إبراهيم النخعى قال: كانوا يكرهون أن يأكلوا اتكاة مخافة أن تعظم بطونهم.
وكان- صلى الله عليه وسلم إذا وضع يده فى الطعام يسمى الله تعالى «1» . وأما قول النووى فى آداب الأكل من الأذكار: والأفضل أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فإن قال: بسم الله كفاه وحصلت السنة. فقال فى فتح البارى: لم أر لما أدعاه من الأفضلية دليلا خاصا. وكان- صلى الله عليه وسلم يحمد فى آخره فيقول:
«الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه غير مودع ولا مستغنى عنه ربنا» «2» رواه الترمذى. وقوله: «غير مودع» بفتح الدال الثقيلة- أى غير متروك. ولا مستغنى: بفتح النون. وربنا: بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أى: هو ربنا؛ ويجوز النصب على المدح، أو الاختصاص، أو إضمار أعنى. وقال ابن الجوزى: بالنصب على النداء مع حذف أداة النداء.
وفى رواية: «الحمد لله الذى أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين» «3» .
(1) صحيح: أخرجه أحمد فى «المسند» (4/ 337) عن رجل خدم النبى- صلى الله عليه وسلم ثمان سنين، وله شاهد صحيح من أمره لغلام وسيأتى.
(2)
صحيح: أخرجه البخارى (5458 و 5459) فى الأطعمة، باب: ما يقول إذا فرغ من طعامه، من حديث أبى أمامة- رضى الله عنه-.
(3)
أخرجه أبو داود (3850) فى الأطعمة، باب: ما يقول الرجل إذا طعم، والترمذى (3457) فى الدعوات، باب: ما يقول إذا فرغ من الطعام، وابن ماجه (3283) فى-
وللنسائى من طريق عبد الرحمن بن جبير المصرى أنه حدثه رجل خدم النبى- صلى الله عليه وسلم ثمان سنين له كان يسمع النبى- صلى الله عليه وسلم إذا قرب إليه طعام يقول:
«بسم الله» ، فإذا فرغ قال:«اللهم أطعمت وسقيت وأغنيت وأقنيت وهديت وأحييت فلك الحمد على ما أعطيت» «1» وسنده صحيح.
وقد كان- صلى الله عليه وسلم يحب التيامن من شأنه كله «2» ، وقال- صلى الله عليه وسلم:«يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك» «3» . قال الحافظ زين الدين العراقى فى شرح الترمذى: حمله أكثر الشافعية على الندب، وبه جزم الغزالى ثم النووى. لكن نص الشافعى فى الرسالة وفى موضع آخر من الأم على الوجوب، كذا ذكر عنه الصيرفى فى شرح الرسالة. ونقل البويطى فى مختصره: أن الأكل من رأس الثريد، والتعريس على الطريق، والقران فى التمر حرام. ومثل البيضاوى فى منهاجه للندب بقوله:«كل مما يليك» وتعقبه الشيخ تاج الدين بن السبكى فى شرحه: بأن الشافعى نص فى غير هذا الموضع على أن من أكل مما لا يليه عالما بالنهى كان عاصيا آثما، قال: وقد جمع والدى نظائر هذه المسألة فى كتاب له سماه «كشف اللبس عن المسائل الخمس» ونصر القول بأن الأمر فيها للوجوب.
قال شيخ الإسلام ابن حجر: بعد أن ذكر ذلك: ويدل على وجوب الأكل باليمين ورود الوعيد فى الأكل بالشمال، ففى صحيح مسلم أن النبى
- الأطعمة، باب: ما يقال إذا فرغ من الطعام، وأحمد فى «المسند» (3/ 32 و 98 و 253) من حديث أبى سعيد الخدرى- رضى الله عنه- والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (4436) .
(1)
تقدم قريبا.
(2)
قلت: ورد ذلك فى حديث أخرجه البخارى (426) فى الصلاة، باب: التيمن فى دخول المسجد وغيره، ومسلم (268) فى الطهارة، باب: التيمن فى الطهور وغيره، من حديث عائشة- رضى الله عنها-.
(3)
صحيح: أخرجه البخارى (5376) فى الأطعمة، باب: التسمية على الطعام، والأكل باليمين، ومسلم (2022) فى الأشربة، باب: آداب الطعام والشراب وأحكامهما، من حديث عمر بن أبى سلمة- رضى الله عنهما-.
- صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يأكل بشماله فقال: «كل بيمينك» فقال: لا أستطيع، قال:«لا استطعت» «1» فما رفعها إلى فيه بعد فإن قلت: إنه- صلى الله عليه وسلم كان يتتبع الدباء من حوالى القصعة وهو يعارض الأكل مما يلى: فالجواب: أنه يحمل الجواز على ما إذا علم رضى من يأكل معه، فإذا علم كراهة من يأكل معه لذلك لم يأكل إلا مما يليه. قال ابن بطال: وإنما جالت يد رسول الله- صلى الله عليه وسلم فى الطعام، لأنه علم أن أحدا لا يتكره ذلك منه ولا يتقذره، بل كانوا يتبركون بريقه وبما مسه بيده، بل كانوا يتبادرون إلى نخامته فيتدلكون بها. وقال غيره: إنما فعل ذلك لأنه كان يأكل وحده. وهو غير مسلّم، لأن أنسا أكل معه- صلى الله عليه وسلم. وحديث عكراش عند الترمذى: الذى فيه التفصيل بين ما إذا كان لونا واحدا فلا يتعدى ما يليه، أو أكثر من لون فيجوز، ضعيف والله أعلم.
وقرب إليه- صلى الله عليه وسلم طعام، فقالوا: ألا نأتيك بوضوء؟ قال: «إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة» «2» رواه الترمذى. وفى رواية له: أنه- صلى الله عليه وسلم قال: «بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده» «3» . فيحمل الوضوء الأول على الشرعى والثانى على اللغوى. وروى أبو يعلى بإسناد ضعيف من حديث ابن عمر: من أكل من هذه اللحوم شيئا فليغسل يده من ريح وضره، ولا يؤذى من حذاءه.
ولم يكن- صلى الله عليه وسلم يأكل طعاما حارا، فروى الطبرانى فى الصغير والأوسط من حديث بلال بن أبى هريرة عن أبيه أن النبى- صلى الله عليه وسلم أتى
(1) صحيح: أخرجه مسلم (2021) فيما سبق، من حديث سلمة بن الأكوع- رضى الله عنه-.
(2)
صحيح: أخرجه مسلم (374) فى الحيض، باب: جواز أكل المحدث الطعام، وأنه لا كراهة فى ذلك، وأبو داود (3760) فى الأطعمة، باب: فى غسل اليدين عند الطعام، والترمذى (1847) فى الأطعمة، باب: فى ترك الوضوء قبل الطعام، والنسائى (1/ 85) فى الطهارة، باب: الوضوء لكل صلاة، من حديث ابن عباس- رضى الله عنهما-.
(3)
ضعيف: أخرجه أبو داود (3761) فى الأطعمة، باب: فى غسل اليد قبل الطعام، والترمذى (1846) فى الأطعمة، باب: ما جاء فى الوضوء قبل الطعام وبعده، من حديث سلمان- رضى الله عنه-، وقال أبو داود عقبه: وهو ضعيف.
بصحفة تفور، فقال:«إن الله لم يطعمنا نارا» «1» قال: وبلال قليل الرواية عن أبيه. انتهى. وعند أبى نعيم فى الحلية، من حديث أنس مرفوعا: كان يكره الكى والطعام الحار ويقول: «عليكم بالبارد فإنه ذو بركة، ألا وإن الحار لا بركة له» «2» الحديث. ولأحمد وأبى نعيم من حديث أسماء أنها كانت إذا ثردت غطته بشىء حتى يذهب فوره ثم تقول: إنى سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم يقول: «هو أعظم بركة» «3» . لكن عند البيهقى- بسند صحيح- عن أبى هريرة قال: أتى النبى- صلى الله عليه وسلم بطعام سخن فقال: «ما دخل بطنى طعام سخن منذ كذا وكذا قبل اليوم» «4» .
وكان له- صلى الله عليه وسلم قدح من خشب مضبب بحديد، قال أنس لقد سقيته- صلى الله عليه وسلم بهذا القدح الشراب كله: الماء والنبيذ والعسل. وفى البخارى عن سهل بن سعد قال: أقبل النبى- صلى الله عليه وسلم حتى جلس فى سقيفة بنى ساعدة هو وأصحابه، ثم قال «اسقنا يا سهل» فأخرجت لهم هذا القدح فأسقيتهم فيه «5» ، فأخرج لنا سهل ذلك القدح فشربنا منه ثم استوهبه عمر بن عبد العزيز بعد ذلك فوهبه له. الحديث. وكان عمر بن عبد العزيز قد ولى حينئذ إمرة المدينة.
وعند البخارى من حديث عاصم الأحول قال: رأيت قدح النبى- صلى الله عليه وسلم عند أنس بن مالك، وكان قد انصدع فسلسله بفضة. قال: وهو قدح جيد عريض من نضار، وقال: قال أنس: لقد سقيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم فى هذا القدح أكثر من كذا وكذا «6» ، قال: وقال ابن سيرين: إنه كان فيه حلقة
(1) ذكره الهيثمى فى «المجمع» (5/ 20) وقال: رواه الطبرانى فى الصغير والأوسط، وفيه عبد الله بن يزيد البكرى، ضعفه أبو حاتم، وبقية رجاله ثقات.
(2)
ضعيف جدّا: أخرجه أبو نعيم فى «الحلية» (8/ 252) ، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (4606) .
(3)
ضعيف: أخرجه أبو نعيم فى «الحلية» (8/ 177) ، وانظر «كشف الخفاء» للعجلونى (36) .
(4)
أخرجه البيهقى فى «السنن الكبرى» (7/ 280) .
(5)
صحيح: أخرجه البخارى (5637) فى الأشربة، باب: الشرب من قدح النبى- صلى الله عليه وسلم، ومسلم (2007) فى الأشربة، باب: إباحة النبيذ الذى لم يشتد ولم يصر مسكرا.
(6)
صحيح: والحديث أخرجه البخارى (5638) فى الأشربة، باب: الشرب من قدح النبى- صلى الله عليه وسلم وآنيته.
من حديث فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضة، فقال أبو طلحة: لا تغيرن شيئا صنعه رسول الله- صلى الله عليه وسلم وتركه.
وعنده: فى فرض الخمس من طريق أبى حمزة السكرى عن عاصم قال: رأيت القدح وشربت منه. وأخرجه أبو نعيم من طريق على بن الحسن ابن شقيق عن أبى حمزة، ثم قال: قال على بن الحسن وأنا رأيت القدح وشربت منه. وذكر القرطبى فى مختصر البخارى أنه رأى فى بعض النسخ القديمة من البخارى: قال أبو عبد الله البخارى: - رأيت هذا القدح بالبصرة وشربت فيه، وكان اشترى من ميراث النضر بن أنس بثمانمائة ألف. ووقع عند أحمد من طريق شريك عن عاصم: رأيت عند أنس قدح النبى- صلى الله عليه وسلم فيه ضبة من فضة. وقوله من نضار- بضم النون وبالضاد المعجمة- الخالص من العود ومن كل شىء ويقال: أصله من شجر النبع، وقيل: من الأثل ولونه يميل إلى الصفرة. ولم يأكل- صلى الله عليه وسلم على خوان ولا أكل خبزا مرققا «1» ، رواه الترمذى. والخوان- بكسر المعجمة ويجوز ضمها- المائدة ما لم يكن عليها طعام، وأما السفرة: فاشتهرت لما يوضع عليه الطعام. وكان- صلى الله عليه وسلم ينهى عن النوم على الأكل، ويذكر أنه يقسى القلب، ذكره أبو نعيم، ولذا قال الأطباء- كما فى الهدى «2» - من أراد حفظ الصحة فليمش بعد العشاء ولو مائة خطوة ولا ينام عقبه فإنه يضر جدّا، والصلاة بعد الأكل تسهل هضمه.
وأما شربه- صلى الله عليه وسلم فقد كان يستعذب له الماء، أى يطلب له الماء الحلو.
قالت عائشة: كان يستعذب له الماء من بيوت السقيا «3» . رواه أبو داود. وهى- بضم المهملة وبالقاف- وهى عين بينها وبين المدينة يومان.
(1) صحيح: وقد تقدم.
(2)
هو كتاب «زاد المعاد فى هدى خير العباد» لابن القيم- رحمه الله، وهو كتاب مشهور فى بابه.
(3)
حسن: أخرجه أبو داود (3735) فى الأشربة، باب: فى إسكاء الآنية، وأحمد فى «المسند» (6/ 108) ، وابن حبان فى «صحيحه» (5332)، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده قوى.
قال ابن بطال: واستعذاب الماء لا ينافى الزهد، ولا يدخل في الترفه المذموم، بخلاف تطييب الماء بالمسك ونحوه، فقد كرهه مالك لما فيه من السرف. وأما شرب الماء الحلو وطلبه فمباح قد فعله الصالحون. وليس فى شرب الماء المالح فضيلة. وقد كان- صلى الله عليه وسلم يشرب العسل الممزوج بالماء البارد.
قال ابن القيم: وفى هذا من حفظ الصحة ما لا يهتدى إلى معرفته إلا أفاضل الأطباء، فإن شرب العسل ولعقه على الريق يزيل البلغم ويغسل خمل المعدة، ويجلو لزوجتها ويدفع عنها الفضلات، ويسخنها باعتدال ويفتح سددها، والماء البارد رطب يقمع الحرارة ويحفظ البدن. وقالت عائشة: كان أحب الشراب إليه- صلى الله عليه وسلم الحلو البارد «1» . رواه الترمذى. ويحتمل أن تريد به الماء الممزوج بالعسل أو الذى نقع فيه التمر والزبيب. وكان ينبذ له أول الليل ويشربه إذا أصبح يومه ذلك، والليلة التى تجىء، والغد إلى العصر، فإن بقى شىء سقاه الخدام أو أمر به فصب «2» . رواه مسلم.
وهذا النبيذ: هو ماء يطرح فيه تمر يحليه، وله نفع عظيم فى زيادة القوة، ولم يكن يشربه بعد ثلاث خوفا من تغيره إلى الإسكار. وكان- صلى الله عليه وسلم يشرب اللبن خالصا تارة، وتارة مشوبا بالماء البارد، لأن اللبن عند الحلب يكون حارا، وتلك البلاد فى الغالب حارة، فكان يكسر حر اللبن بالماء البارد. وعن جابر أنه- صلى الله عليه وسلم دخل على رجل من الأنصار، ومعه صاحب له، فسلم فرد الرجل وهو يحول الماء فى حائطه، فقال- صلى الله عليه وسلم:«إن كان عندك ماء بات فى شنه وإلا كرعنا» فقال: عندى ماء بات فى شن، فانطلق إلى العريش فسكب فى قدح ثم حلب عليه من لبن داجن، فشرب- صلى الله عليه وسلم «3» الحديث. رواه البخارى.
(1) صحيح: أخرجه الترمذى (1895) فى الأشربة، باب: ما جاء أى الشراب كان أحب إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم، وأحمد فى «المسند» (6/ 38 و 40) ، والحديث أعله الترمذى بالإرسال، وصححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .
(2)
صحيح: أخرجه مسلم (2004) فى الأشربة، باب: إباحة النبيذ الذى لم يشتد ولم يصر مسكرا، من حديث ابن عباس- رضى الله عنهما-.
(3)
صحيح: أخرجه البخارى (5613) فى الأشربة، باب: شرب اللبن بالماء.
وكان- صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس يجزئ من الطعام والشراب إلا اللبن» «1» قال الترمذى: حديث حسن.
وللترمذى أيضا: عن ابن عمر مرفوعا: «ثلاثة لا ترد: اللبن والوسادة والدهن» «2» وأنشد بعضهم:
قد كان من سيرة خير الورى
…
صلى عليه الله طول الزمن
أن لا يرد الطيب والمتكا
…
واللحم أيضا يا أخى واللبن
قال ابن القيم: ولم يكن- صلى الله عليه وسلم يشرب على طعامه لئلا يفسده، ولا سيما إن كان الماء حارا أو باردا إنه ردىء جدّا. انتهى. وكان- صلى الله عليه وسلم يشرب قاعدا وكان ذلك عادته. رواه مسلم. وفى رواية له أيضا: أنه نهى عن الشرب قائما «3» وفى رواية له أيضا عن أبى هريرة: «لا يشربن أحدكم قائما، فمن نسى فليستقىء» «4» . وفى الصحيحين من حديث ابن عباس قال: أتيت النبى- صلى الله عليه وسلم بدلو من ماء زمزم فشرب وهو قائم «5» . وفى حديث على عند البخارى: أنه شرب وهو قائم، ثم قال:«إن أناسا يكرهون الشرب قائما، وإن النبى- صلى الله عليه وسلم صنع مثل ما صنعت» «6» .
وكل هذه الأحاديث صحيحة ولا إشكال فيها ولا تعارض، وغلط من
(1) حسن: أخرجه أبو داود (3730) فى الأشربة، باب: ما يقول إذا شرب اللبن، والترمذى (3455) في الدعوات، باب: ما يقول إذا أكل طعاما، وأحمد فى «المسند» (1/ 225) من حديث ابن عباس- رضى الله عنهما-، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (381) .
(2)
حسن: أخرجه الترمذى (2790) فى الأدب، باب: ما جاء فى كراهية رد الطيب، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (3046) .
(3)
صحيح: أخرجه مسلم (2025) فى الأشربة، باب: كراهية الشرب قائما، من حديث أبى سعيد الخدرى- رضى الله عنه-.
(4)
صحيح: أخرجه مسلم (2026) فيما سبق، من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه-.
(5)
صحيح: أخرجه البخارى (1637) فى الحج، باب: ما جاء فى زمزم، ومسلم (2027) فى الأشربة، باب: فى الشرب من زمزم قائما.
(6)
صحيح: أخرجه البخارى (5615 و 5616) فى الأشربة، باب: الشرب قائما.
زعم أن فيها نسخا، وكيف يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع بين الأحاديث، والصواب: أن النهى محمول على كراهة التنزيه، وأما شربه- صلى الله عليه وسلم قائما فلبيان الجواز. فإن قلت: كيف يكون الشرب قائما مكروها، وقد فعله- صلى الله عليه وسلم؟ فالجواب: أن فعله- صلى الله عليه وسلم إذا بيانا للجواز لا يكون مكروها، بل البيان واجب عليه- صلى الله عليه وسلم. وأما قوله- صلى الله عليه وسلم:«فمن نسى فليستقىء» فمحمول على الاستحباب والندب، فيستحب لمن شرب قائما أن يتقيأ لهذا الحديث الصحيح الصريح سواء كان ناسيا أو لا، قاله النووى.
وقال المالكية: لا بأس بالشرب قائما، واستدلوا لذلك بحديث جبير بن مطعم قال: رأيت أبا بكر الصديق يشرب قائما. ويقول مالك إنه بلغه عن عمر بن الخطاب وعثمان وعلى أنهم كانوا يشربون قياما. وأجابوا عن حديث أبى هريرة «لا يشربن أحدكم قائما، فمن نسى فليستقىء» بأن عبد الحق قال:
فى إسناده عمر بن حمزة العمرى، وهو ضعيف. انتهى. وقال المازرى: قال بعض شيوخنا لعل النهى ينصرف لمن أتى أصحابه بماء فبادر لشربه قائما قبلهم استبدادا به، وخروجا عن كون ساقى القوم آخرهم شربا.
وقال بعض الشيوخ: الأظهر أنه موقوف على أبى هريرة: قال:
والأظهر لى أن أحاديث شربه قائما تدل على الجواز، وأحاديث النهى تحمل على الاستحباب والحث على ما هو أولى وأكمل، لأن فى الشرب قائما ضرّا ما، فكره من أجله، وفعله هو لأمنه منه، قال: وعلى هذا الثانى يحمل قوله: «فمن شرب فليستقىء» على أن ذلك يحرك خلطا يكون القىء دواءه، ويؤيده قول النخعى: إنما نهى عن ذلك لداء البطن. انتهى. وقال ابن القيم:
للشرب قائما آفات عديدة منها: أنه لا يحصل به الرى التام، ولا يستقر فى المعدة حتى يقسمه الكبد على الأعضاء وينزل بسرعة إلى المعدة فيخشى منه أن تبرد حرارتها، ويسرع النفوذ إلى أسافل البدن بغير تدريج، وكل هذا يضر بالشارب قائما، فإذا فعله نادرا لم يضره.
وعند أحمد عن أبى هريرة أنه رأى رجلا يشرب قائما، فقال له قئه،
فقال: لم؟ قال: أيسرك أن يشرب معك الهر قال: لا، قال: قد شرب معك من هو شر منه: الشيطان «1» . وكان- صلى الله عليه وسلم يتنفس فى الشراب ثلاثا ويقول:
«إنه أروى وأمرأ وأبرأ» «2» رواه مسلم. ومعنى تنفسه: إبانة القدح عن فيه، وتنفسه خارجه، ثم يعود إلى الشرب. وأخرج الطبرانى فى الأوسط بسند حسن عن أبى هريرة: أن النبى- صلى الله عليه وسلم كان يشرب فى ثلاثة أنفاس «3» : إذا أدنى الإناء إلى فيه سمى الله، فإذا أخره حمد الله، يفعل ذلك ثلاثا.
وفى هذا الشرب حكم جمة وفوائد مهمة، نبه- صلى الله عليه وسلم على مجامعها بقوله «إنه أروى وأمرأ وأبرأ» فأروى: من الرى- بكسر الراء من غير همز- أشد ريّا وأبلغه وأنفعه. وأبرأ، أفعل من البرء- بالهمز- وهو الشفاء، أى يبرئ من شدة العطش ودائه لتردده على المعدة الملتهبة دفعات، تسكن الدفعة الثانية ما عجزت الأولى عن تسكينه، والثالثة ما عجزت عنه الثانية. وأيضا:
فإنه أسلم لحرارة المعدة، وأبقى عليها من أن يهجم عليها البارد وهلة واحدة ونهلة واحدة، فإنه أسلم عاقبة وآمن غائلة من تناول جميع ما يروى دفعة واحدة، فإنه يخاف منه أن يطفئ الحرارة الغريزية لشدة برده وكثرة كميته، أو يضعفها فيؤدى ذلك إلى فساد المعدة والكبد، وإلى أمراض رديئة، خصوصا فى سكان البلاد الحارة، وفى الأزمنة الحارة، فإن الشرب فيهما وهلة واحدة مخوف عليهم جدّا.
وقوله: أمرأ: بالهمز، أفعل من مرؤ الطعام والشراب فى بدنه إذا داخله وخالطه بسهولة ولذة ونفع. انتهى. وقال بعضهم: والمعنى أنه يصير هنيئا مريئا. أى: سالما أو مبرئا من مرض أو عطش أو أذى. ويؤخذ من ذلك:
أنه أقمع للعطش وأقوى على الهضم. ومن آفات الشرب نهلة واحدة، أنه
(1) أخرجه أحمد فى «المسند» (2/ 301) .
(2)
صحيح: أخرجه مسلم (2028) فى الأشربة، باب: كراهة التنفس فى نفس الإناء، من حديث أنس- رضى الله عنه-.
(3)
إسناده ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (5/ 82) وقال: رواه الطبرانى فى الأوسط، وفيه اليمان بن المغيرة، وهو ضعيف.
يخاف منه الشرق، بأن ينسد مجرى الشراب لكثرة الوارد عليه، فإذا تنفس رويدا ثم شرب أمن من ذلك. وقد روى عبد الله بن المبارك والبيهقى وغيرهما عن النبى- صلى الله عليه وسلم: إذا شرب أحدكم فليمص الماء مصّا، ولا يعب عبّا فإنه يورث الكباد «1» . والكباد: - بضم الكاف وتخفيف الباء- وجع الكبد.
ولا معارضة بين التنفس هنا وبين النهى عن التنفس فى الإناء الوارد فى الحديث، لأن المنهى عنه التنفس داخل الإناء، فإنه ربما حصل للماء تغير من النفس، إما لكون المتنفس كان متغير الفم لمأكول مثلا، أو لبعد عهده بالسواك والمضمضة، أو لأن النفس يصعد ببخار المعدة، وهاهنا التنفس خارج الإناء فلا تعارض، فلو لم يتنفس جاز الشرب بنفس واحد، وقيل يمنع مطلقا لأنه شرب الشيطان.
وكان- صلى الله عليه وسلم إذا دعى لطعام وتبعه أحد أعلم به رب المنزل، فيقول:
«إن هذا تبعنا فإن شئت رجع» «2» . وكان يكرر على أضيافه ويعرض عليهم الأكل مرارا، وفى حديث أبى هريرة فى قصة شرب اللبن، وقوله مرارا:
«اشرب» فما زال يقول: اشرب حتى قال: والذى بعثك بالحق لا أجد له مسلكا «3» . رواه البخارى. وكان- صلى الله عليه وسلم إذا أكل مع قوم كان آخرهم أكلا.
رواه البيهقى فى الشعب عن جعفر بن محمد عن أبيه مرسلا. وفى حديث ابن عمر مرفوعا عند ابن ماجه والبيهقى: «إذا وضعت المائدة فلا يقوم الرجل
(1) ضعيف: أخرجه سعيد بن منصور فى سننه وابن السنى، وأبو نعيم فى الطب، والبيهقى فى شعب الإيمان عن ابن أبى حسين مرسلا، كما فى «ضعيف الجامع» (561) .
(2)
صحيح: والحديث أخرجه البخارى (2081) فى البيوع، باب: السهولة والسماحة فى الشراء والبيع، ومسلم (2036) فى الأشربة، باب: ما يفعل الضيف إذا تبعه غير من دعاه، من حديث أبى مسعود- رضى الله عنه-.
(3)
صحيح: وهو جزء من حديث طويل أخرجه البخارى (6452) فى الرقاق، باب: كيف كان عيش النبى- صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وتخليهم من الدنيا.