الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خروج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من الشعب
الوليد بن المغيرة: كيده للرسول وموقفه من القرآن
ثم إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش، وكان ذا سن فيهم، وقد حضر الموسم فقال لهم: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيًا واحدًا، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضًا، ويرد قولكم بعضه بعضًا، قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس، فقل وأقِم لنا رأيًا نقول به، قال: بل أنتم فقولوا أسمع، قالوا: نقول كاهن، قال: لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة (1) الكاهن ولا سجعه، قالوا: فنقول: مجنون، قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه، ولا تخالجه، ولا وسوسته، قالوا: فنقول: شاعر، قال ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر، قالوا: فنقول: ساحر، قال ما هو بساحر، لقد رأينا السُّحَّار وسحرهم، فما هو بنفثهم ولا عقدهم (2)، قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إنّ لقوله لحلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناة -قال ابن هشام: ويقال لغدق- وما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا عُرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر، جاء بقول هو سحر يفرّق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته وبين المرء وعشيرته. فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون بسُبل الناس حين قدموا الموسم، لا يمرّ بهم أحد إلا حذروه إيّاه، وذكروا لهم أمره. فأنزل الله تعالى في الوليد بن المغيرة وفي ذلك من قوله: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا
(1) زمزمة الكاهن: كلامه الخفي.
الموسم الذي حضر العام الثامن للبعثة.
(2)
العقد والنفث: هو أن يعقد الساحر خيطًا: وينفث فيه بفمه.
وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا}: أي خصيمًا.
قال ابن هشام: عنيد: معاند مخالف. قال رؤبة بن العجاج:
ونحن ضرابون رأس العند
وهذا البيت في أرجوزة له.
قال ابن هشام: بسر: كره وجهه. قال العجاج:
مضبر اللحيين بسرًا منهسًا (1)
يصف كراهية وجهه. وهذا البيت في أرجوزة له.
رد القرآن على صحب الوليد: قال ابن إسحاق: أنزل الله تعالى في رسوله صلى الله عليه وسلم وفيما جاء به من الله تعالى وفي النفر الذين كانوا معه يصنفون القول في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيما جاء به من الله تعالى:{كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (90) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (91) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (3)
قال ابن هشام: واحدة العضين: عضة، يقول: عضوه: فرقوه. قال رؤبة بن العجاج:
وليس دين الله بالمعضي
وهذا البيت في أرجوزة له.
(1) المضبر: الشديد. واللحيان: عظمان في الوجه. والنهس: أخذ اللحم بمقدم الأسنان.
(2)
سورة المدثر، الآيات: 23 - 25.
(3)
سورة الحجر، الآيات: 91 - 93.
قال ابن إسحاق: فجعل أولئك النفر يقولون ذلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن لقوا من الناس، وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها (1)
روى البيهقي بسنده عن ابن عباس، رضي الله عنهما، أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقَّ لهُ، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال: يا عمّ، إن قومك يرون أن يجمعوا لك مالًا، قال: لم؟ قال: ليعطوكه، فإنك أتيت محمدًا لتعرض لما قبله. قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالًا، قال: فقل فيه قولًا يبلغ قومك أنك منكر له، أو أنك كاره له، قال: وماذا أقول؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار منِّي، ولا أعلم برجزه، ولا بقصيده منّي، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقول، حلاوًة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته، قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، قال: فدعني حتى أفكر، فلما فكر، قال: هذا سحر يُؤْثَرُ يأثُرُهُ عن غيره. (2) فنزلت: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا} .