الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعملا، وسار إلى أن علا عقبة أسدآباد، فنزلت عَلَيْهِ ثلوج غطّت الخراكي والخيام، وبقي ثلاثة أيّام، فعَظُم إِذْ ذاك البلاءُ، وشَمِلَ الهلاكُ خلقا من الرِّجال، ولم ينْجُ شيء من الْجِمال، وتلفت أيدي رجال وأرْجل آخرين، فرَجَع السّلطان عن وَجْهِه ذَلِكَ عَلَى خيبةٍ ممّا هَمَّ بِهِ.
[وصول الفرنج إلى عين جالوت]
وفيها تجمّع الفرنج وأقبلوا من البَحْر بفارسِهِم وراجِلِهم لأجل قَصْد بيت المَقْدِس، وتتابعت الْأمداد من رومية الكُبرى، الّتي هِيَ دار الطّاغية الأعظم المعروف بالبابا، لعنه اللَّه، وتجمّعوا كلّهم بعكّا، عازمين عَلَى استيفاء الثّأر ممّا تمَّ عليهم في الدّولة الصّلاحيّة، فجفلَ الملك العادل لَمَّا خرجوا عَلَيْهِ، ووصلوا إلى عين جالوت، وَكَانَ عَلَى بَيْسان فأحرقها، وتقدَّم إلى جهة عَجْلون، ووصلَ الفَوّار [1] ، فقطع الفرنج خلفه الْأردُنَّ، وأوقعوا باليَزَك، وعادوا [2] عَلَى البلاد، وجاء الْأمر إلى المعتمد والي دمشق بالاهتمام والاستعداد واستخدام الرّجال، وتدريب دُروب قَصر حجّاج، والشَّاغور، وطرْق البساتين، وتغريق أراضي داريَّا، واخْتَبَط البلد، وأرسل العادل إلى ملوك البلاد يستحثّ العساكر، ونزل مرج الصُّفَّر، وضجَّ النَّاس بالدُّعاء، ثُمَّ رجع الفرنج نحو عَكّا بما حازوه من النَّهب والْأسارى، فوصل الملك المُجاهد صاحبُ حِمْص، ففرح بِهِ النَّاس.
قَالَ أبو المظفّر ابن الْجَوْزيّ [3] : فيها انفسخت الهُدْنة بين المُسلمين والفرنج، وجاء العادلُ من مِصر بالعساكر، فنزل بيْسان، والمُعظم عنده في عَسْكر الشَّام، فخرج الفرنج من عَكّا، عليهم ملكُ الهُنْكر، فنزلوا عين جالوت في خمسة عشر ألفا، وَكَانَ شُجاعًا، خرج معه جميع ملوك السَّاحل، فقصَد العادل، فتأخَّر العادلُ وتَقَهْقَر، فَقَالَ لَهُ المُعَظَّم: إلى أَيْنَ؟ فَشَتَمه بالعَجَميَّة، وَقَالَ: بمن أُقاتل؟ أقطعْتَ الشَّام مماليككَ وتركتَ أولاد النَّاس. وساق فَعَبر الشّريعة [4] .
[1] في الذيل لأبي شامة: «الغور» .
[2]
في ذيل الروضتين: «وغاروا» .
[3]
في مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 583.
[4]
الشريعة: نهر الأردن.
وجاء الهُنْكر إلى بيْسان، وبها الْأسواق والغِلال والمواشي وشيءٌ كثير، فأخذت الفرنج الجميعَ، ورحلوا منها بعد ثلاثة أيّام إلى قُصير الغوْر [1] ، ووصل أوائلهم إلى خَرِبة اللُّصوص والْجَوْلان، وأقَاموا يقْتلون ويسْبون، ثُمَّ عادوا إلى الغَوْر، ونزلوا تحت الطُّور، فأقاموا أيّاما يقاتلون من فيه ويحاصرونهم، وَكَانَ معهم سُلَّم عظيم، فزحفوا ونصبوه، فأحرقه المسلمون بالنِّفط، وقُتل تحته جماعة من أعيان الفرنج، منهم بعض الملوك. واستشهد يومئذٍ الْأمير بدر الدّين مُحَمَّد بن أَبِي الْقَاسِم، وسيف الدّين ابن المَرْزُبان، وَكَانَ في الطُّور أبطال المسلمين، فاتّفقوا على أنّهم يقاتلوا قتال الموت، ثُمَّ رحل الفرنج عَنْهُمْ إلى عكّا، وجاء المُعَظَّم فأطلق لأهل الطُّور الْأموال، وخلعَ عليهم. ثُمَّ اتّفق العادل وابنه المُعَظَّم عَلَى خراب الطُّور كما يأتي.
وأمّا ابن أخت الهنكر فقصد جبل صيدا في خمسمائة من الفرنج إلى جِزّين [2] ، فأخلاها أهلها، فنزلها الفرنج ليستريحوا، فتحدّرت عليهم الرجال من الجبل، فأخذوا خيولهم وقتلوا عامّتَهم، وأُسر مُقدّمهم ابن أخت الهُنْكر.
وَقِيلَ: إِنَّهُ لم يسْلَم من الفرنج إِلَّا ثلاثة أنفُس.
قُلْتُ: وكثُرت جيوش الفرنج بالسَّاحل، وغنموا ما لا يُوصف، ثُمَّ قصدوا مِصْر لخلُوّها من الجيش، وكانت عساكر الإِسْلَام مُفرقة، ففرقةٌ كانت بالطّور محْصُورين، وفرقةٌ ذهبت مَعَ المُعَظَّم يَزَكًا على القدس عسكروا بنابُلُس، وفرقةٌ مَعَ السّلطان في وجه العدوّ عن دمشق، وأشْرَف المُسلمون عَلَى خطةٍ صَعْبَة، وَكَانَ الملك العادل مَعَ جُبْنٍ فيه، حازما سائسا، خاف أن يلتقي العدوّ وَهُوَ في قلٍّ من النَّاس أن يَنْكسر ولا تقوم للإسلام بعده قائمة، فاندفع بين أيديهم قليلا قليلا حتّى كفى الله شرّهم [3] .
[1] هو القصر المعروف بقصر ابن معين الدين.
[2]
جزّين: بلدة شرقيّ صيدا، بجنوب لبنان. وقد تصحّفت في المرآة إلى «جزيز» .
[3]
انظر خبر (الفرنج) في: الكامل في التاريخ 12/ 320، 321، والتاريخ المنصوري 73، وذيل الروضتين 102، وتاريخ الزمان 252، وزبدة الحلب 3/ 180، ومفرّج الكروب 1/ 254- 257، ومرآة الزمان ج 8 ق 2/ 583، والمختصر في أخبار البشر 3/ 118، والدرّ المطلوب 187 و 190، 191، ونهاية الأرب 29/ 78- 81، ودول الإسلام 2/ 116، 117، وتاريخ ابن الوردي 2/ 134، والإعلام والتبيين 47، وتاريخ ابن خلدون 5/ 344، والبداية والنهاية 13/ 76، 77، والسلوك ج 1 ق 1/ 186، 187، وشفاء القلوب 224، 225، وتاريخ ابن سباط 1/ 259.