الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مناسبات بل تناولنا حياتهم في فصول أخرى، أمثال حمدان الونيسي والشيخ الطيب العقبي والشيخ الإبراهيمي في الحجاز، والشيوخ محمد بن سعد والقاضي عبد العزيز وعبد الله المجاوي في الغرب، وحمدان خوجة والمكي بن عزوز
…
في إساطانبول. وابن العنابي والكبابطي في مصر، والشيخ محمد المنور في اليمن. والطيب بن المختار وجماعة أخرى من المثقفين في بلاد الشام. ومحفوظ الدلسي ومحمد اللقاني وابن عبد السلام في تونس. وجميع هؤلاء قد أثروا الحياة الثقافية والدينية في البلد الذي استقبلهم، كما أثروا بذلك المجال الثقافي لبلادهم الأصلية التي حرمت منهم. وما دامت عائلة الأمير تدخل ضمن هؤلاء الأعيان، فأننا سنخصص لها بضع صفحات وحدها لأهميتها من جهة ولأن بعض الذين هاجروا قد دخلوا تحت لوائها الديني والثقافي وحتى السياسي.
عائلة الأمير في المشرق
الإخوة والأبناء
لا تعنينا الآن حياة الأمير عبد القادر في الجزائر، ولكن تعنينا حياته خارجها، ولا سيما في المشرق بعد إطلاق سراحه من سجون فرنسا التي ظل فيها من بداية 1848 إلى نهاية 1852.
والواقع أن عائلة الأمير كانت موضع حديث الصحافة الفرنسية والتقارير الرسمية حتى قبل هزيمته. فمنذ 1846 كتبت صحيفة (الجزائر) التي كانت تصدر في باريس وصفا لحياة عائلة الأمير، أمه وزوجته وإخوته وأطفاله. ثم نقلت (مجلة الشرق) تلك المقالة التي رجعنا إليها. وقد حاول الفرنسيون التشكيك في إخلاص زوجته، لاله خيرة ابنة عمه سيدي علي بوطالب، وفي أخلاق عضده القوى محمد بن علال، خليفة مليانة.
وبناء على هذه المعلومات أيضا فإن الأمير كان يحب والدته لاله زهرة، حبا جما، وكان يرعاها ويزورها. ويذكرون أنها مرضت ذات مرة فى
مليانة وهو بعيد عنها، ولما سمع بذلك توجه إليها بسرعة فقطع خمسة عشر كلم في ظرف قياسي.
وكانت أخته لاله خديجة ملازمة لأمها لا تفارقها. وكان الأمير يكتب إلى أمه بيده، أما إلى غيرها فكان يترك لكتابه يكتبون بدله. ولاله زهرة يقول عنها الفرنسيون إنها المرأة المعظمة التي بعثتها العناية الإلهية لتساعد على إرساء قواعد الجنسية العربية. وكانت امرأة من أهل الريف، وهي الوحيدة التي لبست الجوارب والقفازات الصوفية البيضاء التي أرسلها إليها الطبيب الفرنسي في معسكر أثناء الهدنة (1837 - 1838). فقد أرسلت تطلب علاجا من البرد الذي أصابها. وحين وصلتها الجوراب والقفازات من الطبيب لبستها بدون تحفظ، وليس غيرها كان يستطيع أن يفعل ذلك بين نساء الريف المرتبطات بالتقاليد والمحافظات، في نظر الفرنسيين.
كان الأمير قد تزوج من ابنة عمه المذكورة قبل مبايعته بالسلطنة. ومنذ المبايعة أعلن لزوجته أنه سينشغل عنها ببلاده، ومصالح شعبه (1). وكانت تربطه بها علاقات عائلية قوية، فلم يطلقها. وكانت تمر أسابيع وشهور دون أن يراها. وكان له منها ولد يسمى محي الدين، توفي سنة 1837. ثم وقع ما أبعدها عنه بعض الوقت. ذلك أن كلوزيل قد هاجم مدينة معسكر في آخر 1835 فخرج منها أهلها، وكان الأمير غائبا. وقد أحرق كلوزيل المدينة. وتفرق عن الأمير أقرب الناس إليه، بمن فيهم زوجته وعمه بو طالب. وكان أبناء عمه المذكور معارضين له ولا سيما سمية عبد القادر بوطالب الذي كان ينتمى إلى الطريقة الدرقاوية. وقد غاب الأمير فى حصار عين ماضي حوالى عشرة أشهر (2).
وعندما حلت عائلة الأمير في سجن (بو) بفرنسا، سنة 1850، زارته عائلات أوروبية وتحدثوا إلى زوجته وأمه. وشاهدوا أطفاله وحياته
(1) انظر ما ذكره تشرشل عن الموضوع، وأيضا. انظر بيليسييه دي رينو (الحوليات).
(2)
(مجلة الشرق)، باريس 1846، ص 345 - 346، والمقال موقع بحرف (X) فقط.
الخاصة. وسجلوا انطباعهم الذي يكشف لنا نمطا من المعيشة العربية في بلاد السجن والغربة. فوالدة الأمير كانت في حدود السبعين سنة، وكانت تعيش في غرفة خاصة بها. ونفهم من الانطباعات أنه كان للأمير عدد من النساء الزنجيات أيضا. ومع ذلك فان مكانة زوجه لاله خيرة كانت مكانة خاصة بينهن. يقول الواصف انه كانت للأمير ثلاث وصيفات في غرفة واحدة، جالسات على المطرح. وكان أطفالهن جالسين على إحدى الزرابي، ورؤوسهم قصيرة الشعر، عدا واحدا منهم كان شعره مجعدا. أما البنات فشعورهن مسرحة ولكنها مربوطة بأشرطة. وكل الأطفال كانوا يلبسون اللباس الوطني في بساطة ظاهرة. أما النساء فثيابهن بيضاء طويلة ومضاعفة. وكان غطاء شعورهن من الحرير، وهو غطاء الرأس الذي يلففنه حول الرقبة أيضا. وكن يلبسن سلاسل، وعقودا، ذهبية وفضية في أحجام ضخمة، ويتزين بالخواتم الفضية والذهبية، وبالأطواق في الرقاب وبالأقراط في الأذان. وكانت أذرعهن وأرجلهن موشمات، وهن جميلات ومستسلمات للمصير الذي كن فيه. ويقول صاحب الوصف إن القصر الذي كن فيه كان مزينا بالزرابي والمرايا والأزهار، ولكن ذلك كله كان لا يلفت انتباههن ولا يريحهن من ألم الشوق والحنين إلى الوطن والحرية.
وفي هذا القصر غرفة خاصة بلاله خيرة، زوجة الأمير ابنة عمه بوطالب. وبناء على الوصف فإن لاله خيرة كانت جالسة على أريكة تنظر إلى أطفالها الذين كانوا يجلسون عند قدميها على زربية. وكانت في حدود الأربعين سنة، وكان جمالها واضحا، للعيان، لكن خيريتها كانت أوضح. وكان لباسها الأبيض أرقى من لباس النساء الأخريات. وكان لها بنتان، كما أن أصغر الأطفال كان يتصاعد على ركبتيها.
وكان عدد من كان في القصر (السجن) مع الأمير حوالي مائة شخص، من بينهم 32 رجلا، 32 إمرأة، 32 طفلا (1). والسيدة بروس كانت تسمى
(1) السيدة بروس (إقامة في الجزائر)، لندن 1852، ص 315 - 316. كانت هذه السيدة =
الأمير عبد القادر (نابليون العرب). وتقول ان اسمه كان على كل لسان، وهو عند الناس عظيم، وهم لا ينفكون عن تذكره.
ويبدو أن عدد من كانوا مع الأمير كان أكبر من ذلك. فهناك آخرون كانوا يعيشون قريبا منه، وليس معه في داخل القصر - السجن. فصاحب (تحفة الزائر) يتحدث عن 150 شخصا من أتباع الأمير كانوا على الباخرة. وكان لهؤلاء السجناء حياتهم الخاصة. فهم يقضون وقتهم في الصلاة والتدريس والتعلم والقراءة. وكان بعضهم يعاني من القلق والحنين إلى الحرية والجهاد والعمل في الحقول. وكان السيد قرة محمد هو مؤذن قصر أمبواز بعد انتقالهم إليه. ويقول صاحب تحفة الزائر إنه كان جهوري الصوت يسمع صوته عن بعد رغم علو جدران السجن (القصر) حتى أن مطران مدينة بوردو كان يخطب في الكنيسة حاثا مستمعيه على المواظبة على الدين كما يفعل المسلمون (1).
وقد توفي عدد من أتباع الأمير ونساءهه وأطفاله أثناء سجنهم في امبواز. فقد كانت الأمراض تفتك بهم، مع الغربة وضيق الحال. مات له ابنان وبنت. كما توفيت اثنتان من الوصيفات الثلاث (إحداهن أم ولد مولدة، والثانية سودانية، حسب تعبير صاحب تحفة الزائر). وجملة من مات هناك عشرون شخصا. وقد دفنوا جميعا في مدفن خصصته لهم السلطات الفرنسية، وكان
= فرنسية ومتزوجة من طبيب فرنسي وتوفي عنها. هاجرت إلى عنابة، فمات أخوها هناك. وعاشت في الوحدة والفقر. وتجولت في عنابة وقسنطينة وقالمة والجزائر ووهران. وكتبت رحلتها وتعزت بالأهالي والاستعمار، وراسلت أصدقاءها في أوروبا، ومنهم مترجم (مترجمة؟) الكتاب إلى الإنكليزية. عرفت السيدة بروس شكوى الأهالي وأحزانهم ولعناتهم ضد الاستعمار، وكانت تعرف حياة باريس فقالت متنبئة بأن آثار فرنسا ستختفي من الجزائر وأن سيطرتها ستذوب كما يذوب الثلج تحت حرارة الشمس اللافحة. انظر المقدمة. وزيارة قصر (بو) كانت سنة 1849 - 1850.
(1)
الأمير محمد باشا (تحفة الزائر) 1903، 2/ 17. وكان المؤلف عندئذ طفلا، وهو أحد الأطفال الذين وصفتهم السيدة بروس.
يقع في طرف البستان من داخل حرم القصر، وقد أحيطت هذه المقبرة الصغيرة بسياج من حديد (1).
بعد إطلاق سراحه في آخر سنة 1852 والاحتفال به في باريس، شاهد الأمير وعلق على عدة أمور، مما يعبر عن رأيه في العالم من حوله. ومن أوائل ذلك أنه زار المتحف الحربي (الانفاليد) فشاهد فيه رايته التي طالما خفقت في سماء الجزائر، رآها سجينة في إحدى غرف المتحف، فتأثر تأثرا عميقا. وكانت هذه الراية البيضاء اللون كبيرة الحجم تتوسطها يد مفتوحة الأصابع الخمسة (2). وشاهد أيضا السكة الحديدية فسماها (طريق النار) وهو ترجمة حرفية للتسمية الفرنسية (3) وزار المكتبة الوطنية، والمطبعة الرسمية. وسجل إعجابه بطباعة الكتب، وقد طبعت أمامه ورقة عليها اسمه وهو واقف، للتأثير عليه. ورووا عنه أنه قال بالدارجة (بريز (باريس) كلها عجب، وأعجب ما فيها بيت الكتب، لله در عقول (؟)، انتخبوا خير منتخب، والسلام على كبير بيت الكتاب) (4). ولعل هذا الكلام كان منظوما فنثر، أو مسجوعا، ذلك أن كثرة الباءات توحي بأن الأمير كان يزن كلامه ويجمله. ولعل الكلمة الأخيرة (الكتاب) هي في الأصل (الكتب) كالتي وردت قبلها.
وبعد الزيارة أرسل الأمير رسالة إلى محافظ المطبعة الرسمية، واسمه (سان جورج)، شكره فيها على حسن استقباله وصنيعه. وجاء فيها (وبعد،
(1) نفس المصدر 2/ 36. يقول هذا المؤلف إنه زار المقبرة سنة 1866 (1283)، وإنها ما تزال قائمة إلى زمن التأليف، وهو سنة 1897.
(2)
تشرشل (حياة الأمير عبد القادر)، ص 62، 270. ويقول مصدر فرنسي يرجع إلى سنة 1841 ان راية الأمير كانت زرقاء مع يد حمراء في وسطها انظر (رحلة منوار) نشرها مارسيل ايمريت، المجلة الأفريقية، 1955، عدد 442، ص 133. وذكر صاحب (تحفة الزائر) 1/ 201 أن الراية بيضاء أعلاها وأسلفها أخضر وأوسطها يد مبسوطة مطرزة بالذهب.
(3)
المجلة الشرقية الجزائرية، م 1، 1852، ص 515.
(4)
مخطوط 7123 عربي، المكتبة الوطنية، باريس، ص 93. وتاريخ زيارة المطبعة هو 6 نوفمبر 1852، رفقة بواسوني وابن علال.
فإننا زرناكم فرأينا من صنعتكم شيئا ما بقي لنا أن نتعجوا (كذا) من شيء يده، ورأينا من ظرافتكم وحسن أخلاقكم ما أحببناكم به من قبل تقدم مخالطة معكم، فأنتم أهل للمدح، والسلام). وتبدو عبارات التكلفت وثقل الجملة واضحة في هذه الرسالة القصيرة. والظاهر أنها ليست من إنشاء الأمير. وهي بتاريخ فاتح محرم سنة 1269 (1852).
ولكن الرسالة السياسية التي نسبت إلى الأمير في هذه الأثناء هي الجديرة بالتوقف. فقد قيل إنه كتب تعهدا لنابليون بأن لا يدخل الجزائر بعد ذلك، وأن لا يحمل السلاح من جديد، وأنه عبر عن شكره لنابليون على إطلاق سراحه، بينما الملك لويس فيليب وعده بالحرية ولم يفعل. وأقسم الأمير إيمانا مغلظة على ذلك باعتباره مسلما، ملتزما وشريفا. كما عبر عن إعجابه بقوة فرنسا التي لا يقهرها إلا الله، قائلا إنه اتبع إرادة الله في حمل السلاح كما اتبعها في إلقائه.
وقد سارعت السلطات الفرنسية إلى استغلال هذه الرسالة لتوظيفها في الجزائر لتثبيط عزائم المقاومين، فطبعت نسخا منها بالعربية والبربرية بحروف عربية، وروجتها على أوسع نطاق وطبعتها في جريدة المبشر، ثم أعادت نشرها بعد ثلاث عشرة سنة عند اندلاع ثورة أولاد سيدي الشيخ (1865). وكانت ھذه السلطات تذكر الجزائريين دائما بأن الأمير قد أصبح من (أصدقاء فرنسا) بعد أن حاربها طويلا. وهكذا فإن الرسالة (إذا صحت نسبتها كاملة إليه) التي كتبها الأمير اعترافا، بجميل نابليون الثالث في إطلاق سراحه، وذلك طبعا من المروءة والأخلاق الفاضلة، أصبحت وثيقة سياسية استعملتها السلطات الفرنسية لإطفاء نار الفتنة، حسب تعبيرهم، أي القضاء على المقاومة ضد الاستعمار. ولو عرف الأمير أن كلامه سيوظف على ذلك النحو لكان أكثر حذرا، وربما توقف عن كتابة تلك الرسالة التي أصبحت سلاحا في يد العدو. وفي غمرة الفرح بالحرية الفردية يبدو أن الأمير قد نسي قول المتنبي:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته
…
وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
وإليك نص هذه الرسالة (1)، كما ورد في الوثائق الفرنسية: بعد الحمدلة والدعاء بالنصر لنابليون الثالث، قال الأمير مخاطبا له (إنه جاء إلى حضرتكم العلية بالله، يستكثر بخيركم، ويتمتع بالنظر إليكم. فإنك والله، أحب إليه من كل محبوب، وفعلتم معه الفعل الذي هو فوق قدره وما يستأهله (2)، ولكن فعلكم على قدر همتكم وعلو مقامكم وكمال شرفكم. ولست، أعزكم الله، ممن يمدح بالباطل أو يخدع بالكذب، وأنكم أمنتم فيه وما صدقتم من شك في أمانته (3)، وسرحتموه، وفعلتم من غير وعد، وغيركم وعد وما فعل (4)، وهو أعطاكم عهد الله وميثاقه وعهود جميع الأنبياء والمرسلين، أنه لا يخالف أمانتكم فيه (5)، ولا يخرج عن عهدكم، ولا ينسى فضلكم، ولا يرجع إلى قطر الجزائر أبدا، لأنه حين أوقفه الله تعالى وقف وضرب البارود على قدر ما قدر، وحين أراد الله جلوسه جلس ورضى بقضاء الله، وسملت في الملك وجئتكم (6)، وديني وشرفي يأمرانني بالوفاء بالعهد وعدم الغدر، وأنا شريف لا نرضى أن ينسبني الناس إلى الغدر. وكيف يكون ذلك وقد رأيت من إحسانكم وفضلكم ما نعجز عن شكره. الإحسان إلى الأحرار سلسلة في رقابهم تقودهم إلى محبة المحسن. وقد شاهدت من
(1) الرسالة بتاريخ منتصف محرم 1269 (1852). مخطوط المكتبة الوطنية - باريس، رقم 7123 عربي، ص 96 - 97.
(2)
تعبير عن التواضع، وقد كان شائعا بين أهل العلم والأدب عندئذ، ولعله ما يزال.
(3)
إشارة إلى من كان يقول بعدم تسريح الأمير خشية من عودته إلى حرب الفرنسيين.
(4)
تلميح بالسلطات الفرنسية السابقة لنابليون التي وعدت الأمير بتركه حرا يختار منفاه. ومنهم لامورسيير الذي وعد الأمير بذلك، ولما صار وزير الحرب (1848) رفض إطلاق سراحه.
(5)
هذا هو القيد الذي وضعه الأمير حول عنقه، ومع ذلك خاطبه البعض بعد سقوط نابليون باعتبار التعهد كان شخصيا وليس للدولة الفرنسية. ولعل ذلك هو سر الموقف سنة 1870 حين جاء ابنه محيي الدين لتثوير الجزائر.
(6)
لاحظ تغيير الضمائر، من الغائب إلى المتكلم المفرد.
فخامة ملككم، وقوة عساكركم وكثرة أموالكم ورجالكم، وعدالة أحاكمكم، ونصيحة عمالكم، واستقامة أموركم كلها ما نقطع ولا نشك فيه أنه لا يغلبكم ولا يردكم عن مرادكم إلا الله تعالى
…
) (1) وأخيرا طلب الأمير من نابليون أن (ينظمه في سلك المحبين له).
ليس في الرسالة سوى التعهد لنابليون بحفظ العهد والاعتراف بالفضل على تسريحه إياه وعدم الرجوع إلى الجزائر. ولكن الإعلام الرسمي الفرنسي، وعلى لسان جريدة (المبشر)، ذهب يردد أن الأمير تعهد بعدم حمل السلاح مرة أخرى ضد فرنسا. وهو أمر غير وارد في نص الرسالة. كل ما فيها بهذا المعنى هو ترك الأمور في يد الله الذي أمره بالجهاد فجاهد ثم أمره بالتوقف فتوقف، حسب تعبيره. والمسألة كلها قضاء وقدر، وما دام الأمر كذلك، فإن نفس الوضع قد يتجدد بعد حين، وكانت المبشر تكرر أن الأمير لن يرفع السلاح في وجه فرنسا، وأنه قسم على ذلك، وأنه سيبقى وفيا لفرنسا. وكل ذلك غير وارد كما تلاحظ من النص، ولعل الترجمة أساءت إلى النص العربي، لأن الجريدة زعمت أنه لم تصلها سوى النسخة الفرنسية، فأخرت نشرها حتى تصلها النسخة العربية. ولكنها سارعت إلى القول إن الجميع - الخاص والعام - يريدون معرفة ذلك التعهد ليتعظ من يحاول الفتنة ضد فرنسا مستعملين اسم الأمير. إن الجريدة الناطقة باسم السلطات الفرنسية في الجزائر كانت تريد أن تستغل هي رسالة الأمير ضد الثوار، سيما وأن ثورة الشريف بو بغلة كانت جارية في زواوة، وكذلك ثورة محمد بن عبد الله في الصحراء (2).
(1) في هذه العبارة الأخيرة معاني كثيرة ليس هنا محل ذكرها. فالأمير قد ترك مستقبل الجزائر في يد الله قاهر الظالمين وكاسر شوكة الغزاة بعد أن عجز هو عن ذلك.
(2)
نشرت رسالة الشكر المذكورة في المبشر بتاريخ 30 نوفمبر 1853. وأعيد نشرها في 12 يوليو 1865، بمناسبة زيارة الأمير لفرنسا ووقوع ثورة أولاد سيدي الشيخ. انظر بحث إبراهيم الونيسي. وكانت المبشر تسمي الرسالة (تعهدا)، وقد ذكرنا أنها طبعت في عدة نسخ، وعلى بعضها توقيع الأمير، كما قيل، ثم وزعت في الجزائر على أوسع نطاق.
ثم انتقل الأمير إلى المشرق حيث كان يرغب منذ الهزيمة سنة 1847 لولا خيانة العهد من جانب الفرنسيين. وقد نزل اسطانبول (الآستانة) وجرى له حفل بحضور السلطات العثمانية، وكانت السفارة الفرنسية هناك تظهر الاحتفاء به أيضا. وبعد أيام استقر في بروسة بعائلته وأقاربه. ولكنه لم يلبث أن شعر بالعزلة، فلا هو في الحجاز ولا هو في سورية أو في مصر. إنه كان في مدينة بعيدة عن الأجواء العربية والكتب والصحف والعائلات الشريفة والمهاجرين الذين سبقوه إلى المشرق. ولم تتح الفرصة لطلب الانتقال إلا سنة 1855. فقد كانت حرب القرم جارية وكانت العلاقات بين الدولة العثمانية وفرنسا ودية إلى حد ما. وحدث في نفس السنة زلزال في بروسة. فطلب الأمير السماح له بالانتقال إلى دمشق والاستقرار فيها. ولا ندري هل وسط في ذلك نابليون الثالث أو وجه الطلب مباشرة إلى السلطات العثمانية.
انتقل الأمير إلى دمشق عبر بيروت. وقد مر بزعماء الدروز وقراهم واحتفوا به هناك أيما احتفاء. وكان الأمير قد زار دمشق برفقة والده قبيل الاحتلال الفرنسي للجزائر. وهل كان اختياره لدمشق بالذات بإغراء من المهاجرين الجزائريين الذين سبقوه إلى هناك؟ ولماذا لم يقصد الاستقرار في بغداد حيث ضريح شيخه عبد القادر الجيلاني الذي زار قبره أيضا مع والده قبل الاحتلال وحمل إليه المال ونال منه البركة؟ الغالب أن المهاجرين هم الذين أغروه بالإقامة في دمشق (1).
في دمشق وجد الأمير جوا كجو الجزائر، وطبيعة كطبيعة معسكر. وشعبا. عربيا، مسلما، عطوفا ومعجبا بجهاده وشرفه وقوميته، فاحتضنه، والتحم الأمير مع أهل الشام حتى أصبح واحدا منهم. وتفرغ للعلم والتدريس والتصوف. وفتح داره للزائزين والمحتاجين والعلماء. وأصبح مهوى الأفئدة ومطمح الأنفس. وبعد أربع سنوات تقريبا كادت تقع فتنة في الشام بسبب
(1) كان قد اشترط على الفرنسيين عند مفاوضته معهم في ديسمبر 1847، أن يتركوه يختار الإقامة فى عكا أو الحجاز أو الإسكندرية.
التدخلات الأجنبية التي كانت تلعب بمصائر الشعوب من أجل مصالحها الخاصة. وقد وظف الأمير سمعته وماله ورجاله من المهاجرين لحماية الضعفاء. وكان أغلب جنوده في هذه القضية من أهل زواوة الأوفياء، والشجعان، وكان موقف الأمير يستجيب أيضا. لمصلحة القنصلية الفرنسية في دمشق فساندته. وخرج الأمير والجزائريون من هذه القضية متوجين بنصرة الحق وحماية وحدة الشعب السوري وشكر العالم المسيحي.
وإذا كان موقف الأمير عندئذ قد أثار استغراب بعض المسلمين في دمشق - لأنه حمى المسيحيين - فانه قد أثار استغراب ودهشة المسلمين الجزائريين أيضا. فقد اعتبروه موقفا متحالفا مع الفرنسيين والمسيحيين. يقول فرنسي كان بالجزائر عندئذ ان الفرنسيين حاولوا، بدون جدوى، شرح ما قام به الأمير في دمشق والأسباب السياسية التي قادته إلى ذلك للزعماء الأهالي، ولكنهم لم يكادوا يصدقون. فقد كانوا لا يرون إلا شيئا واحدا وهو أن الأمير قد اتحد (تحالف) مع المسيحيين، وظلوا مندهشين. ولم تختف دهشتهم بالتدرج، إلا عندما قام نابليون الثالث بزيارة الجزائر، وهو الذي كانوا يعتبرونه (سلطان الفرنسيين)(1).
إن النياشين والأوسمة التي غطت صدر الأمير قد وصلت إليه بعد حادثة سنة 1860. وكانت الأوسمة من مختلف ملوك وأمراء أوروبا وأمريكا، وهي نوع من (جائزة نوبل) للسلام بمفهوم وواقع عصرنا، مهما كانت الخلفيات التي وراءها. وفي تقديرنا أن الأمير قام بواجبه الشرعي والإسلامي والإنساني كرجل شهم وشريف ومجاهد، دون حسابات أخرى. وله مواقف سابقة في الجزائر تشهد على أريحيته وتسامحه، رغم أن بعضهم قد يفسر ذلك على أنه سذاجة سياسية أو على الأقل سياسة لم يوافق عليها ميكيافيلي. ومن الذين وشحوا صدر الأمير: السلطان عبد المجيد الذي أرسل إليه الوسام
(1) بورجاد (ملاحظات .. على الاحتلال الفرنسي لسور الغزلان)، المجلة الإفريقية، 1889، ص 293 - 294.
(المجيدي) من الدرجة الأولى. وقالت (مجلة الشرق) الفرنسية الساخرة من كل ما هو إسلامي وعثماني، إن السلطان قد فعل ذلك حتى لا يبقى متخلفا عن امبراطور فرنسا أو ملك سردينيا، ولعلها نسيت أن تذكر ملكة بريطاني وقيصر روسيا وملك بروسيا ورئيس أمريكا أيضا .. وقد ذكرت نفس المجلة أن أسقف باريس و (أصدقاء) الأمير في امبواز (حيث كان سجينا) أرسلوا إليه أيضا رسائل عديدة. كما أن شاعرا فرنسيا قد أرسل إليه قصيدة تشيد ببطولته (1).
وعلى إثر ذلك نشرت صحيفة (ديلي نيوز) الإنكليزية اقتراحا بإعطاء حكومة سورية إلى الأمير عبد القادر بدون تردد لأن في ذلك حلا، في نظرها، لقضية الشرق (2)(المسألة الشرقية؟). وسرعان ما راجت الفكرة ووجدت أنصارا في العالم ولا سيما في فرنسا. وأصبح اسم الأمير عبد القادر مرتبطا بإقامة مملكة عربية في سورية يكون هو على رأسها بدعم من الدول الكبرى. وجاء الوسطاء، والرسائل، وأرسلت فرنسا مندوبين عنها لدى الأمير ليجسوا النبض، ولعلها أثارت الموضوع مع حلفائها في أوروبا، ولكن الأمير كان غير آبه بهذا الشرف الكبير، بل الفخ الخطير. وكان ملتزما بما وعد به، وهو أن الله الذي دعاه إلى الجهاد سنة 1832 قد أمره بوضع سلاحه سنة 1847. وأنه لم يأمره باستئناف الجهاد والحكم.
وهناك عدد من زعماء الشرق وكتابه حثوا الأمير على قبول الإمارة أيضا، سواء من تلقاء أنفسهم أو ربما بتحريض من بعض الجهات. من هؤلاء محمد الأمين العاملي، ويوسف كرم، وأديب إسحاق (3) ومنح الصلح. وكلهم كانوا مؤمنين بالاتحاد العربي على يد الأمير. وكانت السلطات
(1) مجلة الشرق، سلسلة جديدة، سنة 1860، ص 292. لقد أطلق اسم الأمير على إحدى البلديات بعد ذلك في أميركا، واسمها اليوم (القادر) وهي تقع بولاية أيوا.
(2)
نفس المصدر.
(3)
سهيل الخالدي (المهجرون الجزائريون
…
) مخطوط، ص 185، وعن مراسلات يوسف كرم مع الأمير حول موضوع الإمارة انظر منح الصلح (سطور من الرسالة) بيروت 1966، ص 104 وما بعدها. وعن زيارة يوسف كرم للجزائر، انظر لاحقا.
العثمانية بالطبع غير مرتاحة لهذه المساعي العربية والدولية، لأنها مساعي تهدم وحدة الدولة وتفرق بين العرب والترك. وقد فهم الأمير عبد القادر هذه اللعبة الخطرة فتفاداها بحكمة، وحافظ على وحدة الدولة الإسلامية، ولم يقع في فخ بعض الدول الكبرى التي كانت تريد أن تجعل منه مطية لتكسيرها، كما فعلت بعد حوالي ستين سنة مع الشريف حسين. ولو رضي الأمير بمخططاتها لكان مصيره ربما هو نفس مصير الشريف حسين، من يدري؟ ومهما كان الأمر فإن الأمير لم يكن من المغامرين ولا من المتعجلين.
والأسماء العربية التي ذكرناها كانت قليلا من كثير. فالمعجبون به والمراسلون له والمادحون والمستغيثون به أكثر من أن نحصيهم هنا. وفي كتاب (تحفة الزائر) و (حلية البشر) نماذج منهم. من أصدقاء الأمير في دمشق محمد الطنطاوي، وسليم الحمزاوي، وعبد السلام الشطي. وكان الشطي شاعرا، وعالما، ويبدو أنه كان طموحا وهجاء أيضا، فهجا شيخه الطنطاوي، ولكن الأمير أرسل إلى الشطي وأهانه في داره بحضور جماعة من العلماء حتى ساءت حال الشيخ الشطي المعنوية والجسمية، ثم أرسل إليه الأمير يستسمحه. أما محمد الطنطاوي فأرسله الأمير إلى قونية لمقابلة نسخة (المواقف) بفتوحات ابن عربي.
أما سليم الحمزاوي - الأخ الأكبر لمحمود الحمزاوي مفتي دمشق عندئذ - فهو شخصية مستقلة فيما يبدو، وكان ولوعا بالسلاح والرماية، وكان يكسب رزقه من عرق جبينه كما ذكر المترجمون له. وكان يخرج مع الأمير في جولات ورحلات. ومنها ذهابهما معا إلى الحج والمجاورة في جملة من العلماء والأشراف. وعندما مروا بقناة السويس جاءتهم دعوة من الخديوي إسماعيل لحضور إحدى حفلات أولاده التي دامت سبعة أيام. وقد احتفى الخديوي بالأمير عبد القادر ورفاقه احتفاء باهرا. وأخذت لهم خلال ذلك صور تذكارية. ثم واصلوا الطريق إلى مكة (1) ..
(1) منتخبات تاريخ دمشق 2/ 673، 2/ 729. في هذا المصدر ترجمة طويلة للأمير، =
وكانت بين الأمير ورجالات الشرق معرفة ومراسلات. ومنهم أحمد فارس الشدياق، أحد البلغاء العارفين باللغة العربية والفرنسية والتركية. وكان صحفيا لامعا، عاش في المشرق وفي فرنسا. وألف مع أحد الفرنسيين (وهو غوستاف دوقا) كتابا في نحو اللغة الفرنسية موجها إلى المتعلمين العرب سماه (سند الراوي في النحو الفرنساوي). وكان الشدياق رئيسا لتحرير جريدة (الجوائب) التي كانت تصدر باسطانبول والتي يعتبرها الغرب معادية له وناطقة باسم الخلافة العثمانية والجامعة الإسلامية. ولا شك أنها كانت تصل إلى الأمير عبد القادر وإخوته وأبنائه. ومنها كانوا يعرفون وجهة نظر السياسة الرسمية للدولة العثمانية. وكان الشدياق شاعرا قويا أيضا فنظم قصيدة في مدح الأمير، أولها:
ما دام شخصك غائبا عن ناظري
…
ليس السرور بخاطر في خاطري (1)
وتبادل الأمير المراسلات مع خير الدين باشا التونسي. فحين أصدر هذا كتابه (أقوم المسالك) سنة 1867 بادر بإرسال نسخة منه، مع خطاب، إلى الأمير عبد القادر في دمشق. وقد رد عليه الأمير برسالة شكر وتهنئة بصدور الكتاب مع عبارات الإعجاب بما جاء فيه من أفكار ودفاع عن الإسلام:(فلله درك ودر ما به ألمعت، وما قربت من فنون المعارف ولا بعدت، ثم أنك حميت ضمار الشرع المحمدي وعضدته، وقطعت عنه ضرر الملحدين وخضدته، وذلك بما قررتموه من أن الشريعة المطهرة لائقة بكل زمان، صالحة للحكم بها في كل أوان). ومدح الأمير كتاب (أقوم المسالك) خاصة بعبارات فخمة وأدبية، ولكنها واضحة في التعبير عن الإعجاب، ويبدو أن الأمير كان يوافق على ما جاء في الكتاب من الدعوة إلى نهضة المسلمين أيضا: (وقد اطلعنا على أقوم المسالك، فرأينا فيه ما بهر العقول،
= فيها معلومات جديدة. 2/ 740 - 742.
(1)
قصيدة في ثلاث صفحات في كناش رقم 16511، تونس، ورقة 163 - 164. وقد تكون منشورة في مكان آخر. انظر أيضا (تحفة الزائر).
وأدى الأفكار إلى الذهول، من قضايا المعقول والمنقول، فاتفقت القلوب على تفضيله، واختلفت الألسنة في تمثيله. أما نحن فقد تركنا التشبيه، وقلنا ما له في فنه مثيل ولا شبيه
…
فاتخذته مرتع ناظري، ومنتعش خاطري
…
ولا يخفى أنه لا بد لكل عصر من رجال، يقومون بأعبائه، ويهيمون في أودية أنبيائه
…
) (1).
عرف الأمير عبد القادر (جمعية العروة الوثقى) وهي جمعية سياسية سرية، من مقاصدها، كما قال رشيد رضا، خدمة وتحقيق الجامعة الإسلامية. وكانت لها جريدة بنفس الإسم. وكان الأمير عبد القادر (ومن اختار من أنجاله ورجاله) من أعضائها. ونحن لا نجد هذا النص في كتاب (تاريخ الأستاذ الإمام) لتأييد القول بعضوية الأمير وبعض أولاده وأنصاره فيها (2). ترى كيف حدث ذلك، ومن هم الأولاد والرجال الآخرون الذين كانوا فيها؟.
ومهما كان الأمر فإننا لا نعلم ما إذا كان جمال الدين الأفغاني قد التقى أو تراسل مع الأمير، ولم نجد إلى الآن إشارة إلى ذلك. أما الزعيم الثاني لجمعية العروة الوثقى وهو الشيخ محمد عبده، فربما التقى به الأمير في سورية يوم جاءها منفيا، بعد ثورة عرابي باشا سنة 1882. وكان ذلك قبل سنة فقط من وفاة الأمير. وهناك مراسلات بينهما (3). وفي كتابات محمد رشيد رضا ما يدل على إعجاب الشيخ محمد عبده بشخصية الأمير ودوره في الحياة المعاصرة عندئذ. فقد روى رشيد رضا أن الشيخ عبده كان يذكر له
(1) تحفة الزائر، مرجع سابق، 2/ 196. وهناك مراسلات أخرى بين الأمير وخير الدين، وبين الأمير ووزراء تونس. وقد كتبا بحثا عن هذه المراسلات، انظرها في كتابنا أبحاث وآراء ج 4.
(2)
محمد رشيد رضا (تاريخ الأستاذ الإمام)، 1/ 283.
(3)
في رسالة كتبها محمد عبده من بيروت إلى جمال الدين الأفغاني مؤرخة في 14 مارس 1883، أن الأمير قد أرسل إبنيه محمد ومحيي الدين لزيارته. وكان ذلك قبل وفاة الأمير بشهرين فقط. انظر محمد عمارة (الأعمال الكاملة) للشيخ محمد عبده.
رجالا من أصحاب المزايا الكبيرة الذين إذا ماتوا لا يخلفهم أحد مثلهم في العالم الإسلامي (المصاب بالعقم)، أما عند الأمم الأخرى فإن الرجل العظيم سرعان ما يخلفه رجل عظيم مثله، وهكذا تتواصل العظمة من أولئك العظماء بخلاف الأمة الإسلامية. وفي نظر الشيخ عبده أن الأمير عبد القادر من أولئك العظماء الذين لم يخلفهم غيرهم. ثم ذكر آخرين في مصر والشام (1). وعند وفاة الأمير عبد القادر أرسل الشيخ عبده رسائل التعزية فيه إلى إبنيه محمد ومحيي الدين.
في طريقه إلى الحج، يناير 1863، زار الأمير مصر أو بتعبير آخر توقف فيها. جاء على متن الباخرة الفرنسية (سيناء) ونزل في الاسكندرية ثم قصد طنطنا فالقاهرة. وكان نزوله بترتيب من المهندس الفرنسي فرديناند دي ليسيبس F. De Lesseps الذي قيل إنه كان (صديقا) للأمير والذي حاول استغلال علاقته به لتنفيذ مشاريعه في السويس وقابس. ونحن لهم أن ذلك ليس (صداقة) من النوع المعروف ولكنه استغلال لجاه الأمير لتحقيق أغراض سياسية واقتصادية لفرنسا. ولذلك كانت حكومة الخديوي إسماعيل غير مرتاحة من زيارة الأمير لمصر لا لأنها ضده شخصيا ولكن لاستغلال دي ليسيبس لها في أغراضه المذكورة، دون أن يدري الأمير ذلك في أغلب الظن. فقد قيل إنه نزل مصر عندئذ على نفقة شركة قناة السويس. ووفروا له منزلا وأرضا تسمى أرض (أو بلح) وهي واقعة في بئر أبي بلح عند القناة. ووافق الخديوي على إقامة الأمير على الأرض المذكورة، ومن جهته قام الأمير بإعلام الحجاج بأهمية قناة السويس للمسلمين.
وبعد أداء الحج والمجاورة رجع الأمير إلى دمشق عبر مصر أيضا بدعوة من شركة القناة. وكان قد ركب الباخرة الفرنسية (لوريو) إلى الحجاز. ويبدو أنه رجع إلى مصر على نفس الباخرة. وكانت زيارته الثانية لمصر في
(1) نفس المصدر، 1/ 939. انظر أصول وصيغة يمين جمعية العروة الوثقى في هذا المصدر، 284 - 288.
شهر يوليو 1664. وفي هذه الأثناء أقام له محفل الشرق الماسوني حفلا، وهو الحفل الذي فهم منه البعض أن الأمير قبل بالعضوية في الجمعية الماسونية التي تحدثنا عنها في غير هذا (1). وكانت جريدة (ملتقى البحرين) الفرنسية التي تصدرها شركة القناة هي التي كتبت وغطت هذه الزيارات. وقد أقام الأمير عدة أيام في أحد القصور بالقاهرة. ولا نعرف من الوثائق الفرنسية من هم الأعيان الذين زاروا الأمير عندئذ (2)، ولا الأماكن التي زارها، سواء كانت علمية أو دينية. وما نظنه إلا وقد زار الجامع الأزهر. ثم رجع الأمير إلى دمشق، وبعد بضعة أشهر رجع إلى مصر (في يناير 1865) وزار الأرض التي أعطتها أو عينتها الشركة له (أرض بئر أبي بلح)، ولعله كان في طريقه لزيارة فرنسا. ولكن حكومة الخديوي فوجئت بحضوره هناك، ويبدو أن الأمير لم يكن واعيا للحساسية التي أثارتها زيارته هذه، حتى بعد دخل القناصل الأجانب لدى حكومة الخديوي وزوال العاصفة، كما يقول شارل رو. وحين تفطن لذلك سنة 1866 تخلى تماما عن موضوع الأرض والإقامة في مصر، وفضل رضى مصر على رضى فرنسا، وابتعد حتى لا يكون لعبة في يد (صديقه) دي ليسيبسں وشركة القناة.
وقد سافر الأمير بعد ذلك إلى فرنسا سنة 1865، ربما من الإسكندرية، على متن باخرة فرنسية، وما دام لا يستطيع دخول الجزائر، فإن بعض أعيان الجزائر وبعض أقاربه فيها قد زاروه في مرسيليا. وكانت ثورة أولاد سيدي الشيخ عندئذ على أشدها في الجزائر. وكانت حكومة المارشال بيليسييه قد عجزت عن القضاء عليها، ثم جاءت حكومة المارشال ماكماهون بادية الاستعداد لمواجهة الثورة. فأعادت نشر رسالة الأمير إلى نابليون سنة 1852 على صفحات جريدة المبشر، مستغلة ما فيها من الوعد بالوفاء وشكر
(1) عن الأمير والماسونية، انظر فصل (مذاهب وتيارات).
(2)
انظر شارل رو Roux (مجلة البحر الأبيض المتوسط) عدد 6 (1955) وما بعده. وقال إنه اعتمد في معلوماته على جريدة الشركة المذكورة، وعلى أرشيف قنصلية فرنسا في الاسكندرية، ومراسلات الأمير مع دي ليسيس.
الامبراطور على إطلاق سراحه، لعل ذلك يؤثر في ثوار أولاد سيدي الشيخ فيلقون السلاح. كما أن نابليون نفسه قد زار الجزائر زيارة ثانية في نفس السنة (1865) وأصدر بعدها مرسومه المشيخي الشهير (مرسوم التجنس المفتوح للراغبين الجزائريين بشرط التخلي عن الأحوال الشخصية الإسلامية). ولا ندري ما تعاليق الأمير عندئذ على الأوضاع في الجزائر، ومن الأكيد أن الشخصيات التي جاءته من النواحي الغربية قد حدثته عن الثورة الجارية هناك ومعارضة الأعيان لتمليك الأراضي للأفراد بدل القبائل والأعراش. وكان الجواسيس الفرنسيون يحصون على الأمير أنفاسه ويفسرون كل كلمة تخرج من فمه بعدة وجوه (1).
ومهما كان الأمر فإن الأمير قد زار خلال ذلك (1865) المعرض العالمي، كما زار نفس المعرض سنة 1867 إلى جانب الملوك والشخصيات الكبيرة. ومن الذين حضروا هذا المعرض الاسكندر الثاني قيصر روسيا، والخديوي إسماعيل باشا مصر. فهل التقى الأمير والخديوي هذه المرة وصفيا الجو بينهما؟ يبدو ذلك. فقد رجع الأمير إلى مصر لحضور افتتاح قناة السويس سنة 1869. وهو الافتتاح الذي حضرته أياد شخصيات عالمية، بينها (يوجيني) زوجة الامبراطور الفرنسي التي قيل انها كانت شديدة الإعجاب بالأمير. ولا ندري الآن كم أقام الأمير في مصر هذه المرة، ولكن (الوحشة) أو الجفاء قد زال بينه وبين الخديوي إسماعيل. وهذه الزيارة لم تسلم أيضا. من استغلال الفرنسيين لها. فقد كانت الجزائر تجتاز ببطء أزمة
(1) من التواريخ الهامة في هذه الفترة: 1860 تدخل الأمير في حوادث الشام، وزيارة نابليون للجزائر، 1863 توجه الأمير إلى الحجاز لأداء الحج، وصدور قانون الأرض في الجزائر، وهو القانون الذي أدى إلى نزع الأرض من الأعراش والقبائل، وصدور رسالة نابليون إلى حاكم الجزائر قائلا فيها إنه سلطان العرب والفرنسيين، 1864 ثورة أولاد سيدي الشيخ وعودة الأمير من الحج؛ 1865 زيارة الأمير لمصر ثم فرنسا، ونشر رسالته في الجزائر، ثم زيارة نابليون الثانية للجزائر وصدور قانون التجنس، الخ. ويذهب كريستلو إلى أن الأمير لم يكن غريبا عن ثورة أولاد سيدي الشيخ وأنه ربما خطط لها أثناء مجاورته في الحرم الشريف، 1863 - 1864، مع الحجاج الجزائريين.
الجوائح الخطيرة التي عرفتها والتي قضت على أكثر من تلاثمائة ألف نسمة، كما أن ثورة أولاد سيدي الشيخ ما تزال مستمرة، وقد حكمت السلطات الفرنسية هناك على أن الشاب أحمد التجاني شيخ زاوية عين ماضي، كان متورطا فيها فاعتقلته في العاصمة ثم أرسلته إلى فرنسا - نوع من المنفى - ولحق به بعد ذلك أخوه البشير. فما تعليق الأمير على كل ذلك؟ إن صحيفة (النيل) التي كانت تصدر بالاسكندرية قد نشرت خبرا عن الأمير وهو أنه سيسافر بعد حفل الافتتاح إلى فرنسا ليطلب من الامبراطور زيادة معاشه ومعاش أولاده. وقد اغتنمت ذلك جريدة (المبشر) ونشرت الخبر لتبرهن للجزائريين على أن الأمير ما يزال (صديقا) لفرنسا ومعتمدا عليها (1).
وكما استغل الفرنسيون اسم الأمير في قناة السويس ومع الحجاج، كذلك استغلوه في مشروع قناة قابس أو ما سمي بالبحر الداخلي بين الجزائر وتونس. وكان دي ليسيبس هو الذي وراء ذلك أيضا، ولكن صاحب المشروع هذه المرة هو الفرنسي رودير. فهذا هو الذي قام بوضع دراسة لشطوط تونس والجزائر. فكانت تزكية الأمير مفيدة جدا، كما قيل، في إنجاز رودير لدراسته بشكل سعيد. وتمثلت تزكية الأمير (أو فتواه) في بيان أصدره وعززه بنصوص قرآنية وأحاديث شريفة، بطلب من دي ليسيبس، ليقنع الأعيان والرؤساء العرب في المنطقة المذكورة بالمشروع. وعنوان بيان الأمير هو (إلى كل القبائل العربية الساكنة في الجزائر ولا سيما علماؤهم وشيوخهم ورؤساء دينهم وعساكرهم)(2). وهو بيان مؤرخ في 23 ربيع الأول (الانور) سنة 1300 (1883). وجاء فيه أن الشركة الفرنسية كانت تعمل على فتح قناة قابس مثل ما فتحت قناة السويس المفيدة. كما طلب البيان منهم تسهيل مهمة
(1) شارل رو، مرجع سابق، وكذلك (المبشر) 9/ 12/ 1869. ولكن من غير المعروف أن الأمير قد سافر من جديد إلى فرنسا. فقد زارها سنة 1867 والتقى بزوجة الأمبراطور سنة 1869، ثم إن الامبراطور نفسه قد اعتقل سنة 1870.
(2)
شارل رو، مرجع سابق، عدد 11، 1956، ص 130 - 131.
الشركة لفائدة بلادهم (1). ولكن قناة قابس ظلت مشروعا على الورق فقط.
إن الذين يحكمون على ظواهر الأمور رأوا أن الأمير لم يدخل في السياسة منذ غادر الجزائر، آخر سنة 1847. ورأوا أنه ظل على عهده بعدم الرجوع إليها أو حتى محاولة ذلك. وقد رأينا أنه رفض التداخل في السياسة العربية أيضا، أو بالأحرى رفض أن يكون مطية في يد الفرنسيين وغيرهم ضد الدولة العثمانية. وعدل عن الإقامة في مصر في أرض (أبو بلح) التي قدمتها له شركة قناة السويس حتى لا يغضب الخديوي إسماعيل وحكومة مصر. ومنذ سقوط نابليون لم يزر الأمير فرنسا، على ما نعرف، وقد عاش أكثر من عشر سنوات بعد ذلك، لأن زيارته لها كانت زيارة شخصية لنابليون وليست، في نظره، سياسية (2). وحين تنصل من دخول ابنه محيي الدين إلى الجزائر سنة 1870 - 1871، وهو الموقف الذي ما يزال غامضا عند كثير من المؤرخين، لم يفعل ذلك فيما يبدو إرضاء لأية جهة وإنما فعله مناورة فقط، لأنه لا سبيل إلى غيرها عندئذ، ولأنه كان يعرف أن فرص النجاح غير متوفرة. وقد رأيناه يتدخل لدى وزراء تونس من أجل المقرانيين وأنصارهم الذين فروا إلى تونس بعد ثورة 1871. كما رأيناه يتدخل لإطلاق سراح بطل القوقاز شامل الداغستاني لدى قيصر روسيا.
فهل صحيح أن الأمير قد تخلى عن السياسة ولم يعد يفكر في الجزائر وشعبها بعد هزيمته وسجنه؟ إنه من العبث أن يعتقد المرء ذلك. فالأمير الذي قضى سبع عشرة سنة حاملا السلاح من أجل دينه وشعبه وقضيته لا يمكن أن ينسى كل ذلك لمجرد أنه أصبح خارج الحدود أو أنه وعد نابليون بعدم دخول الجزائر. وقد رأينا أنه لم يتعهد بعدم رفع السلاح، كما زعمت الدعاية الفرنسية، ولم تخرج من فمه أو قلمه عبارة أنه (صديق فرنسا) وإنما هي
(1) كتب دي ليسيبس كتابا سماه (ذكريات أربعين سنة) زعم فيه أنه كان صديقا للأمير طيلة 35 سنة (1848 - 1883).
(2)
كما لا نعرف أن الأمير زار مصر بعد 1869، والمعروف أن الأفغاني كان في مصر خلال معظم السبعينات.
الكتابات الإعلامية التي كان الفرنسيون في حاجة إليها للتأثير بها على الجزائريين الذين ظلوا متعلقين به. وآخر كتاب وظف عبارة (صديق فرنسا) هو كتاب الجنرال بول أزان الذي يسمونه (مؤرخ) الجيش الفرنسي.
وتذهب البحوث الحديثة إلى أن الأمير كان في المنفى وقلبه وعواطفه في الجزائر، وكان له أتباع وعيون يواصلونه بالأخبار والزيارات. وكان عدد من أقاربه قد تولوا السلك القضائي بتدخل منه شخصيا (1). ومن هؤلاء حوالي ستة عشر قاضيا من عائلة عمه أبي طالب وحدها. ومنهم أيضا ابن عمه الطيب بن المختار. ولهؤلاء ارتباطات ومصاهرات مع عبد القادر المجاوي. وكانوا يترددون على الشام وبعضهم يتزوجون من هناك بنات عمومتهم، حفيدات محيي الدين والد الأمير عبد القادر. واختار بعضهم الإقامة في الشام بعد ولاية القضاء في الجزائر. وكانت المراسلات لا تنفك بين الأمير وهؤلاء، وقد ذهب بعضهم لاستقباله في مرسيليا، كما ذكرنا. وكان السلك القضائي أخطر وسيلة سياسية بقيت في يد المسلمين بعد انهيار الدولة الجزائرية والمقاومة. ومما يلفت النظر أن الفرنسيين قد (نفوا) عائلة أبي طالب وأقارب الأمير إلى اقليم قسنطينة، فتولى معظمهم القضاء في هذا الإقليم. ونحن نعلم أن هذا الاقليم هو الذي كان مسرح ثورة 1870 - 1871، وهو الإقليم الذي دخل منه الأمير محيي الدين في خريف سنة 1870 ليشعل فتيل الثورة. فهل يستطيع باحث نفي العلاقة بين الأمير محيي الدين وبعض القضاة من أبناء عمومته؟.
(1) من الذين درسوا موضوع القضاء الإسلامي وعلاقته بالسياسة الاستعمارية الفرنسية في الجزائر، الآن كريستلو (المحاكم الإسلامية) مرجع سابق. وقد تناول قضاة عائلة بوطالب وعلاقتهم مع الأمير بالمشرق، كما رأى أن الأمير كان يتدخل في شأنهم وشأن غيرهم، وأنه كان (متأججا بالمؤامرات) ولكنه كان يعرف كيف يبرأ منها في الوقت المناسب، ويعترف السيد كريستلو بأنه لا توجد أدلة على تورط الأمير المباشر في السياسة. انظر صفحة 216 من كتابه. ومما يذكر أن الأمير قد اتهم بالتخطيط لثورة أولاد سيدي الشيخ (1864) عندما كان في الحجاز، ولكن هذا يظل مجرد احتمال.
وقد لخص أحد الباحثين (كريستلو) علاقة الأمير بالجزائر في هذه النقاط: التدخل فيها عن طريق تثبيت أفراد عائلته في الوظائف القضائية وغيرها، واستقبال المهاجرين منهم أو العائدين منهم إلى الجزائر، ووجود مبعوثين دائمين بين الجزائر ودمشق. وكان واحدا منهم على الأقل يتوقف بانتظام في قسنطينة عند الشيخ عبد القادر المجاوي. وهذا الرجل هو مصطفى بن درويش الذي كان صلة الوصل بين فاس والجزائر ودمشق. ويقول هذا الباحث إنه بالرغم من عدم البرهان على تدخل الأمير المباشر في السياسة، فإنه كان شعلة متأججة بالمؤامرات في الجزائر، وهي المؤامرات التي كان يتبرأ منها مستقبلا. وفي رأينا أن تبرأه من عمل ابنه محيي الدين سنة 1870 ومن الكتابة باسمه إلى أعيان وشيوخ الجزائر، كان داخلا في هذا السياق (1).
والمؤرخ يجب عليه أن يأخذ في الاعتبار الفترة التي عاشها الأمير
…
فإلى وفاته سنة 1883 كانت الجزائر لم تبدأ بعد المرحلة السياسية ولا نضال الأعيان في المدن. لقد عاشت فترة الثورات المستمرة التي لا يمكن حصرها هنا والتي كانت آخرها في عهده هي ثورة بوعمامة (1881). وعاش الأمير كذلك إلى أن رأى انتصاب الجمهورية الثالثة في فرنسا واستيلاء الغلاة الاستعماريين على السلطة فيها وفي الجزائر، وعاش عواقب ثورة 1871 وتجنيس اليهود وبلوغ الاستعمار أوجه في بداية عهد لويس تيرمان وتغيير الحالة المدنية، وسن قانون الأهالي. وهكذا دخلت الجزائر في القفص الضيق الذي لم تبدأ في الخروج منه إلا حوالي 1900. أما في المشرق فالأمير عاش أوضاعا مشابهة، فقد احتلت تونس ومصر وفشلت ثورة عرابي
(1) حاول الفرنسيون الضغط على الأمير بعد مغامرة ابنه - استعملوا قناصلهم في تونس وطرابلس ودمشق الخ. وبعد ذلك نسبت إليه رسالة كتبها إلى (حكومة بوردو) يتبرأ فيها من استغلال ختمه واسمه ضد فرنسا. وقامت وسائل الإعلام الفرنسية، عندئذ، بترويج هذه الرسالة. ومن ذلك ترجمة بلقاسم بن سديرة لها ووضعها ضمن (كتاب الرسائل) ص 129. وقد تناول عدد من الباحثين هذا الموضوع نذكر منهم يحيى بوعزيز وعبد الجليل التميمى.
والمهدي، ولجأ خير الدين التونسي إلى اسطانبول، وطرد الأفغاني من مصر، ونفي محمد عبده إلى بيروت، وقبل السلطان عبد الحميد الثاني مؤقتا بالدستور والبرلمان. وكانت إيران تهتز بالمؤامرات رغم حكم ناصرالدين شاه الاستبدادي. إنها مرحلة من أكبر مراحل التاريخ العربي والإسلامي سلبية.
ولعل تظاهر الأمير بالإغراق في التصوف لم يكن إلا جزءا من الخطة التي رسمها لنفسه لمواجهة الضغوط عليه، فبالإضافة إلى أنه عدل عن التوجه إلى فرنسا والزيارات الأخرى، حتى إلى الحجاز، نجده قد اعتكف على الزهد والصلاة وقراءة كتب التصوف بل وممارسته والتأليف فيه. وفي الجزء المخصص للانتاج من هذا الكتاب ستتناول مؤلفاته في التصوف وغيره.
وقبل أن نتحدث عن إخوته وأبنائه نذكر أن الفرنسيين قد أثاروا موضوع نقل رفات الأمير سنة 1938، ونقل رفات حفيده، الأمير خالد، إلى الجزائر (معسكر). ولعل الحكومة الفرنسية قد أثارت هذا الموضوع لتجنيد الرأي العام الجزائري من حولها عندما كانت تبحث عن الأنصار أمام خطر الحرب العالمية. ولكن الجزائريين فهموا أهداف الخطة وأظهروا اللامبالاة والسخرية إزاء ذلك. واستغربت (البصائر) عندئذ من كون الحكومة الفرنسية، التي حكمت بالنفي على الأمير عبد القادر وحفيده، أصبحت تفكر في إرجاع رفاتهما. وقد أوحت الجهات الفرنسية إلى بعض الصحف المشرقية بأن تكتب أن الجزائريين هم الذين كانوا يلحون على إعادة رفات الأميرين (الجد والحفيد)، وأنهم أخذوا في جمع المال لذلك الغرض. ومما كتبته البصائر في هذا الشأن (ولعل المكتوب من قلم الشيخ المبارك الميلي نفسه، وقد كان رئيس التحرير عندئذ) أن (الأراضي الإسلامية كلها وطنا عاما للمسلمين أحيائهم وأمواتهم، فلا وجه لنقل رفات مسلم من بلد إلى بلد إلا لغرض مقبول). ومن رأى الكاتب - دون أن يتقيد بالنقل لذاته - أن (يكون ضريح الأمير وحفيده بين من يعرف فضلهما ويحسن الاستمداد من حياتهما لحياة الإسلام والعروبة)(1).
(1) البصائر، 9 ديسمبر، 1938.