الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن"(1).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم:
"أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لأهله"(2).
وعن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إن أحبكم إليّ وأقربكم مني في الآخرة أحاسنكم أخلاقاً، وإن أبغضكم إليّ وأبعدكم منّي في الآخرة أسوأكم أخلاقاً الثرثارون المتفيهقون المتشدقون"(3).
الثرثارون: هم كثيرو الكلام تكلفاً.
المتفيهقون: هم الذين يتوسعون في الكلام إظهاراً للفصاحة واستعلاء على غيرهم.
المتشدقون: هم المتكلمون بملء أشداقهم تفاصحاً وتعظيماً لكلامهم.
بين العقيدة والأخلاق
الضمير والأخلاق
كلمة الضمير تتردد كثيراً في كلام الأخلاقيين والاجتماعيين وعلماء النفس والفلسفة وغيرهم، والناس إذا أرادوا مدح إنسان لأنه تصرف طبقاً
(1) رواه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح.
(2)
رواه أبو داود والترمذي واللفظ له، وقال: حديث حسن صحيح.
(3)
رواه أحمد، ورواته رواة الصحيح.
للمبادئ التي يؤمن بها وشعر بمسئوليته أمام نفسه فإنهم يقولون: إنه رجل ذو ضمير.
وعندما يمتنع إنسان عن عمل لا يتفق مع تقديره للمثل العليا والمبادئ الكريمة فإنه يقول: إن ضميري لا يرضى عن ذلك، أو يقول: إنني أشعر بتأنيب ضميري.
ومن الواضح أن المقصود بالضمير في هذه الأحوال كلها هو الحاكم الذي نطيعه والرقيب المشرف على إرادتنا في داخل أنفسنا، والحارس الساهر على المحافظة على المبادئ التي يجب أن نعمل بمقتضاها.
ومن الواضح أن هذ الضمير يباشر وظيفته داخل الإنسان على أساس إدراكه قيمة الأفعال والأقوال، وإدراك أحكامها وآثارها من غير أن يبالي بالعواطف والأهواء والمصالح الشخصية.
إن هذا الذي نسميه "الضمير" شيء يتميز به الإنسان، وهو من عجائب الطبيعة البشرية. وقد عرفه العلماء بأنه "صوت ينبعث من أعماق الصدور آمراً بالخير، وناهياً عن الشر، وإن لم ترج مثوبة أو تخشى عقوبة".
والضمير حسب هذا التعريف الذي سار عليه الفلاسفة وعلماء الأخلاق وغيرهم، له جانب مشرق وجانب مظلم.
فالجانب المشرق هو جانب خضوع الضمير للمبادئ الحسنة، والشرائع التي قدسها الإنسان وجعلها نظاماً لحياته، وأماناً لمن أخذ بها.
والجانب المظلم هو جانب خضوع هذا الضمير لمبادئ ظالمة وفاسدة أملتها وكونتها ظروف البيئة أو الأمة، أو التقاليد والمواريث وغيرها، لأن التعريف تكلم عن ضمير له مبادئ مطلقة وغير مقيدة بشرع.
فمثلاً: جريمة السرقة كانت فضيلة عند بعض الشعوب، وكان من تنقصه فيها المهارة عرضة للاحتقار وتأنيب الضمير.
ونهب مال الغريب لا حرج فيه عند فريق من القبائل البربرية، فمن الواضح أنهم لا يقاسون عند نهبه تأنيب الضمير، وليس هذا فقط، بل الشخص الواحد يختلف ضميره باختلاف سنه، وفي عصرنا هذا يوجد ناس ينكرون وجود الله، وآخرون يفعلون كل منكر ولا يشعرون أن ضميرهم ينكر ذلك.
إذاً فالضمير حسب التعريف السابق لا يصلح أن يكون ميزاناً نعتمد عليه نحن الإسلاميين إنما يجب إذا أطلقناه تبعاً لغيرنا أن نخضع مفهومه لما جاء في الشرع.
إن المسلم يشعر شعوراً كاملاً بأنه يجد داخل نفسه حاكماً يحكم تصرفاته، وحارساً يقظاً يبصره بأخطائه، ويؤنبه عليها، كما يشعر بوجود وازع ودافع إلى الخير، وإلى ما ينفع نفسه وغيره، وزاجر يزجر عن الشر، ويقيم في النفس معركة ضده.
ولكنه يشعر أن هذا الحاكم فوقه قوة أعلى تأمره وتراقبه وتحذره. وهي قوة الله تعالى. وذلك إذا كان المسلم حياً في إيمانه، قوياً في يقينه، متصل القلب بربه. هذا الشعور يسمى عند المسلمين البصيرة، والمراقبة، والإيمان، والخوف من الله
…
الخ. فإن أردت أن تسميه ضميراً فلا مانع، ولكن على أساس أنه حارس لحدود الله، وحاكم بحكمه، ومؤنب للإنسان بسبب مخالفته ومعصيته لربه، جاء في الحديث الصحيحين قوله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي سأله عن الإحسان:
"الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
وجاء في كتاب الله تعالى قوله:
{بل الإنسان على نفسه بصيرة} [القيامة: 14].
ويؤسفني أن أجد الكتاب الإسلاميين قد وقع كثير منهم في غلطة فهم الضمير والكلام عليه حسب آراء الفلاسفة، ولم يفكر فيما وضعه كتاب الله وسنته من أسس للرقابة على أعمال الإنسان وأقواله.
إن الفتاة التي تربت في مدرسة الإسلام خير من جميع العلماء والفلاسفة الذين فتن بهم المسلمون
…
إنها حين قالت لها أمها: قومي اخلطي اللبن بالماء لتبيعه. قالت لأمها: إن أمير المؤمنين نهى عن ذلك، فلما قالت الأم: إن أمير المؤمنين لا يرانا. قالت الفتاة: "ولكن الله يرانا" أرأيت أجمل من هذا وأوقع منه في النفس؟.
وجاء في الحديث الصحيح أن ابنة عم أحد الفتيان في الزمن الغابر أصابتها حاجة وشدة فقر، فطلبت من ابن عمها الغني مساعدتها، فأبى إلا إذا مكنته من نفسها، فأبت أول الأمر ثم رضيت بعد أن عضها الجوع، فلما تمكن منها قالت له:"اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه" فأثرت فيه الكلمة
…
كلمة "الله" فانصرف عنها وترك لها المال. فهل نجد مثل هذا أو قريباً عند المتكلمين عن الضمير من خلال الفلسفة بعيداً عن الشرع؟.
لقد أردت بذكر الضمير هنا تصحيح خطأ شائع، وتنبيه شبابنا إلى الدقة في التعبير عن الأشياء.
والأصل في الإنسان المسلم أن رقابته لله، وخوفه منه، واستسلامه النفسي لأحكامه هي التي تحكم تصرفاته، وتهيمن على جميع شئونه، وتضبط كل أنواع سلوكه وأخلاقه.
والأصل في المنهج الإسلامي أن يربي المسلم على العقيدة الحية، ويصله بالله صلة وثيقة، ثم يلقي إليه بجميع التعليمات والتوجيهات، والأوامر والنواهي ليكون بالعقيدة أميناً على تنفيذ ما يلقى إليه.
وأي قارئ في تاريخ الإسلام، والمسلمين .. يجد ثروة أخلاقية لا مثيل لها، سواء في حياة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، أو في حياة أصحابه
وأتباعهم وأتباع أتباعهم، وكل من جاء بعدهم واستمسك بدينه، وراقب ربه، ونفذ شرع الله تعالى كما جاء في الكتاب والسنة.
ولن تجد صرح الأخلاق بين المسلمين منهدماً إلا إذا كان الإسلام في نفوسهم وفي حياتهم شعاراً فقط واسماً لا مدلول له في الجانب العملي، فقد سبق أن عرفنا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه بعث بشرع من عند الله من أجل إتمام مكارم الأخلاق. فأي إنسان يعمل بهذا الشرع ويلتزم به هو قمة أخلاقية، وأي إنسان يهمل هذا الشرع أو ينبذه هو مثل سيء في مجال الأخلاق، أو قل هو أسوأ مثل أخلاقي وإن ملأ الدنيا بالدعاوى، واستدرج البسطاء إلى تصديقه.
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت
…
فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا