الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في رقابهم الخواتم، يعرفهم أهل الجنة، هؤلاء عتقاء الله؟ الذين أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه، ثم يقال: ادخلوا الجنة، فما رأيتموه فهو لكم، فيقولون: ربنا، أعطيتنا ما لم تعط لأحد من العالمين، فيقول: لكم عندي أفضل من هذا، فيقولون: ربنا، وأي شيء أفضل من هذا؟ فيقول رضائي، فلا أسخط عليكم بعده أبداً» .
و «في رواية مسلم: ليس ذلك لك أو إليك» الحديث.
فصل ـ في رحمته وسعت كل شيء
«وقد أخبر الله تعالى: أن رحمته وسعت كل شيء، وأنه كتب على نفسه الرحمة، وقال: سبقت رحمتي غضبي، وغلبت رحمتي غضبي» ، فالجنة دار رحمته، والنار دار غضبه، فثبت أن الجنة ينشأ لها خلقاً في الآخرة، ويدخلها أيضاً من دخل النار أولاً، ويدخلها الأولاد بعمل الآباء، فثبت أن الجنة يدخلها من لم يعمل خيراً قط، وثبت أن النار لا يعذب أحد فيها بغير ذنب، فرحمته واسعة.
حتى إن جماعة من المفسرين، ذكروا قصة فرعون: قال جبريل: يا محمد، لو رأيتني، وأنا أدس الطين في في فرعون، مخافة أن يقول فرعون كلمة يرحمه الله بها، فهذا جبريل من أعظم رسل الملائكة، قد علم سعة رحمة الله، ففعل ذلك مخافة إدراك الرحمة له، مع أنه قال:{أنا ربكم الأعلى} .
فصل ـ في أن من مات موحداً داخل الجنة
ومما ينبغي أن يعلم، أن مذهب أهل السنة والجماعة من السلف والخلف، أن من مات موحداً أدخل الجنة قطعاً على كل حال، فإن كان سالماً من المعاصي، كالصغير، والمجنون الذي اتصل جنونه بالبلوغ، والتائب توبة نصوحاً صحيحة
من الشرك أو غيره من المعاصي إذا لم يحدث معصية بعد توبته، ومن نشأ في عبادة الله ولم يقارف معصية أصلاً، كل هؤلاء يدخلون الجنة ولا يدخلون النار لكنهم يردونها على الخلاف المعروف في الورود.
والصحيح إن شاء الله تعالى على ما ذكره جماعة من العلماء، أن المراد بالورود، المرور على الصراط وهو منصوب على ظهر جهنم، أجارنا الله من حرها وبردها.
وأما من مات من أهل المعاصي، أو له معصية كبيرة ولم يتب منها، فهو داخل تحت مشيئة الله، إن شاء عذبه بمقدار ذنبه، أو القدر الذي يريده ثم يدخله الجنة، وإن شاء عفا عنه مطلقاً، فلا يخلد أحد في النار مات على التوحيد، ولو عمل من المعاصي ما عمل، وهذا من أحسن ما يتسلى به من مات له قريب أو صاحب من أهل المعاصي، ومات وما يعلم هل تاب من المعاصي أم لا؟
قال أبو ذكريا النووي رحمه الله: وقد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسنة، وإجماع من يعتد به، على هذه القاعدة، وتواترت بهذه نصوص تحصل العلم القطعي بذلك.
انتهى كلامه.
ويؤكد ذلك ما ثبت في الصحيح، «من حديث عثمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة» .
قال القاضي عياض: اختلف الناس فيمن عصى الله تعالى من أهل الشهادتين، فقالت المرجئة: لا تضره المعصية مع الإيمان.
وقالت الخوارج: تضره ويكفر بها.
وقالت المعتزلة: يخلد في النار إذا كانت كبيرة، ولا يوصف بأنه مؤمن ولا كافر، لكنه فاسق.
وقالت جماعة من العلماء: بل هو مؤمن، وإن لم يغفر له، وإن عذب، فلا بد من إخراجه من النار، وإدخاله الجنة.
قال: وهذا الحديث حجة على الخوارج والمعتزلة، وأما المرجئة، فإن احتجت بظاهره، قلنا: نحمله على أنه غفر له وخرج من النار بالشفاعة، ثم أدخل الجنة ويكون معنى قوله عليه السلام: دخل الجنة: أي دخلها بعد مجازاته بالعذاب.
وهذا لا بد من تأويله، لما جاء في ظواهر كثيرة، من عذاب بعض العصاة.
انتهى كلامه.
ومن هذا الباب، ما ثبت في الصحيح، أن أبا الأسود الديلي، «حدثه أبو ذر،
قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو نائم على قميص أبيض، ثم أتيته فإذا هو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ، فجلست إليه، فقال: ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنة.
قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق.
ثلاث مرات.
ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر.
قال: فخرج أبو ذر، وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر» .
وفيه رد على الخوارج.
وعلى المعتزلة بتخليد أهل الكبائر في النار.
«وفي رواية ل البخاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتاني جبريل، فقال: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة.
قلت: وإن زنى وإن سرق قال: وإن زنى وإن سرق» .
وهو حديث أبي ذر.
وفي الصحيح «من حديث جابر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئاً دخل النار» و «في لفظ: من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة» .
و «في رواية: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة» و «في لفظ: من شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله دخل الجنة» .
«وعنه أيضاً مرفوعاً: من لقي الله، لا يشرك به شيئاً دخل الجنة» .
و «في رواية: ما من عبد، يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، إلا حرمه الله على النار» .
وزاد في صحيح البخاري ومسلم، «من حديث عبادة بن الصامت: على ما كان من عمل» .
وفي صحيح البخاري ومسلم، «من حديث أنس، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم، ومعاذ بن جبل رديفه على الرحل، قال: يا معاذ، قال: لبيك وسعديك يا رسول الله، قال: يا معاذ قال: لبيك وسعديك يا رسول الله، قال: يا معاذ قال: لبيك وسعديك يا رسول الله، قال: ما من عبد، يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، إلا حرمه الله على النار.
قال: أو لا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ قال: إذاً يتكلوا» ، فأخبر بها عند موته تأثماً ـ يعني مخافة الإثم ـ.
وفي لفظ مسلم «من حديث
عبادة، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من شهد أن لا إله إلا الله، وان محمداً رسول الله، حرم الله عليه النار» .
رواه البخاري.
رواه مسلم.
«وفي لفظ له: حرم الله على النار من قال لا إله إلا الله» .
وقد ورد في ذلك عدة أحاديث، وغالب هذه الأحاديث سردها مسلم في صحيحه في باب واحد، في باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت.
لكن قال سعيد بن المسيب، عند سماعه هذه الأحاديث: إن هذا قبل نزول الفرائض والأمر والنهي.
وهذا القول عن سعيد بن المسيب رحمه الله ليس بشيء.
وقال بعض العلماء: هو خطأ، لأن راوي أحد هذه الألفاظ أبو هريرة، وهو متأخر الإسلام، اسلم عام خيبر، سنة سبع بالاتفاق، وكانت أحكام الشريعة مستقرة، كالصلاة والزكاة والصيام ونحوها، فعلم ضعف هذا القول، والله تعالى أعلم.
وقال بعض العلماء: هي مجملة تحتاج إلى شرح، ومعناه: من قال الكلمة وأدى حقها وفريضتها.
وهذا قول الحسن البصري.
وقيل: إن ذلك لمن قالها عند الندم والتوبة ومات على ذلك، وهذا قول البخاري.
وقد تقدم في أول الباب حملها على ظاهرها، وأن مذهب السلف والخلف من الفقهاء وأهل الحديث، على أن من مات موحداً دخل الجنة، وإن كان من أهل المعاصي، وأنه داخل تحت المشيئة.
والله تعالى أعلم.
وعن أبي جعفر، قال: لما حضر أبا زرعة الموت، وعنده أبو حاتم، ومحمد بن مسلم، والمنذر بن شاذان، وجماعة من العلماء، هابوا أن يلقنوه الشهادة، فقال بعضهم
لبعض: تعالوا نذكر الحديث، فقال محمد بن مسلم: حدثنا الضحاك، عن عبد الحميد بن جعفر، عن صالح، ولم يجاوز، وقال أبو حاتم: حدثنا بندار، عن أبي عاصم، عن عبد الحميد بن جعفر، عن صالح، ولم يجاوز.
والباقون سكوت، فقال أبو زرعة:«ثنا بندار، عن أبي عاصم، عن عبد الحميد بن جعفر عن صالح بن أبي عريب، عن كثير بن مرة الحضرمي، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» .
ثم توفي في ساعته رحمة الله عليه.
وعن عبيد بن عياش، قال: لما مات النوار امراة الفرزدق، شهدها الحسن البصري، فلما سوي عليها التراب: وثب الفرزدق لينصرف، فقال للحسن: يا أبا سعيد، أما تسمع ما يقول الناس؟ قال: وما يقول الناس؟ قال: يقولون: اجتمع في هذه الجنازة خير الناس وشر الناس، يعنونك ويعنونني، فقال الحسن: ما أنا بخيرهم، وما أنت بشرهم، ولكن ما أعددت لهذا اليوم؟ فقال: يا أبا سعيد، شهادة أن لا إله إلا الله، فبكى الحسن، ثم التزم الفرزدق فقال: لقد كنت من أبغض الناس إلي، وإنك اليوم من أحب الناس إلي.