الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بعين البصيرة، علمت أنك عن قريب صائر إلى ما صار إليه، وقادم على ما قدم عليه، فإن العبد بينما هو يمرح في أمنيته، غافلاً عن يوم مصرعه، إذ هجمت عليه المنية، فهتكت أستاره، وكسفت أنواره، وطمست أعلامه وآثاره، فأخرجته من قصر مشيد وبيت حميد، مزخرف نضيد، إلى حفرة من الأرض، كحفرة أخيه أو ولده أو غيرهما، مظلمة ضيقة الجوانب، مملوءة من الرعب والفزع، فإما هي روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار، أعاذنا الله منها.
قيل لبعض الزهاد: ما أبلغ الموعظة؟ قال: النظر في محلة الأموات.
فإذا كانت القبور النظر إليها موعظة، وهي أول منازل الآخرة، وعبرة لأهل الدنيا، فلا ينبغي التزين ولا التزخرف، ولا ما يفعله غالب الأغنياء من الأمراء والتجار، وغيرهم، من ضرب الخام والخيام وغيرهما في الترب، ووضع البسط والفرش تحت ذلك وينامون عليها، وإخوانهم تحت ذلك، على التراب في حفرة ضيقة مظلمة، فأي موعظة تعظ هؤلاء بموتاهم؟ ! بل هذه غفلة، نسأل الله تعالى السلامة منها.
فصل ـ في بكاء عثمان رضي الله عنه على القبور
«وروى الترمذي في جامعه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ما رأيت منظراً إلا والقبر أفظع منه»
وروى الترمذي أيضاً، «من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مصلاه، فرأى ناساً كأنهم يكتشرون، فقال: أما إنكم لو
أكثرتم ذكر هاذم اللذات ـ يعني الموت ـ لشغلكم عما أرى، فأكثروا ذكر هاذم اللذات: الموت، فإنه لم يأت على القبر يوم إلا تكلم فيه، فيقول: أنا بيت الغربة، وأنا بيت الوحدة، وأنا بيت التراب، وأنا بيت الدود، فإذا دفن العبد المؤمن قال له القبر: مرحباً وأهلاً، أما إن كنت لأحب من مشى على ظهري إلي، فإذا وليتك اليوم وصرت إلي، فسترى صنيعي بك، فيتسع له مد بصره، ويفتح له باب إلى الجنة، وإذا دفن العبد الفاجر أو الكافر، قال له القبر: لا مرحباً ولا أهلاً، أما إن كنت لأبغض من يمشي على ظهري إلي، فإذا وليتك اليوم، فسترى صنيعي بك، فيلتئم عليه حتى يلتقي عليه وتختلف أضلاعه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصابعه فأدخل بعضها في بعض، قال: ويقيض له سبعون تنيناً، لو أن واحداً منها نفخ في الأرض، ما أنبتت شيئاً ما بقيت الدنيا، فينهشنه ويخدشنه، حتى يفضى به إلى الحساب» .
«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار» .
وروى الحاكم في كتاب الكنى، والقاسم بن أصبغ، «من حديث أبي الحجاج الثمالي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول القبر للميت إذا وضع فيه: ويحك يا ابن آدم! ما غرك بي؟ ألم تعلم أني بيت الفتنة، وبيت الظلمة، وبيت الوحدة، وبيت الدود؟ ما غرك بي يا ابن آدم؟ ! فإن كان مصلحاً، أجاب عنه مجيب القبر: فيقول: أرأيت إن كان يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر؟ فيقول القبر: إني أعود عليه خضراً ويعود جسمه نوراً، وتصعد روحه إلى رب العالمين» .
وقال مجاهد: أول ما يكلم ابن آدم حفرته، تقول أنا بيت الدود، وبيت الوحدة، وبيت الوحشة، وبيت الظلمة، وبيت الغربة! هذا ما أعددت لك يا ابن آدم فما أعددت لي؟ !
وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: ألا أخبركم بيوم فقري؟ يوم أدخل قبري!
وكان جعفر الصادق رضي الله عنه يأتي القبور ليلاً، ويقول: يا أهل القبور، ما لي إذا دعوتكم لا تجيبون؟ ثم يقول: حيل والله بينهم وبين الجواب، وكأني