الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فإن غفرت فقد مننت، وإن عاقبت فما ظلمت، لا إله إلا أنت.
وقال سليمان التيمي: دخلت على بعض أصحابنا وهو في النزع، فرأيت من جزعه ما ساءني، فقلت له: هذا الجزع كله، لماذا، وقد كنت بحمد الله على حالة صالحة؟ ! فقال: ومالي لا أجزع؟ ومن أحق مني بالجزع؟ والله، لو أتتني المغفرة من الله عز وجل، لأهمني الحياء منه فما أفضيت به إليه.
ولما حضرت عبد الملك بن مروان الوفاة، جعل يقول: والله لوددت أني عبد لرجل من تهامة أرعى غنيمات في جبالها، ولم أل.
وذكر محمد الطائي الهمذاني في إرشاد السائرين إلى منازل المتقين، ذكر بإسناده إلى المزني، قال: دخلت على الشافعي رحمه الله في مرضه الذي مات فيه، فقلت: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت من الدنيا راحلاً، ولإخواني مفارقاً، ولسوء فعلي ملاقياً، وبكأس المنية شارباً، وعلى الله عز وجل وارداً، فو الله ما أدري أروحي تسير إلى الجنة فأهنيها، أم إلى النار فأعزيها؟ ! ثم بكى وأنشد:
فلما قسا قلبي وضاقت مذاهبي
…
جعلت رجائي نحو عفوك سلما
تعاظمني ذنبي، فلما قرنته
…
بعفوك ربي، كان عفوك أعظما
فما زلت ذا عفومن الذنب، لم تزل
…
... تجود، وتعفو منة وتكرما
فلولاك، لم يقو بإبليس عالم
…
... وكيف، وقد أغوى ضعيفك آدما؟
وقال بعض الصالحين لخادمه، وقد حضرته الوفاة: يا غلام، شد كتافي، وعفر خدي في التراب، ففعل الغلام به ذلك، ثم قال: دنا الرحيل، ثم قال: اللهم لا براءة لي من ذنب، ولا عذر أعتذر به، ولا قوة فأنتصر بها ثم قال: أنت لي، أنت لي، ثم صاح صيحة، فمات فسمعوا صوتاً يقول: اشتكى العبد لمولاه، فقبله.
فصل ـ في البشارات الهائلة لمن أصيب بمصيبة وإن لم تكن في ولده
ومن المطالب العالية، والبشارات الهائلة، لمن أصيب بمصيبة، وقد تقدم غالبه، ثم نذكر من لم يقدم من ولده شيئاً.
وقد روي هذا الحديث بعدة طرق، «عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن الحشحاش العنبري وهو صحابي، بنحو من هذا، لكن بلفظ: بخ بخ لخمس، ما أثقلهن في الميزان» ، ورواه ابن سعد في الطبقات من «حديث سلام الاسود، ولفظه كما تقدم، وفيه والولد الصالح، يتوفى للمرء المسلم، فيحتسبه» ورواه ابن أبي عاصم.
وقال أبو القاسم بن عساكر: قرأت على أبي محمد عبد الكريم بن حمزة السلمي، «عن أبي بكر أحمد بن علي الحافظ، أنبأ الحسن بن أبي بكر أنبأ أبو الحسين أحمد بن عثمان، ثنا ابن أبي العوام، ثنا أبي، ثنا إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، حدثني أبي عن أبيه كهيل، عن هانئ ابن بنت الحضرمي، ثنا عبد الله بن عباس، قال: توفي ابن لصفية بنة عبد المطلب، فبكت عليه فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: تبكين يا عمة؟ ! من توفي له ولد في الإسلام كان له بيت في الجنة» ، فسكتت.
وفي صحيح البخاري «عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله عز وجل: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء، إذا قبضت صفية من أهل الدنيا، ثم احتسبه، إلا الجنة» .
وقال الترمذي في جامعه: «حدثنا نصر بن علي الجهضمي، وأبو الخطاب زياد بن يحيى البصري، قالا: ثنا عبد ربه بن بارق، قال: سمعت جدي أبا سماك بن الوليد يحدث، أنه سمع عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من كان له فرطان من أمتي، أدخله الله بهما الجنة.
فقالت عائشة رضي الله عنها: فمن كان له فرط من أمتك.
قال: ومن كان له فرط يا موفقة.
قالت: فمن لم يكن له فرط من أمتك؟ قال: فأنا فرط أمتي لن يصابوا بمثلي» .
قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد ربه بن بارق.
وقد روى عنه غير واحد من الأئمة.
قال الحافظ الضياء: عبد ربه ابن بارق، تكلم فيه يحيى بن معين، وقال الإمام أحمد: ما به بأس.
وقد روينا في جزاء ابن عرفة مرفوعاً: الموت كفارة لكل مسلم.
والمقصود أن من لم يصب في أولاده، أو لم يكن له أولاد، فالنبي صلى الله عليه وسلم فرطه، لكن أهل المصائب أيضاً يشاركونهم في النبي صلى الله عليه وسلم، فيحصل لهم أجر من جهتين، وقد يحصل للشخص أجر من جهات عديدة من موت وحريق ونهب وغير ذلك، مما يكفر الله به السيئات ويرفع به الدرجات.