المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصل ـ فيما نقل إلينا من ألفاظ التعزية عن السلف والخلف - تسلية أهل المصائب

[المنبجي]

فهرس الكتاب

- ‌الباب الأول ـ في المصيبة وحقيقتها وما أعد الله لمسترجعها

- ‌فصل ـ في كلمة " إنا لله وإنا إليه راجعون

- ‌فصل ـ في تسلية أهل المصائب بالعلاج الإلهي والنبوي

- ‌فصل: في النظر في كتاب الله تعالى وسنة رسوله

- ‌فصل ـ في أن مرارة الدنيا هي حلاوة في الآخرة

- ‌فصل ـ في الاستعانة بالله والاتكال عليه والعزاء بعزائه

- ‌فصل ـ ومن أعظم المصائب المصيبة في الدين

- ‌فصل ـ في البشارة لمن تذكر المصيبة فاسترجع

- ‌فصل ـ في الفرق بين تمتع الدنيا الفاني والآخرة الباقي

- ‌فصل ـ في أن يوطن الإنسان نفسه على توقع المصائب وأنها بقضاء الله وقدره

- ‌فصل ـ في أن لا ننكر وقوع المصائب في الدنيا بجميع أنواعها

- ‌فصل ـ في المصائب المختصة بذات الإنسان

- ‌فصل ـ في أن المصائب والمحن دواء للكبر والعجب

- ‌فصل ـ في اعتراض المصاب على الأقدار ودلالته بعبادته

- ‌فصل ـ في أن الأفضل إبدال الشكوى والأنين بذكر الله تعالى

- ‌فصل ـ في أن الجزع لا يرد المصيبة بل يضاعفها

- ‌فصل ـ في أن من سلم أمره في مصيبته واحتسب لله عوضه خيراً منها

- ‌فصل ـ فيمن طلب المصائب وفرح بها رجاء ثوابها

- ‌الباب الثاني ـ في البكاء على المصيبة وما ذكر العلماء في ذلك

- ‌فصل ـ فيما روي على النبي صلى الله عليه وسلم في البكاء على الميت

- ‌فصل ـ في التحذير مما يتفوه به المصاب من ألفاظ التظلم والشكوى

- ‌فصل ـ في البكاء والتأسف على من فرط في جانب الله تعالى

- ‌فصل ـ في أن الحزن لم يأمر به الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم

- ‌الباب الثالث ـ في تحريم الندب والنياحة وشق الثياب

- ‌فصل ـ فيما ورد من تحريم ذلك، وما ورد من الوعيد عليه

- ‌فصل ـ فيما ورد من عذاب الميت بالنياحة

- ‌فصل ـ في أن البكاء لا ينفع الميت بل ينفعه العمل الصالح

- ‌فصل ـ في بيان أن الله سبحانه هو الفعال لما يريد

- ‌فصل ـ فيما يفعله الإنسان إذا أحس بدنو أجله

- ‌فصل ـ في قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه

- ‌فصل ـ في أن ما أورده من الأحاديث لا يخالف قواعد الشرع

- ‌فصل ـ في وسوسة الشيطان للمريض ولأقاربه وأهله

- ‌فصل ـ فيما ذكر في النعي والمناداة على الميت

- ‌الباب الرابع ـ فيمن أصيب بفقد ثلاثة من الولد فأكثر والبشارة له بذلك

- ‌فصل ـ فيمن أصيب بأربعة من الأولاد

- ‌الباب الخامس: فيمن أصيب بفقد ولدين والاحاديث الواردة فيه

- ‌الباب السادس ـ فيمن أصيب بفقد ولد واحد

- ‌فصل ـ في بشارة من مات ولده وصبر

- ‌فصل ـ في الثواب على الولد الصغير والشيخ البالغ

- ‌فصل ـ في التأسي ببعض ما كان يفعله الصحابة والتابعون إذا نزلت بهم المصائب

- ‌فصل ـ في البشارات الهائلة لمن أصيب بمصيبة وإن لم تكن في ولده

- ‌الباب السابع: في ذكر السقط وثوابه، وزيارة القبور

- ‌فصل ـ في زيارة القبور وحكمها

- ‌الباب الثامن: في تطييب خاطر الوالدين على الأولاد

- ‌فصل ـ في معنى الفطرة التي نشأعليها كل مولود من بني آدم من ذكر وأنثى

- ‌فصل ـ في اختلاف العلماء في معنى الفطرة

- ‌الباب التاسع: فيمن مات له طفل رضيع أنه يكمل رضاعه في الجنة

- ‌فصل ـ في شفاعة الأطفال الرضع لوالديهم

- ‌الباب العاشر: في أنه يصلى على كل مولود مسلم ويدعى لوالديه

- ‌الباب الحادي عشر: في استحباب اصطناع الطعام لأهل المصيبة

- ‌الباب الثاني عشر: في الذبح عند القبور وكراهة صنع الطعام من أهل المصيبة

- ‌الباب الثالث عشر: في الثناء الحسن على الميت، وذكر محاسنه والسكوت عن مساويه

- ‌فصل: بشارة للمؤمن بعمله الصالح

- ‌فصل: في الكف عن ذكر مساوي الأموات

- ‌الباب الرابع عشر: في فرح العبد وتسليته بكونه من أمة محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌الباب الخامس عشر: في استحباب التعزية لأهل المصيبة والدعاء لميتهم

- ‌فصل ـ في استحباب تعزية أهل الميت ووقتها

- ‌فصل: فيمن يكره تعزيتهم من أهل الميت وخاصة من النساء

- ‌فصل: فيما يفعله بعض الناس من الجلوس عند القبر يوم الدفن وبعده

- ‌فصل: فيما يجوز أن يلبسه المصاب وزيه

- ‌فصل: في أن التعزية قبل الدفن أو بعده

- ‌فصل: في الألفاظ التي وردت في التعزية عن النبي

- ‌فصل: فيما يقال عند العلم بوفاة أحد المؤمنين

- ‌فصل ـ فيما نقل إلينا من ألفاظ التعزية عن السلف والخلف

- ‌الباب السادس عشر: في وجوب الصبر على المصيبة

- ‌الباب السابع: فيما ورد بالصبر على المصيبة

- ‌فصل ـ في كلام السلف في الصبر

- ‌الباب الثامن عشر: في أن الشخص لا يستغني عن الصبر لا في المصيبة ولا في غيرها

- ‌فصل: في الحالات التي يحتاج فيها العبد إلى الصبر

- ‌فصل: في مشقة الصبر على السراء أيضاً

- ‌فصل ـ في التحذير من فتنة المال والأزواج والأولاد

- ‌الباب التاسع: في أن الصبر من أشق الأشياء على النفوس

- ‌فصل: في عقوبة من لم يصبر مع تمكنه من الصبر

- ‌فصل: في علامات الصبر ورضا النفس عن قضاء الله تعالى

- ‌االباب العشرون: في الرضا بالمصيبة

- ‌فصل: في أقوال السلف والخلف في الرضا

- ‌فصل ـ فيما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المصيبة وما نهى عنه

- ‌فصل ـ في تحقيق الرضا وأنه من عمل القلب

- ‌الباب الحادي والعشرون: فيما يقدح في الصبر والرضا وينافيهما

- ‌فصل: في أن شق الثياب ولطم الخدود ينافي الصبر والرضا

- ‌فصل: في البكاء والحزن الصامت لا ينافي الرضا والصبر

- ‌فصل ـ في أن من يبتلي بالمصائب هو أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين

- ‌فصل ـ في أن الشكوى والتحدث بالمصيبة ينافي الصبر والرضا

- ‌فصل ـ في أن الله تبارك وتعالى يختبر عباده بالمصائب

- ‌الباب الثاني والعشرون: هل المصائب مكفرات أم مثيبات

- ‌فصل ـ في سياق كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله

- ‌فصل ـ في قوله أيضاً رحمه الله في أن المصائب نعمة من نعم الله تعالى

- ‌الباب الثالث والعشرون: في الصدقة عن المصاب به وأفعال البر عنه

- ‌فصل: في ذكر اختلاف الناس في وصول ثواب إهداء القرب إلى الموتى

- ‌فصل: في الآيات والأحاديث الواردة في هذا الباب

- ‌فصل ـ من الأدلة المستحسنة قوله صلى الله عليه وسلم في الأضحية: بسم الله والله أكبر

- ‌فصل ـ في قوله تعالى " وأن ليس للإنسان إلا ما سعى

- ‌فصل ـ في أن الدفن بجوار الصالحين يجلب نوال بركتهم

- ‌فصل: في استحباب القراءة عند القبر وما ورد فيها

- ‌فصل ـ فيما نص عليه الإمام أحمد بن حنبل في استحباب الدعاء للميت عقب دفنه

- ‌فصل ـ هل يصح إهداء ثواب نوافل العبادات للمسلم الحي

- ‌الباب الرابع والعشرون: في ذكر عمارة القبور

- ‌فصل ـ في أن العمارة ليست من الظاهر بل عمارة الأحياء والأموات في الباطن

- ‌فصل ـ في بكاء عثمان رضي الله عنه على القبور

- ‌فصل ـ في عدم استطاعة التمييز بين السعيد والشقي في القبر

- ‌الباب الخامس والعشرون: في أن الله يثبت الذين آمنوا عند المسألة

- ‌فصل ـ في أن النار والخضرة في القبر ليست كمثلها في الدنيا

- ‌فصل ـ في البرزح والبحث في ماهيته

- ‌فصل: في عرض أعمال الأحياء على أقاربهم الأموات

- ‌فصل ـ في تلقين الصغار وما قيل في التلقين عموماً

- ‌فصل ـ في حياة الميت في قبره والخلاف في ذلك

- ‌الباب السادس والعشرون ـ في اجتماع الأرواح وهيئاتها، وأين محلها، والخلاف في ذلك

- ‌فصل: فيما جاء في أرواح الشهداء وغيرهم وأمكنتها

- ‌فصل ـ في بيان مستقر الأرواح واختلاف مساكنها

- ‌فصل ـ " في قوله صلى الله عليه وسلم: الأرواح جنود مجندة " وكيفية ذلك

- ‌فصل ـ هل الأرواح محدثة عند خلق البدان أم قديمة

- ‌فصل ـ في دليل إضافة الروح إلى الله وتفسير تلك الإضافة

- ‌فصل ـ عن موت الأرواح والأبدان

- ‌فصل ـ في عذاب القبر على الروح والبدن

- ‌فصل: في عذاب القبر حق

- ‌فصل ـ في أن البلي يختص البدن

- ‌الباب السابع والعشرون: في عد الشهداء وفضلهم وأنهم أرفع درجات من الصالحين

- ‌فصل: في تسلية المصاب

- ‌فصل: في الشهادة المطلوبة: شهادة المعركة

- ‌الباب الثامن والعشرون: في ذكر الصراط ودرجات الناس في المرورعليه

- ‌فصل ـ في المرور على الصراط

- ‌الباب التاسع والعشرون: في ذكر سعة رحمة الله ومن مات على التوحيد

- ‌فصل ـ في رحمته وسعت كل شيء

- ‌فصل ـ في أن من مات موحداً داخل الجنة

- ‌الباب الثلاثون: في فضل الزهد في الدنيا والتسلية عنها والرغبة في الآخرة

- ‌فصل ـ في العجب ممن يسعى لدار الغرور

- ‌فصل ـ في أن شرور الدنيا كأحلام نوم

- ‌فصل ـ في اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً

- ‌فصل ـ في أن الدنيا دار ممر

- ‌فصل ـ في أن هذه الدار رحلة

الفصل: ‌فصل ـ فيما نقل إلينا من ألفاظ التعزية عن السلف والخلف

عنه ـ قال: رضينا من الله قضاه، وسلمنا له أمره، إنا لله وإنا إليه راجعون.

قال سعيد بن منصور في سننه: «حدثنا يوسف بن عطية الصفار، قال جلست إلى عطاء بن ميمونة وهو يعزي رجلاً، فقال: حدثنا أنس بن مالك، أن رجلاً كان يجيء بصبي له معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الغلام مات، فاحتبس أبوه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فسأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: مات صبيه الذي رأيت معه، فقال: أفلا أذنتموني؟ ! فقوموا إلى أخينا نعزيه، فلما دخل عليه، إذا الرجل حزين، وبه كآبة، فعزاه، فقال: يا رسول الله، كنت أرجوه لكبر سني وضعفي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما يسرك أن يكون يوم القيامة بإزائك؟ ، يقال له: ادخل الجنة، فيقول رب، وأبواي؟ ولا يزال يشفع، حتى يشفعه الله عز وجل فيكم، ويدخلكم جميعاً الجنة؟ !» .

‌فصل ـ فيما نقل إلينا من ألفاظ التعزية عن السلف والخلف

فقد روى الطبراني في كتاب الدعاءبإسناده، «عن محمود بن لبيد، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه مات ابن له، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعزيه بابنه، فكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى معاذ بن جبل، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لاإله إلا هو، أمابعد، فأعظم الله لك الأجر، وألهمك الصبر، ورزقنا وإياك الشكر، فإن أنفسنا وأموالنا وأهلينا وأولادنا من مواهب الله الهنية، وعواريه المستودعة، متعك الله به في غبطة وسرور، وقبضه منك بأجر كثير، الصلاة والرحمة والهدى، إن احتسبته بالصبر، ولا يحبط جزعك أجرك، فتندم على مافاتك من ثواب مصيبتك، فإنك لو اطلعت على ثواب مصيبتك، لعرفت أن المصيبة قد قصرت عن الثواب ـ وهذه الزيادة في بعض طرقه ـ ثم قال: وما هو نازل بك فكأن قد، والسلام» .

ورواه الحاكم في المستدرك وقال: غريب حسن.

ورواه الحافظ أبو بكر بن مردوية في كتاب الأدعية «وعنده: فليذهب أسفك ما هو نازل بك» .

و «لفظ الحاكم: فإن أنفسنا وأموالنا وأهلينا

ص: 124

وأولادنا من مواهب الله الهنية، وعواريه المستودعة، نتمتع به إلى أجل معدود، ويقبضها لوقت معلوم، ثم افترض علينا الشكر إذا أعطى، والصبر إذا ابتلى،..

» وباقي الحديث كما ساقه الطبراني، والله أعلم.

ورأيت في جزء لا أعرف مؤلفه وليس له أول: قال زيد بن أسلم: مات ابن لداود عليه السلام، فجزع عليه، فعزوه فيه، فقيل له: ما كان يعدل عندك؟ قال: كان أحب إلي من ملء الأرض ذهباً، فقيل له: فإن لك من الأجر على قدر ذلك.

وفي اسرائيليات: أن سليمان بن داود عليهما السلام مات له ولد، فجزع عليه حتى عرف ذلك في مصابه، فتحاكم إليه ملكان في صورة رجلين فقال أحدهما: إن هذا بذر بذراً في طريق الناس، فمررت فأفسدته، فقال سليمان للآخر: لم بذرت في الطريق؟ أما علمت أنه لا بد من ممر؟ فقال: ولم تحزن أنت على ابنك وهذا طريق الناس إلى الآخرة؟ !

«وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: أرسلت ابنة النبي صلى الله عليه وسلم إليه، أن ابناً لي قد قبض فأتنا، فأرسل يقرأ السلام ويقول: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب» .

رواه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة.

«وقال وهب بن منبه: قرأت في بعض كتب الله تعالى يقول: لولا أني جعلت الميت ينتن على أهله، ما دفن ميت، ولولا أني جعلت الطعام يفسد، لاحتجبه الملوك، ولولا أني آتي بالعزاء بعد المصيبة، ما عمرت الدنيا» .

وقال الحسن البصري رحمه الله: ما من جزعتين أحب إلى الله، من جزعة مصيبة موجعة محرقة، ردها صاحبها بحسن عزاء وصبر، وجزعة غيظ، ردها صاحبها بحلم.

وقد روي عن شمر، أنه كان إذا عزى مصاباً قال: اصبر لما حكم ربك.

وقال ابن أبي الدنيا: حدثني عبد الله بن محمد بن إسماعيل التيمي، أن رجلاً عزى رجلاً على ابنه، فقال: إنما يستوجب على الله وعده من صبر لله بحقه، فلا تجمع إلى ما أصبت به من المصيبة الفجيعة بالأجر، فإنها أعظم مصيبتين عليك، والسلام.

ص: 125

وعزى ابن السماك رجلاً فقال: عليك بالصبر، فيه يعمل من احتسب، وإليه يصير من جزع.

وقال عمروبن دينار: قال عبيد بن عمير: ليس الجزع أن تدمع العين ويحزن القلب، ولكن الجزع: القول السيئ والظن السيئ.

وقال خالد بن أبي عثمان القرشي: كان سعيد بن جبير يعزيني على أبي، فرآني أطوف بالبيت متقنعاً، فكشف القناع عن رأسي، وقال: الاستتارمن الجزع.

وروى البيهقي بإسناده في مناقب الشافعي رحمه الله: أن عبد الرحمن بن مهدي، مات له ابن، فجزع عليه جزعاً شديداً، فبعث إليه الشافعي يقول له: يا أخي، عز نفسك بما تعزي به غيرك، واستقبح من فعلك ما تستقبحه من غيرك، واعلم أن أمض المصائب فقد سرور وحرمان أجر، فكيف إذا اجتمعا مع اكتساب وزر؟ فتناول حظك ـ يا أخي ـ إذا قرب منك قبل أن تطلبه وقد تناءى عنك، ألهمك الله عند المصائب صبراً، وأحرز لنا بالصبر أجراً، ثم أنشده:

إني معزيك لا أني على ثقة من الخلود، ولكن سنة الدين

فلا المعزى بباق بعد ميته

ولا المعزي، ولو عاشا إلى حين

ومات ابن للشافعي رحمه الله فجاؤوا يعزونه، فأنشد:

وما الدهر إلا هكذا، فاصطبر له

... رزية مال، أو فراق حبيب

دخل بعض الأعراب على بعض ملوك بني العباس، وقد توفي له ولد اسمه العباس، فعزاه فيه فقال:

اصبر نكن بك صابرين، فإنما صبر الرعية عند صبر الراس

وخير من العباس أجرك بعده

والله خير منك للعباس

وذكر أبو علي الحسن بن أحمد بن البنا بإسباده، أن شخصاً من الحكماء أنشده:

إذا دام ذا الدهر، لم يحزن على أحد

... ممن يموت، ولم يفرح بمولود

ص: 126

وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا الحسين، حدثنا عبد الله، حدثنا محمد بن مسلمة القاسمي ـ وكان قد قارب المائة ـ قال: وعظ عابد جباراً، فأمر به، فقطعت يداه ورجلاه، وحمل إلى متعبده، فجاءه إخوانه يعزونه، فقال: لا تعزوني، ولكن هنئوني بما ساق الله إلي، ثم قال: إلهي، أصبحت في منزلة الرغائب، أنظر إلى العجائب، إلهي، أنت تتودد بنعمتك إلي من يؤذيك، فكيف لا تتودد إلى من يؤذى فيك؟!

وذكر عن سليمان بن حبيب، قال: لما مات عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، دخل عليه هشام فعزاه عنه، فقال عمر: وأنا أعوذ بالله أن يكون لي محبة في شيء من الأمور تخالف محبة الله عز وجل، فإن ذلك لا يصلح لي في بلائه عندي، وإحسانه إلي.

وفي رواية أخرى، قال: لما مات ابنه عبد الملك، وأخوه سهل، ومزاحم مولى عمر بن عبد العزيز، في أيام متتابعة، دخل عليه الربيع بن سبرة، فقال: أعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين، فما رأيت أحداً أصيب بأعظم من مصيبتك في أيام متتابعة، والله ما رأيت مثل ابنك ابناً، ولا مثل أخيك أخاً، ولا مثل مولاك مولى قط، فطأطأ رأسه، فقال لي رجل معه على الوساد: لقد هيجت عليه، قال: ثم رفع رأسه فقال: كيف قلت؟ ! فأعدت عليه ما قلت، فقال: لا، والذي قضى عليهم بالموت، ما أحب أن شيئاً من ذلك لم يكن.

وعن بشر بن عبد الله، قال: قام عمر بن عبد العزيز على قبر ابنه عبد الملك، فقال: رحمك الله يا بني، فقد كنت ساراً مولوداً، وباراً ناشئاً، وما أحب أني دعوتك فأجبتني!

ولما توفيت الياقوتة بنت المهدي، جزع عليها جزعاً لم يسمع بمثله، فجلس للناس يعزونه، وأمر أن لا يحجب عنه أحد، فأكثر الناس في التعازي، واجتهدوا في البلاغة، فأجمعوا أنهم لم يسمعوا تعزية أوجز ولا أبلغ من تعزية شبيب بن شبة، فإنه قال: أعطاك الله يا أمير المؤمنين على ما رزئت أجراً، وأعقبك خيراً ولا أجهد بلاءك بنقمة، ولا نزع منك نعمة، ثواب الله خير لك منها، ورحمة الله خير لها منك، وأحق ما صبر عليه ما لا سبيل إلى رده.

وفي رواية قال: يا أمير

ص: 127

المؤمنين، الله خير لك منها، وأنا أسأل الله أن لا يحزنك ولا يفتنك.

وقد روى مالك في الموطأ، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، قال: هلكت امرأة لي، فأتاني محمد بن كعب القرظي يعزيني بها، فقال: إنه كان في بني إسرائيل رجل فقيه عالم عابد مجتهد، وكانت له امرأة، وكان بها معجباً، وكان لها محباً، فماتت، فوجد عليها وجداً شديداً، وتأسف عليها تأسفاً شديداً، حتى خلا في بيت، وأغلق على نفسه واحتجب، وإن امرأة سمعت به، فجاءته، فقالت: إن لي إليه حاجة أستفتيه فيها، ليس يجزيني إلا مشافهته، فذهب الناس ولزمت بابه.

وقالت: ما لي منه بد، فقال له قائل: إن ها هنا امراة أرادت أن تستفتيك.

قال: ائذنوا لها، فدخلت، فقالت: إني استعرت من جارة لي حلياً، وكنت ألبسه وأعيره، فلبث عندي زماناً، ثم إنهم أرسلوا إلي فيه، أفأرده إليهم؟ قال: نعم، والإله، قالت: إنه مكث عندي زماناً؟ ! قال: فذاك أحق لردك إياه إليهم، قالت: أفتتأسف على ما أعارك الله ثم أخذه منك، وهو أحق به منك؟ فأبصر ما هو فيه، ونفعه الله تعالى بقولها.

وعزى عمرو بن عبيد يونس بن عبيد، على ولد له مات، فقال: إن أباك كان أصلك، وإن ابنك كان فرعك، وإن امرءاً ذهب أصله وفرعه لحري أن يقل بقاؤه.

وعزى صالح المري رجلاً قد مات ولده، فقال: إن كانت مصيبتك أحدثت لك عظة في نفسك، فنعم المصيبة مصيبتك، وإن كانت لم تحدث لك عظة في نفسك، فمصيبتك بنفسك أعظم من مصيبتك بابنك.

وعزى رجل رجلاً، فقال: يا أخي، العاقل يصنع في أول يوم ما يفعله الجاهل بعد عام.

وعزى رجل رجلاً فقال: عليك بتقوى الله، والصبر فيه، فإنه يأخذ المحتسب وإليه يرجع الجازع.

وعزى رجل رجلاً فقال: إن من كان لك في الآخرة أجراً، خير ممن كان

ص: 128

لك في الدنيا سروراً.

وعن ابن جريج، قال: من لم يتعز عند مصيبته بالأجر والاحتساب، سلا كما تسلو البهائم.

قال بعض السلف، وقد عزى مصاباً: إن صبرت فهي مصيبة واحدة، وإن لم تصبر فهما مصيبتان.

وذكر ابن أبي الدنيا بإسناده، عن ميمون بن مهران، قال عزى رجل عمر بن عبد العزيز ـ رحمة الله عليه ـ على ابنه عبد الملك، فقال عمر: الأمر الذي نزل بعبد الملك أمر كنا نعرفه، فلما وقع لم ننكره.

وروى ابن أبي الدنيا بإسناده، قال: مات ابن رجل، فحضره عمر بن عبد العزيز، فكان رجل حسن العزاء، فقال رجل من القوم: هذا والله الرضا، فقال عمر بن عبد العزيز: أو الصبر، قال سليمان: الصبر دون الرضا، الرضا: أن يكون الرجل قبل نزول المصيبة راضياً بأي ذلك كان، والصبر: أن يكون بعد نزول المصيبة فيصبر.

وذكر الحافظ بن عساكر: قال إبراهيم بن خالد: كتب محمدبن إدريس الشافعي إلى رجل من إخوانه من قريش، يعزيه بابن أصيب به: اعلم يا أخي، أن كل مصيبة لا يجبر صاحبها ثوابها فهي المصيبة العظمى، فكيف رضيت يا أخي بابنك فتنة، ولم ترض به نعمة؟ وكيف رضيت به مفارقاً، ولم ترضى به خالداً؟ وكيف رضيته على التعريض من الفساد، ولم ترضى به على اليقين من الصلاح؟ بل كيف لك بمقت منعم ولم تعرف له نعمة؟ يريك ماتحب، ويرى منك ما يكره؟ ارجع إلى الله عز وجل، وتعز برسول الله صلى الله عليه وسلم، وتمسك بدينك، والسلام.

وذكر أيضاً بإسناده قال: كتب رجل إلى أخ له يعزيه بابنه: أما بعد، فإن الله تعالى وهب لك موهبة، جعل عليك رزقه ومؤنته، وأن تخشى فتنته، فاشتد لذلك فرحك، فلما قبض موهبته وكفاك مؤنته، اشتد لذلك حزنك، أقسم بالله إن كنت تقياً لهنئت على ما عزيت عليه، ولعزيت على ما هنئت عليه، فإذا أتاك

ص: 129

كتابي هذا فاصبر نفسك عن الأمر الذي لا صبر لك على عقباه، واصبر نفسك عن الأمر الذي لا غنى بك عن ثوابه، واعلم أن كل مصيبة لم يذهب فرح ثوابها حزنها، فذلك الحزن الدائم، والسلام.

عن عبد الله بن صالح العجلي، قال: كتب ابن السماك إلى رجل يعزيه عن مولود له مات: أما بعد، فإن استطعت أن يكون شكرك حين قبضه الله عز وجل منك، أكثر منه حين وهبه لك، فافعل، فقد أحرز لك هبته حيث قبضه، ولو بقي لم تسلم من فتنته، أرأيت حزنك على فراقه، وتلهفك على ذهابه! أرضيت الدار لنفسك فترضاها لابنك، أما هو فقد خلص من الكدر وبقيت أنت معلقاً بالخطر، والمصيبة إن جزعت، فهي واحدة إن صبرت، ومصيبتان إن لم تصبر، فلا تجمع الأمرين على نفسك، والسلام.

وكتب رجل إلى بعض إخوانه يعزيه بابنه: أما بعد، فإن الولد على والده ما عاش حزن وفتنة، فإذا قدمه فصلاة ورحمة، فلا تجزع على ما فاتك من حزنه وفتنه، ولا تضيع ما عوضك الله من صلاته ورحمته.

وقال موسى بن المهدي لإبراهيم بن مسلم، وعزاه بابنه: أسرك وهو بلية وفتنة؟ وأحزنك وهو صلوات ورحمة؟ !

وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه دفن ابناً له فضحك عند قبره، فقيل له: أتضحك عند قبر؟ ! قال: أردت أن أرغم الشيطان.

ومات للحافظ بن عساكر ولد لم يحتلم ـ وكان ولداً حسناً ـ قال الحافظ: فحمدت الله، ولم أظهر لموته جزعاً ولا قلقاً، ولم أحالف لذهابه هلعاً ولا أرقاً، ولم أترك لحزنه مجلس التحديث، ولم أمتنع لأجله من الانبساط والحديث، وما كان ذلك إلا بتوفيق الله وإعانته، وحسن عصمته من الجزع وصيانته، فله الحمد إذ لم يحبط أجري فيه بجزعي، ولم يذهب صبري عنه بهلعي، لأن المحروم من حرم عظيم الثواب، والملوم من جزع لأليم المصاب.

وأعجب من تصبري: لما عزاني بعض إخواني، حضني على الصبر، وقال لي: مررت بك يوم ثانية، وأنت

ص: 130

تحدث الجماعة، فتعجبت من انشراح صدرك للتحديث تلك الساعة، فقلت له: إن الجزع لا يرد فائتاً ولا ذاهباً، والحزن لا يرجع هالكاً ولا عاطباً، والبكاء لا يجدي صرفاً لمسلم ولا نفعاً، والقلق لا يفيد دركاً لخطب ولا دفعاً، والاحتيال لايوجب لهالك ضراً ولا نفعاً وإذا كان الأمر بهذه الصفة، والحال هكذا عند أهل المعرفة، فالصبر أحرى بذوي الحجى، وأليق بأولي الدين والنهى.

ص: 131