الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أسوأ عاقبة - والعياذ بالله - دمرهم الله عز وجل، وجعلهم مثلاً للآخرين يعتبرون به.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدتان الأولى والثانية: الأمر بالسير في الأرض للاعتبار، سواء كان بالبصائر أو بالأبصار، لقوله:{سِيرُوا فِي الْأَرْضِ} ، ويتفرع على هذه الفائدة أنه ينبغي أن نقرأ تاريخ الأمم السابقة، وأفضل نقرؤه منه هو القرآن وصحيح السُّنَّة؛ لأن من الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة عن الأمم السابقة ما لا يحصيه إلا الله عز وجل، والعبرة بالصحيح، وما أكثر الأحاديث التي فيها الأخبار عن الأمم السابقة.
الفائدة الثالثة: فضل الاعتبار، وأنه أمر مطلوب لقوله:{انْظُرُوا} وسواء كان الاعتبار بمن انتقم الله منهم أو بمن أثابهم، فإن كان بمن انتقم الله منهم فالإنسان يحذر، هان كان ممن أثابهم فالإنسان يرغب، وفي هذه الآية الاعتبار بمن انتقم الله منه.
الفائدة الرابعة: أن الآثار تدل على المؤثر، وهذا أمر معلومٌ بالحس والواقع، وقد سئل أعرابي: بم عرفت ربك؟ قال: "الأثر يدل على المسير"، يعني: على السير، "والبعرة تدل على البعير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، أفلا تدل على الصانع الخبير؟ "
(1)
الجواب: بلى والله تدل على الخلاق الخبير، السميع البصير.
(1)
من خطبة لقس بن ساعدة، انظر: جواهر الأدب لأحمد الهاشمي (2/ 19)، والبيان والتبيين للجاحظ (1/ 163).
الفائدة الخامسة: عقوبة المكذب، والتكذيب أحد شقّي ما يحصل به الكفر؛ لأن الكفر يحصل بأمرين، إما التكذيب وإما الاستكبار، مع أن التكذيب فرع عن الاستكبار؛ لأنه ما كذب إلا أنه يرى أنه فوق المرسل.
* * *
* قال الله عز وجل: {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12)} [الأنعام: 12].
قوله: {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} اسأل هؤلاء المكذبين المنكرين لتوحيد الألوهية: لمن ما في السماوات والأرض ألزيد أو لعمرو، أو لفلان أو لفلان؟ ثم أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجيب عن هذا السؤال بنفسه فقال:{قُلْ لِلَّهِ} ، وهنا نقول هل الجواب من الله أو من الرسول؟
الجواب: من الرسول بأمر الله، وعلى هذا يكون الجواب جواب الله عز وجل؛ لأن الله أمر رسوله أن يقول هذا.
قوله: {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} (كتب) بمعنى أوجب؛ لأن الكتابة بمعنى الإيجاب، قال الله عز وجل:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 183] كُتِبَ بمعنى فُرض وأوجب وقال الله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103]، أي: فريضة مؤقتة.
وقوله: {عَلَى نَفْسِهِ} ، أي: على ذاته، ونفس الله هي ذاته
وليست صفة بل هي الذات قال الله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران: 28] وليس المعنى يحذركم صفة هي نفسه، بل المعنى يحذركم الله إياه، أي: ذات الله، فمعنى يحذركم نفسه، أي: يحذركم الله من عقابه؛ لأنه جل وعلا أمرنا أن نعلم علماً مهماً فقال: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (98)} [المائدة: 98] فأمرنا أن نعلم هذا العلم المهم الذي فيه الترغيب والترهيب. الترهيب والتحذير في قوله: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} ، والترغيب في قوله:{وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} فأمرنا سبحانه وتعالى أن نعلم عن أفعاله وصفاته ترهيباً وترغيباً، وهنا قال {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران: 28]؛ لأن المقام مقام تهديد وعقوبة ولأنه يخاطب المشركين المكذبين.
وقوله: {الرَّحْمَةَ} ، يعني: أن يرحم عباده عز وجل، ففرض هذا على نفسه، ولهذا جاء في الحديث الصحيح القدسي:"إن رحمتي سبقت غضبي"
(1)
، وهذه الرحمة فرضها الله تعالى على نفسه، ولسنا نحن الذين فرضناها عليه.
فإن قال قائل: إننا نجد من الناس من أصابه البؤس والبلاء، وفقد المال، وفقد الأولاد، وهو في غاية البؤس، أين الرحمة؟
فالجواب: كل ما أصاب الإنسان من شيء من بلاء وهو مؤمن فإنه رحمة؛ لأنه إذا صبر أثيب ثواب الصابرين، وإذا
(1)
رواه البخاري، كتاب التوحيد، باب: وكان عرشه على الماء وهو رب العرش العظيم (7422)، ومسلم كتاب التوبة، باب: في سعة رحمة الله، وأنها سبقت غضبه (2751).
احتسب أثيب ثواب الشاكرين، فهو خير له، وكم من أناس لو أنهم رزقوا صحة ومالاً وأولاداً لبطروا، وأفسدهم الغنى وكم من أناس بالعكس، فكل شيء يصيب المؤمن - والحمد لله - فهو رحمة وكفارة، حتى لو أن الإنسان فزع من شيء قابله كتب له بذلك أجر، فاللهم لك الحمد - حتى جاء في الحديث لو أن الإنسان فقد شيئاً في جيبه، ثم فزع وخاف أن يكون قد ضاع منه فله أجر
(1)
، انظر إلى هذا الحد من الرحمة ولله الحمد والشكر.
وما أحسن قول رابعة العدوية: إن حلاوة أجرها أنستني مرارة صبرها
(2)
، والآلام والبؤس والتعب والهم والغم في الدنيا كلها تزول، إما أن تزول إلى ضدها، وإما أن تصل بصاحبها إلى الهلاك، لكن الأجر باقٍ.
فإذا قال قائل: ماذا عن الكافر؟
فالجواب أن نقول: إن الكافر هو الذي فوت الرحمة على نفسه، مع أن لله عليه رحمة بما يسره له من الأكل والشرب والنكاح والمسكن وما أشبه ذلك.
* * *
(1)
سألت عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123]، فقال:"يا عائشة! ذلك مثابة اللهِ العبدَ بما يصيبه من الحمى والكِبَر، والبضاعة يضعها في كمه فيفقدها فيفزع لها فيجدها في كمه، حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه، كما يخرج التبر الأحمر من الكير"، أخرجه أحمد برقم (25307)، والترمذي: كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة البقرة، رقم (2991)، وقال: حسن غريب.
(2)
ذكره في مدارج السالكين (2/ 167).
* قال الله عز وجل: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 12].
صدق الله {لَيَجْمَعَنَّكُمْ} هذه أيضاً جملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، القسم المقدر، واللام الواقعة في جواب القسم، ونون التوكيد، والتقدير: والله ليجمعنكم، الخطاب للخلق، أي: ليجمعنكم أيها الناس كلكم، كما قال عز وجل:{قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (50)} [الواقعة: 49، 50] فَنُجمع مع آبائنا، وأجدادنا، وأجداد أجدادنا، إلى آدم عليه السلام كلنا نجمع، وكذلك ذرياتنا الأولون والآخرون مجموعون كلهم إلى يوم القيامة، ولما أورد المكذبون بالبعث قولهم:{ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الجاثية: 25] قيل لهم: {قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الجاثية: 26]، فأنتم ما قيل لكم الآن تبعثون حتى تحتجوا وتقولوا (هاتوا آبائنا)، بل قيل لكم: إنكم مجموعون ليوم القيامة لا ريب فيه.
وقوله: {إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} هو اليوم الآخر وسمي بهذا لأمور ثلاثة، هذا الذي علمناه - والله أعلم - إذا كان وراء ذلك شيء.
الأول: قيام الناس من قبورهم لرب العالمين، وهذا القيام قيام عظيم، فكل العالم بصيحة واحدة يُحضَرون، لا يتخلف أحد فهو قيام عظيم جداً جداً، حتى الذي أكلته السباع وأحرقته النار، وأغرقه الماء لا بد أن يخرج.
الثاني؛ لأنه يقام فيه العدل، فيقتص حتى للشاة الجلحاء من الشاة القرناء.
الثالث: أنه تقام فيه الأشهاد الذين يشهدون، هذه الأمة تشهد على الأمم السابقة، والرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - يكون شهيداً على هذه الأمة.
فلهذه الأمور الثلاثة سمي يوم القيامة، فإذا قيل ما هو الدليل؟
قلنا: أما الأول فدليله قول الله عز وجل: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6)} [المطففين: 6]، وأما الثاني: فقوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنبياء: 47]، أي: لليوم الذي يقام فيه العدل، وأما الثالث فقوله تعالى:{إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51)} [غافر: 51].
قوله: {لَا رَيْبَ فِيهِ} هذا نفي يراد به تأكيد الإثبات السابق في قوله: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ} ، أي: جمعاً مؤكداً لا ريب فيه، والنفي هنا ليس نفياً محضًا، بل لبيان كمال إثبات أنه أمر لا ريب فيه، وعلى هذا التقرير يكون النفي على بابه، وقيل إن النفي بمعنى النهي أي: لا ترتابوا فيه، والأول أبلغ؛ لأنه إذا قيل {لَا رَيْبَ فِيهِ} فإذا ارتاب إنسان فلخلل في عقله؛ لأن ما نُفِي فيه الريب مطلقاً لا يمكن أن يرتاب فيه عاقل، فجعلها للنفي على بابها أبلغ وأولى.
قوله: {الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} {الَّذِينَ} مبتدأ، والخبر قد يكون محذوفاً، والتقدير: الذين خسروا أنفسهم خاسرون، كما قال عز وجل:{قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الزمر: 15] فيكون المعنى الذين خسروا أنفسهم هم الخاسرون حقاً.