الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفائدة السادسة: النداء بالبلاهة والغفلة لأولئك القوم الذين عرفوا أصلهم ومنشأهم ثم يمترون، ويشكون في الأجل المسمى عند الله وهو يوم القيامة، ففي سورة الجاثية احتج الذين ينكرون البعث وقالوا:{ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25)} [الجاثية: 25]، فماذا نقول في هذه الدعوى؟ نقول غير صحيحة؛ لأن الذين أخبروا بالقيامة لم يقولوا: يبعثون الآن، ولكن هذا من باب التشبية الذي يقصد به إضلال الخلق.
* * *
* قال الله عز وجل: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3)} [الأنعام: 3].
قوله: {وَهُوَ اللَّهُ} (الله) عَلَمٌ على الرب عز وجل، لا يكون لغيره، وهذا متفق عليه بين المسلمين، وهو علم مشتق من الألوهية، وأصله الإله، واعلم أن
جميع أسماء الله مشتقة
كما هو ظاهر، فليس هناك اسم، جامد لله عز وجل أبدًا.
وقوله: {السَّمَاوَاتِ} متعلقة بالاسم؛ لأننا قلنا: إن هذا الاسم مشتق، والمشتق يجوز التعلق به كما قال ناظم قواعد الإعراب:
لا بُدَّ للجارِّ من التَّعَلُّقِ
…
بفعلٍ أو معناهُ نحو مُرْتَقِي
إذًا {فِي السَّمَاوَاتِ} متعلقة بلفظ الجلالة؛ لأنه مشتق، والمشتق يجوز تعلق الجار والمجرور به، لكن ما معنى قوله تعالى:{فِي السَّمَاوَاتِ} المعنى: أنه على السماوات، وليس المراد أنه فيها وهي محيطة به؛ لأن هذا مستحيل، والله تعالى أكبر من كل شيء، أو نقول: إن المراد المعنى ليس الذات، بمعنى أنه مألوه في السماوات، يتأله إليه أهل السماء.
وقوله: {وَفِي الْأَرْضِ} الواو حرف عطف، والأرض معطوفة على السماوات، فيكون المعنى: الله في السماوات وفي الأرض، أي: مألوه في السماوات وفي الأرض، فتكبي ن هذه الآية كقوله تعالى:{وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: 84]، وعلى هذا التفسير لا إشكال فيها.
وذهب بعضهم إلى أن الآية فيها وقف على {السَّمَاوَاتِ} ، وهذا على جَعْل لفظ الجلالة (الله) علمًا على الذات دون المتعبد لله، يعني: أن الله في السماوات كقوله تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16] ثم استأنف فقال: {وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} ، فتكون (في الأرض) متعلقة بما بعدها، أي: بقوله: {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} .
أما على الوجه الأول، فيكون معني الآية ظاهرًا، أن الله مألوه في السماوات ومألوه في الأرض، كما أنه خالق السماوات والأرض، يراد بذلك إثبات الألوهية في السماوات والأرض، كما ثبتت الربوبية، بمعنى: أن مَن في السماوات يتألهه ومن في الأرض يتألهه، نظيرها قوله تعالى:{وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} ؛ لأن الخلق من مقتضيات الربوبية، وهذا لا إشكال فيه.
أما على القول الثاني: فيكون المعنى: أن الله ذاته في السماوات لا من يألهه فتكون المناسبة أنه ليس كونه في السماوات مع بُعْدِهَا الشاسع بمانع عن علمه بكم وأنتم في الأرض، فهو في السماوات ومع ذلك في الأرض يعلم سركم وجهركم.
إذًا المعنى الثاني ليس فيه ذكر للألوهية لكن فيه ذكر للإحاطة، أي: إحاطة الله عز وجل بنا وإن كان في السماوات وهذا يفسره قول الله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا} [المجادلة: 1] فقد وقع التحاور في الأرض، والله تعالى في السماء فتكون هذه الآية كالتفسير لقوله:{وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} .
ولو قال قائل: بعض المبتدعة يقولون: إن الله موجود في كل مكان، ويستدلون بمثل هذه الآية وبقوله تعالى:{مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ} [المجادلة: 7]، وبقوله صلى الله عليه وسلم:"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"
(1)
، فكيف نرد عليهم؟
الجواب: نرد عليهم بكل سهولة. نقول: أنتم الآن اتبعتم
المتشابه - يعني: أن في الآيات احتمالًا لِما قالوا - وتركتم الآيات المحكمات في أن الله تعالى بائن، فوق خلقه فأنتم من القسم الثاني الذين في قلوبهم زيغ، الذين يتبعون ما تشابه منه.
لكن لو قيل: ما تقولون في قوله تعالى في هذه الآية: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ} نقول: هي مثل قول الإنسان: فلان أمير في مكة والمدينة، يعني: إمرته ثابتة في مكة والمدينة، وليس المعنى أنه هو نفسه في مكة والمدينة؛ لأن هذا مستحيل. إذًا ألوهية الله في السماوات وفي الأرض، وليس هو في السماوات ولا في الأرض.
أما المعية فنقول: إنها لا تتنافي مع العلو حتى في
(1)
رواه مسلم، كتاب الصلاة، باب: ما يقال في الركوع والسجود (482).
المخلوقات لا تتنافي مع العلو ففي اللغة العربية يقولون: ما زلنا نسير والقمر معنا، أو ما زلنا نسير والقطب معنا، وهو كلام سائغ رائج، فيكون معنى كون الله معنا: أنه مطلع علينا وإن كان بعيدًا، فإن كان يمكن اجتماع العلو والمعية في حق المخلوق، فاجتماعها في حق الخالق من باب أولى.
ولو قال قائل: ما حكم عبارة المبتدعة التي تقول: الله موجود في كل الوجود؟
الجواب: حرام؛ أولًا لأن قولهم: (الله موجود في كل الوجود) لا يستقيم إلا إذا أرادوا بالوجود أصل المعنى، أي: أرادوا اسم المفعول فيكون الله موجودًا في كل مكان، وهذا مذهب الحلولية تمامًا.
ولو قال قائل: الصوفية يقولون: إن قلتم إن الله مستوٍ على العرش، فأين الله قبل ذلك؟
الجواب: الصحابة سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: "كان في عماء"
(1)
، أي: في عمي، والعمي الغيم الخفيف، أو السحاب الخفيف في السماء.
وهؤلاء كلهم الذي يحملهم على هذا هو أنهم ظنوا أن الرب عز وجل تحيط به المخلوقات، وأنه مثل الإنسان، لكن لو قدروا الله حق قدره، وعلموا أن الرب عز وجل أكبر من كل شيء، ولا يمكن لأحد أن يتصوره، وهنا قال ابن عباس
(1)
رواه الترمذي في سننه، كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة هود (3109)، وقال "حسن صحيح"؛ وابن ماجه في: المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية (182)، والإمام أحمد في مسنده (15755).