الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إذا وقعوا في الشدة دعوا عبد القادر الجيلاني رحمه الله، دعوا على بن أبي طالب، أو الحسين رضي الله عنهما، وما أشبه ذلك، فصار حال المشركين خيراً من حال هؤلاء.
وقوله: {عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ} المراد أن الله قد لا يعذب هؤلاء المكذبين ويؤخر ذلك إلى قيام الساعة، يعني لا بد إما أن يصيبهم العذاب في الدنيا، وإما أن يصيبهم في يوم القيامة.
قوله: {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} ، أي: إن كنتم صادقين في أن غير الله ينجيكم، ولكن إذا كانوا يدعون الله عند الشدة صاروا كاذبين في دعواهم أن هذه الآلهة تنجيهم.
* * *
* قال الله عز وجل: {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 41].
قوله: {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ}
{بَلْ} للإضراب الإبطالي، إبطال أنهم يدعون غير الله و {إِيَّاهُ} مفعول مقدم لـ {تَدْعُونَ} ، وتقديم المعمول يفيد الحصر، والمعنى: بل لا تدعون إلا الله.
قوله: فَيَكشفُ بمعنى: يزيل كما تكشف المستور فتزيل ستره حتى يظهر ويبدو، {مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ} ، أي: ما دعوتم به إلى الله عز وجل، أي: يكشف الدعاء الذي أنهيتموه إلى الله عز وجل، {إِنْ شَاءَ} ، وإنما قال:{إِنْ شَاءَ} لئلا يطمع هؤلاء في كشف الكربة فإذا لم تكشف احتجوا على الله، فإذا قال:{إِنْ شَاءَ} صارت المسألة تحت مشيئة الله، قد يشاء الله عز وجل كشف هذه الكربة، وقد لا يشاء حسب ما تقتضيه حكمته تبارك وتعالى.
قوله: {وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} ، أي: تذهلون عنه لشدة ما وقع بكم فتنسون كل شيء، وقيل: إن النسيان هنا بمعنى الترك، أي: أنهم يدعون الله عز وجل بحضور قلب وذكر وهما متلازمان في الواقع؛ لأن الإنسان عند الدهشة ينسى معبوداته، ولأنه أيضاً عند الشدة يعتقد أن معبوده لا ينفعه فهي صالحة للأمرين، وفسرها بهذا كثيرٌ من المفسرين بأن النسيان هنا بمعنى الترك كما قال عز وجل:{فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ} [السجدة: 14]، وقال {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67]، والنسيان المضاف إلى الله هو الترك في مثل هذا، وأما في قوله:{لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى} [طه: 52] فالمراد بالنسيان هنا أن يغيب عنه ما كان ذاكراً له من قبل، فالنسيان المثبت لله يجب أن يكون بمعنى الترك لا بمعنى الذهول عن المعلوم، أما المنفي عن الله، فهو الذي يكون بمعنى الذهول.
من فوائد الآيتين الكريمتين:
الفائدة الأولى: تقرير الإنسان بما لا يمكنه دفعه؛ وذلك بأن يقرر بشيء يقرّ به ولا يمكنه دفعه، وذلك في قوله:{أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ} ؛ لأنهم في هذه الحال لا يدعون إلا الله، فإذا كان كذلك فلماذا يخلصون في الشدة ويشركون في الرخاء؟!
الفائدة الثانية: أن هؤلاء المكذبين عند الضراء لا يلجئون إلا إلى الله لقوله: {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ} .
الفائدة الثالثة: أن الله تعالى يجيب دعوة المضطر ولو كان كافراً، بل ويعلم عز وجل أنه سيكفر إذا نجا؛ لأن الله ينجيهم
من الكرب، وهو يعلم أنهم إذا نجوا سوف يشركون، لكن وقوعهم في الشدة تقتضي رحمة الله عز وجل أن يجيب دعاءهم، ومثل ذلك المظلوم، فإن الله يجيب دعوته ولو كان كافراً، فهذان الصنفان تجاب دعوتهما: الأول المضطر، والثاني المظلوم، يجيب الله دعوتهما، أما المضطر: فلأن رحمة الله سبقت غضبه فيرحم المضطر، وجيب دعوته، وأما المظلوم: فلكمال عدل الله عز وجل أن يجيب المظلوم انتصاراً له على الظالم.
الفائدتان الرابعة والخامسة: أنه لا يصرف السوء إلا الله عز وجل، ويتفرع على هذه الفائدة أنه إذا أصابك السوء فلا تلجأ إلا إلى الله عز وجل.
فإن قيل: وهل هذا اللجوء فطري أم هو شرعي عقلي؟
الظاهر أنه شرعي عقلي؛ وذلك لأن بعض الذين يصيبهم الضر لا يلجأون إلى الله؛ كالرافضة مثلاً: إذا أصابهم الضر يلجأون إلى أئمتهم على بن أبي طالب، أو الحسين رضي الله عنهما، أو غيرهما من أئمتهم، ونحن لا ننكر أن لأئمتهم الحقيقيين درجة عند الله عز وجل على حسب عملهم، لكننا ننكر أن يدعى هؤلاء من دون الله عز وجل.
الفائدة السادسة: الحذر من ممارسة السيئات، فإن الإنسان ربما يتوب إلى الله عز وجل، ثم يعود، ولهذا قال:{وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} {وَتَنْسَوْنَ} هنا بمعنى تتركون، يعني: أن الآلهة التي كنتم تشركون بها تتركونها، وقد تقدم في التفسير أنه يحتمل أن المعنى الترك، أو الذهول لشدة ما نزل بهم.
* * *
قوله: {وَلَقَدْ} ما أكثر ما يرد في القرآن الكريم مثل هذا التعبير قال أهل العلم: و (اللام) للقسم، يعني: أنها تمهد للقسم فيكون قبلها قسم مقدر، واللام موطئة للقسم مؤكدة له و (قد) مؤكدة أيضاً، فيكون في هذه الآية مؤكدات ثلاث.
قوله: {أَرْسَلْنَا} ، يعني: أرسلنا رسلاً.
قوله: {إِلَى أُمَمٍ} جمع أمة، والأمة في القرآن الكريم ترد على معاْنٍ متعددة، فهي ترد بمعنى الإمام، مثل قوله تعالى:{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ} [النحل: 120]، أي: إماماً، وترد بمعنى الوقت، مثل قول الله تعالى:{وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} [يوسف: 45]، أي: بعد زمن، وترد بمعنى الطائفة، كما في هذه الآية، أي: طائفة وشَعْب وما أشبه ذلك، وترد لمعنى رابع وهو الدين كما في قوله تعالى:{إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} [الزخرف: 22]، أي: على ملة، فلها في القرآن الكريم أربعة معانٍ.
قوله: {إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ} ؛ لأن كل الأمم التي أرسلت إليها الرسل قبل الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه خاتمهم.
قوله: {فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ} (الفاء) عاطفة، وهل هي عاطفة على إرسال الرسل بمعنى أن الرسل أرسلوا ليؤخذ هؤلاء بالبأساء والضراء؟ لا، لكن في الآية حذف تقديره: فكذبوا، أو
كفروا، أو ما أشبه ذلك، وهذا يسمى إيجاز حذف؛ لأن الإيجاز عند البلاغيين نوعان:
إيجاز قصر: وهو أن تكون الكلماتُ القليلةُ تحمل معانِيَ كثيرةً.
وإيجاز حذف: وهو أن يكون في الكلام القليل شيء محذوف يدل عليه السياق، فهنا لا شك أن في الكلام شيئاً محذوفاً تقديره فكذبوا.
وقوله: {بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ} (البأساء)، يعنى: الشدة، و (الضراء) التضرر.
قوله: {لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} (لعل) هنا (للتعليل)، أي: لأجل أن يتضرعوا إلى الله عز وجل، ولكن هل حصل هذا؟ يقول الله عز وجل:{فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا} ، أي: عذابنا {تَضَرَّعُوا} ، و (لولا) هنا بمعنى: هلّا، يعني: فهلا إذ جاءهم البأس تضرعوا؟.
الجواب: لا، ولهذا قال:{وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} ، أي: صلبت ولم تلن، وبقوا على ما هم عليه.
قوله: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (زين)، بمعنى: حسّن لهم، {مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ، أي: من المعاصي والكفر والشرك، ولم يقتصر على تهوين الأمر في قلبه بل زينه لهم.
وقوله: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ} (الشيطان) المراد هنا جنس الشياطين، وليس شيطاناً واحداً معيناً، كما تقول:(الإنسان) تريد به الجنس.