الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فإذا قال قائل: ما
دواء قسوة القلب
؟
قلنا: هذا سؤال يرد كثيراً من بعض المستقيمين الذين مَنَّ الله عليهم بالاستقامة، ثم يحصل لهم هزة فيقسو القلب.
والجواب عليه: أن من أسباب إزالة القسوة كثرة قراءة القرآن بتدبر، وأَنْ تشعر وأنت تقرأ أن هذا كلام الله عز وجل كلام الله خالق السماوات والأرض، لا كلام البشر، وحينئذٍ تُعَظِّمُ هذا الكلام وتنتفع به.
ومنها: كثرة ذكر الله عز وجل، فأَكْثِر من ذكر الله، وذكر الله عز وجل ليس فيه صعوبة؛ لأن الذي يتحرك هو اللسان والشفتان، قال الله عز وجل:{أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28].
ومنها: مصاحبة الأخيار، فإن مصاحبة الأخيار تكسب الإنسان خيراً كثيراً، وفي الحديث "أن الجليس الصالح كحامل المسك إما أن يحذيك" - أي: يعطيك تبرعاً - "وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه رائحة طيبة"
(1)
، فاحرص على مصاحبة الأخيار وانتفع بهم وانفعهم؛ لأنه ليس كلُّ أحد معصوماً.
ومن أسباب لين القلب: رحمة الصغار، ولا سيما اليتامى، فإنها توجب رقة القلب، وجرب تجد، ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"
(2)
، وهذا يشمل
(1)
رواه البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب: المسك (5534)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب: استحباب مجالسة الصالحين، ومجانبة قرناء السوء (2628).
(2)
رواه الترمذي، كتاب البر والصلة، باب: ما جاء في رحمة الناس (1924)، وأبو داود، كتاب الأدب، باب: في الرحمة (4941).
كل شيء حتى الحيوان يجب أن ترحمه فلا تكلف البعير أكثر مما يطيق؛ لأنه يحس ولذا إذا ضربت الناقة فإنها ترغي.
وهناك أسباب أخرى تظهر للمتأمل في دواء قسوة القلب، أسأل الله تعالى أن يلين قلوبنا جميعاً لذكره ولطاعته إنه على كل شيء قدير.
لو قال قائل: هل تجويع النفس وتأديبها بقلة المال يُعد من أسباب لين القلب؟
فالجواب: واللهِ لا يظهر هذا، بل ليس من الشرع أيضاً، صحيح أن الإسراف في المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمراكب غير محمود، أما كونه يُجوّع نفسه فهذا ليس من الشريعة، بل قَلِّل الأكل، اجعل ثلثاً للطعام، وثلثاً للشراب، وثلثاً للنَفَس، لكن الإشكال أن بعض الناس يقول: لقد شرب أبو هريرة اللبن حتى لم يجد له مسلكاً
(1)
، فنقول إن أبا هريرة رضي الله عنه فعل هذا مرة، وهؤلاء يجعلون ذلك في كل مرة، والعامي يقول:"الماء دقيق ينفذ"، لو كانت المعدة مملوءة بالطعام و"النَفَس حربة" يشق عن نَفْسِه، وكأن هذا العامي يقول املأ البطن، والحقيقة أن ملأ البطن دائماً يضر، والإنسان إذا خفف الطعام كان أصحٍ له، وجرب تجد، نعم في بعض الأحيان يكون الطعام طيباً شهيًا، ولا تستطيع أن تأكل قليلاً، أو تكون أتيت إليه وأنت جائع ومن شدة الجوع تقوى النهمة وتأكل كثيراً، لكن مرن نفسك.
الفائدة الحادية عشرة: أنّ الشيطان يزين لبني آدم سوء العمل
(1)
أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب: فضل الفقرة، رقم (6452).
كما قال عز وجل: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ، وفي آية أخرى:{زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ} [التوبة: 37].
الفائدة الثانية عشرة: أن الله تبارك وتعالى قد يسلط على العبد من هو عدو له، ولا يعد هذا ظلماً من الله عز وجل، كلا؛ لأن الله قد بيَّن لنا هذا العدو وحذرنا من اتباع خطواته، فلا عذر لنا.
الفائدة الثالثة عشرة: أن الرجل إذا سلط عليه الشيطان صار السيء في نظره حسناً، وصار الحسن سيئاً لقوله:{وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ، ومن المعلوم أنهم يعملون بالمعاصي.
الفائدة الرابعة عشرة: أن الله تعالى عجل لهم بالعقوبة لكن على وجه الاستدراج " لقوله: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} .
الفائدة الخامسة عشرة: أن يحذر الإنسان عقوبة الله عز وجل إذا منَّ الله عليه بتيسير أمور الدنيا من مأكل ومشرب ونكاح ومركب ومسكنٍ، فلا يغتر بهذا؛ لأنه قد يكون استدراجاً، ولهذَا رُوي "إذا رأيت الله عز وجل يُعطي العبدَ من الدنيا ما يحب وهو مقيم على معاصيه فإنما ذلك منه استدراج"
(1)
، وصدقوا، فلا تغتر أيها الإنسان فقد تبتلى بالنعم كما تبتلى بالنقم، وقد تكون البلوى بالنعم أشد من البلوى بالنقم.
الفائدة السادسة عشرة: أن الذي بيده الرخاء والشدة هو الله عز وجل لقوله: {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْء} .
(1)
أخرجه الإمام أحمد (16860)، والبيهقي في شعب الإيمان (4/ 128)، رقم (4540)، وحكى المناوي في الفيض (1/ 355)، أن العراقي حسنه.
الفائدة السابعة عشرة: أنه يجب الحذر من الفرح الذي هو فرح البطر بنعم الله عز وجل لقوله: {فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا} ، أي: فرح بطر أما إذا فرح الإنسان بما يَسُرُّهُ من أمور الدنيا، أو من أمور الآخرة فرح سرور وانبساط بنعمة الله، فإن هذا لا بأس به، قال الله عز وجل:{قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} [يونس: 58].
الفائدة الثامنة عشرة: أن الإنسان قد يأتيه العذاب بغتة، فبيْنا هو في نعيمه وسروره في الدنيا منغمساً في معاصي الله إذا بالعذاب يأتيه بغتة، وسواء كان هذا العذاب عاماً شاملاً أو كان خاصاً، فقد يبتلى بمرض، أو بحوادث تكسره وتحطمه أو بموت عاجل، ولهذا قال:{أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} ، أي: أَخْذَ بغتة، أي: مباغت والمباغت هو الشيء الذي لا يتوقعه الإنسان، فيقع من غير توقع له.
الفائدة التاسعة عشرة: أن هذا الأخذ الذي توعد الله عز وجل به أَخْذ مدمر؛ لقوله: {فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} ، أي: آيسون من كل خير.
* * *
* قال الله عز وجل: {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)} [الأنعام: 45].
قوله: {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ} ، (الفاء) عاطفة، وتدل على الترتيب والتعقيب، أي: هلكوا عن آخرهم؛ لأنه إذا قطع الدابر وهو الآخر فما سبقه من باب أولى.