الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفائدة السادسة: أن أكثر هؤلاء المنكرين المكذبين لا يعلمون حقيقة الأمر؛ لأنهم لم يتفكروا، ولو تفكروا لعلموا، لكنهم معرضون.
* * *
* قال الله عز وجل {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38)} [الأنعام: 38] اقرأ - سبحان الله -.
قوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ}
المراد بالدابة
كل ما يدب على الأرض، بأرجل متعددة، أو أربع، أو اثنتين، أو يزحف على بطنه، أي: دابة في الأرض.
فإن قيل: وهل السيارات والطيارات تسمى دواب؟
فالجواب: لا، المراد ما فيه الروح.
لكن لو قال قائل: الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على دابته حمد الله، وكذلك نحن إذا ركبنا السيارة نقول: هذا الدعاء مع أنها ليست دابة؟
فالجواب: هي ليست دابة، لكنها راحلة.
قوله: {وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} ، فذكر المخلوقات الأرضية والمخلوقات الهوائية التي تسبح في الجو، فالطيور على اختلاف أنواعها، وكذلك الدَّوَاب التي على الأرض على اختلاف أنواعها كلها أممٌ أمثالنا تختلف في أجناسها، وتختلف في ألوانها، وتختلف في قدراتها، وتختلف في أرزاقها، وتختلف في لغاتها، كما أننا نحن كذلك أمم.
وقوله: {طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} هذا من باب التوكيد؛ لأنه من المعروف أن الطائر لا يطير إلا بجناحيه، كما إذا قلت يمشي برجليه، أو ينظر بعينيه، أو يسمع بأذنيه، وما أشبه ذلك، وأما دعوى بعضهم أن هذا قيد تخرج به الطائرات؛ لأن الطائرات تطير لكن ليس بجناحيها، فهذا غلط؛ لأن شيئاً لم يكن معروفاً في ذلك الوقت لا يصح الاحتراز منه؛ لأنه غير واردٍ أصلاً، فالصواب أن قوله:{يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} من باب التوكيد، على أني أقول إن الطائرة مركبة على هيئة الطير فيها جناح يمين ويسار يمنعها من التأرجح، وفيها أيضاً هواء، والطير يطير بالهواء، وفيها أيضاً انخفاض الأجنحة عند النزول، وارتفاعها عند الطلوع، المهم أن الذي سمعناه وقرأناه ورأيناه في الصورة أن هذه الطائرات مركبة على حسب الطيور.
قوله: {أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} وهذه الأمم - سبحان الله - متنوعة متفرقة مختلفة، في الأحجام، وفي الألوان، وفي القوى، وفي كل شيء، أيضاً مختلفة في اللغات والألسن.
فإن قيل: هل تفهم البقرة ما تصدره الهرة من الصوت؟
فالجواب: لا تفهم، ولا العكس، لكن بقرة مع بقرة تفهم، وهرة مع هرة تفهم، وتأمل - سبحان الله - تجد أن الهرة لها أصوات مختلفة، فإذا كانت تريد الذَّكَر فلها صوت خاص، وإذا كانت تريد أن تدعو أولادها الصغار فلها صوت خاص، تجدها تدخل في المكان، ثم تموء لصغارها فماذا هم مجتمعون عليها - سبحان الله - بصوت غير العادي، كذلك غيرها مثلها، فكل واحد من هذه الأمم لا يفهم لغة الأمم الأخرى.
ثم إن الله عز وجل أعطى كل نوع من هذه الأمم هداية يهتدي بها كيف يعيش، ويقال: إن أذكى ما يكون النمل - سبحان الله - أعطاه الله تعالى ذكاء عجيباً، فهو من الحيوان الذي ينظر إلى المستقبل، فإذا جاء وقت الحَبّ جمع الحَبّ في جحوره وماذا يصنع؛ يأكل رأس الحبة من أجل ألا تنبت؛ لأنها لو نبتت فسدت عليه، ثم إذا جاءت الأمطار، ووصل المطر إلى الحب خرج به مهما كان ينشره لئلا يفسد ولاتقاء رائحته، فسبحان الله، وهذا شاهدناه وشاهده غيرنا.
فإن قال قائل: إذا رأيت هذا الحَبّ الذي أخرجه النمل، هل يجوز أخذه؟
فالجواب: يجوز أخذه عند الضرورة؛ لأن حرمة الآدمي أبلغ من حرمة النمل، ثم نقول أيضاً: يجوز إذا كان النمل يمكن أن يتغذى بغيره؛ لأن النمل في أيام الشتاء لا يخرج، بل يبقى في جحوره، وإذا لم يكن مضطراً نظرنا، إذا كان لا يمكن أن يجلب طعاماً غيره فلا بأس أن يأخذه وإلا فيبقيه لها؛ لأني أخشى أن يكون هذا من جنس حبس الهرة التي دخلت النارَ امرأةُ بها لا هي أطعمتها، ولا أرسلتها تأكل من خشاش الأرض
(1)
.
ونظير ذلك أيضاً لو وجدْت مع هرةٍ لحماً جاءت به من الجيران هل لك أن تأخذه من هذه الهرة؟
(1)
للحديث الذي أخرجه البخاري: كتاب بدء الخلق، باب: خمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم، رقم (3318)، ومسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب: تحريم تعذيب الهرة ونحوها من الحيوان، رقم (2619).
الجواب: يؤخذ منها؛ لأن الهرة الآن سرقت، فيؤخذ منها ويرد إلى صاحبه لا سيما إذا كانت دجاجة حية فأنقذها وأعطها الجيران.
وهل يجوز أخذ نصف الحب الذي أخرجه النمل وترك نصفه؟
الجواب: إذا أخذت النصف يجب عليك أن ترده إلى صاحبه، أي: صاحب المزرعة التي بجوار النمل؛ لأنه في الغالب يأخذ مما حوله، فخذ هذا الحب وأعطه صاحب المزرعة، وقد أخبرني بعض الطلاب من دولة مجاورة لنا أن بعض الإخوة يأتي إلى بيت النمل ويكلمه، يقول: أسألكم بالله أن تخرجوا ويعطيهم زاداً، ويقرأ بعض آيات من سورة النمل، يقول: فخرج النمل من مزرعته لكن دخل في مزرعة جاره، وأيضاً مما أخبرني به قال: إنه كان عندنا في مسجد الحي عند باب المسجد نمل كثير، وهذا المسجد في دولة فيها صوفية فجاء أحد الإخوان المستقيمين من أهل السُّنَّة، وقال للنمل: أسألكم بالله أن تخرجوا من هذا المكان قال: فجئنا في اليوم الثاني فلم نجد النمل، وكان مؤذن المسجد صوفياً فلما رأى رحيل النمل قال لهذا الأخ: أنت ولي، وسمعنا أن بعض الإخوان كان يجلس على كرسي صغير، ثم يقرأ آيات من القرآن فيرحل النمل عن بيته - الله أكبر - وهذا يدل على أن النمل يفهم، وقصة سليمان دليل واضح على أنه يفهم.
لو قال قائل: ما حكم النمل الذي في البيت إذا كان يسبب أذية للصغار؟
الجواب: نقتله، ونحن جربنا القاز [الكيروسين]، فأنت إذا صببته على الجحر رحل النمل.