المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌من فوائد الآية الكريمة: - تفسير العثيمين: الأنعام

[ابن عثيمين]

فهرس الكتاب

- ‌ الكلام على البسملة

- ‌ حكم البداءة بـ "بسم الله" في أثناء السورة

- ‌قوله: (الرحمن)

- ‌قوله: (الرحيم)

- ‌ قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ}

- ‌كلُّ حمدٍ مدحٌ، وليسَ كلُّ مدحٍ حمدً

- ‌ من مات مقتولًا فقد مات بأجله

- ‌ جميع أسماء الله مشتقة

- ‌الإسرار: نوعان:

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌من فوائد الاية الكريمة:

- ‌ الواجب على المؤمن أن يرد كل قول يخالف الكتاب والسُّنَّة

- ‌ خطر الإعراض عن الآيات

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌ المراد بالقرن

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌ الاستدلال بالأعلى على الأدنى

- ‌(بان) و (أبان) يأتيان بمعنى واحد

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌ تأكيد المعقول بالمحسوس

- ‌ حكم مَنْ يدعي أنه يستطيع أن يخبر بمكان السحر

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌ السخرية والاستهزاء بالرسل موجب للعقاب

- ‌ المعاصي سببٌ للعقوبة

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌ جواز إجابة السائل نفسه

- ‌ من الفصاحة أن يذكر السبب بعد المسبَّب

- ‌ الاستغناء بذكر أحد الضدين عن الآخر

- ‌أقسام السمع التي وصف الله بها نفسه

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌ تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر

- ‌ أفعال العباد مخلوقة

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌ صحة النهي عما لا يمكن أن يقع

- ‌قوله: {مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ}

- ‌(أل) في قوله: {الْفَوْزُ} لبيان الحقيقة

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌النكرة في سياق الشرط تفيد العموم

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌ الحكمة من الزكاة

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌ هل يجوز أن نطلق على القرآن أنه شيء

- ‌ شهادةَ اللهِ أكبرُ شهادةٍ

- ‌هل يطلق الشاهد على الحاكم

- ‌ حكم أتباع أهل الضلال من العوام

- ‌ وجوب البراءة مما عليه المشركون

- ‌ الفرق بين المداهنة والمداراة

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌ أعظم الكذب

- ‌ حكم الكذب على الله في مدلول الأدلة

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌ هل للمعاصي والظلم أثر حسي

- ‌ ضابطُ المناصرةِ

- ‌ كيف يمحق الله الكافرين وهم منتصرون

- ‌القراءات في هذه الآية

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌ ليس كل مستمع بمنتفع

- ‌ الكتب التي ينصح بها لمطالعة كلام المتكلمين

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌ تعلق علم الله تعالى بالمستحيل

- ‌هل يمكن أن يستحيل الشيء لذاته ويعلمه الله

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌ الفرق بين الذكاء والعقل

- ‌ الأعمال محل الثناء والقدح

- ‌ أقوى طرق الحصر

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌ تفضيل الآخرة على الدنيا

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌ علم الله تعالى بما في القلوب

- ‌ أحكام الدنيا تجري على الظاهر

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌ الحكمة من إرسال الرسل مع تكذيبهم

- ‌المصدر المؤكد ينفي احتمال المجاز

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌ لا بد لكل نبي من آية

- ‌مراتب القدر

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌ المراد بالدابة

- ‌المراد بالكتاب اللوح المحفوظ

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌قوله: {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ}

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌ دواء قسوة القلب

- ‌ كل إنسان كافر فهو ظالم

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌ الآية ليست مجرد علامة

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌ المعاصي بريد الكفر

- ‌من فوائد الآيتين الكريمتين:

- ‌ إثبات الأسباب

- ‌ الألفاظ يتعين معناها بالسياق

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌ الشرائع توقيفية

- ‌قوله: {لَعَلَّهُمْ

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌ ما وجه كون العابد داعياً

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌ المراد بالوجه

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

الفصل: ‌من فوائد الآية الكريمة:

الأرض وترمي بها في مكان معين، الإنسان قد يعلم العلة وقد لا يعلم، أكبر علة فيها أنها ذِكر الله عز وجل كما جاء في الحديث:"إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله"

(1)

، فهذا كمال التعبد، إنسان عاقل مؤمن فاهم ذكي يأخذ حجرات، حصيات ويرميها في مكان معين، هذا لولا أنه مشروع لقيل إنه عبث، لكنه في وقته ومكانه مشروع؛ لأن فيه كمالَ التعبد والتذلل لله، وأن المؤمن يقول:(سمعنا وأطعنا)، مع أن فيه ذكراً لله بالقلب، وهو كمال التذلل والتعبد، وفيه ذكر الله باللسان؛ لأنه يشرع مع كل حصاة ترميها أن تقول:(الله أكبر).

‌من فوائد الآية الكريمة:

الفائدة الأولى: إثبات اسم (القاهر) لله عز وجل؛ لأنه قال: {وَهُوَ الْقَاهِرُ} وجاء بصيغة أخرى: {الْقَهَّارِ} كما قال تعالى: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: 16]، فيستفاد من إثبات الاسم إثبات الصفة وهي القهر؛ لأن أسماء الله كلها دالة على معنى واحد أو أكثر؛ لأنها أسماء وأوصاف؛ فهي باعتبار تعيين الذات أسماء، وباعتبار دلالتها على المعنى أوصاف، ولهذا نقول: أسماء الله عز وجل ليست كأسماء بني آدم، فإن بني آدم قد يُسمى الإنسان باسمٍ، وهو من أبعد الناس عن وصفه، بخلاف أسماء الله عز وجل.

(1)

رواه الترمذي، كتاب الحج، باب: ما جاء كيف تُرمى الجمار (902)، وأبو داود، كتاب المناسك، باب: في الرمل (1888)، والإمام أحمد في مسنده (23830).

ص: 92

الفائدة الثانية: إثبات الفوقية لله عز وجل لقوله: {فَوْقَ عِبَادِهِ} وتقدم أنها فوقية مكان، وفوقية مكانة، أما فوقية المكانة فما أحدُ من المسلمين يتنازع فيها، وهي الفوقية المعنوية، أما فوقية المكان فقد تنازع المسلمون فيها على طرفين ووسط.

الطرف الأول: يقول إنه سبحانه وتعالى في كل مكان في السماء وفي الأرض وفي الأسواق وفي المساجد وفي المدارس وفي كل مكان، ولا يخفى ما يلزم على هذا القول الباطل من اللوازم الفاسدة، كمخالفة النصوص ومخالفة الفِطَر، ومخالفة العقول، ووصف الله تعالى بما لا يليق بجلاله وعظمته.

ولو قال قائل: من يقول إن الله في كل مكان هل نعتبره مسلماً؟ فالجواب: هم ينتسبون للإسلام، ولذلك يعدون من الفرق الإسلامية، وبعض العلماء رحمهم الله أخرج الجهمية من الفرق الإسلامية.

والطرف الثاني: على العكس مما قاله الطرف الأول، فقالوا: لا يجوز أبداً أن نثبت أن الله في مكان، لا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال، ومعلوم أن هذا القول؛ يعني العدم.

ولهذا قال محمود بن سُبَكْتَكِين رحمه الله، وهو من أقوى الأمراء والسلاطين في المشرق، لمحمد بن فورك لما سأله عن علو الله فقال: إننا لا نقول: فوق ولا تحت إلى آخره، قال: فرِّق لي بين هذا الرب الذي تصفه وبين العدم

(1)

وصدق رحمه الله.

(1)

ذكرها ابن تيمية في درء التعارض (6/ 253)، والذهبي في السير (17/ 486).

ص: 93

والوسط هو الذي هدى الله إليه سلف الأمة وأئمة الأمة وأهل السُّنَّة، أن الله تعالى في مكان فوق كل شيء، وليس معنى ذلك أنه في مكان يحيط به، كما لو كنا في مسجد تحيط بنا جدران المسجد، بل هو فوق كل شيء؛ لأن ما فوق المخلوقات عدم، ليس فوقها شيء حتى نقول:(إن الله قد أحاط به شيء من مخلوقاته)، فهو فضاء عدمي، والله تعالى فوق كل شيء.

وقد دل على فوقية المكان الكتابُ والسُّنَّة

فقال سبحانه وتعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16)} [الملك: 16]، وقال سبحانه وتعالى:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)} [طه: 5].

ومن السُّنَّة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سأل الجارية أين الله؟ قالت: في السماء، فأقرها، وقال:"أعتقها فإنها مؤمنة"

(1)

.

ومن السُّنَّة الفعلية أن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كان يقول: "اللهم اشهد" ويرفع إصبعه إلى السماء، ثم ينكتها إلى الناس يردها إليهم

(2)

.

وأما الدليل العقلي على علو الله عز وجل: أن العلو صفة كمال، والله تعالى موصوف بصفات الكمال، فلزم أن يكون عالياً ولأن ضد العلو السفل؛ لأنهما متقابلان، فإذا انعدم علوه لزم ثبوت سفوله، وهذا مستحيل على الله عز وجل.

وأما من الفطرة: فإن الإنسان كلما دعا يجد من نفسه

(1)

رواه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته (537).

(2)

رواه مسلم، كتاب الحج، باب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218).

ص: 94

ضرورة بطلب العلو، وما قال:(يا الله) إلا ويجد قلبه يرتفع إلى السماء بدون أي دراسة، وبدون أي تعليم، فهو دليل فطري حتى قيل: إن البهائم تقر بذلك، وفي الحديث الضعيف أن سليمان بن داود - عليهما الصلاة والسلام - خرج مرة يستسقي - أي: يطلب نزول المطر - فوجد نملة مستلقية على ظهرها، رافعة قوائمها إلى السماء، تقول: اللهم إنَّا خلق من خلقك فلا تمنع عنا رزقك، فقال: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم

(1)

، هذا الأثر ضعيف لكن لا نستبعد أن البهائم العجماء تعترف بعلو الله عز وجل.

وقد أخبرني أحد الطلاب أنه رأى ناقة من شدة الولادة ترفع رأسها إلى السماء، يقول كانت مضطجعة على جنبها وبين الحين والآخر ترفع رأسها إلى السماء، وهذا لا يُستبعد أنها رفعت رأسها إلى ربها عز وجل، وأخبرني طالب آخر أنه في سفر رأى حشرة كالجرادة تقف؛ كالإنسان على رجليها وتمد يدها وترفع رأسها إلى السماء، وكذلك من الحشرات نوع إذا آذاه أحد وقف على رجليه ورفع يديه، لكن بعض الطلاب يقول: إنه يرفع يديه ليبرز سلاحه؛ لأن يديه فيها شوك.

فتبين أن الأدلة كلها من الكتاب والسُّنَّة والعقل والفطرة وكذلك هناك إجماع على هذا، وكل هذه الأدلة متفقة على علو الله تبارك وتعالى علوَّ مكانٍ ليس فيه أي نقصر، وأما تدجيل المنكرين على كتاب الله وسُنَّة رسوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - بأنه يلزم من ذلك أن يكون جسماً، فنقول: إذا لزم هذا

(1)

أخرجه عبد الرزاق في المصنف (3/ 95)، والطبراني في الدعاء (967، 968)، والحاكم في المستدرك (1/ 325).

ص: 95

من كتاب الله وسُنَّة رسوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - فليكن ولا يضرنا إذا لزم، ولا شك أن الله سبحانه وتعالى له ذاتٌ مُخالِفةٌ لذوات المخلوقات من كل وجه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، حتى في الوجود والحدوث مخالفة، فإن الله لم يزل ولا يزال موجوداً بخلاف غيره من المخلوقات، ولكن إياك أن تتصور هذه الذات العلية؛ لأنك لا تستطيع أن تتصورها بصورة مطابقة إطلاقاً، كما قال عز وجل:{وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110]

الفائدة الثالثة: إثبات العبودية لجميع الخلق؛ لقوله: {فَوْقَ عِبَادِهِ} وهذه هي العبودية الكونية، فكل الخلق عباد الله عز وجل، يفعل فيهم ما يشاء ولا يمكن لأي أحد براً أو فاجراً مؤمناً أو كافراً أن يستعصي على ربه عز وجل من هذه الناحية.

الفائدة الرابعة: إثبات اسمي الله (الحكيم والخبير) وما تضمناه من صفة، فالذي تضمنه الحكيم صفتان الإحكام والحكم، وإن شئت فقل: الحِكْمة والحُكْم، وقد سبق في التفسير أن الحكمة هي وضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها، وقال بعضهم:(إن الشرع ما أمر بأمر فقال العقل: ليته لم يأمر به، ولا نهى عن شيء فقال العقل: ليته لم ينه عنه)؛ لأن أوامر الشرع ونواهيه مطابقة تماماً للحكمة، كذلك الأمور الكونية كلها مطابقة للحكمة كما سبق في التفسير.

وأيضاً بالنسبة للحُكْم فحكم الله نوعان: شرعي وقدري، وإن شئت قل كوني،، وهى أيضاً موافقة للحكمة، وتقدم أيضاً أن الحكمة

ص: 96

نوعان: حكمة غايةٍ وحكمةُ صورةٍ، فالغاية أن كل ما قضاه الله كوناً أو شرعه فإنه على وفق الحكمة، والغاية منه حكمة أيضاً.

الفائدة الخامسة: إثبات وصف الخبرة لله عز وجل، وهي العلم ببواطن الأمور، ويترتب على إيماننا بهذا أن نستسلم لحكم الله الشرعي، كما أننا مستسلمون لحكمه القدري، وأن لا نكلف أنفسنا بالاطلاع على الحكمة فيما لا تدركه عقولنا، بل نؤمن ونسلم، وكذلك يقال في الأحكام القدرية:(نؤمن بالله ونسلم لقضائه) إذاً يستلزم من جهة المنهج والمسلك أن الإنسان يرضى بالحكم الشرعي، فلا يقول:(ليته لم يحرّم، أو ليته لم يوجب)، وكذلك يستسلم للقَدَر.

ومن الفوائد المسلكية والمنهجية أنك تلتزم بأحكام الله الشرعية؛ لأن الحكم له، والحكمة فيما شرع، فلا مناص لك عن أحكام الله الشرعية.

فإن قيل: وهل هذا يمنع من أن نسأل عن الحكمة؟

قلنا: لا يمنع، لكن بشرط أن نستسلم تماماً قبل معرفة الحكمة، أما ألا نستسلم إلا إذا عرفنا الحكمة فهذا غلط عظيم.

وبالنسبة لقوله تعالى: {الْخَبِيرُ} متى علمت

أن الله سبحانه وتعالى خبير بكل شيء يقع منك، فإنك سوف تخاف من مخالفة الله عز وجل، وسوف ترغب بالقيام بأمره لأنك تعلم أنك لم تعمل عملاً إلا علم الله بك، وهذه نتيجة مهمة جداً، من يترك الزنا مثلاً في مكان لا يطّلع عليه إلا الله وبدون معارضة من المرأة والنفس تدعو لذلك لا يترك هذا في مثل هذه الحال إلا مؤمن يعلم أن الله يراقبه.

ص: 97

وتأمل في قصة يوسف عليه السلام، دعته سيدته إلى نفسها في مكان خالٍ، ولا يمكن الوصول إليه؛ لأنها غلقت الأبواب، وهي امرأة العزيز، ستكون على جانب كبير من الجمال أو التجمل، ولمّا همت به وهمّ بها رأى برهان الله عز وجل أي: ما في قلبه من الإيمان - لأن الرؤية قد تكون بصريةً وقد تكون علمية، أما قولهم إنه تمثل له أبوه، أو ما أشبه ذلك فليس بصحيح، وإنما انصرف عنها وتركها خوفاً من الله تبارك وتعالى وقال الله في ذلك:{كَذَلِكَ} ، أي: كان الأمر كذلك {لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24].

وتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة، منهم:"رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله"

(1)

، فالمهم أنك متى آمنت بعلم الله عز وجل بجميع أحوالك، وبما في قلبك فإنك لن تخالفه فتعصيه، كيف تخالف الله عز وجل وتعصيه وهو يعلم؟ هذا لا يقع إلا ممن أزاغ الله قلبه، نسأل الله العافية.

* * *

* قال الله عز وجل: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19)} [الأنعام: 19].

(1)

رواه البخاري، كتاب الحدود، باب: فضل من ترك الفواحش (6806). ومسلم، كتاب الأذان، باب: من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد (660).

ص: 98

قيل: إن هذه الآية لها سبب، وهو أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: من يشهد لك بأنك حق، اليهود والنصارى أنكروا، فمن يشهد لك؟ فأنزل الله هذه الآية، وسواء كان هذا هو السبب أو لم يكن فلا شك أن الشيطان يلقي في قلوب المشركين، ويقول: ماذا عند محمد من الآيات؟ وماذا عنده من الشهادة؟ فقال الله عز وجل: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً} المعنى: قل يا محمد لهؤلاء المكذبين أي شيء أكبر شهادة فإن أجابوا خصموا، وإن لم يجيبوا فأجب أنت، ولهذا أمر الله نبيه أن يجيب قبل أن يجيب هؤلاء، لئلا يكابروا ويعاندوا فقال:{قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} والمتبادر إلى الذهن أن قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ} جواباً لهم لو قالوا: من الشاهد؟ لكن الرسول صلى الله عليه وسلم يسألهم يقول: {أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً} ربما يكابرون ويقولون: لا شاهد لك، فقال:{قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} .

نُعرب هذه الآية:

لأن فيها أوجهاً:

{قُلِ اللَّهُ} الإعراب الأول: أن يكون الاسم الكريم مبتدأ، والخبر محذوف، والتقدير (قل الله أكبر شهادة)، وعلى هذا التقدير يكون قوله:{شَهِيدٌ} خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير هو شهيد بيني وبينكم ليكون مطابقاً لقوله:{قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً} .

الوجه الثاني: أن يكون الاسم الكريم خبراً لمبتدأ محذوف تقديره هو الله، وعلى هذا التقدير يكون قوله:{شَهِيدٌ} يجوز فيها وجهان:

الوجط الأول: أن تكون خبراً ثانياً للمبتدأ المحذوف، ويكون التقدير (هو الله شهيدٌ).

ص: 99

الوجه الثاني: أن تكون (شهيد) خبر لمبتدأ محذوف، يعني:(هو الله هو شهيد بيني وبينكم)، هذه الأوجه في الإعراب يتوقف عليها الوقوف فتقف على كلمة {قُلِ اللَّهُ} .

هناك وجه آخر منفصل عن هذه الوجوه، أن يكون الاسم الكريم مبتدأ خبره (شهيد)، وإذا كان الله شهيداً بينه وبين أعدائه فمن أكبر من الله، لا أحد أكبر، كل هذه الأوجه مهما تنوعت لا يعدو أن يكون المعنى:(الله أكبر شهادة من كل شيء)، ولا شك في هذا.

فإن قيل: وبماذا شهد الله للرسول عليه الصلاة والسلام؟ قلنا: شهد الله للرسول صلى الله عليه وسلم بصدقه باللفظ وبالفعل.

أما باللفظ: فقال الله تعالى: {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ} [النساء: 166] وقال عز وجل: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} [المنافقون: 1]، فهذه شهادة قولية من الله على أن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - حق.

وأما الفعل: فإن الآيات التي يظهرها الله على يده النبي صلى الله عليه وسلم هي شهادة فعلية من الله والتمكين له في الأرض، وتمكينه من أن يضرب الأعناق، ويسبي الأموال والذرية، وتمكينه من أن يتلو القرآن على الناس، ويقول هذا كلام الله، وقد قال اللّ عز وجل:{وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44)} [الحاقة: 44] بعضها {لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46)} [الحاقة: 45، 46]، فشهادة الله الفعلية كثيرة بأنه حق.

ص: 100

قوله: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ} {وَأُوحِيَ} أبهم الفاعل؛ لأنه معلوم، فالموحي هو الله عز وجل.

والوحي في اللغة العربية: هو الإعلام بسرعة وخفاء، أي: أن تُعلم صاحبك بسرعة فتعطيه كلمات يفهمها بسرعة وخفاء، لئلا يطلع عليها أحد، فأصل الوحي السر.

لكنه في الاصطلاح: هو عبارة عن تكليم الله عز وجل بواسطة أو بغير واسطة، لأحد من عباده بشريعة يبلغها الناس، وسُمي بذلك؛ لأن الوحي خفي، تارة يكون في روع الرسول صلى الله عليه وسلم، وتارة يكون بتكليم الله للرسول من وراء حجاب، وتارة يكون بإرسال رسول يرسله الله عز وجل فيوحي بإذنه ما يشاء.

وقوله: {الْقُرْآنُ} مصدر؛ كالغفران والشكران، وهل هذا المصدر بمعنى اسم المفعول، أو بمعنى اسم الفاعل؟ فالمصدر قد يأتي بمعنى اسم الفاعل، ويأتي بمعنى اسم المفعول، تقول: هذا عدل رِضَى، أي: عادل راضٍ، وفي الحديث "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"

(1)

، أي: مردود.

وكلمة (القرآن) هنا مصدر يشمل المعنيين، فهو بمعنى اسم فاعل، أي: قارئ؛ لأنه جامعٌ آياته وكلماته وما يحتاج الناس إليه، وبمعنى مفعول، أي: مقروء، وكلا الوصفين ثابت للقرآن الكريم.

قوله: {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ} (اللام) هنا متعلقة بـ {أُوحِيَ} ، أي:

(1)

رواه البخاري، كتاب الصلح، باب: إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود (2697)، ومسلم، كتاب الأقضية، باب: نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور (1718).

ص: 101

أوحي إليَّ لأكون منذرًا لكم، وهذه هي الحكمة من الوحي، أنَّ الله سبحانه وتعالى يوحي للرسول صلى الله عليه وسلم لينذر به، وإذا أورث الله تبارك وتعالى رجلًا هذا الوحي فإنما أورثه الله لينذر به، ويقول الحق، كما سيأتي إن شاء الله في الفوائد.

قوله: {وَمَنْ بَلَغَ} (مَنْ) اسم موصول معطوف على الكاف في قوله: {لِأُنْذِرَكُمْ} ، يعني: وأُنْذِر من بلغ، والفاعل يعود على القرآن، والمعنى فمن بلغه القرآن فكأنما خاطبه النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - إلى يوم القيامة؛ لأنه قال:(لأنذركم أيها المخاطبون ومن بلغ) فمن بلغه القرآن بأي واسطة فقد أنذر، ولكن من بلغه القرآن بغير اللغة العربية، ولم يفهم منه شيئًا فلا تقوم عليه الحجة، ومن بلغه باللغة العربية وهو لا يفهمها فإنها لا تقوم عليه الحجة، لقوله تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4]، وقوله تعالى:{إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3)} [الزخرف: 3]، جعلناه يعني: صيرناه باللغة العربية.

قوله: {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى} هذا الاستفهام للإنكار، وهو استفهام داخل على جملة مؤكدة بـ (إنَّ) و (اللام)، فهي كقوله تعالى:{قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ} [يوسف: 90]، فالهمزة داخلة على جملة مؤكدة ب (إنَّ) و (اللام).

وقوله: {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى} يؤكد أنهم شهدوا أن مع الله آلهة أخرى، وينكر عليهم هذه الشهادة؛ لأن هذه أكذب شهادة، ولقد قال هؤلاء:{أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ} [ص: 5، 6]، أي: الأشراف

ص: 102

{أَنِ امْشُوا} دعوا هذه الدعوة لا تغرنكم {وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (7)} [ص: 6، 7].

قوله: {قُلْ لَا أَشْهَدُ} ، يعني: إن شهدتم فأنا بريء منكم، لا أشهد أن مع الله آلهة أخرى، {قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} ، كرر الأمر بالقول لأهمية الموضوع، فأمر أولًا بنفي شهادتهم، ثم أمر ثانيًا بإثبات شهادته أن الله إله واحد.

قوله: {قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} {بَرِيءٌ} البراءة بمعنى الخلو، ومنه أبرأ الرجل غريمه، أي: أخلاه من الدين الذي عليه، فمعنى {بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} ، أي: أني خلي مما تشركون فأنبذه، ولا أقرُّ به.

وقوله: {مِمَّا تُشْرِكُونَ} يعم كل ما يشركون به.

فإن قال قائل: هل هو بريء من عيسى؟

فالجواب: إن عيسى عليه السلام لا يتبرأ منه الرسولُ عليه الصلاة والسلام، وبناءً على هذا فإما أن نجعل (ما) مصدرية، ويكون المعنى بريء من شرككم، وإما أن نجعلها موصولة ويستثنى من ذلك من يُعبَد من دون الله وهو صالح من الأنبياء والملائكة وغيرهم، وهذا نظير قول الله تعالى:{إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (99) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (100)} [الأنبياء: 98 - 100].

لما نزلت هذه الآية احتج المشركون على النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، وقالوا: إذًا عيسى من أهل النار؛ لأنه

ص: 103