الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الذي أنزله على الرسل، وكذلك هي كلماته القدرية التي يكون بها النصر لأنبيائه والخذلان لأعدائه، ولا يرد على هذا ما جاء به النسخ؛ لأن مبدّل الحكم المنسوخ هو الله عز وجل، والآية تدل على أنه لا أحد يبدل كلمات الله، أما الله تبارك وتعالى فله أن يبدل كما قال عز وجل:{مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106]: وقال الله عز وجل: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101)} [النحل: 101].
قوله: {وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ} هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، وهي القسم المقدر و (اللام) و (قد)، والخطاب للنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، أي: لقد جاءك أيها الرسول من نبأ المرسلين، أي: من النبأ الذي يأتيهم وهو الوحي، هذا المعنى هو المتبادر.
أما المعنى الثاني: {وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ} ، أي: من قصصهم وأخبارهم وتبيَّن لك ما حصل للرسل من أتباعهم، وما حصل لأتباعهم، كما قال الله عز وجل:{وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود: 120]، وعلى هذا فيكون للآية معنيان.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: بيان أن تكذيب الأنبياء ليس وليد عهد النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو سابق لقوله:{وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا} .
فإن قال قائل: ما
الحكمة من إرسال الرسل مع تكذيبهم
؟
فالجواب: أن ذلك لإقامة الحجة عليهم، أي: على المكذبين؛ لأن هؤلاء المكذبين لو لم يأتهم رسول لقالوا: رَبَّنا لولا أرسلت إلينا رسولًا، ولو لم يأتهم رسول لكان لهم حجة، ولهذا قال الله - تعالى -:{إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} إلى قوله: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165].
الفائدة الثانية: عتو بعض بني آدم حيث تأتيهم الآيات فيكذبون؛ لأنه ما من رسول بعثه الله إلا آتاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، وهذا أمر لا بد منه لتقوم بها الحجة، فإذا كُذِّب الرسل مع هذه الآيات صار ذلك دليلًا على عظم عتو هؤلاء المكذبين.
الفائدة الثالثة: تسلية الله لنبيه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -؛ لأن الإنسان إذا علم أن غيره قد أصابه ما أصابه هان عليه الأمر، وقد سبق في التفسير أمثلة لذلك من القرآن، ومن كلام العرب والواقع. شاهد بهذا، لو أن الإنسان أصيب بحادث وانكسرت قدمه، ثم حُدِّث أن آخر أصيب، وانقطعت الرجل مع الفخذ، فإنه يتسلى وتهون عليه المصيبة.
الفائدة الرابعة: الثناء على الرسل - عليهم الصلاة والسلام - بالصبر على ما كذبوا وعلى ما أوذوا.
فإن قال قائل: قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} [البقرة: 214] ما وجه قولهم: {مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} ؟
فالجواب: قولهم: {مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} لا يقولونه: استبعادًا، ولكن يقولونه: استعجالًا يستعجلون نصر الله لا استبعادًا، ولا شكًا.
الفائدة الخامسة: أنه يجب علينا أن نتأسى ونتسلى أيضًا بما جرى للرسل - عليهم الصلاة والسلام - فنصبر على أذى من يقوم أمام دعوتنا؛ والعاقبة للمتقين؛ لقوله: {فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا} .
الفائدة السادسة: أنَّ أعداء الرسل لا يقتصرون على مجرد التكذيب بل يؤذون الرسل وأتباعهم، والأذية قد تكون جسدية، وقد تكون مالية، وقد تكون فكرية، وقد تكون عسكرية، فهي أنواع متعددة، والكافر يرى أقرب وسيلة تحصل بها الأذية للمسلم - لا شك في هذا - ولو حصل له أن يبيد الأمم الإسلامية في ليلة بين عشية وضحاها لفعل ذلك.
الفائدة السابعة: أن فرج الله عز وجل يأتي مع شدة الكرب؛ فكلما اشتد الكرب فاعلم أنه دنا الفرج، ويؤيد هذا قوله عز وجل:{فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6)} [الشرح: 5، 6]، فجعل مقابل العسر الواحد يسرين، وقال النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -:"واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا"
(1)
، وهذا كلام الله وكلام رسوله فهو حق وصدق، لكن النفوس قد تبوء بالفشل فلا تصبر.
الفائدة الثامنة: ألَّا يرجى النصر إلا من عند الله لقوله: {حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا} ، ولم يقل: حتى نصرهم فلان أو فلان، فإذا
(1)
تقدم تخريجه (ص 122).
علمنا أن النصر لا يكون إلا من عند الله، فممن نطلب النصر إلا منه الله عز وجل، ولهذا اختصر النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - في عريش له يوم بدر، يناشد ربه تبارك وتعالى النصر حتى نصره الله - والحمد لله
(1)
، - فلا تطلب النصر إلا من الله، حتى في المجادلة العلمية لا تطلب النصر من فلان يوافقك، أو لا يوافقك، بل اطلب النصر من الله، وإذا كنت وصلت إلى الحق فاطلب الله أن ينصرك، أو اطلب الله أن يهديك صراطه المستقيم.
الفائدة التاسعة: أنه لا مبدل لكلمات الله، أي: لا أحد يبدلها، إذا قَدَّرَ الله النصر فلا أحد يمنعه، وإذا قدر الخذلان فلا أحد يمنعه، أما الكلمات الكونية فعدم المبدل لها ظاهر؛ لأن الكلمات الكونية لا بد أن تقع، كن فيكون، فإذا قال الله تعالى:(كن) لنزول المطر نزل ولا أحد يمنعه، وإذا قال:(كن) لامتناع المطر امتنع ولا أحد ينزله، فالكلمات الكونية مفروغ منها، فلا أحد يستطيع أن يُبَدِّلَها، أما الكلمات الشرعية فمن الناس من يبدلها، لكن تبديله هذا باطل، والباطل لا وجود له شرعًا.
ولو قال قائل: وجد من بدّل الكلمات الشرعية في الأمم السابقة، وفي هذه الأمة.
فالجواب: وهل هذا التبديل غيَّر من خصائص هذه الكلمات؟ أبدًا، فهم لا يستطيعون مهما حاولوا؛ لأنهم وإن بدلوها ظاهرًا، فما بدلوه فإنه باطل، والباطل لا حكم لوجوده.
(1)
أخرجه مسلم: كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، وإباحة الغنائم، رقم (1763).