الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
10 - في بعض فرق المشبهة
قال عبد القاهر في كتابه الفَرق بين الفِرق:
[اعلموا - أسعدكم الله - أن المشبهة صنفان: صنف شبهوا ذات الباري بذات غيره، وصنف آخر شبهوا صفاته بصفات غيره، وكل صنف من هذين الصنفين مفترقون على أصناف شتى].
والمشبهة الذين ضلوا في تشبيه ذاته بغيره أصناف مختلفة. وأول ظهور التشبيه صادر عن أصناف من الروافض الغلاة.
فمنهم: السيئية الذين سموا عليها إلهاً، وشبهوه بذات الإله. ولما أحرق قوماً منهم قالوا له" الآن علمنا أنك إله: لأن النار لا يعذب بها إلا الله.
ومنهم: البيانية أتباع بيان بن سمعان الذي زعم أن معبوده إنسان من نور على صورة الإنسان في أعضائه على صورة حروف الهجاء.
ومنهم المنصورية: أتباع أبي منصور العجلي الذي شبه نفسه بربه، وزعم أنه صعد إلى السماء، وزعم أيضاً أن الله مسح يده على رأسه، وقال له: يا بني بلغ عني.
ومنهم: الخطابية الذي قالوا بإلهية أبي الخطاب الأسدي.
ومنهم: الذين قالوا بإلهية عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر.
ومنهم: الحلولية الذين قالوا بحلول الله في أشخاص الأئمة وعبدوا الأئمة لأجل ذلك.
ومنهم: الحلولية الحلمانية المنسوبة إلى أبي حلمان الدمشقي الذي زعم أن الإله يحل في كل صورة حسنة، وكان يجسد لكل صورة حسنة.
ومنهم: المقنعية المبيضة بما وراء نهر جيحون في دعواهم أن المقنع كان إلهاً، وأنه مصور
في كل زمان بصورة مخصوصة.
ومنهم: العذافرة الذين قالوا بإلهية ابن أبي العذافر المقتول ببغداد.
وهؤلاء الذين ذكرناهم في هذا الفصل كلهم خارجون عن دين الإسلام وإن انتبوا في الظاهر إليه.
وبعد هذا فرق من المشبهة عدهم المتكلمون في فرق الملة لإقرارهم بلزوم أحكام القرآن، وإقرارهم بوجوب أركان شريعة الإسلام من الصلاة والزكاة والصيام والحج عليهم، وإقرارهم بتحريم المحرمات عليهم، وإن ضلوا وكفروا في بعض الأصول العقلية.
ومن هذا الصنف هشامية منتسبة إلى هشام بن الحكم الرافضي الذي شبه معبوده بالإنسان، وزعم لأجل ذلك أنه سبعة أشبار بشبر نفسه، وأنه جسم ذو حد ونهاية، وأنه طويل، عريض، عميق، وذو لون، وطعم، ورائحة، وقد روي عنه أن معبوده كسبيكة الفضة، وكاللؤلؤة المستديرة، وروي عنه أنه أشار إلى أن جبل أبي قبيس أعظم منه، وروي عنه أنه زعم أن الشعاع من معبوده متصل بما يراه، ومقالته في هذا التشبيه على التفصيل الذي ذكرناه في تفصيل أقوال الإمامية قبل هذا.
ومنهم: الهشامية المنسوبة إلى هشام بن سالم الجواليقي الذي زعم أنه معبوده على صورة الإنسان، وأن نصفه الأعلى مجوف ونصفه الأسفل مصمت، وأن له شعرة سوداء وقلبا تنبع من الحكمة.
ومنهم: اليونسية المنسوبة إلى يونس بن عبد الرحمن القمي الذي زعم أن الله تعالى يحمله حملة عرشه، وإن كان هو أقوى منهم، كما أن الكركي تحمله رجلاه، وهو أقوى من رجليه.
ومنهم: المشبهه المنسوبة إلى داود الجواربي الذي وصف معبوده بأن له جميع أعضاء الإسنان إلا الفرج واللحية.
ومنهم: الإبراهيمية المنسوبة إلى إبراهيم بن أبي يحيي الأسامي وكان من جملة رواة الأخبار
غير أن ضل في التشبيه ونسب إلى الكذب في كثير من رواياته.
ومنهم: الخابطية من القدرية، وهو منسوبون إلى أحمد بن خابط وكان من المعتزلة المنتسبة إلى النظام، ثم إنه شبه عيسى بن مريم بربه، وزعم أنه الإله الثاني، وأنه هو الذي يحاسب الخلق في القيامة.
ومنهم: الكرامية في دعواها أن الله تعالى جسم له وحد ونهاية وأنه محل الحوادث، وأنه مماس لعرشه، وقد بينا تفصيل مقالاتهم قبل هذا بما فيه كفاية. فهؤلاء مشبهة لله تعالى بخلقه في ذاته.
- فأما المشبهة لصفاته بصفات المخلوقين فأصناف:
منهم: الذين شبهوا إرادة الله تعالى بإرادة خلقه، وهذا قول المعتزلة البصرية الذين زعموا أن الله عز وجل يريد مراده بإرادة حادثة، وزعموا أن إرادته من جنس إرادتنا، ثم ناقضوا هذه الدعوى بأن قالوا: يجوز حدوث إرادة الله عز وجل لا في محل، ولا يصح حدوث إرادتنا إلا في محل، وهذا ينقض قولهم: إن إرادته من جنس إرادتنا؛ لأن الشيئين إذا كانا متماثلين ومن جنس واحد جاز على كل واحد منهما ما يجوز على الآخر، واستحال من كل واحد منهما ما يستحيل على الآخر.
وزادت الكرامية على المعتزلة البصرية في تشبيه إرادة الله تعالى بإرادات عباده، وزعموا أن إرادته من جنس إرادتنا، وأنها حادثة فيه كما تحدث أرادتنا فينا، وزعموا - لأجل ذلك - أن الله تعالى محل للحوادث، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
ومنهم: الذين شبهوا كلام الله عز وجل بكلام خلقه، فزعموا أن كلام الله تعالى أصوات وحروف من جنس الأصوات والحروف المنسوبة إلى العباد، وقالوا بحدوث كلامه، وأحال جمهوربهم - سوى الجبائي - بقاء كلام الله تعالى، وقال النظام منهم: ليس في نظم كلام الله سبحانه إعجاز، كما ليس في نظم كلام العباد إعجاز، وزعم أكثر المعتزلة أن الزنج، والترك، والخزر قادرون على الإتيان بمثل نظم القرآن وبما هو أفصح منه، وإنما عدموا العلم بتأليف نظمه، وذلك العلم مما يصح أن يكون مقدوراً لهم.
وشاركت الكرامية المعتزلة في دعواها حدوث قول الله عز وجل في ذاته، بناء على أصلهم في جواز كون الإله محلا للحوادث.
ومنهم: الزراية أتباع زرارة بن أعين الرافضي حدوث جميع صفات الله عز وجل، وأنها من جنس صفاتنا، وزعموا أن الله تعالى لم يكن في الأزل حياً، ولا عالماً، ولا قادراً، ولا مريداً، ولا سميعاً، ولا بصيراً، وإنما استحق هذه الأوصاف حين أحدث لنفسه حياة، وقدرة، وعلماً، وإرادة، وسمعاً، وبصراً، كما أن الواحد منا يصير حياً، قادراً، سميعاً، بصيراً، مريداً عند حدوث الحياة، والقدرة، والإرادة، والعلم، والسمع، والبصر فيه.
ومنهم: الذين قالوا من الروافض بأن الله تعالى لا يعلم الشيء حتى يكون. فأوجبوا حدوث علمه كما يجب حدوث علم العالم منا. ا. هـ.
* * *