الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يفترض مقدمًا الاتفاق الكامل لهذا القانون مع المثل الأعلى للعدالة.
فقد خلط -كانت- إذن، وعالج بطريقة واحدة مرحلتين مختلفتين للضمير الأخلاقي:
1-
اللحظة التي ما زال التفكير يجري فيها لوضع القانون.
2-
واللحظة التي ينفذ فيها القانون، الذي تم وضعه بالفعل.
وفي كلمة واحدة: خلط "كانت" بين "الإلزام" و"النية"، بين علم الأخلاق la morale، وبين السلوك الأخلاقي la moralite.
المرحلة الثالثة:
والواجب الكلي العام!! فلنقبله، ولكن ينبغي أن نفرق بين درجات كثيرة من العمومية، فإن لها امتدادًا بقدر ما لها من مفاهيم:
الواجب الأبوي، والأموي، والزوجي، والبنوي.
واجبات الرياسة، والصداقة، والمواطن، والإنسان.
واجب العمل، وواجب التفكير، وواجب المحبة.
فهل يمكننا بصفة مشروعة أن نعطي لكل هذه التعبيرات نفس الامتداد، على جميع الأشخاص، وعلى كل الموضوعات، بحيث ننفض عنها حدودها الخاصة، ثم نمد بعضها على بعض؟
وهل من حقنا أن نقول لرئيس أن يعامل من هم أعلى منه رتبة معاملته لمرءوسيه؟ وأن نطلب إلى زوج أن يعامل كل نساء الدنيا كما يعامل زوجته، والعكس؟
إن كل واجب، إذا تعدى حدوده الخاصة -قد يتوقف عن أن يكون واجبًا، ولربما يصير جريمة. فالأمر إذن أمر عمومية نسبية، لا يمكن
لامتدادها أن يتحدد إلا تبعًا لطبيعة عناصره التكوينية، وبالقياس إلى مجموعة الظروف المناسبة. وتقسيم الواجبات وتحديدها هو العمل الجوهري لعالم الأخلاق بمعنى الكلمة، فكيف نشرع في هذا العمل؟
أيمكن أن نصل إلى النسبي ابتداء من المطلق، دون أية مساعدة خارجية؟
وكيف نحدد ألوان رسم من الرسوم، وتفاصيله التي يضعها فيه الفنان بالاعتماد على الشكل فقط؟
وكيف يتسنى لنحوي قُحٍّ، من حيث كونه كذلك أن يكون قادرًا على إعطاء المبررات للمعاني العميقة في المقال، وألوان الأسلوب؟
إننا إذا أردنا أن نحول الأخلاق إلى رياضيات، بل وأكثر من رياضيات، فربما أصبح الأمر غريبًا وغير مقبول، ويا لها من أعجوبة!!
وإذا كان من المستحيل، واقعًا، أن نستنبط جميع نظريات الهندسة من مبدأ واحد، فكيف نأمل أن نحصل من ذلك على نجاح أكبر في علم السلوك؟
وإذن، ففي حالة نقص الاستنباط الدقيق؛ لأنه مستحيل في هذه الظروف، نشهد لدى "كانت" محاولة للتقريب تتفاوت في براعتها، بين الشكل والمادة؛ نوعًا من التكليف يهدف إلى تسويغ نفس قواعد الأخلاق العامة، بعد قطعها عن روابطها الدينية أو الميتافيزيقية، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى نشهد لديه بعض الآراء الشخصية عن نوع الحياة الفاضلة التي يفضلها الفيلسوف.
إن ضمائر كثيرة مخلصة يمكنها أن تجتمع على الطريقة الكانتية، في رؤية المثل الأعلى الأخلاقي؛ وهو أمر لا نناقشه، ولكنا حين نختبر بعض صيغه الفرعية في علاقتها بمبدئه الأول -تبدو لنا، إما دون رباط ضروري، وإما سقيمة التوافق معه.
فأما كونها دون رباط ضروري، فتلك هي حال الصيغة التي تأمر باحترام الإنسانية في شخص الغير، كما نحترمها في أنفسنا، وذلك باعتبار الشخصية الإنسانية غاية في ذاتها. إن من الممكن أن نسأل أنفسنا: لماذا يحس العقل المحض، وهو السيد المستقل، والمطلق، بهذه الضرورة في أن يحترم شيئًا آخر دون ذاته؟ أمن المعقول أن نعتبر غاية ما لا يكونها إلا جزئيًّا، تلك الطبيعة المختلطة، المصنوعة من الشيء ومن الفكر، وهي في أصلها محسوسة أكثر منها معقولة؟
ويبدو أن هذه الملاحظة لم تغب بكاملها عن الفكر الكانتي، وربما كان هذا هو السبب في أنه قيد صيغته، حين طلب معاملة الشخصية الإنسانية على اعتبار أن مفهوم "العناية" لا يقتصر عليها وحدها، بل ينطبق "في الوقت نفسه" على غيرها، ولكن هذه الدقة في التعليل لا تلبث بكل أسف أن تضعف بمجرد أن نصل إلى تحديد الواجب العملي الذي ينبع من هذا الاحترام.
وقد كان من الواجب أن يؤدي منطق هذه الثنائية في الطبيعة الإنسانية إلى تأكيد نوع من التفرقة، لا بين الشخصية والفرد فحسب، أي: بين ما آل إلينا على صورة الاشتراك، وما يُعزى إلى كل إنسان بمفرده، ولكن أيضًا بين حقوق العقل وحاجات الجسد.
ولكنا نرى "كانت" يدافع مع الجميع عن حق الناس في الأمن، والواجب الصارم ألا يعتدي أحد على أجسامهم وأموالهم، كما يحرم الاسترقاق والسخرة في جميع أشكالها. وإذن، فلم نكن بحاجة إلى كل هذه الدقة في التحليل، لنصل في النهاية، إلى إلى ترديد أمور تافهة، وأعم من أن يتضمنها المبدأ الذي أعلنه. ألسنا نرى هنا أن النتيجة تتضمن أكثر مما في المقدمات؟ وإذا كان الاحترام يمكن أن يمتد إلى العنصر المحسوس في الإنسان، ويجب أن يكون كذلك، فلماذا نرفض امتداده إلى العنصر المحسوس في مجال آخر؟ ولماذا
كان من المسموح به أن نعامل الحيوانات على أنها أشياء، سواء أكنا نستأنسها أم كنا نذبحها دون تحرج؟
وهنا اعتبارات أخرى غريبة عن المنطق المحض، لا مناص من أن تدخل في تفكير المشرع، كيما تطبع نتائجه بذلك الطابع غير المتكافئ، تارة بتوسيعها، وتارة بتضييقها.
وأما كون تلك الصيغ الفرعية سقيمة التوافق مع المبدأ، فذلك عندما يحظر علينا هذا المبدأ أن نسمح لأي امرئ أن يمس حقوقنا، فإما أن الكلمات قد فقدت مدلولها، وإما أن أي "حق" من حيث هو هو، لا ينشئ "واجبًا" قِبَلَ من يملكه، بل في مواجهة الغير. فإذا كان هذا فعلًا حقي فأنا حر في أن أستمسك به، أو أتنازل عنه لمن أشاء. ولنقررْ، بنوع من انفصام الذات، أنني باعتباري "فردًا" يجب أن أدافع عن حقي باعتباري "إنسانًا"، أي: باعتباري أمينًا على هذا المبدأ المقدس، مبدأ الإنسانية. لكنا إذا تعدينا واجب "العدالة" فهناك واجب "الرحمة"، ألا يتطلب هذا الواجب أيضًا أن يطبق بصورة شاملة؟ ولما كانت الرحمة تستتبع بالأحرى إغضاء وتسامحًا، فإن الأخلاق المسيحية التي تأمرنا في هذا الصدد بأن نحب حتى أعداءنا -كانت أكثر إخلاصًا لمبدأ الواجب الكلي الشامل من الأخلاق الكانتية.
وهنا نشهد اعترافًا ضمنيًّا بأن العمومية لا يمكن أن تتوافق مع واجب إلا إذا قوضت عمومية واجب مناقض له. والحق أن الأمر الحتمي غير المشروط لا يمكن أن يُتَخيّل بالمعنى الدقيق للكلمة، أعني: من وجه مطلق، غير محدود، لا بالتجربة، ولا بالإدراك، إلا إذا قبلنا مبدأ الواجب الوحيد وبما أن هنالك تعددًا في الواجبات، وينبغي أن يوجد هذا التعدد، فإن هناك حالتين ممكنتين:
فإما أن الأمرين سوف يمضيان متوازيين، دون أن يضيق أحدهما بالآخر، وإما أن كلًّا منهما سوف يتجه إلى مناقضة الآخر، لا إلى محايدته فحسب.
وفي الحالة الأولى، لا توجد أية صعوبة عملية، فنحن مثلًا ينبغي ألا نكذب، وألا نقتل؛ وهذان واجبان متوافقان تمامًا، ومن الممكن أن يمضيا معًا. ولا ريب أنه ليس من الضروري أن يفرضا دائمًا في وقت واحد؛ لأن أحدهما خاص "بالكلام" والآخر خاص "بالعمل" بيد أن الحدود المرسومة لكل منهما لم تفرض عليه من خارجه، بل بنصه نفسه، ومن تحليل مفهومه الخاص، وهو عمل يتناسب مع ممارسة الإدراك الإنساني، مستقلًّا عن كل عنصر تجريبي.
أما في حالة التصادم بين الواجبات، فتتفجر صعوبات عظيمة الخطر، وإليك بعض الأمثلة: يجب أن نقول الحقيقة، وأن نكون مؤدبين تجاه الآخرين.
فما العمل حين لا يمكن إعلان الحقيقة القاسية دون حرج؟
يجب أن أمسك عليَّ لساني.
ولكن لو أني كشفت أن العون الذي وعدت به سوف يكون لمصلحة ظلم واضح؟
حرام عليّ أن أكذب، وحرام عليّ أيضًا أن أدع للهلاك نفسًا، ربما أستطيع إنقاذها.
وما العمل عندما تعرض الحقيقة شخصًا آخر بريئًا للخطر؟
إن قول الحقيقة في هذه الحالة يكون على حساب حياة الغير، فهل مثل هذا العمل من أعمال الكرامة المحمودة، أم هو أنانية مذمومة؟
وإذا سمح المرء لنفسه أن يكذب لإنقاذ حياة إنسان، فهل هذا منه احتقار لذاته؟ أم هو تضحية؟ أم هبة لذاته؟
ومحاولة التوفيق بين اتجاهين باستخدام تعبير غامض ذي معنيين، أهو لحساب الفضيلة، أم هو على العكس يعرضها للخطر؟ ذلك أننا في مواجهة المعتدي سنتمسك معنويًّا بأن نجعله يقتنع بالاتجاه الخاطئ، ونكون حينئذ قد تجنبنا الكذب بحرفيته، وإن كنا قد فارقناه بمعناه.
وهكذا نرى أن تعميم أمرين، ولو عقليًّا، يستتبع بالضرورة تجاوزهما للحدود، وتناقضها، وتدمير كل منهما للآخر، ومن ثَمَّ كانت الضرورة المطلقة في تضييق مجال تطبيق أحدهما، لكي يمر الآخر، ولكن أيهما؟ أمن حقنا أن نميز واحدًا منهما، أيًّا كان، على سبيل التحكم؟ وكيف نخولهما حقًّا متساويًا للمرور دون أن يسبق ذلك أن نخصهما بقيمة متساوية؟
على أنه من غير المقبول أن نضع في مستوى واحد: اللازم، والضروري، والزائد الفضلة؟ الأكثر إلحاحًا والأقل، الوجود والكمال. ومهمة عالم الأخلاق لا تنتهي بمجرد أن يضع قائمة بالواجبات، فإن عليه أيضًا أن يقر فيما بينها تدرجًا في القيم، وحتى لو افترضنا أن هذا النظام قد وضع، فلن يكون مطلقًا نظامًا نهائيًّا؛ لأنه في جوهره نسبي، ولأن ما هو لازم محتم في حالة -قد يصبح ثانويًّا في حالة أخرى، وفائضًا زائدًا في حالة ثالثة. ولذلك نجد الإنسان أمام الخطر يضحي بأثمن الطيبات من أجل إنقاذ الحياة، ثم هو يعرض الحياة للأخطار من أجل إنقاذ الشرف.
وإنما تتحدد القيمة الجديرة باختيارنا عند الاتصال بالواقع الراهن؛ وليس ممكنًا وضع خط دقيق للتمييز بين الواجبات المختلفة إلا "على الطبيعة"، وهو مع ذلك خط غير ثابت، يخضع دائمًا للتعديل، بحيث إننا لو أردنا تحديد واجب في لحظة معينة، فإن الكلمة الأخيرة سوف تترك لحكم كل فرد، بل ربما تترك لما يمكن أن نسميه "بحاسته السادسة".
هكذا نجد أنفسنا وقد تجاوزنا "الكانتية" بمرحلتين، وهذا التجاوز نفسه ينقلنا إلى الطرف الآخر من الطريق.