المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

كثب الجهود والخطط التي رسمها منذ أمدٍ بعيد لنشر رسالة - دستور الأخلاق في القرآن

[محمد بن عبد الله دراز]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌مقدمة

- ‌مدخل

- ‌ الوضع السابق للمشكلة:

- ‌تقسيم ومنهج

- ‌مدخل

- ‌الجانب العملي:

- ‌الجانب النظري:

- ‌ دراسة مقارنة:

- ‌النظرية الأخلاقية كما يمكن استخلاصها من القرآن

- ‌الفصل الأول: الإلزام

- ‌مدخل

- ‌مصادر الإلزام الأخلاقي

- ‌مدخل

- ‌أولًا: القرآن

- ‌ثانيًا: السُّنة

- ‌ثالثًا: الإجماع

- ‌رابعًا: القياس

- ‌خصائص التكليف الأخلاقي

- ‌مدخل

- ‌ إمكان العمل:

- ‌ اليسر العملي:

- ‌ تحديد الواجبات وتدرجها:

- ‌تنافضات الإلزام

- ‌كانت

- ‌مدخل

- ‌المرحلة الأولى:

- ‌المرحلة الثانية:

- ‌المرحلة الثالثة:

- ‌فردريك روه

- ‌خاتمة:

- ‌الفصل الثاني: المسئولية

- ‌مدخل

- ‌ تحليل الفكرة العامة للمسئولية:

- ‌شروط المسئولية الأخلاقية والدينية

- ‌الطابع الشخصي للمسئولية

- ‌ الأساس القانوني:

- ‌ العنصر الجوهري في العمل:

- ‌ الحرية:

- ‌ الجانب الاجتماعي للمسئولية:

- ‌خاتمة:

- ‌الفصل الثالث: الجزاء

- ‌مدخل

- ‌ الجزاء الأخلاقي:

- ‌ الجزاء القانوني:

- ‌نظام التوجيه القرآني ومكان الجزاء الإلهي

- ‌مدخل

- ‌طرق التوجيه الكتابية:

- ‌نظام التوجيه القرآني:

- ‌النتائج غير الطبيعية "أو الجزاء الإلهي

- ‌الجزاء الإلهي

- ‌مدخل

- ‌ الجزاء الإلهي في العاجلة:

- ‌ الجزاء الإلهي في الحياة الأخرى:

- ‌خاتمة:

- ‌الفصل الرابع: النية والدوافع

- ‌مدخل

- ‌النية

- ‌مدخل

- ‌ النية كشرط للتصديق على الفعل:

- ‌ النية وطبيعة العمل الأخلاقي:

- ‌ فضل النية على العمل:

- ‌ هل تكتفي النية بنفسها

- ‌دوافع العمل

- ‌مدخل

- ‌دور النية في المباشرة وطبيعتها

- ‌ النية الحسنة:

- ‌ براءة النية:

- ‌ النيات السيئة:

- ‌ إخلاص النية واختلاط البواعث:

- ‌خاتمة:

- ‌الفصل الخامس: الجهد

- ‌مدخل

- ‌جهد وانبعاث تلقائي

- ‌مدخل

- ‌ جهد المدافعة:

- ‌ الجهد المبدع:

- ‌الجهد البدني

- ‌مدخل

- ‌ النجدة:

- ‌ الصلاة:

- ‌ الصوم:

- ‌الصبر والعطاء، والعزلة والاختلاط:

- ‌ جهد وترفق:

- ‌خاتمة:

- ‌خاتمة عامة:

- ‌تنبيه:

- ‌الأخلاق العملية

- ‌مدخل

- ‌الفصل الأول: الأخلاق الفردية

- ‌أولًا: الأوامر

- ‌ثانيًا: النواهي

- ‌ثالثًا: مباحات

- ‌رابعًا- المخالفة بالاضطرار:

- ‌الفصل الثاني: الأخلاق الأسرية

- ‌أولًا: واجبات نحو الأصول والفروع

- ‌ثانيًا: واجبات بين الأزواج

- ‌ثالثًا: واجبات نحو الأقارب

- ‌رابعًا: الإرث

- ‌الفصل الثالث: الأخلاق الاجتماعية

- ‌أولًا: المحظورات

- ‌ثانيًا: الأوامر

- ‌ثالثًا: قواعد الأدب

- ‌الفصل الرابع: أخلاق الدولة

- ‌أولًا: العلاقة بين الرئيس والشعب

- ‌ثانيًا: العلاقات الخارجية

- ‌الفصل الخامس: الأخلاق الدينية

- ‌إجمال أمهات الفضائل الإسلامية:

- ‌فهارس الكتاب

- ‌فهرس الأحاديث النبوية الشريفة

- ‌فهرس الأعلام والفرق والقبائل والأماكن:

- ‌قائمة المصطلحات الأجنبية والعربية:

- ‌فهرس الموضوعات

الفصل: كثب الجهود والخطط التي رسمها منذ أمدٍ بعيد لنشر رسالة

كثب الجهود والخطط التي رسمها منذ أمدٍ بعيد لنشر رسالة الإسلام في العالم الغربي. فعرفت أنه كان قد أتقن الفرنسية إبان طلبه للعلم في الأزهر الشريف استعدادًا لذلك اليوم الذي يقوم فيه بواجبه العلمي والديني. فما إن وطئت قدمه أرض فرنسا حتى بدأ في تحقيق خطته؛ ولم ينتهج الطريق السهلة التي انتهجها غيره بالشروع في تحضير رسالة الدكتوراه رأسًا، بل فضل أن يسير في الطريق الأكاديمي من بدايته، ويفعل ما يفعله طلاب العلم من الفرنسيين الذين يعدون أنفسهم إعدادًا أكاديميًّا رصينًا. فالتحق بالسوربون للتحضير لدرجة الليسانس، ودرس الفلسفة، والمنطق، والأخلاق، وعلم النفس، وعلم الاجتماع على أيدي أساتذة السوربون والكوليج دي فرانس من أمثال ماسينيون، وليفي بروفنسال، ولوسن، وفالون، وفوكونيه. ونجد أثر هذا التكوين العلمي الرصين في رسالته، حيث لم يكتفِ بتوضيح وجهة النظر الإسلامية، بل كان يجليها بمقارنتها بآراء المفكرين والفلاسفة، وكان لا يترك مناسبة إلا استعرض فيها رأي عالم من علماء الغرب، أو نظرية من النظريات السائدة، ثم يبين ما في هذه النظرية أو في ذلك الرأي من تصور أو خطأ، ويعقب ذلك ببيان كمال النظرية الأخلاقية في القرآن الكريم.

وقد استغرقت كتابة هذه الرسالة ما يقرب من ست سنوات. ويبدو أن العالم الجليل قد شرع فيها في عام 1941 بعد أن انتهت حملة فرنسا، وعاد إلى باريس بعد سنة أمضاها في بوردو "بجنوب غرب فرنسا" حين اقتربت الجيوش النازية من العاصمة الفرنسية وأصبح سقوطها وشيكًا، وإذا أضفنا إلى هذه السنوات الست خمس سنوات قبلها أمضاها الأستاذ في التعرف على مناهج العلوم في الغرب وتحضير درجة الليسانس، فإنه يكون قد أمضى ما بين إعداد العدة وتنفيذ مشروعه حوالي أحد عشر عامًا. ولم تكن هذه بالفترة الطويلة إذا قدرنا ما اكتنفها من سنوات الحرب العصيبة، وما أثارته هذه الحرب من مشكلات مادية ونفسية كان الأستاذ يتحمل عبئها، ويحاول

ص: 8

إبعادها عن أسرته الكبيرة التي صحبته في غربته. وأذكر أنه اضطر -أثناء هجوم الحلفاء لتحرير فرنسا- لقضاء أيام طويلة مع أسرته في مخبأ تحت الأرض، كان يجمع فيه أوراقه التي يحرص عليها ويشتغل وسط القنابل التي كانت تدوي من حوله، على ضوء شمعة أو مصباح خافت.

وتمت مناقشة الرسالة أمام لجنة مكونة من خمسة من أساتذة السوربون والكوليج دي فرانس في 15/ 12/ 1947.

وظل جمهور المثقفين من العرب والمسلمين يسمعون عن هذا العمل القيم دون أن يستطيعوا قراءته والاستفادة منه، حتى قيض الله له أستاذًا شابًّا من خيرة شباب العرب والمسلمين هو الدكتور عبد الصبور شاهين، الذي ندب نفسه طيلة أعوام ثلاثة لترجمة النص الفرنسي إلى العربية. وقد جمع صفات وميزات قلما تتوافر لمن يتصدى لمثل هذا العمل الضخم، فهو إلى جانب تكوينه وثقافته الدينية العميقة أستاذ للغة العربية؛ كما أنه يتقن اللغة الفرنسية التي درسها دراسة جادَّة، وترجم منها إلى العربية عدة كتب لعدد من العلماء والفلاسفة.

ولم يألُ المترجم جهدًا في أن يضع في خدمة النص كل ما يستطيع من أساليب التوثيق والإيضاح التي تخدم قارئ العربية وتعمق ثقافته الدينية. من ذلك أنه لم يكتف -كما فعل المؤلف- بالإشارة إلى الآيات القرآنية في الهامش بذكر رقم الآية والسورة، بل أخذ على عاتقه كتابة الآيات الكريمة كاملة وإدماجها في النص نفسه، وبذلك كفى القارئ مئونة البحث في المصحف الشريف عن تلك التي لا غنًى عنها لتدعيم الفكرة التي يشرحها المؤلف. ومن ذلك أيضا ما قام به من الرجوع إلى كتب الفقه والحديث والتفسير وعلم الكلام لتوثيق بعض النصوص التي لخصها المؤلف بالفرنسية، وحرص المترجم على وضعها في نصها الأصلي الذي ورد في كتب التراث

ص: 9

الإسلامي. وفي بعض المواضع التي كان المؤلف يكتفي فيها بالإشارة إلى واقعة ما، كان المترجم يجهد نفسه للبحث عن ظروف هذه الواقعة، ويثبتها كاملة.

وأشهد أنه قد بذل في الترجمة نفسها جهدًا كبيرًا؛ وذلك لصعوبة النص في بعض المواضع، ودقة الأفكار الفلسفية التي تعرض لها. ولا بد أنه قد وقف -مثلما وقفت عند مراجعة الترجمة- ساعات طويلة أمام عبارة من العبارات، حتى يطمئن إلى دقة الترجمة وإلى التعبير عن المعنى الذي قصد إليه المؤلف.

وقد أسهمت في هذا الجهد بقدر ما أستطيع، معتمدًا على خبرتي بما عرفته من أسلوب المؤلف وطريقة تفكيره، ودقته في اختيار اللفظ الذي يعبر عن الفكرة. وأدى هذا التعاون الوثيق بيني وبين المترجم إلى خروج الترجمة على الصورة التي نرضاها لها، والتي نضعها اليوم بين يدي القارئ العربي آملين في حسن تقديره.

والآن هل يسمح لنا القارئ بأن نقدم له خلاصة سريعة للأفكار الرئيسية في الكتاب؟

إن الهدف الرئيسي من هذا البحث هو إبراز الطابع العام للأخلاق التي تستمد من كتاب الله الحكيم، وذلك من الناحيتين النظرية والعملية.

أما عن البحث في الأسس النظرية التي تقوم عليها المبادئ الأخلاقية في القرآن الكريم، فإن المؤلف يعبر لنا، دون مواربة، عن شعوره بأنه كان يضع قدميه لأول مرة على أرض لم تطأها قدم من قبل. لكن وعورة المسالك التي عزم -بمشيئة الله- على الخوض فيها لم تضعف من عزيمته، بل كانت حافزًا له على تحدي الصعاب في سبيل خدمة دين الله الحنيف.

ص: 10

إضافات لا تقوم بذاتها، وإنما بالاستناد إلى المبدأ الأول وهو العمل من أجل إرضاء الله.

وكانت آخر مسألة عالجها المؤلف في الفصل الخامس من الكتاب هي تحليل طبيعة "الجهد" الإنساني الذي يأمر به القرآن الكريم، ودرجة هذا الجهد، وقيمته في اكتساب الثواب.

وقد عالج المؤلف العلاقة بين الجهد والانبعاث التلقائي من ناحية، وبين الجهد وروح التيسير من ناحية أخرى. ووضح أن القرآن الكريم قد وازن بين كلٍّ من الطرفين المتعارضين، ودمج بينهما في تركيب يجمع بين الكمال والحكمة. وناقش فكرة المتشددين الذين يرفضون التلقائية في الفعل الأخلاقي، ولا يمنحون السلوك أية قيمة إلا إذا كان نتيجة لجهد أو معاناة كبيرين. فإذا صحَّ ما يدَّعي هؤلاء، فإن النفس المتحررة من شهواتها لا تكتسب ثوابًا على ما تقوم به من أفعال خيِّرة، ولا تستحق هذا الثواب إلا إذا كانت فريسة لانفعالات متسلطة عليها، وتكافح من أجل التغلب عليها. أو بمعنى آخر: كلما اقتربنا من المثال الأعلى في الانبعاث التلقائي لفعل الخير، فقد العمل جزءًا من قيمته. وواضح ما في هذا الرأي من منافاة لكل منطق، إذ بمقتضاه يكون الشرير الذي يحاول جاهدًا التخلص من نزعاته الشريرة أعلى درجة في السلم الأخلاقي من القديس الذي يمارس الفضيلة في يسر وبدون جهد يذكر. إن الوقوع في هذا التناقض قد نجم عن الاعتقاد الخاطئ بأن الحياة الأخلاقية يجب أن تكون حربًا لا هوادة فيها ضد نزعات كامنة في الإنسان، هذا الإنسان الذي يرى بعضهم أنه شرير بطبعه، وأنه لا يستطيع أن يتحرر من طبيعته الشريرة، وأن القداسة فكرة وهمية ليس لها مكان على الأرض.

إن موقف القرآن الكريم من هذه المسألة يختلف تمامًا عن هذا الموقف المتشدد المتشائم، وينزع إلى نظرة أكثر رحابة وأكثر تفاؤلًا. لقد كان هناك

ص: 11

ففي تقرير المنظمة الدولية العربية للدفاع الاجتماعي، التابعة للجامعة العربية: أن معدل الجرائم ضد الأموال في ارتفاع، مع عملية التنمية الاقتصادية، إذ تزداد فرص الاعتداء على الأموال عندما يصبح المجتمع أكثر إنتاجًا وتعقيدًا، وتحضرًا وتصنيعًا، ومن ثم نجد أن نسبة عالية من جرائم الأحداث والشباب، في غالبية البلاد ذات طابع اقتصادي، مثل السرقة، والاختلاس، واقتحام المنازل، والسرقة بالإكراه.

وقد صاحب مرحلة التنمية الاقتصادية السريعة خلال السنوات العشر السابقة، في مصر، زيادة في عدد الجرائم صد الأموال، وبخاصة الأموال العامة، وأصبح لهذا الاعتداء صور متعددة ومستحدثة، كجرائم الرشوة والاختلاس، وتزييف الأوراق الرسمية، وتزييف العملة، أو المسكوكات، وتهريب النقد، وسرقة الكابلات، وتهريب المخدرات، والخطف لطلب الفدية "وهو اعتداء على الأشخاص والأموال في آنٍ".

وثمة صور مستحدثة من الجرائم الاقتصادية، بزغت مع تطبيق النظام التعاوني الزراعي، حيث لُوحِظَ تفشي السرقات من المحاصيل الزراعية، التي تودع في الجمعيات التعاونية الزراعية، قبل شحنها إلى مناطق التخزين العامة، وجرائم الغش والاختلاس باغتصاب خامات ومحاصيل زراعية جيدة النوع بأخرى رديئة، أو التلاعب في الأوراق الرسمية بالحصول على توقيعات من المنتفعين، باستغلال جهلهم بالقراءة والكتابة، وجرائم الرشوة "النقدية أو العينية" لتوريد سلف غير مستحقة للمنتفعين، أو للتغاضي عن مخالفات ارتكبها الزراع أثناء ري الأراضي، أو مقاومة الآفات، أو لعدم الالتزام بتطبيق المخطط الزراعي للدورات الزراعية، وجرائم السوق السوداء في مجال بيع الأسمدة الكيماوية والمبيدات، واختلاس جزء منها، وبيعها مغشوشة1.

1 أعد هذا التقرير الدكتور محمود عبد القادر، رئيس وحدة بحوث الأسر بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة - ص43 وما بعدها.

ص: 12

لنصوص القرآن المتعلقة بالفقه الإسلامي -لا يعالجان الأوامر الأخلاقية إلا نادرًا.

وهكذا لم ينهض أحد -فما نعلم- حتى الآن باستخلاص الشريعة الأخلاقية من القرآن في مجموعه، ولم يحاول أحد أن يقدم لنا مبادئها، وقواعدها في صورة بناء متماسك مستقل عن كل ما يربطه بالمجالات القريبة منه، وتلكم هي المهمة التي انتدبنا للوفاء بها هنا، بقدر ما تطيقه وسائلنا.

ص: 8

‌تقسيم ومنهج

‌مدخل

2-

تقسيم ومنهج:

نحن نميز تحت لفظة "القانون الأخلاقي" -كما يميز جميع الباحثين تحت اسم الجنس- فرعين مختلفين هما: النظرية والتطبيق.

والواقع أن دراستنا للنص القرآني قد أوحت إلينا، لا بوجود هذين الفرعين لعلم الأخلاق في القرآن -فحسب، بل لقد كشفت لنا عن أن الصورة التي جاءت بها بلغت درجة من الكمال لا يُبتغى وراءها شيء.

ص: 8

‌الجانب العملي:

وقد بحثنا في رسالة حديثة النشر، الأخلاقية العملية في القرآن، في علاقتها بالحكمة القديمة، واستطعنا أن نكشف فيها عن ثلاث خصائص نوجزها فيما يلي:

فالقرآن -من حيث كون حافظًا لما سبقه، واستمرارًا له- قد تميز عنه بذلك الامتداد الرحب الذي ضم فيه جوهر القانون الأخلاقي كله، وهو الذي ظل متفرقًا في تعاليم القديسين والحكماء، من المؤسسين والمصلحين، الذين تباعد بعضهم عن بعض، زمانًا ومكانًا، وربما لم يترك بعضهم أثرًا من بعده يحفظ تعاليمه.

ولعل هذا الجانب هو السمة البارزة من سمات القرآن، وإن لم تكن أثمن سماته، ولا أصلها.

ص: 8

وإنما تبدو أصالة هذا التعليم الأخلاقي في أجلى صورها، في طريقته التي سلكها لتقديم تلك الدروس المختلفة عن الماضين، وتقريبها، بحيث يصوغ تنوعها في وحدة لا تقبل الانفصام، ويسوقها على اختلافها في إطار من الاتفاق التام؛ وذلك لأنه بدأ بأن نزع عن الشرائع السابقة كل ما كان في ظاهر الأمر إفراطًا أو تفريطًا، وبعد أن حقق وضع التعادل في ميزانها، الذي كان يميل تارة إلى جانب، وأخرى إلى جانب آخر -دفعها جميعها في اتجاه واحد، ثم نفخ فيها من روح واحدة، بحيث صار حقًّا أن ينسب إليه بخاصة مجموع هذه الأخلاق.

وأعجب من ذلك وأعظم أصالة جانبه الخلاق، فليس يكفي -في الواقع- لكي نصف أخلاق القرآن، أن نقول: إنها حفظت تراث الأسلاف ودعمته، وإنها وفقت بين الآراء المختلفة التي فرقت أخلافهم، بل ينبغي أن نضيف أن الأخلاق القرآنية قد رفعت ذلكم البناء المقدس، وجملته، حين ضمت إليه فصولًا كاملة الجدة، رائعة التقدم، ختمت إلى الأبد العمل الأخلاقي1.

ولسوف يكون علينا في هذه الدراسة أن نعالج الأحكام العملية التي جاء بها القرآن في ذاتها، وفي مرحلتها النهائية من تطورها، وحسب القارئ بعد ذلك أن يتصفح النصوص التي نوردها في نهاية هذا الكتاب؛ ليدرك رحابة هذا النظام وجماله.

ولسوف يختلف منهجنا كثيرًا في عرض هذا الجانب عن المنهج الذي اتبعه سابقونا. فلما كنا -أولًا- لا نرى من اللازم أن نستوعب النصوص والآيات ذات الاتصال بالموضوع، فقد اكتفينا بأن سقنا بعضًا منها؛ ذا دلالة كافية

1 انظر كتابنا "المدخل إلى القرآن - "initiation du koran القسم الثاني- الفصل الثاني، وسوف تجد هنالك أمثلة عديدة مادية، تشهد بوجود هذه الجوانب الثلاثة فيما أضافه القرآن: إجمال لما سبق، وتوفيق بين وجهات مختلفة فيه، وإكمال لجوانب ناقصة.

ص: 9

على القواعد المختلفة للسلوك، ثم حاولنا من بعد ذلك أن نتجنب التكرار بقدر الإمكان.

واتبعنا أخيرًا نظامًا منطقيًّا بدلًا من التزام نظام السور "الذي تبعه الإمام الغزالي"؛ أو النظام الأبجدي للمفاهيم "كما فعل جول لا بوم". فالنصوص في عملنا هذا مجمعة في فصول، بحسب نوع العلاقة التي سيقت القاعدة لتنظيمها، وقد ميزت في داخل كل طائفة عدة مجموعات صغيرة من النصوص، وضعنا لها عنوانًا فرعيًّا يوجز التعليم الخاص الذي يستقي منها، بحيث يتاح للقارئ أن يجد الحكم الذي يبحث عنه بكل سهولة.

وتنظيم النصوص بمجموعها على هذا الوجه يبني لنا منهجًا كاملًا للحياة العملية كما رسمها القرآن: كيف ينبغي على الإنسان أن يسلك مع نفسه، وفي أسرته، ومع الناس أجمعين؟ وما المبادئ التي يجب أن تحكم العلاقات بين الحاكمين والمحكومين، وبين الدول أو المجتمعات؟ وكيف يؤدي الإنسان العبادة لله؟ وكل ذلك قد قيل بطريقة واضحة ومحددة.

هذا الطابع الإجمالي يجد ما يكمله في طابع آخر، يمنحه قيمته العليا، ذلك أن القرآن -بعد أن رسم لكل مجال من مجالات الحياة خط سلوكه- يقدم لنا أُطُرًا معدّة على هيئة دوائر مشتركة المركز، كل واحدة منها قابلة لأن تتسع، وتنكمش، في توافق مع المجموع. بل لقد تتداخل هذه الدوائر بالتبادل، دون أن تطغى إحداها على الأخرى.

كيف استطاع القرآن أن يحدث هذا الأثر المعجز؟

لقد كان منهجه غاية في البساطة، حين تخير لبيان قواعده أقوالًا ذات تأثير خاص، وهي أقوال تقف دائمًا في منتصف الطريق، بين المجرد: غامضه ومبهمه، وبين الحسي المفرط في الشكلية. وكذلك نجد أن الأطر التي يبنيها صارمة ومرنة في آن.

ص: 10

فمن حيث وضوح المضمون نجد أن وضوح كل قاعدة يوجد نوعًا من الحجاز، يقف في مواجهة الفوضى، وجموح الهوى؛ ولكنها من حيث عدم تحديد هذا المضمون تترك لكل فرد حرية اختيار الشكل الذي يكيف في نطاقه مثله الأعلى؛ طبقًا للشروط التي تمليها التجربة، كما يختار الشكل الذي يوائم به بين الواجب العاجل والمقتضيات الأخرى التي تمليها الأخلاقية. فهما أمران: تكييف ومواءمة، ينبغي أن يتما بوساطة جهد راشد، بعيد عن الإرخاء، وعن الغلواء، التي لا ضابط معها.

وبهذه الطريقة استطاعت الشريعة القرآنية أن تبلغ كمالًا مزدوجًا، لا يمكن لغيرها أن يحقق التوافق بين شقيه: لطف في حزم، وتقدم في ثبات، وتنوع في وحدة.

وبهذه الطريقة أيضًا، أتاحت الشريعة القرآنية للنفس الإنسانية أن تطمئن إلى سعادة مزدوجة، تجمع أيضًا بين النقيضين: خضوع في الحرية، ويسر في المجاهدة، ومبادأة في الاستمرار، وقليل من فهم تلك الحكمة الرفيعة.

ومن ثَمَّ أخذ بعضهم على الإسلام أنه لم يحدد مثلًا الطريقة التي يستشار بها الشعب في القضايا العامة، ولم يحدد شكل الدولة المسلمة، وطريقة اختيار رئيسها: أهي اقتراع شامل، أم مقتصر على الصفوة؟ وهل هي جمهورية، أم ملكية؟

إلخ.

هذا البحث المفرط في التحديد القانوني، يمكن أن يظهر لدى أولئك الذين يضعون القانون، أو أولئك الذين يخضعون له. ففي الحالة الأولى يفرض القانون ويحتمه نوع من الحذر لدى المشرعين، إزاء الأفراد الذين يناط بهم تطبيقه؛ ومع ذلك فهو يتجه إلى إلغاء كل مبادأة، وإلى أن يجعل الحياة المشتركة رتيبة لا تطاق، وإلى أن يجعل من أعضاء المجتمع ما يشبه النسخ المكررة من نموذج آلي واحد.

ص: 11

لكنا قد نصادف بين المحكومين أنفسهم أناسًا يودون أن يتولى المشرع بنفسه تحديد كل شيء وتقنينه، فإذا افترضنا أن هذا المشروع يمكن أن يتحقق، فكيف نفسر اقتضاءً من هذا القبيل بالغًا أقصى مداه، إلا بأنه تلمس لأدنى جهد عقلي وأخلاقي؟ إن لم نقل: إنه تنازل محض وبسيط عن الشخصية!!

إن القرآن لا ينقض ذلك الاتجاه إلى حصر كل القواعد، كما لا ينقض الاتجاه المضاد، فهل كان هذا التصرف الحكيم، وذاك الموقف الوسط الذي يقف فيه الفرد دائمًا بمعزل عن طرفي نقيض -مجرد اتفاق؟ أو تحكمًا واعتسافًا؟ أو أن له غاية معينة؟

إننا لكي نقتنع بأن القرآن في إيجازه، وفي تفصيله، يهدف إلى تلك الحكمة التشريعية المنزهة -حسبنا أن نتذكر الواقعة التالية:

"فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا أيها الناس، إن الله قد فرض عليكم الحج، فحجوا" فقال رجل: أكلَّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال، رسول الله، صلى الله عليه وسلم:" لو قلت: نعم، لَوَجَبَتْ، ولَمَا استطعتم؛ ثم قال: ذروني ما تركتكم 1، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه" 2 وفي رواية أخرى أكثر تصريحًا، رواها ابن جرير موقوفة عن أبي ثعلبة الخشني، ورُويت مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت

1 يريد أن يقول: لا تستثيروا الوحي، ولا تفتشوا عن شرائع لتضعوها حين لا تجدوها.

2 رواه مسلم، وورد بمعناه في ابن حبان - ذكره السيوطي في الدرِّ المنثور 2/ 335.

ص: 12