الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الخامس: الجهد
مدخل
…
الفصل الخامس: الجهد
الآن وقد ميزنا بصورة كافية، بين عنصرين متميزين في البناء الأخلاقي، هما:"النية" و"العمل"، وبعد أن حددنا الدور المزدوج "للنية"1 يبقى علينا أن نجلو الأهمية الفائقة للعنصر الثاني:"العمل"، وهو السلاح الوحيد، الهجومي والدفاعي، في معركة الفضيلة.
والواقع أن المدد الوحيد في يد الإنسان لكي يصل إلى غاياته، وواجبه الوحيد في الوقت نفسه -منحصر في أن يستعمل قواه المعنوية والمادية، القادرة على هدايته إليها، سواء أكانت الغاية أن يتخذ قرارًا أخلاقيًّا، أو أن ينفذه، وسواء أكان يريد إصلاح خلة باطنية، أو تزكية نية.
وربما كان من غير المفيد، وغير المعقول، على سواء، أن يمارس الإنسان نشاطًا، أيًّا كان، لكي يكسب الفضيلة، لو كانت النفس الإنسانية ذات طبيعة كاملة مكملة، أو إذا كانت هذه الطبيعة برغم ما فيها من نقص، غير قادرة على التطور.
فضرورة تدخلنا المؤثر تنطوي إذن على مسلم مزدوج، هو أن الكائن الأخلاقي قد خلق ناقصًا، وقابلًا للكمال في آن. فهو بذرة تنطوي على جميع عناصر الكائن بأكمله، وتشتمل تقديرًا، وفي حيز القوة، على شروط نموها.
1 من حيث هي شرط صحة، وشرط قيمة للسلوك.
كلها، ولكنها في انتظار ظهور عمل حر وإرادي، حتى تحول هذه الشروط التقديرية إلى واقع فعلي.
فأما أن هذا فعلًا هي حالة الكائن الأخلاقي فذلك هو ما يبدو أن القرآن قد دل عليه دلالة كافية بالآيات الآتية:
فمع أن الإنسان -من ناحية- قد ولد محرومًا من جميع المعارف العقلية والحسية، فإنه قد زود بملكات قادرة على أن تقدم له ما يتمنى من هذه المعارف:{وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ} 1. ومتى ما صاغ الله نفس الإنسان وسواها استودعها فكرتي الخير والشر: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} 2.
فذلكم هو مجموع الوسائل التي تتصرف فيها كل نفس إنسانية، وبفضلها تستطيع أن تتصور مباشرة المثل الأعلى الذي تسعى إليه، وأن تشعر بالرغبة في بلوغه، وأن تلتزم بتحقيقه بذاتها.
وليس ينقص من صدق هذا القول -من ناحية أخرى- أن النفس الإنسانية، على الرغم من وجود استعدادها بكل هذا الجهاز، تظل دائمًا قابلة للترقي، والتردي، للازدهار والذبول، بتأثير إرادتها الخاصة:{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} 3.
ومن ثم تنبع الضرورة الأخلاقية، أن يعمل الإنسان، وأن يتحمل مسئوليته: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ
1 النحل: 78.
2 الشمس: 7 و8.
3 الشمس: 9 و10.
وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} 1.
بيد أن مفهوم "الجهد" لا يتحدد بوساطة "العمل بعامة"، بل "بالعمل المؤثر الفعال" بخاصة، الذي موضوعه:"مقاومة قوة، أو قهر مقاومة"2، وهو تعريف متوافق ابتداء مع المعنى المادي، ولكنه يجب أن يتوافق أيضًا مع المعنى الأخلاقي. والتماثل بين المجالين واضح جلي؛ فعلى صعيد الإبداع الخيِّر يصادف الفكر غالبًا في الموضوع، وفي نفسه، عقبتين ينبغي أن يتخطاهما: خمود المادة التي يجب تحويلها، ونقص الهمة في الإرادة الفاعلة.
والأمر كذلك عندما يجب الامتناع عن الشر، في مواجهة القوى التي تدفعنا إليه. ففي هذه الحالات جميعًا لا يكفي أن "نعمل"، بل يجب أن "نجاهد بقوة وإصرار".
لقد كان وجودنا العضوي والمادي صراعًا مستمرًّا ضد جميع أنواع الشرور، التي نلقاها عن طريق الحياة، حتى الموت3، ولا يفتأ القرآن يذكرنا بهذا الظرف الملازم للطبيعة الإنسانية، في مثل قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ} 4.
ولكن فوق هذا الجهد "الطبيعي" الذي تفرضه الغريزة جهدًا آخر، يقتضيه "العقل"، ويجب أن يسخر لخدمة "المثل الأعلى".
هذا النوع من الجهد، هو الذي نزمع دراسته في الأخلاق الإسلامية.
1 التوبة: 105.
2 dictionnaire littre. article: effort.
3 اقرأ: le philosophie de l'effort: sabatier.
4 الانشقاق: 6.
وأول ما نقوله هو: أن المطالبة باستخدام الطاقة الأخلاقية قد ترددت كثيرًا في القرآن، ففي كل موضع منه نستمع إلى دعوة إلى هذا الجهاد الثابت المستمر، سواء من أجل فعل الخير، ومقاومة الهوى، أو لاحتمال الشرور، وكظم الغضب، أو لأداء واجباتنا الدينية.
والحق أن الله سبحانه وتعالى لا يفرض علينا أي تكليف فوق وسائلنا، ولكن ذلك لا يمنع أنه يحثنا على طاعته "بكل" ما نملك من "قوانا":{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} 1.
والقرآن يدعو إلى أن نبذل هذا النشاط ونمده على طريق التقدم الأخلاقي الصاعد، وهي دعوة يصوغها في تشبيه مجازي جميل، وهو يقول:{فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ} ، ثم يبين حقيقتها:{وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَةٍ، أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ، أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ، ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} 2.
ولم يكتف القرآن بأن يستثير الناس إلى تحقيق هذا الاقتحام الساعد، بل مضى إلى حد أن أدخل فكرة هذا الجهد في تحديد الإيمان الصادق نفسه:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} 3.
فهل بوسع أحد أن يضع الجهد الأخلاقي وضعًا أسمى من هذا؟
ومع ذلك فلسنا نستطيع أن نكتفي بهذه العموميات، فإن فكرًا
1 التغابن: 16.
2 البلد: 11-17.
3 الحجرات: 15.