الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جدليًّا مولعًا بالوضوح، وبالدقة لا يمكن أن يتوقف عند تأكيد مطلق كهذا، دون أن يبحث له عن بعض ما ينقضه، ودون أن يحاول توفيقًا يضع الأمور موضعها الصحيح.
ومن أجل هذا سوف نخضع النقاط الآتية لبحثنا:
1-
هل يجب أن تنفي قيمة الجهد قيمة الانبعاث التلقائي؟
وبأي شرط؟
2-
ما نصيب الجهد العضوي في هذه القيمة؟
3-
أليس للجهد حين يفرض نفسه حد يقف عنده؟
جهد وانبعاث تلقائي
مدخل
…
1-
جهد وانبعاث تلقائي:
كان "سيجور" يقول: إن الإنسان "يفخر بكل ما هو جهد"1.
هذا الاتجاه الفطري إلى تمجيد روح الكفاح والتضحية -وهو اتجاه مشروع في بعض الظروف، إلى درجة معينة- قد يصل أحيانًا إلى حد أن يجعل من هذه الروح غاية أخيرة، وقيمة في ذاتها. فهل بنا من حاجة إلى أن نؤكد رفض هذه الطريقة في النظر؟
إن النشاط الذي لا يبذل إلا من أجل أن يبذل -هو اللعب بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة. وكل جهد جاد يفترض أن يكون له موضوع متميز عنه، يخصه بقيمة معينة، ويعزم أن يسعى إليه، بسبب هذه القيمة التي خصه بها.
1 segur، hist. nap. viii، ii. a. te par littre، art، offort.
ومن خلال علاقته مع "الموضوع المنشود""يكتسب الجهد قيمته" التي تعتبر ذريعته و"واسطته".
بل إن الجهد ليست له على الأخص قيمة أخلاقية إلا من حيث هو وسيلة لتحقيق بعض الخير الأخلاقي. فالشعار الذي يمجد الجهد في ذاته، دون نظر إلى متعلقه؛ الجهد باعتباره تعبيبرًا عن الديناميكية الحيوية، التي تصلح للضر والنفع، على حد قول الشاعر:
إذا أنت لم تنفع فضر فإنما
…
يرجى الفتى كيما يضر وينفع
هو شعار تمليه الغريزة العمياء، لا الضمير الواعي المستنير. ولو كان من الممكن -يومًا- أن نقدر جهد المجرم تقديرًا أخلاقيًّا، كمنبع للخلق والإبداع، فلن يكون ذلك إلا إذا ضربنا صفحًا عن الموضوع الذي يقارفه فعلًا، ثم نظرنا إلى ما لديه من إمكان أن يباشر موضوعًا آخر، أعني أن يسخر نفسه لخدمة الفضيلة.
هناك "موقفان فلسفيان" صرحا بميلهما إلى المبالغة في تقدير هذا الجهد الأخلاقي، وهما، وإن لم يستلهما المبدأ الذي رفضناه قبل، أعني: مبدأ الجهد -بوصفه قيمة في ذاته، فقد جعلا له على الأقل معادلًا عمليًّا.
أما الموقف الأول: فيتحدث على مستوى الوجود، وهو يتمثل في القول بأن النفس الإنسانية عاجزة عن الخضوع للقانون الأخلاقي برضاها الكامل، وبدافع الحب. ولما كان الانتصار على الشر، يكلفنا دائمًا تضحية، ويفرض إكراهًا على ذات الإنسان، فإن الكفاح يصبح في كل مكان وزمان شرطًا في الفضيلة، والوسيلة الوحيدة لاكتساب السلوك الحسن.
وقد راق "كانت" أن يكرر في كتاب "دين في حدود العقل"1،
1 religion dans les limites de Ia raison.
كلمة القديس بولس في رسالته إلى أهل رومية: "كما هو مكتوب، أنه ليس بار، ولا واحد"1.
وتبرز بعض الأقوال في كتابه "نقد العقل العملي" هذه التشاؤمية ذاتها، فهو يقول: إن الدرجة الأخلاقية التي وضع فيها الإنسان
…
هي احترام القانون الأخلاقي، والحالة الأخلاقية التي يمكن أن يكون فيها دائمًا هي الفضيلة، أعني: النية الأخلاقية: "للكفاح"، لا تملك القداسة، وربما كان من تفاهة التفكير والسطحية وشطحات الخيال، أن نخص الروح "بطيبة تلقائية، لا تحتاج إلى محرك يحثها، أو إلى لجام يكبحها"2.
ومع ذلك، فقد تكشف بعض التعبيرات عنده عن نوع من الشك، أقل صرامة، وأكثر تعقلًا، فهو ينكر فقط:"أن يكون في قدرة مخلوق أن ينفذ جميع القوانين، على وجه من الاختيار لا يجد معه في نفسه إمكان شهوة تحثه على مخالفتها، ولو مرة واحدة"3.
ويبدو أنه يوافق أيضًا على إمكان "أن يتحول الخوف الاحترامي إلى ميل، والاحترام إلى حب، وذلك على الأقل هو كمال النية التي تقدس القانون، لو كان في طاقة مخلوق، أن يبلغها، أبدًا"4.
وأما "الموقف الفلسفي" الثاني فلن يذهب إلى حد الإنكار المطلق لقدرة الإنسان على أن يؤدي واجبًا معينًا، عن طواعية وهمة. ولكن العمل المؤدى في هذه الظروف قليل القيمة والثواب في نظره.
1 الإصحاح الثالث 10.
2.
kant، crit. de la raison pratique. p، 89
3 المرجع السابق 88.
4 المرجع السابق 88.
وإذن، فإن بين مصطلحي "الجهد، والقيمة الأخلاقية" علاقة ثابتة، لدرجة أن دقة قياس أحدهما بالآخر يمكن أن تذكر في صورة معادلة: فوجود أحدهما أو عدمه، وزيادته أو نقصه قد تستتبع نفس الأثر في الآخر، بصورة لا يمكن تحاشيها، وبنفس النسبة.
وبقدر ما يكون التزام القاعدة أمرًا لا يمكن تحقيقه إلا ببذل مجهود من الإرادة تتفاوت درجته، فمما لا شك فيه أن كل جهد يدخر يعادل خسارة، بنفس النسبة، في الجزاء. فهل الأمر كذلك في حالة العكس، وهي الحالة التي تسمح فيها القوة الأخلاقية للذات بأن تنهض بتكاليفها دون جهد؟
هذه المسألة موضع خلاف بين الأخلاقيين المسلمين، ومن الذين أدلوا برأيهم بالموافقة، نذكر أصحاب أبي سليمان الداراني، على حين أن علماء البصرة قد أيدوا الرأي المعارض تمامًا1. ولو أننا رجعنا إلى الضمير العام، فلن نعدم أن نلاحظ نفس التعارض، ونفس التردد.
ألا تنطوي هذه الحيرة على تناقض في الفكر الأخلاقي ذاته، وهو تناقض بين طريقتين في التقويم، كلتاهما مشروعة على سبيل الاحتمال؟
أليست العبقرية، وشرف الخلق، والعظمة، وطهارة النفس، كلها موضوع تقدير وإعجاب لدى كل الناس؟
1 ونص هذه المسألة كما وردت في إحياء علوم الدين 4/ 41، قال الإمام الغزالي: "فإن قلت: إذا فرضنا تائبين، أحدهما سكنت نفسه عن النزوع إلى الذنب، والآخر بقي في نفسه نزوع إليه، وهو يجاهدها ويمنعها، فأيهما أفضل؟ فاعلم أن هذا مما اختلف العلماء فيه، فقال أحمد بن أبي الحواري، وأصحاب أبي سليمان الداراني: إن المجاهد أفضل؛ لأن له مع التوبة فضل الجهاد. وقال علماء البصرة: ذلك الآخر أفضل؛ لأنه لو فتر في توبته كان أقرب إلى السلامة من المجاهد، الذي هو في عرضة الفتور عن المجاهدة. وما قاله كل واحد من الفريقين لا يخلو عن حق، وعن قصور عن كمال الحقيقة
…
إلخ". "المعرب".
فإذا قارنا هذه الصفات الفطرية بتلك التي تكتسب بالعمل فهل فعلنا سوى أن قابلنا الصلب بالهش، والدائم بالمؤقت؟
من ذا الذي يتردد في أن يقول: أين يضع ثقته؟
إننا لو خيرنا بين فنانين، أحدهما يؤدي حركاته برشاقة وتلقائية، والآخر لا يستطيع أن يؤدي نفس الحركة إلا بعناء وعرق متصبب، فمن الواضح أن نميز التفوق عن التوسط، ونفضل دائمًا المطبوع على المصنوع.
بيد أننا من ناحية أخرى ننظر إلى القولة المشهورة: "لكل بحسب أعماله" لا على أنها عادلة فحسب، بل على أنها هي العدالة ذاتها بحدها. وإذن، فمن ذا الذي لا يرى أن الصفات الفطرية التي منحتناها الطبيعة ليست من عملنا؟
أليس من واجبنا -إذا قسنا الأمور بهذا المقياس- أن نحتفظ للجهد بكل القيمة، وأن نستبعد من حساب القيمة كل ما كان تلقائيًّا؟
ثم
…
أفلا يترتب على هذا المنطق أن تحتل نفس القديس حينئذ أدنى الدرجات في سلم الجزاء؟ من الذي يسلم بقبول ذلك؟
هل يجب أن ننحاز إلى جانب، في مواجهة هذا التناقض؟ أم أن نبحث عن حل وسط؟
والحق أن الفضيلة في أية مرحلة من مراحل الحياة الأخلاقية ليست ثمرة خالصة من ثمرات الطبيعة المحضة، كما أنها ليست نتيجة الاكتساب المطلق؛ ذلك أن أسوأ الناس، وأكثرهم شرًّا، لا يخلو أن تكون في نفسه بذرة طيبة يستطيع استخدامها في صراعه ضد خلقه الخبيث، كما أن أطهر الأنفس لا تستغني مطلقًا عن بعد الجهد، كيما ترتقي في مراتب الجزاء.
ولقد أثبتت اللغة الفرنسية هذا المقياس المزدوج للقيمة، حين أطلقت كلمة