المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌مقدمة

- ‌مدخل

- ‌ الوضع السابق للمشكلة:

- ‌تقسيم ومنهج

- ‌مدخل

- ‌الجانب العملي:

- ‌الجانب النظري:

- ‌ دراسة مقارنة:

- ‌النظرية الأخلاقية كما يمكن استخلاصها من القرآن

- ‌الفصل الأول: الإلزام

- ‌مدخل

- ‌مصادر الإلزام الأخلاقي

- ‌مدخل

- ‌أولًا: القرآن

- ‌ثانيًا: السُّنة

- ‌ثالثًا: الإجماع

- ‌رابعًا: القياس

- ‌خصائص التكليف الأخلاقي

- ‌مدخل

- ‌ إمكان العمل:

- ‌ اليسر العملي:

- ‌ تحديد الواجبات وتدرجها:

- ‌تنافضات الإلزام

- ‌كانت

- ‌مدخل

- ‌المرحلة الأولى:

- ‌المرحلة الثانية:

- ‌المرحلة الثالثة:

- ‌فردريك روه

- ‌خاتمة:

- ‌الفصل الثاني: المسئولية

- ‌مدخل

- ‌ تحليل الفكرة العامة للمسئولية:

- ‌شروط المسئولية الأخلاقية والدينية

- ‌الطابع الشخصي للمسئولية

- ‌ الأساس القانوني:

- ‌ العنصر الجوهري في العمل:

- ‌ الحرية:

- ‌ الجانب الاجتماعي للمسئولية:

- ‌خاتمة:

- ‌الفصل الثالث: الجزاء

- ‌مدخل

- ‌ الجزاء الأخلاقي:

- ‌ الجزاء القانوني:

- ‌نظام التوجيه القرآني ومكان الجزاء الإلهي

- ‌مدخل

- ‌طرق التوجيه الكتابية:

- ‌نظام التوجيه القرآني:

- ‌النتائج غير الطبيعية "أو الجزاء الإلهي

- ‌الجزاء الإلهي

- ‌مدخل

- ‌ الجزاء الإلهي في العاجلة:

- ‌ الجزاء الإلهي في الحياة الأخرى:

- ‌خاتمة:

- ‌الفصل الرابع: النية والدوافع

- ‌مدخل

- ‌النية

- ‌مدخل

- ‌ النية كشرط للتصديق على الفعل:

- ‌ النية وطبيعة العمل الأخلاقي:

- ‌ فضل النية على العمل:

- ‌ هل تكتفي النية بنفسها

- ‌دوافع العمل

- ‌مدخل

- ‌دور النية في المباشرة وطبيعتها

- ‌ النية الحسنة:

- ‌ براءة النية:

- ‌ النيات السيئة:

- ‌ إخلاص النية واختلاط البواعث:

- ‌خاتمة:

- ‌الفصل الخامس: الجهد

- ‌مدخل

- ‌جهد وانبعاث تلقائي

- ‌مدخل

- ‌ جهد المدافعة:

- ‌ الجهد المبدع:

- ‌الجهد البدني

- ‌مدخل

- ‌ النجدة:

- ‌ الصلاة:

- ‌ الصوم:

- ‌الصبر والعطاء، والعزلة والاختلاط:

- ‌ جهد وترفق:

- ‌خاتمة:

- ‌خاتمة عامة:

- ‌تنبيه:

- ‌الأخلاق العملية

- ‌مدخل

- ‌الفصل الأول: الأخلاق الفردية

- ‌أولًا: الأوامر

- ‌ثانيًا: النواهي

- ‌ثالثًا: مباحات

- ‌رابعًا- المخالفة بالاضطرار:

- ‌الفصل الثاني: الأخلاق الأسرية

- ‌أولًا: واجبات نحو الأصول والفروع

- ‌ثانيًا: واجبات بين الأزواج

- ‌ثالثًا: واجبات نحو الأقارب

- ‌رابعًا: الإرث

- ‌الفصل الثالث: الأخلاق الاجتماعية

- ‌أولًا: المحظورات

- ‌ثانيًا: الأوامر

- ‌ثالثًا: قواعد الأدب

- ‌الفصل الرابع: أخلاق الدولة

- ‌أولًا: العلاقة بين الرئيس والشعب

- ‌ثانيًا: العلاقات الخارجية

- ‌الفصل الخامس: الأخلاق الدينية

- ‌إجمال أمهات الفضائل الإسلامية:

- ‌فهارس الكتاب

- ‌فهرس الأحاديث النبوية الشريفة

- ‌فهرس الأعلام والفرق والقبائل والأماكن:

- ‌قائمة المصطلحات الأجنبية والعربية:

- ‌فهرس الموضوعات

الفصل: ‌الطابع الشخصي للمسئولية

أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} 1. {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} 2، والنبي صلى الله عليه وسلم يعطينا فكرة عن هذه المسألة فيقول: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتي يسأل عن عمره فيم أفناه؟ وعن عمله فيم فعل؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه؟ " 3.

ولو أردنا أن نصوغ قولة تلخص هذه الصفة الشمولية في جانبيها، فلن نجد خيرًا من تلك الكلمة المعروفة التي شبه فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كل فرد من بعض وجوهه بالحارس، أو المدير المسئول عن خير العاملين معه:"كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته؛ الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته" 4 فكل فرد في مجاله مسئول عن حسن سير الأمور، العامة والخاصة، التي وكّلت إليه.

بيد أنه إذا كانت المسئولية الأخلاقية شاملة، فهي مع ذلك، ليست خالية من الشروط، فما تكون إذن شروطها؟ يقدم القرآن هذه الشروط بتفاصيلها، وهي التي سوف نخصص لها الفقرة التالية:

1 الإسراء: 36.

2 التكاثر: 8.

3 الترمذي، كتاب صفات القيامة، باب1.

4 البخاري، كتاب الوصية، باب 9.

ص: 148

‌شروط المسئولية الأخلاقية والدينية

‌الطابع الشخصي للمسئولية

2-

شروط المسئولية الأخلاقية والدينية:

أ- الطابع الشخصي للمسئولية:

أول ما يجب ذكره هو أن المسئولية الأخلاقية والدينية شخصية محضة،

ولسوف يكون من باب الإطالة أن نذكر جميع النصوص القرآنية التي تقر

ص: 148

هذا المبدأ الأساسي، ولذا نجتزئ بعضها، وهي التي تنص على هذه الحقيقة في ألفاظ تامة الوضوح، قوله تعالى في آيات:{لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَت} {وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ} {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} {لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا} {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ} {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} 7.

وينتج من هذا كله، بوضوح، أن الثواب والعقاب لا يمكن أن يتأتى فيهما أي تحويل، أو امتداد، أو اشتراك، أو التباس، حتى بين الآباء والأبناء، وإذا كان آباؤنا وأجدادنا مسئولين مثلًا عن الأمثلة التي لقنوها لنا، والعادات التي أخذناها عنهم. وإذا كنا مسئولين عن الطريقة التي استعملنا بها هذه التركة، فلا يجب مطلقًا أن نتحمل معهم وزر ما عملوا:{تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} 8.

وهكذا محيت بجرة قلم صعوبة الخطيئة الأصلية. فالقرآن لم يرفض فقط أن تنسحب خطيئة الإنسان الأول على كل الناس، ولكن هذه الخطيئة -في القرآن- لا ترتدي هذه الصفة الدنيوية، التي تخصها بها الديانة المسيحية. فإن آدم لم ينقد للخطيئة لخبث في طبيعته، أو سوء في إرادته وليس يكفي أيضًا أن يقال: إنه انقاد لإغراء قوي، بل يجب أن نضيف -تبعًا

1 البقرة: 286.

2 النساء: 111.

3 الإسراء: 15.

4 لقمان: 33.

5 غافر: 17.

6 الأحقاف: 19.

7 النجم: 39.

8 البقرة: 134 و141.

ص: 149

للقرآن- أن هذا الإغراء لم يكن في جوهره ذا طابع مادي، فإن جدّنا الأول قد خدعته كلمات عدو أقسم له تأكيدًا لكلامه. وزعم أنه ينصحه، فاعتقد بسذاجته أن حين يأكل الفاكهة المحرمة فربما يصبح نقيًّا كنقاء الملائكة، خالدًا كخلود الإله:{وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} {وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} 2، ويا لها من غلطة نبيلة!! فمن ذا يطيق ألا يبالي بمثل هذا إذا كان ملتزمًا بأوامر الضمير؟ ولكنه الوهم الكاذب الذي زينه لعينيه ذلك الناصح المنافق. وعلى الرغم من أنه كان منذ البداية محصنًا ضد المكائد المحتملة من عدوه، فقد نسي الإنسان الأول، وجاءت اللحظة التي لم يجد لنفسه فيها إرادة صامدة:{وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} 3.

ومع ذلك فهذا النسيان لا يعتبر بالنسبة إليه عذرًا مقبولًا، كما أن النية الطيبة لا تشفع له كذلك؛ لأن النسيان لم يكن للأمر في ذاته، بل للهدف منه، وأيًّا ما كانت الدوافع النبيلة وراء المخالفة، فإنها لا يمكن أن تعرينا من التزام مطلق واضح المعالم والحدود. وفي هذا النوع من الأمر الحتمي تظهر بوضوح متانة الصرامة "الكانتية" التي لا تسمح بأي استثناء يرد على القاعدة الأخلاقية.

فخطيئة آدم كانت إذن أثرًا من آثار ضعف عارض، وجهد قاصر في مراعاة الواجب. ومن هنا لم تفسد فطرة الإنسان الأول، بحيث تستلزم تدخل "مخلص" غيره نفسه، إذ كان يكفيه أن يعترف بخطيئته، ويظهر ندمه، لا ليغسل دنسه، وتعود إليه سريرته النقية، كما كانت فحسب، ولكن

1 الأعراف: 21.

2 الأعراف: 20.

3 طه: 115.

ص: 150

ليربي هذا التائب الجديد، ويرفع إلى درجة المصطفين الأخيار، {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} 1.

والفطرة الإنسانية ليست على خلاف ذلك، بصفة عامة، حتى إن القرآن يصفها فيقول:{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} 2.

وإن القرآن ليصور لنا أخذ البريء بالمذنب، لا على أنه مضاد للشريعة فحسب، بل هو كذلك غير متوافق مع الفكرة الأساسية للعدالة الإنسانية:{قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ} 3. ومع ذلك فإن في الكتاب حالتين يبدو أنهما قد خرجتا على مبدأ المسئولية الفردية، فقد قيل -من جانب- عن بعض المذنبين: إنهم {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِم} 4.

وقيل من جانب آخر: إن ذريات المؤمنين سوف يعاملون كما يعامل أجدادهم، بشرط أن يكونوا مؤمنين، وذلك قوله تعالى:{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْء} 5. وإذن فلن يكون الثواب والعقاب تبعًا للجهد الفردي فحسب، بل قد ينشأ كذلك من عمل الآخرين. ولا شك أن هذين المثالين جديران في نظرنا بالدراسة، حتى نرى إلى أي مدى يمكن أن يضعفا أو يدعما المبدأ العام.

1 طه: 122.

2 التين: 4-6.

3 يوسف: 79.

4 العنكبوت: 13.

5 الطور: 21.

ص: 151

وأول ما نبدأ به أن نزيح فكرة معينة، هي أنه ليست المسألة هنا مسألة تحويل كلي يحرم به الفرد الرئيسي في المسئولية من ثمرة جهوده، أو يبرأ من نتائج عمله السيئ، هيهات أن يحدث هذا.

والنصوص التي عالجت هاتين الحالتين لم تكف عن تأكيد هذا الواقع.

إن ثواب صاحب العمل وعقابه لا يمكن أن ينقص بهذا: {وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} {وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ} 2. فالمسئوليات الفردية تبقى إذن كاملة، وتلك نقطة مفروغ منها. وكل ما في الأمر أن تذييلًا للثواب والعقاب يأتي -فيما يبدو- من خارج فضلًا عما ينتج من العمل الفردي.

ولكن برغم تحديد المسألة على هذا النحو، فلا يزال هناك نوع من التعارض، مع النصوص الكثيرة التي تنكر -فيما رأينا- إنكارًا مطلقًا، أن ينسب للإنسان ما ليس من عمله.

فما وجه الحقيقة في هذه المسألة؟

وقبل ذلك، ما هذا الثقل الإضافي الذي ينضاف إلى حساب الظالمين؟

ولئن كان النص المذكور آنفًا لم يذكر الظروف التي تتم فيها هذه الإضافة، فإن نصًّا آخر يخصصه ببعض المتكبرين الذين أداروا ظهورهم للهدي الإلهي، وسعوا في إضلال الآخرين. وهؤلاء الأشخاص -فيما يحدث القرآن- سوف يتحملون المسئولية الكاملة عن أعمالهم الخاصة، ويشاركون في مسئولية هؤلاء الذين أضلوهم: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ

1 الطور: 21.

2 العنكبوت: 12.

ص: 152

أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ} 1. فما معنى هذا، إن لم يكن أنهم مسئولون عن الجرائم التي دعوا إليها، مسئوليتهم عما ارتكبوا؟

ونكرر كذلك أن ضحاياهم لن يعفوا مطلقًا من خطيئتهم، التي هي استسلامهم للضلال. وقد أنذرنا القرآن في مواضع كثيرة بأن عبء الأتباع لن يصير أقل ثقلًا، وهو يعبر عن هذه الحقيقة في شكل مناقشة تنشب يوم القيامة بين طائفتي المذنبين، وهي مناقشة يبقى مبدؤها وحلها دائمًا ثابتًا لا يتغير: فالضعفاء الذين يريدون أن يتبرءوا من خطاياهم يلقونها على هؤلاء الذين أوقعوهم في الضلال، على حين أن هؤلاء يبتعدون عنها ويتنصلون منها، وتنتهي المناقشة دائمًا بإدانة الطرفين2. ولكن بما أن الرعاة -فضلًا عن مسلكهم الشخصي- قد أسهموا بقدر معين في معصية القطيع، فإنهم يجدون أنفسهم ذوي مسئولية إضافية، ناشئة عن علاقة السببية التي يتحملونها بالنسبة إلى جرائم أخرى غير جرائمهم. فهم مسئولون من وجهين؛ لأنهم كذلك مذنبون من وجهين، والمجرم الذي يقترف كثيرًا من الفواحش لا يمكن بداهة أن يعامل بنفس الطريقة التي يعامل بها من لم يرتكب سوى واحدة، والله يقول:{الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَْ} 3.

وفي مقابل ذلك، كلما عدمت علاقة السببية أو التوسط بين مسئولين كثيرين وجدنا المسئولية تنكمش، وتتفرد، بالمعنى الدقيق للكلمة، وهو قوله

1 النحل: 25.

2 انظر الآيات 166-167 من البقرة، و 38-39 من الأعراف، و 31-32 من سبأ، و 36 -39 من الزخرف.

3 النحل: 88.

ص: 153

تعالى: {لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} 1، وقوله:{قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ} 2، وقوله:{قُلْ لا تُسْأَلونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} 3.

وإذا كان الأمر كذلك فليس هناك أثر من التعارض، حتى ولا الاستثناء، الذي يرد على القاعدة العامة. ولسوف تقدم لنا دراسة هذه الحالة الأولى -بالعكس- بعض التحديد للطريقة التي يتصور بها الإسلام المسئولية الفردية. إنها فكرة واسعة جدًّا، أكثر اتساعًا من جميع النصوص التي تثيرها، فالإنسان ليس مسئولًا فقط عن الأعمال التي يدعو إليها في صورة تدخل إيجابي ومباشر لدى الآخرين، حين يصدر إليهم أوامر، أو نصائح، أو إيحاءات، وليست المسئولية فقط هي مسئولية القدوة التي تأتي من أعلى لتنتشر بين الجماهير، بفضل مهابة صاحبها وحدها، بل إن كل مبادرة، حسنة أو سيئة، من أية جهة كانت، سيكون لها أهمية لا تتوقف حدودها عند واقعها، أو نتائجها المباشرة، ما دامت صالحة لأن يقتدي بها الآخرون.

ولقد أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مسئولية صاحب العمل المبتدع سوف تتضاعف بقدر ما يحتذي الناس مثاله خلال القرون المقبلة، إلى يوم القيامة، قال:"من سن في الإسلام سُنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سَن في الإسلام سُنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء"4.

1 الشورى: 15.

2 هود: 35.

3 سبأ: 25.

4 مختصر صحيح مسلم للحافظ المنذري، حديث 533، نشر إدارة الشئون الإسلامية بوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت.

ص: 154

وكذلك قال فيما رواه عبد الله بن مسعود: "ليس من نفس تقتل ظلمًا، إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها"1. وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى مؤكدًا هذا المعنى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} 2.

بل إن الأمر ليذهب إلى أبعد من هذا!! فلن نسأل عما قدمت أيدينا فحسب، بل سوف نسأل أيضًا بصورة ما عن تصرفات الآخرين، فنحن مسئولون عن انحراف مسلك أقراننا، حين نتركهم يسيئون دون أن نتدخل بجميع الوسائل المشروعة التي نطبقها، لنمنعهم من الإساءة. وشبيه بهذا أن العمل الاجتماعي السلبي، أو عدم المبالاة -تجرم بنفس درجة العمل الإيجابي فالامتناع هو المشاركة السلبية في الجريمة. وإن القرآن ليحدثنا أن شعبًا قديمًا قد تعرض للعنة على ألسنة الأنبياء، وكان كل ذنبه -حتى يستحق هذه اللعنة- أن المجتمع لم ينكر على بعض أعضائه فعلهم للشر. فقال {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ} 3.

وبهذا نرى أن المسئولية الفردية، على هذه الدرجة من الامتداد، تتاخم، بل وتكاد تندمج في المسئولية الجماعية، ولكنها ليست هي على وجه التحديد؛ لأن الجماعة هنا ليست سوى جملة من الضمائر الفردية المعنية، تعلم

1 البخاري، كتاب الاعتصام، باب 15.

2 المائدة: 32.

3 المائدة: 79.

ص: 155

القاعدة الأخلاقية، وتدرك في الوقت نفسه الأعمال التي انتهكت بها هذه القاعدة، فهي تترك المذنبين من أعضائها مطمئنين، أي: إنها لا تبالي حتى بأن تتخذ حيالهم موقف اللوم الصريح. وبعكس ذلك هؤلاء الذين يقومون بأقل جهد، سواء بتذكير المذنب بواجبه، أو بمقاطعته، فأولئك سوف ينجون:{هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ} {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ} 2.

وليس هذا هو كل شيء، فليست الأعمال الواعية التي نثيرها في المجتمع بسلوكنا فحسب، ولكن نتائجها الطبيعية البعيدة سوف تدخل فيها، وتضخم معناها. إن السعادة أو الشقاء الذين يمكن أن يصيبا الإنسانية من عمل يتم عن غير قصد، بل وقد لا يراه صاحبه مفصلًا، ولا يقدره قدره -سوف يضمان إلى الرصيد الإيجابي أو السلبي لصاحبهما، حتى لو لم يحدثا إلا بعد موته، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث؛ صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"3.

وهنا نصل إلى الحالة الثانية، التي تظل عصية على كل هذه التفسيرات، ذلك أننا قد نفهم -إذا لزم الأمر- أن أولادنا، لما كانوا أعمالنا، فإن نشاطهم يستمر ويكمل نشاطنا، ومن ثم كانوا مضافين إلى حسابنا، ولكن كيف نسوغ القضية العكسية؟ لسوف يكون خطأ زمنيًّا أن ننسب هنا علاقة سببية تشركهم في أعمال تمت قبل ميلادهم، وهي تشرع مساواتهم مع أسلافهم أمام العدالة العلوية. ومع ذلك فلسنا ندري كيف نوفق بين النص الذي يبدو أنه يعلن هذه المساواة، وهو قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ

1 الأنعام: 47.

2 الأعراف: 165.

3 صحيح مسلم، كتاب الوصية، باب 3.

ص: 156

مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} 1، وبين النصوص الأخرى، وبخاصة قوله تعالى:{تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} 2، وقوله:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا} 3، وهي تقرر العكس تمامًا. واقرأ الحديث المشهور عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه"4.

لقد قال المفسرون، كيما يتخلصوا من هذا التعارض، إن آية الطور الأولى لا تتعلق مطلقًا بمجازاة، ولكنه محض فضل يسبغه الله عليهم، غير الجزاء المستحق لهم، وعليهم فهم يضيفون أن فضلًا من هذا القبيل لا يصح أن يخضع لقاعدة. وكل ما تريده الأخلاق هو ألا يحرم شخص من حقوقه:{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} 6، فإذا ما قدمت العدالة المطلقة لكل إنسان حقه فلا شيء يحول دون أن ينعم الله على من يشاء بأكثر مما يستحق.

ولقد نستطيع أن نعترض أولًا بأن مجرد رفع المقصر إلى درجة يستحقها المتقدم ربما يخلق لدى هذا الأخير نوعًا من المساس بكرامته، إن صح التعبير، قد يتحرك في نفسه غضب مشروع، حين يرى نفسه متساويًا مع آخر أدنى منه أخلاقيًّا.

1 الطور: 21.

2 البقرة: 134.

3 لقمان: 33.

4 صحيح مسلم، كتاب الذكر، باب 11.

5 الزلزلة 7-8.

6 الأنبياء: 47.

ص: 157

والحق أن الاعتراض من هذا الجانب العاطفي ليس دقيقًا؛ لأنه ليس عسيرًا أن نجيب عليه بأن مسألة المنافسة لا موضع لها في جنة الله. وقلوب السعداء منزوع منها كل حقد، أو تحاسد فيما بينها:{وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ} 1، وبأنه، حتى في هذه الحياة، يجب استبعاد كل أثرة بين السلف والخلف، وبخاصة من ناحية الأولين؛ فإن الآباء يشهدون دائمًا أنهم لا يجدون سوى الرضا الكامل، حين يرون أولادهم يتمتعون بمثل ما ذاقوا من سعادة، إن لم يكن بأكثر منه.

ولكن، لنفترض أن العالم كله قد حصل على هذا الرضا، أفترضى العدالة في ذاتها بهذا؟ ولماذا الإحسان إلى بعض الناس، وعدم الإحسان إلى الآخرين بنفس القدر؟ ألم يكن للكرم أيضًا حق في عدم المحاباة؟

لقد كان هدف جميع محاولات المفسرين أن يسوغوا الحكم الإلهي الذي يسوي "في الواقع" بين طرفين غير متساويين "في الحق" بحسب طبيعتهما الخاصة، وبدا لنا أكثر مشروعية -قبل أن نحاول تقديم تسويغ- أن نسأل أنفسنا أولًا عما إذا كانت مساواة من هذا القبيل مستفادة من النص المذكور.

إننا حين نرجع إلى النص العربي نلاحظ أن كلمة "ألحق" يمكن أن تفسر بمعنى "شبه" أو بمعنى "أتبع وضم"، فإذا لم يكن في السياق شيء يحتم أحد هذين المعنيين، فإن هناك مع ذلك عدة اعتبارات لغوية وأخرى ذات طابع عقلي، تدفعنا إلى أن نختار المعنى الأخير.

ومن المقرر، كقاعدة عامة، فيما يتعلق بتفسير الألفاظ الملتبسة، أنه يجب أن نحملها بقدر الإمكان على المعنى الحقيقي، وهو أقل التباسًا. فإذا كان حقًّا أن أحد المعنيين مادي محسوس، والآخر مجرد، ذو طابع أخلاقي، وهو لا يكون غالبًا إلا بوساطة القياس، فإن المعنى الأولي بأن نأخذ به.

1 الحجر: 47.

ص: 158

في حالتنا سوف يكون هو "الضم"، وهو في الوقت نفسه، أكثر تأكدًا بما أن التفسيرين يتفقان في مضمونه، على حين أن معنى التشبيه لا يحتمل سوى شيء واحد.

بيد أن لدينا من وراء هذه الاعتبارات العامة -نصوصًا تعالج حالات شبيهة، ولم يحدث أن تعرضت لذكر المعاملة على قدم المساواة، وإنما ذكرت مجرد الاشتراك المعبر عنه بلفظة "مع"، وقد ورد هذا في القرآن:{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ} 1، كما ورد في كثير من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقرر أن المتحابين في الله سوف يجتمعان في الجنة:"أنت مع من أحببت" و "المرء مع من أحب"2. فنحن نرى إذن أن المثال الذي نتناوله بالبحث ليس سوى حالة خاصة لهذا المفهوم العام، الذي هو الحب في الله، فهؤلاء الأولاد الذين لا يكتفون ببنوتهم الطبيعية، حتى يضيفوا إليها بنوة روحية، لماذا لا يستطيعون أن يعملوا على تحقيق مثلهم الأعلى باجتماعهم في الله، كيما يحرزوا حق الاجتماع في نفس المنزلة مع من اتخذوهم قدوة، حين اتبعوهم في الواقع بصورة تتفاوت في درجة كمالها؟ أليس فصلهم عنهم إنكارًا لقيمة هذا الحب؟ وعليه، فإن هذا الاتحاد في جنة الله لا ينفي مطلقًا التدرج في الجزاء. ولا يستتبع بالضرورة اختلاطًا في القيم؛ فنحن ندرك جيدًا أن أعضاء جمعية واحدة متدرجون في مناصبهم، مختلفون في وظائفهم، متفاوتون في استحقاقهم، شأن القطار الذي يقل مجموعة مختلفة من طوائف المسافرين.

فإذا فسرنا الآية على هذا النحو، وقابلناها كما ينبغي بمجموع النصوص الأخرى، فإنها لا تحتوي أدنى تضارب مع المبدأ العام، مبدأ المسئولية التي تظل فردية، على وجه الخصوص.

1 النساء: 69.

2 البخاري، كتاب الأدب، باب 96.

ص: 159

وهنالك اعتراض أخير، قد يثار ضد هذا المبدأ، وهو ما يمكن أن يستقى من فكرة "الشفاعة" بمعنى "التوسط عند الله يوم القيامة، سواء من ناحية الملائكة، أو الأنبياء، من أجل الصالحين، أو من ناحية المؤمنين من أجل إخوانهم". وهي فكرة نجد أصلها في كثير من الأحاديث التي عرفت بأنها صحيحة.

فما دور هذا التدخل، وما أهميته؟ إذا حكمنا عليه قياسًا على ما يحدث أمامنا في هذه الدنيا فسوف نقول بأن مصير المشفوع له يمكن أن يتعرض لتغيير جذري أو لتعديل، تحت إلحاح الشفيع، أو ضغطه. وأن هذا المصير سوف يكون شيئًا آخر غير ما يستحق، وغير ما كان قد قدر بدون هذا التدخل. وإذن فهو فضل غير مستحق، أو جزاء يأتي من خارج. وفكرة الشفاعة بهذه الصورة تتضمن أخطاء فادحة، إنها من صميم الوثنية العربية التي كانت مهمة الإسلام الأولى أن يجاهدها، والتي وقف القرآن ضدها من أوله إلى آخره. واقرأ معي هذه الآيات الكريمة:{مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} {مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ} {وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} {لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} {وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} {وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ} {وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} {وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} 10، {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} 11. ومجموع هذه النصوص يستخلص منه

1 البقرة: 225.

2 يونس: 3.

3 الرعد: 41.

4 طه: 109.

5 الأنبياء: 28.

6 المؤمنون: 88.

7 سبأ: 23.

8 الزمر: 44.

9 الزخرف: 86.

10 النجم: 26.

11 النبأ 38.

ص: 160

تعريف يحدد مفهوم الشفاعة، الذي يختلف كثيرًا عن المفهوم الذي ذكرنا آنفًا. فللشفاعة في هذه النصوص ثلاثة شروط:

1-

أن الشفيع لا يقترح التدخل، ولا يسمح لنفسه بأن يتدخل من تلقاء نفسه، وإنما الله هو الذي بيده الأمر، فهو الذي يأذن له بالكلام.

2-

أن الشفيع لا يتدخل إلا من أجل من يرتضي الله سبحانه قبوله.

3-

أن الشفيع لا يتصرف على أساس جاهه عند الحاكم الأعلى، بل إنه يدافع عن المشفوع له متوسلًا ببعض فضائله، وهو توسل ينبغي أن يطابق الواقع، فها نحن أولاء نرى أن دور الشفيع لا يعدو أن يكون دور شاهد نفي، أو مِدْرَه موثوق به، مهمته إكمال جهاز العدالة المعقد، وعمل الشفيع في هذه المهمة الجليلة أن يعلن الصفات والحسنات الصالحة التي تعوض سيئات المؤمنين، وأن يبرر العفو عنهم، أو استحقاقهم للمثوبة.

وهكذا نرى أن الشفاعة بهذا المعنى، تسبغ شرفًا مزدوجًا على المدافع والمدافع عنه. ولكن هيهات أن تكون القضية دائمًا رابحة؛ ذلك أن أحاديث الشفاعة نفسها تذكر لنا حالات أخطأ فيها الشفيع في صحة الوقائع المروية، وحينئذ ينسحب الدفاع، ويتنازل عن مسعاه بمجرد علمه بالحقيقة.

وهذا هو ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم عن نفسه من أنه في ذلك اليوم سوف يطلب تبرئة بعض الناس الذين يعرفهم كأصحابه؛ خلال حياته في الدنيا، فيقال له:"إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك"، فيقول:"سحقًا سحقًا"1.

وهكذا نجد أن الحكم يصدر دائمًا تبعًا لفضائل المحكوم عليه، لا على أساس التوسلات. ومهما بذلنا من جهود مضاعفة، ودعوات ورجوات من

1 البخاري، كتاب الفتن، باب 1.

ص: 161

أجل من نحبهم، أو نعطف عليهم، فلا يعدو ذلك أن يكون لفتة جميلة، وهو واجب علينا، ولكن ليس هذا هو الذي سينقذهم. فإذا ما بلغت جهودنا غايتها، واستجيبت دعواتنا، فذلك لأنهم يستحقون رضا الله، تبعًا لشرائعه، ولم تكن دعواتنا سوى فرصة تتجلى فيها الإرادة المقدسة، التي كانت حتى ذلك الحين محتجبة.

ولسنا نجد في أي مكان في القرآن الكريم ثوابًا مستعارًا، أو زينة مزيفة، أو عنوانًا على فراغ جواني، فليس ثوابًا إلا من كان ثمرة ناضجة لموقفنا المتعاطف تجاه شرع الله.

ومع ذلك فلا ننس أن هذا الموقف قائم على الكيف، أكثر منه على الكم، فالله يقول:{قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ} 1، ولما كانت هذه القيمة الكيفية متعلقة بألف شرط، فإن العمل الجواني بخاصة هو الذي يصل إلى أعلى درجاتها، ولذلك قال الرسول:"التقوى ههنا"، وهو يشير بإصبعه إلى قلبه2، ومن أجل هذا لا نملك القول مسبقًا بأن عملًا معينًا ستكون له هذه الميزة التي تجبُّ خطأ معينًا، إذ لما كنا لا نتصرف في نظام الموازين والمقاييس الذي سيزن الله سبحانه به القلوب، فنحن عاجزون عن أن نحكم على الناس بنفس الطريقة التي سوف يحكم الله بها عليهم، عجزنا عن أن نحكم على أنفسنا بأنفسنا، {فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} 3.

بيد أن جهلنا بالتفاصيل لا يمتد إلى المبدأ الذي يجعل من السلوك الفردي الأساسي الوحيد للتقدير الأخلاقي وما يتبعه من أنواع الجزاء: فالله سبحانه يقول: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} 4.

1 المائدة: 100.

2 مسلم، كتاب البر، باب 7.

3 النجم: 32.

4 النجم: 39.

ص: 162