الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشبهة الرابعة والعشرون:
كَانَتْ امْرَأَتُهُ يَوْمَئِذٍ خَادِمَهُمْ وَهِيَ الْعَرُوسُ:
قالوا: لا مانع من دخول المرأة على ضيوف زوجها، مع وجوده، وتقديم الشاي وغيره للضيوف، والجلوس معهم، ويحتجون لذلك بحديث رواه البخاري ومسلم عن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه قَالَ:«لَمَّا عَرَّسَ أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ دَعَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم وَأَصْحَابَهُ فَمَا صَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا وَلَا قَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ إِلَّا امْرَأَتُهُ ـ أُمُّ أُسَيْدٍ ـ بَلَّتْ تَمَرَاتٍ فِي تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ مِنْ اللَّيْلِ فَلَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم مِنْ الطَّعَامِ أَمَاثَتْهُ لَهُ فَسَقَتْهُ تُتْحِفُهُ بِذَلِكَ» . (هذا لفظ البخاري).
ولفظ مسلم: «دَعَا أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِي عُرْسِهِ فَكَانَتْ امْرَأَتُهُ يَوْمَئِذٍ خَادِمَهُمْ وَهِيَ الْعَرُوسُ» ، قَالَ سَهْلٌ:«تَدْرُونَ مَا سَقَتْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم؟ أَنْقَعَتْ لَهُ تَمَرَاتٍ مِنْ اللَّيْلِ فِي تَوْرٍ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم مِنْ الطَّعَامِ أَمَاثَتْهُ فَسَقَتْهُ تَخُصُّهُ بِذَلِكَ» (1).
الجواب:
1 -
كان ذلك قبل نزول الحجاب؛ قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث من (صحيح مسلم): «هَذَا مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْل الْحِجَاب، وَيَبْعُد حَمْله عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مَسْتُورَة الْبَشَرَة» (2).
وقال بدر الدين العيني في (عمدة القاري) في شرحه لهذا الحديث من صحيح البخاري: «كان ذلك قبل نزول الحجاب» (3).
(1)(لَمَّا عَرَّسَ) أيْ: دَخَلَ بِزَوْجَتِهِ. (بَلَّتْ تَمَرَات) أَيْ أَنْقَعَتْ. (فِي تَوْر) إِنَاء يَكُون مِنْ نُحَاس وَغَيْره، وَقَدْ بَيَّنَ هُنَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ حِجَارَة. (أَمَاثَتْهُ):عَرَكَتْهُ وَاسْتَخْرَجَتْ قُوَّته وَأَذَابَتْهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُول: أَيْ لَيَّنَتْهُ، وَهُوَ مَحْمُول عَلَى مَعْنَى الْأَوَّل. (تَخُصّهُ) مِنْ التَّخْصِيص، (تُتْحِفهُ) مِنْ الْإِتْحَاف، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ، يُقَال: أَتْحَفَتْهُ بِهِ إِذَا خَصَّصَتْهُ وَأَطْرَفَتْهُ. (بتصرف من فتح الباري لابن حجر، وشرح النووي على صحيح مسلم، وآداب الزفاف للألباني).
(2)
شرح صحيح مسلم (12/ 177).
(3)
عمدة القاري (29/ 387).
2 -
على فرض أنه كان بعد الحجاب فيحمل ما جاء في حديث سهل في إعداد امرأة أبي أسيد الطعام والشراب لضيوفه، وتقديمه لهم على أنها كانت متسترة، وأن الفتنة مأمونة، ولم تحصل خلوة ولا اختلاط، إنما كان منها مجرد إعداد وتهيئة شراب، وتقديمه لضيوف زوجها دون جلوسها معهم، إذ ليس في الحديث ما يدل على جلوسها معهم (1).
3 -
بيَّن الحديث وجود محرم للمرأة ـ وهو أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ ـ ولذلك اشترط الفقهاء لضيافة المرأة للرجال وجود المحرم، واشترطوا أيضًا أمْن الفتنة فإذا لم تؤمن الفتنة حرم ذلك.
قال الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث من (صحيح البخاري): «وَفِي الْحَدِيث جَوَاز خِدْمَة الْمَرْأَة زَوْجهَا وَمَنْ يَدْعُوهُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلّ ذَلِكَ عِنْد أَمْن الْفِتْنَة وَمُرَاعَاة مَا يَجِب عَلَيْهَا مِنْ السِّتْر» (2).
فهل الاختلاط في العمل والتعليم وغير ذلك يكون بوجود المحرم؟! وهل الفتنة مأمونة حتى يقاس هذا على ذاك.
قال الشيخ الألباني بعد أن نقل كلام الحافظ ابن حجر: «ولكن يجب أن لا ننسى الشروط التي ذكرناها في صدر البحث التي مِن التمسكِ بها جَعْلُ هذه الإباحة نظرية غير عملية في كثير من المدن اليوم لخروج أكثر نسائها عن آداب الشريعة في ألبستهن وحشمتهن» (3).
4 -
يجب ملاحظة أن ما حصل هو لقاء عارض ومحدود، فأين هذا من الساعات الطوال
(1) باختصار من فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (17/ 84).
(2)
فتح الباري (9/ 250).
(3)
آداب الزفاف، (هامش ص 178).
التي تقضيها المرأة مع زميلها في العمل، أو الطالب مع زميلته في قاعة الدراسة (1).
5 -
لم يرِدْ في هذا الحديث أن زوجة أبي أسيد برزت أمام الرجال سافرة بادية الجسم والزينة، وهذا ما لا يمكن أن يعثر عليه، وما لا دليل عليه في الحديث.
وإن قول القائل: «قامت العروس بنفسها تقدم الشراب إلى رسول الله، إذًا فللمرأة أن تعرض زينتها ومفاتنها أمام الرجال» ليس إلا كقول الآخر: «لقد شرع الله التجارة بالمال والسعي في الأرض من أجل الرزق، إذًا فلا بأس أن يخدع ويغش» (2).
(1) راجع: هل يقاس اختلاط التعليم والعمل على الاختلاط العابر؟ ص 78 من هذا الكتاب.
(2)
إلى كل فتاة تؤمن بالله، للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي (ص 77).