الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشبهة الثالثة والثلاثون:
حديث فاطمة بنت قيس
رضي الله عنها:
عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ وَهُوَ غَائِبٌ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ فَسَخِطَتْهُ فَقَالَ: «وَاللهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ» ، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ:«لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ» ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ «تِلْكِ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي؛ اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ» .
(رواه مسلم).
الجواب:
1 -
الحديث نفسه دليل على منع الاختلاط فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمرها أن تعتَدّ عند ابن عمها عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه ـ وهو رجل أعمى ـ لِئَلّا يراها الرجال.
ولو كان الأمر كما يظن دعاة الاختلاط لَتَرَكها النبي صلى الله عليه وآله وسلم تعتد عند أم شريك، فتجلسَ مع الرجال وتحادثَهم.
2 -
هل هناك حرج في كَوْن أم شريك تفتح بيتها للضيفان ويقوم محارمها بإكرامهم والقيام على شؤونهم؟!!
3 -
لم يأت في الحديث التصريح بأن أم شريك هي التي كانت تقوم بالخدمة وتقديم الطعام للرجال (1).
4 -
هل غشيان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها يلزم معه الدخول عليها أو تخدمهم في باحة بيتها، فإن بيوتهم كانت حُجرًا مسقوفة، يتصل بها باحة صغيرة مكشوفة يجلس فيها الزوار، وهكذا كانت حُجرات أمهات المؤمنين، ومن ظن أن حجراتهم غُرف بلا
(1) انظر: الرد على أحمد الغامدي ومن وافقه في إباحة الاختلاط، للدكتور محمد بن عبد الله الهبدان.
باحات فقد غلطَ وجهل (1).
فالحديث ليس صريحًا في الدلالة على اختلاط أم شريك بالرجال، ومن زعم أنها كانت تجلس مع الرجال، فليأت بدليل صريح على ذلك، فغاية ما في الحديث أنها كانت كثيرة الضيفان، كما دلت عليه رواية أخرى لمسلم:«وَأُمُّ شَرِيكٍ امْرَأَةٌ غَنِيَّةٌ مِنَ الأَنْصَارِ عَظِيمَةُ النَّفَقَةِ فِى سَبِيلِ اللهِ يَنْزِلُ عَلَيْهَا الضِّيفَانُ» ، وخدمة الضيفان من الممكن أن تتم عن طريق المحارم أو العبيد.
والسؤال هنا:
لماذا منع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة بنت قيس رضي الله عنها أن يراها الناس عند أم شريك في الوقت الذي صرح فيه بأن أم شريك امرأة يغشاها أصحابه المحتاجون إلى نفقتها وضيافتها؟
والجواب:
إن أم شريك امرأة عجوز من القواعد من النساء اللاتي يجوز لهن ما لا يجوز لغيرهن.
قال الإمام ابن عبد البر: «وأما قوله «وأما قوله: «
…
تِلْكِ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي؛ اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ» ففيه دليل على أن المرأة المُتَجَالة العجوز الصالحة جائز أن يغشاها الرجال في بيتها ويتحدثون عندها، وكذلك لها أن تغشاهم في بيوتهم، ويرونها، وتراهم فيما يحِلّ ويجْمُل وينفع ولا يضر، قال الله عز وجل:{وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} (النور:60)» (2).
(1) الاختلاط وأهل الخلط للشيخ عبد العزيز بن مرزوق الطريفي.
(2)
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار وشرح ذلك كله بالإيجاز والاختصار. (6/ 167).
وقال أيضًا: «وأما قوله: «تِلْكِ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي؛ اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ» ، ففيه دليل على أن المرأة الصالحة المتَجَالّة لا بأس أن يغشاها الرجال ويتحدثون عندها» (1).
والمتَجَالّة هي المرأة التي قد تَجالَّتْ، أَي أَسَنَّت وكَبِرَتْ وعجزت (2).
3 -
لم يعلق العلماء على انتقال فاطمة إلى بيت ابن عمها بأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه هل في ذلك خلوة أم لا؟ لأن هذا الأمر معلوم عندهم بالضرورة، فلا يصح أبدًا أن ينقلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الرمضاء إلى النار ـ بمعنى أنه لا يمنعها من نظرة فينقلها إلى خلوة وإنما ينقلها إلى حيث الأمان من الخلوة ومن النظر وغيره.
4 -
يفهم دعاة الاختلاط هذا الحديث في ضوء ما يحدث في الوقت الحاضر من اختلاط النساء بغير محارمهن من الضيوف وغيرهم، وأنَّى لهم ذلك، وإن من التعسف فهم الحديث في ضوء واقعنا المعاصر حيث الأصل اختلاط النساء بالرجال غير المحارم، والاحتجاب هو الاستثناء.
إن احتجاب النساء عن الرجال الأجانب ظل هو الأصل حتى أواخر القرن التاسع عشر الميلادي وبدايات القرن العشرين الميلادي عندما بدأ بعض المغرورين ينخدع بحركة ما يسمى (تحرير المرأة).
وإذا قرأت ما سطره علماء الحملة الفرنسية الصليبية على مصر، من وصف للمجتمع المصري في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي وبداية القرن التاسع عشر، وجدت أن ستر الوجه عند الخروج من المنزل، وعدم الاختلاط حتى داخل البيوت كان هو الأصل عند حكام البلاد وعامة الشعب.
(1) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (19/ 153).
(2)
لسان العرب، (مادة: جلل).
ومما قالوه: «النساء في كل الظروف لا يخرجن مطلقًا سافرات الوجوه، بل يغطين وجوههن بالبرقع
…
ولا يدخل الرجال مطلقًا ـ فيما عدا بعض الأهل الأقربين ـ إلى مسكن السيدات
…
ولم يستطع الرحالة السابقون على الغزو أن يتعرفوا على أحوال سيدات الطبقة المسيطرة، وذهبت أدراج الرياح كل توسلاتهم اللحوح؛ فلم يكن عظماء مصر ليسمحوا لأحد بأن يتطلع إلى جمال زوجاتهم» (1).
فإذا كان هذا حال المسلمين في تلك القرون فما ظنك بخير القرون الذي عاش فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
(1) وصف مصر (1/ 64 - 65) تأليف ج دي شابرول، ترجمة زهير الشايب.
الشبهة الرابعة والثلاثون:
هل سافرت بنتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع غير محارمها؟
قصة طلب النبى صلى الله عليه وآله وسلم من العاص بن الربيع زوج ابنته زينب رضي الله عنها أن يرسلها من مكة حينما يصل بعد إطلاق سراحه وأرسل النبى صلى الله عليه وآله وسلم زيدًا بن حارثة ورجُلًا من الأنصار ليأتيا بها، كيف تسافر زينب رضي الله عنها من مكة إلى المدينة فى صحبة رجلين أجنبيَّيْن عنها، وكان هذا بعلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟
الجواب:
1 -
يمكن ان يجاب بأن هذا السفر كان قبل نزول الحكم، كان هذا قبل فرض الحجاب وقبل المنع.
2 -
وحتى لو كان بعد المنع فهذا السفر يسمى سفر الهجرة ، وهو مما أجمع أهل العلم على جواز سفر المرأة فيها بمفردها إذا أمنت الفتنة، لأن الهجرة واجبة.
نص الحديث: عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «لَمَّا بَعَثَ أَهْلُ مَكَّةَ فِي فِدَاءِ أَسْرَاهُمْ بَعَثَتْ زَيْنَبُ فِي فِدَاءِ أَبِي الْعَاصِ بِمَالٍ وَبَعَثَتْ فِيهِ بِقِلَادَةٍ لَهَا كَانَتْ عِنْدَ خَدِيجَةَ أَدْخَلَتْهَا بِهَا عَلَى أَبِي الْعَاصِ.
قَالَتْ: فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم رَقَّ لَهَا رِقَّةً شَدِيدَةً، وَقَالَ:«إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا الَّذِي لَهَا» ، فَقَالُوا:«نَعَمْ» ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَخَذَ عَلَيْهِ أَوْ وَعَدَهُ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَ زَيْنَبَ إِلَيْهِ وَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَرَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ:«كُونَا بِبَطْنِ يَأْجَجَ حَتَّى تَمُرَّ بِكُمَا زَيْنَبُ فَتَصْحَبَاهَا حَتَّى تَأْتِيَا بِهَا» (رواه أبو داود وحسنه الألباني).
قَالَ صَاحِبُ عَوْنِ الْمَعْبُودِ: (لَمَّا بَعَثَ أَهْل مَكَّة فِي فِدَاء أُسَرَائِهِمْ): جَمْع أَسِير، وَذَلِكَ حِين غَلَبَ النَّبِيّ صلى الله عليه وآله وسلم يَوْم بَدْر فَقَتَلَ بَعْضهمْ وَأَسَرَ بَعْضهمْ وَطَلَبَ مِنْهُمْ الْفِدَاء.
(بَعَثْت زَيْنَب): أَيْ بِنْت رَسُول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم. (فِي فِدَاء أَبِي الْعَاصِ): أَيْ زَوْجهَا.
(بِقِلَادَةٍ) هِيَ مَا يُجْعَل فِي الْعُنُق. (كَانَتْ): أَيْ الْقِلَادَة.
(أَدْخَلَتْهَا): أَيْ أَدْخَلَتْ خَدِيجَة الْقِلَادَة. (بِهَا): أَيْ مَعَ زَيْنَب.
(عَلَى أَبِي الْعَاصِ): وَالْمَعْنَى دَفَعَتْهَا إِلَيْهَا حِين دَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو الْعَاصِ وَزُفَّتْ إِلَيْهِ
(فَلَمَّا رَآهَا): أَيْ الْقِلَادَة. (رَقَّ لَهَا): أَيْ لِزَيْنَب يَعْنِي لِغُرْبَتِهَا وَوَحْدَتهَا، وَتَذَكَّرَ عَهْد خَدِيجَة وَصُحْبَتهَا، فَإِنَّ الْقِلَادَة كَانَتْ لَهَا وَفِي عُنُقهَا.
(قَالَ): أَيْ لِأَصْحَابِهِ (إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا): أَيْ لِزَيْنَب (أَسِيرهَا): يَعْنِي زَوْجهَا (وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا الَّذِي لَهَا): أَيْ مَا أَرْسَلْت.
قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَفْعُول الثَّانِي لِرَأَيْتُمْ وَجَوَاب الشَّرْط مَحْذُوفَانِ أَيْ إِنْ رَأَيْتُمْ الْإِطْلَاق وَالرَّدّ حَسَنًا فَافْعَلُوهُمَا.
(قَالُوا نَعَمْ): أَيْ رَأَيْنَا ذَلِكَ. (أَخَذَ عَلَيْهِ): أَيْ عَلَى أَبِي الْعَاصِ عَهْدًا. (أَنْ يُخَلِّي سَبِيل زَيْنَب إِلَيْهِ): أَيْ يُرْسِلهَا إِلَى النَّبِيّ صلى الله عليه وآله وسلم وَيَأْذَن بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَة.
قَالَ الْقَاضِي: وَكَانَتْ تَحْت أَبِي الْعَاصِ زَوْجهَا مِنْهُ قَبْل الْمَبْعَث.
(كُونَا): أَيْ قِفَا. (بِبَطْنِ يَأْجِجَ):هُوَ مَوْضِع قَرِيب مِنْ التَّنْعِيم، وَقِيلَ مَوْضِع أَمَام مَسْجِد عَائِشَة. وَقَالَ الْقَاضِي: بَطْن يَأْجِجَ مِنْ بُطُون الْأَوْدِيَة الَّتِي حَوْل الْحَرَم، وَالْبَطْن الْمُنْخَفِض مِنْ الْأَرْض.
(حَتَّى تَمُرّ بِكُمَا زَيْنَب): أَيْ مَعَ مَنْ يَصْحَبُهَا. (حَتَّى تَأْتِيَا بِهَا): أَيْ إِلَى الْمَدِينَة.
وَفِيهِ دَلِيل عَلَى جَوَاز خُرُوج الْمَرْأَة الشَّابَّة الْبَالِغَة مَعَ غَيْر ذِي مَحْرَم لِضَرُورَةٍ دَاعِيَة لَا سَبِيل لَهَا إِلَّا إِلَى ذَلِكَ. كَذَا فِي الشَّرْح (1)» اهـ.
فهذا من سفر الهجرة.
وقال الإمام النووي رحمه الله في شرحه لباب (سَفَرِ الْمَرْأَةِ مَعَ مَحْرَمٍ إِلَى حَجٍّ وَغَيْرِهِ) من صحيح مسلم: «قَالَ الْقَاضِي (أي القاضي عياض رحمه الله): «وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْرُج فِي غَيْر الْحَجّ وَالْعُمْرَة إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَم إِلَّا الْهِجْرَة مِنْ دَار الْحَرْب، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ عَلَيْهَا أَنْ تُهَاجِر مِنْهَا إِلَى دَار الْإِسْلَام وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا مَحْرَم، وَالْفَرْق بَيْنهمَا أَنَّ إِقَامَتهَا فِي دَار الْكُفْر حَرَام إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ إِظْهَار الدِّين، وَتَخْشَى عَلَى دِينهَا وَنَفْسهَا» (2).
والقاعدة الشرعية: (الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ) فمتى ما وجدت الضرورة جاز فعل المحظور، وإذا كانت الضرورة تبيح المحَرَّم قطعيًّا كأكل الميتة بنص الكتاب، فما كان تحريمه تحريم وسيلة أولى، فمنع المرأة من سفرها بدون محرم ليس كتحريم شرب الخمر والميتة والزنا، بل هو كتحريم النظر إلى المرأة الأجنبية، فكما أنه يجوز النظر إلى الأجنبية في الشهادة والتطبب بشرطه، جاز السفر للهجرة بالإجماع، ويبقى النظر في الضرورة.
3 -
ذكر الامام الطحاوى فى (مشكل الآثار) أن زيدَ بنَ حارثة كان أخاها بالتّبَنّى (قبل تحريم التَّبَنّى) ولذا فقد كان محرمًا لها وقتئذ؛ فهنا لا إشكال.
قال رحمه الله: «
…
عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم لَمَّا قَدِمَ
(1) قوله (كذا في الشرح) أي (غاية المقصود في حل سنن أبي داوود) لأبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي الهندي.
(2)
شرح صحيح مسلم (9/ 104).
الْمَدِينَةَ، خَرَجَتْ ابْنَتُهُ مِنْ مَكَّةَ مَعَ بَنِي كِنَانَةَ، فَخَرَجُوا فِي أَثَرِهَا، فَأَدْرَكَهَا هَبَّارُ بْنُ الْأَسْوَدِ فَلَمْ يَزَلْ يَطْعَنُ بَعِيرَهَا حَتَّى صَرَعَهَا، فَأَلْقَتْ مَا فِي بَطْنِهَا وَأُهْرِيقَتْ دَمًا.
فَانْطَلَقَ بِهَا وَاشْتَجَرَ فِيهَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو أُمَيَّة؛ فَقَالَ بَنُو أُمَيَّةَ: نَحْنُ أَحَقُّ بِهَا!. وَكَانَتْ تَحْتَ ابْنِ عَمِّهِمْ أَبِي الْعَاصِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، فَكَانَتْ عِنْدَ هِنْدَ بِنْتِ رَبِيعَةَ، وَكَانَتْ تَقُولُ لَهَا هِنْدُ: هَذَا فِي سَبَبِ أَبِيك!
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عليه السلام لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ: «أَلَا تَنْطَلِقُ فَتَجِيءُ بِزَيْنَبِ؟» .
فَقَالَ: «بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ» .
قَالَ: «فَخُذْ خَاتَمِي هَذَا فَأَعْطِهَا إيَّاهُ» .
قَالَ: فَانْطَلَقَ زَيْدٌ، فَلَمْ يَزَلْ يَلْطُفُ، وَتَرَكَ بَعِيرَهُ حَتَّى أَتَى رَاعِيًا فَقَالَ:«لِمَنْ تَرْعَى؟» .فَقَالَ: لِأَبِي الْعَاصِ بْنِ رَبِيعَةَ.
قَالَ: «فَلِمَنْ هَذِهِ الْغَنَمُ؟» .قَالَ: «لِزَيْنَبِ بِنْتِ مُحَمَّدٍ عليه السلام» .
فَسَارَ مَعَهُ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ لَهُ:«هَلْ لَك أَنْ أُعْطِيَك شَيْئًا تُعْطِيَهَا إيَّاهُ وَلَا تَذْكُرَهُ لِأَحَدٍ؟» قَالَ: «نَعَمْ» ، فَأَعْطَاهُ الْخَاتَمَ، فَانْطَلَقَ الرَّاعِي فَأَدْخَلَ غَنَمَهُ، وَأَعْطَاهَا الْخَاتَمَ فَعَرَفَتْهُ، فَقَالَتْ:«مَنْ أَعْطَاك هَذَا؟» قَالَ: «رَجُلٌ!» .
قَالَتْ: «وَأَيْنَ تَرَكْتَهُ؟» ، قَالَ:«مَكَانَ كَذَا، وَكَذَا» .
فَسَكَنَتْ، حَتَّى إذَا كَانَ اللَّيْلُ خَرَجَتْ إلَيْهِ، فَقَالَ لَهَا:«ارْكَبِي بَيْنَ يَدَيَّ» .
قَالَتْ: «لَا، وَلَكِنْ ارْكَبْ أَنْتَ» .
فَرَكِبَ، وَرَكِبَتْ وَرَاءَهُ (1)، حَتَّى أَتَتْ النَّبِيَّ عليه السلام (2).
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: «فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا يَجِبُ تَأَمُّلُهُ، وَالْوُقُوفُ عَلَى الْمَعْنَى فِيهِ، مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ عليه السلام لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ: «أَلَا تَنْطَلِقُ فَتَجِيءُ بِزَيْنَبِ» ، وَزَيْدٌ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ مِنْهَا، وَلَا بِزَوْجٍ لَهَا، وَقَدْ نَهَى صلى الله عليه وآله وسلم أَنْ تُسَافِرَ امْرَأَةٌ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَرُوِيَتْ عَنْهُ فِي ذَلِكَ آثَارٌ بَعْضُهَا مُطْلَقٌ بِلَا ذِكْرِ وَقْتٍ مَعْلُومٍ لِذَلِكَ السَّفَرِ، وَبَعْضُهَا فِيهِ ذِكْرُ مِقْدَارِ ذَلِكَ السَّفَرِ مِنْ الزَّمَانِ، وَفِي بَعْضِهَا: إلَّا وَمَعَهَا زَوْجٌ أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا.
غَيْرَ أَنَّا تَأَمَّلْنَا مَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللهِ عليه السلام فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ إطْلَاقِهِ لِزَيْدٍ السَّفَرَ بِزَيْنَبِ، فَوَجَدْنَا زَيْدًا قَدْ كَانَ حِينَئِذٍ فِي تَبَنِّي رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم إيَّاهُ، حَتَّى كَانَ يُقَالُ لَهُ بِذَلِكَ: زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَلَمْ يَزَلْ بَعْدَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، إلَى أَنْ نَسَخَ اللهُ ذَلِكَ فَأَخْرَجَهُ مِنْ بُنُوَّتِهِ، وَرَدَّهُ إلَى أَبِيهِ فِي الْحَقِيقَةِ بِقَوْلِهِ:{مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ (الأحزاب: 40)، وَبِقَوْلِهِ لِزَيْدٍ وَأَمْثَالِهِ مِنْ الْمُتَبَنَّيْنَ: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ}
…
(الأحزاب: 5)، وَبِقَوْلِهِ تعالى:{وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ} (الأحزاب: 4)، وَبِمَا أُنْزِلَ فِي زَيْدٍ خَاصَّةً فِي إبَاحَتِهِ تَزْوِيجَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ زَوْجًا لِزَيْدٍ، وَبِمَا أُنْزِلَ فِي ذَلِكَ:{فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا} .
(1) إرداف المحرم لا شئ فيه وزيد من محارمها في ذلك الوقت كما سيأتي.
(2)
رواه الحاكم في المستدرك وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني، وقوَّى إسناده ابن حجر، وصححه ابن خزيمة والحاكم.
فَوَقَفْنَا عَلَى أَنَّ مَا كَانَ أَمَرَ بِهِ عليه السلام زَيْدًا قَبْلَ ذَلِكَ فِي زَيْنَبَ وَفِي إبَاحَتِهِ لَهَا وَلَهُ السَّفَرَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ صَاحِبِهِ؛ كَانَ عَلَى الْحُكْمِ الْأَوَّلِ، وَفِي الْحَالِ الَّتِي كَانَ زَيْدٌ فِيهَا أَخًا لِزَيْنَبِ، فَكَانَ بِذَلِكَ مَحْرَمًا لَهَا، جَائِزًا لَهُ السَّفَرُ بِهَا، كَمَا يَجُوزُ لِأَخٍ لَوْ كَانَ لَهَا مِنْ النَّسَبِ مِنْ السَّفَرِ بِهَا، فَهَذَا وَجْهُ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، واللهُ أَعْلَمُ» (1).
(1) مشكل الآثار (1/ 88 - 90).