المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌1 - باب الكسب وطلب الحلال - شرح المصابيح لابن الملك - جـ ٣

[ابن الملك]

فهرس الكتاب

- ‌8 - كِتَابُ فَضَائِل القُرْآنِ

- ‌فصل

- ‌ فصلً

- ‌9 - كِتابُ الدَّعَوَاتِ

- ‌2 - باب ذِكْرِ الله عز وجل والتَّقرُبِ إليهِ

- ‌3 - باب أَسْماءِ الله تعالى

- ‌4 - باب ثَواب التَّسبيح والتَّحميد والتَّهليل

- ‌5 - باب الاستِغفار والتَّوبة

- ‌فصل

- ‌6 - باب ما يقُول عند المصَّباح والمَسَاء والمَنام

- ‌7 - باب الدَّعَواتِ في الأَوْقاتِ

- ‌8 - باب الاستِعاذَة

- ‌9 - باب جامع الدعاء

- ‌10 - كِتَابُ الحَجِّ

- ‌1 - باب المَناسِك

- ‌2 - باب الإِحْرام والتَّلْبية

- ‌3 - قِصَّةُ حجة الوداع

- ‌4 - باب دُخُول مَكَّةَ والطواف

- ‌5 - باب الوُقوف بِعَرَفة

- ‌6 - باب الدفْع من عَرَفَةَ والمُزْدَلِفَة

- ‌7 - باب رَمْيِ الجِمَار

- ‌8 - باب الهَدْي

- ‌9 - باب الخلق

- ‌فصل

- ‌10 - باب الخُطْبة يومَ النحر ورَمْي أيام التشريق والتوديع

- ‌11 - باب ما يجتنبه المحرم

- ‌12 - باب المحرِم يَجتنِب الصيد

- ‌13 - باب الإِحْصَار وفَوْت الحَجّ

- ‌14 - باب حرَم مكةَ حرَسَها الله

- ‌15 - باب حرَم المَدينة على ساكنها الصلاةُ والسلام

- ‌11 - كِتَابُ البُيُوعِ

- ‌1 - باب الكَسْب وطلَب الحلال

- ‌2 - باب المُساهلةِ في المُعاملة

- ‌3 - باب الخِيَارِ

- ‌4 - باب الرِّبا

- ‌5 - باب المنهي عنها من البيوع

- ‌فصل

- ‌6 - باب السَّلَمِ والرَّهنِ

- ‌7 - باب الاحتِكارِ

- ‌8 - باب الإفلاسِ والإنظارِ

- ‌9 - باب الشَّركة والوَكالةَ

- ‌10 - باب الغَصْبِ والعاريَةِ

- ‌11 - باب الشُّفْعَةِ

- ‌12 - باب المُساقاةِ والمُزارعةِ

- ‌13 - باب الإجارةِ

- ‌14 - باب إحياء المَوَاتِ والشِّرْبِ

- ‌15 - باب العطايا

- ‌فصل

- ‌16 - باب اللُّقَطَة

- ‌17 - باب الفرائضِ

- ‌18 - باب الوصايا

- ‌12 - كِتَابُ النِّكَاحِ

- ‌2 - باب النَّظَرِ إلى المَخطوبة وبيانِ العَورات

- ‌3 - باب الوليِّ في النِّكاح واستِئذانِ المَرأةِ

- ‌4 - باب إعلانِ النكاحِ والخِطبةِ والشَّرطِ

- ‌5 - باب المُحرَّماتِ

- ‌6 - باب المُباشَرةِ

- ‌فصل

- ‌7 - باب الصَّداق

- ‌8 - باب الوَليمةِ

- ‌9 - باب القَسْمِ

الفصل: ‌1 - باب الكسب وطلب الحلال

11 -

كِتَابُ البُيُوعِ

(كتاب البيوع)

‌1 - باب الكَسْب وطلَب الحلال

(باب الكسب وطلب الحلال)

مِنَ الصِّحَاحِ:

2014 -

قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ما أكَلَ أحدٌ طَعامًا قطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِيْهِ، وإنَّ نبَيَّ الله داودَ صلى الله عليه وسلم كانَ يَأكْلُ مِنْ عَمَلِ يَدِيْهِ".

"من الصحاح":

" عن المِقْدام بن معدي كرب رضي الله عنه أنه قال: قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أكلَ أحدٌ طعامًا قطُّ خيرًا من أن يأكلَ مِن عمل يديه": فيه تحريضٌ على طلب كَسْبِ الحلال.

"وإن نبيَّ الله داودَ عليه السلام كان يأكلُ مِن عملِ يديه"، روي: أن داود عليه السلام في خلافته كان يتحسس الناسَ في أمره، وسأل مَن لا يعرف: كيف سِيرةُ داود عليه السلام فيكم؟ فبعثَ الله مَلَكًا في صورة آدمَ فتقدَّم إليه داود عليه السلام فسأله فقال: نِعْمَ الرجلُ داودُ عليه السلام، إلا

ص: 379

أنه يأكلُ من بيت المال، فسأل داود ربَّه أن يُغْنِيَه من بيت المال، فعلَّمه الله تعالى صَنعةَ الدُّرُوع، وكان يعملُ الدروع ويبيعُها، كلُّ دِرْعٍ بأربعة آلاف.

وقيل: كان يعملُ كلَّ يوم دِرعًا يبيعه بستة آلاف درهم، فينفق ألفين على نفسه وعياله، ويتصَّدق بأربعة آلاف على فقراءِ بني إسرائيل.

* * *

2015 -

وقال: "إنَّ الله طَيبٌ لا يقبلُ إلا طَيبًا، وإنَّ الله أَمَرَ المُؤمنينَ بما أَمَرَ به المُرْسَلينَ، فقال: {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ}، وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} "، ثُمَّ ذَكَرَ "الرجُل يُطيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماء: يا رَبِّ، يا ربِّ، ومَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرامٌ، ومَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وغُذِيَ بالحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجابُ لذلِكَ؟ ".

"عن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ الله طَيب"؛ أي: طاهرٌ منزه عن النقائص والعيوب.

"لا يقبَلُ إلا طَيبًا"؛ أي: لا يقبَلُ من الصدقات إلا ما يكون حلالًا.

"وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمرَ به المرسَلِين"، وهو طلبُ الحلال واجتنابُ الحرام.

"فقال: {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا}، وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}، ثم ذكرَ"؛ أي: النبيُّ عليه الصلاة والسلام.

"الرجُل": - بالرفع - مبتدأ مذكور على وجْهِ الحكاية مِن لفظِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قيل: المراد بـ (الرجل) الحاجٌ.

"يطيلُ السفرَ"؛ أي: يأتي من مكانٍ بعيدٍ لزيارة بيت الله.

ص: 380

"أشعثَ أغبرَ"؛ أي: حالَ كونهِ ذا وسَخٍ وغبار.

"يمدُّ يديه"؛ أي: يرفَعُهما "إلى السماء" سائلًا حوائجَه وقائلًا:

"يا ربِّ، يا ربِّ"، ظانًّا أن هذه الحالات من إطالة السفر وإصابة الشَّعَث وعلاء الغبرة من مَظَانِّ إجابة الدعوات.

"ومطعمُه"؛ أي: والحالُ أن مطعمَه "حرامٌ، ومَشْرَبهُ حرامٌ، ومَلْبَسُه حرامٌ" في حال كِبْره.

"وغُذِيَ بالحرام" في حال صِغَرِه.

"فأنَّى يُستجابُ"، هذا استبعادٌ لاستجابة الدعاء لا بيانٌ لاستحالتها.

"لذلك؟ "؛ أي: لذلك الرجلِ، واللام للتعليل؛ أي: لا يستجابُ لكون مطعَمِه وأخواتِه حَرَامًا، وهذا يدلُّ على أن حِلَّ المَطْعَم وأخواتِه مما يتوقَّفُ عليه إجابةُ الدعاء، ولذا قيل: إن للدعاء جَناحَين: أكلَ الحلال وصِدْقَ المقال.

* * *

2016 -

وقال: "يَأتِي على النَّاسِ زمان لا يُبالي المَرءُ ما أَخَذَ مِنْهُ أَمِنَ الحلالِ أَمْ مِنَ الحَرامِ".

"وعنه أنه قال: قالَ عليه الصلاة والسلام: يأتي على الناس زمانٌ لا يبالي المرءُ ما أُخِذَ منه"، والمراد به المال، يعني: لا يبالي بما أُخِذَ من المال، "أمِنَ الحلال أم مِن الحرام"(1).

(1) جاء بعده في جميع النسخ: "قال عمر رضي الله عنه: لا يبيع في سوقنا إلا من تفقه"، ولا يوجد عليه شرح. ولم نقف عليه في نسخ "مصابيح السنة" المعتمدة لدينا والله أعلم.

ص: 381

2017 -

وقال "الحَلَالُ بَينٌ، والحَرَامُ بَين، وَبَيْنَهُمَا أُمورٌ مُشتَبهَات لا يَعْلَمُهُنَّ كثيرٌ مِنَ الناسِ، فَمَنْ اتَّقى الشُّبُهاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضهِ، ومَنْ وَقَعَ في الشُّبُهَاتِ وقَعَ في الحَرامِ، كالرَّاعي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فيهِ، أَلَا وإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وإنَّ حِمَى الله مَحَارِمُهُ، أَلَا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كلّهُ، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ".

"وعن النعمان بن بَشِير أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحلال بَين"؛ أي: بعضُ الأشياء واضحٌ حِلُّه.

"والحرامَ بين"؛ أي: بعضُها واضحٌ حرمتُه بالدلائل الظاهرة.

"وبينهما أمور مشتبِهات"؛ يعني: بعض الأشياء مشتبِهة لوقوعه بينَ دليلِهما.

"لا يَعْلَمُهنَّ كثيرٌ من الناس"؛ يعني: لا يَمِيْزُ بينهما إلا العلماءُ المجتهِدُون.

"فمن اتَّقى الشُّبُهات"؛ أي: اجتنبَ عن الأمور المُشْبِهة قبلَ ظهورِ حُكمْ الشَّرْع فيها بأحدِ الأدلَّةِ التي هي: النصّ والقياسُ والإجماعُ والاجتهاد.

"استبرأَ لدينه"؛ أي: بالغَ في براءة دينه وصيانته من أن يَخْتِلَ بالمحارم.

"وعِرْضه" من أن يُتَّهم بترك الوَرعَ.

"ومَن وقع في الشُّبُهات"؛ أي: أتى بها وتعوَّد ذلك.

"وقعَ في الحرام"؛ أي: يوشِكُ أن يقعَ في الحرام؛ لأنه حام حَوْلَ حريمه، وإنما قال:(وقعَ) دون (يوشك أن يقع) تحقيقًا لمداناة الوقوع، كما يقال:(من اتبع هواه فقد هلك)، ولمَّا كانت حِمَى الملوك محسوسةً يُحْتَرِزُ عنها كلُّ ذي بَصَر، وحِمَى الله معقولة لا يدرِكُه إلا ذو البصائر ضربَ المَثَلَ بالمحسوس بقوله:

ص: 382

"كالراعي يَرْعَى حول الحِمَى يوشِكُ أن يَرْتَعَ فيه"، شَبَّه آخذ الشُبُهات بالراعي، وفيه تشبيهُ المحارم بالحِمَى، والشُّبُهات بما حولَه، ثم أكَّد التحذيرَ من حيث المعنى بقوله:

"ألا وإن لكل ملك حمًى، ألا وإن حمى الله تعالى محارمُه"، وفيه إشارةٌ إلى أن الاحتراز عن مقارَبة محارمِ الله أحقُّ من مجانبة حِمَى كلِّ مَلِك؛ لأن عقابَه أشدُّ، ولمَّا كان التورُّع بميل القَلْبِ إلى الصلاح وعدمِه بميله إلى الفجور نبَّهَ صلى الله عليه وسلم بقوله:

"ألا وإنَّ في الجسد مُضغةً إذا صلَحتْ"، بفتح اللام؛ أي: انشرحَتْ بالهداية.

"صلَحَ الجسدُ كلُّه"؛ أي: استُعْمِلت الجوارح في الخيرات؛ لأنها متبوعةٌ للجسد.

"ورادًا فَسَدَت"؛ أي: انشرحَتْ بالضلالة.

"فسدَ الجَسَدُ كلُّه" باستعمال الآلة في المنكرات.

"ألا وهي القَلْبُ"، سُميت بالقلب؛ لأنها محلُّ الخواطر المختلِفَة الحاملةِ على الانقلاب.

* * *

2018 -

وقال: "ثَمَنُ الكلبِ خَبيث، ومَهْرُ البَغِيِّ خَبيثٌ، وكسْبُ الحَجامِ خَبيثٌ".

"عن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: - ثمنُ الكلب خبيثٌ"، استدلَّ به الشافعي على أن بيع الكلب مطَلقًا غيرُ جائز.

وجَوزه أبو حنيفة، وأجاب عن الحديث: بأن لفظ الخَبيث لا يدلُّ على

ص: 383

الحرمة بدليل أنه عليه الصلاة والسلام قال: "وكسب الحَجَّام خَبيث"، مع أنه ليس بحرامٍ اتفاقًا، وقد ثبتَ أنه عليه الصلاة والسلام احتجَم وأعطى أُجْرَة الحَجام.

"ومَهْر البغي"؛ أي: الزانية "خبيث": أراد به الحرام؛ لأن ما تأخذُه عوضًا عن الزنا المحرَّم ذريعةٌ إلى الحرام، ووسيلةُ الحرام حرام، وسمَّاه مَهْرًا مجازًا؛ لأنه في مقابلة البُضْع أيضًا.

"وكَسْبُ الحَجَّام خَبِيثٌ"، إطلاقُ الخَبِيث عليه باعتبار حصولهِ من أَدْنى المكاسب.

* * *

2019 -

وعن أبي مَسْعُود الأَنْصاري صلى الله عليه وسلم: أَنَّ رسُولَ الكَلْبِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ، وحُلْوَانِ الكَاهِنِ.

"عن أبي مسعود الأنصاري أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نهى ثمن الكلب"، وهذا محمولٌ على أنه كان في زمن النبي عليه الصلاة والسلام حتى أمر بقتلِها، وكان الانتفاعُ بها يومئذ محرَّمًا ثم رخَّصَ في الانتفاع روي:(أنه قضى في كلبِ صيدٍ قتلَه رجلٌ بأربعين درهمًا، وقضى في كلبِ ماشية بكبشٍ).

"ومَهْرِ البَغِيِّ، وحُلْوانِ الكاهن"؛ أي: ما يُعطَاه من الأجر والرِّشْوَة على كهانته، والكاهِنُ هو المخبِرُ عن الكوائن المستقَبلِيَّة أو عمَّا مضى، أو عن نحسِ طالعٍ وسعدِه، ونحو ذلك؛ لأن فِعْل الكِهَانة باطلٌ، فلا يجوزُ أَخْذُ الأجرة عليه.

ص: 384

2020 -

وعن أبي جُحَيْفَةَ: أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ، وثَمَنِ الكَلْبِ، وكَسْبِ البَغِيِّ، ولَعَنَ آكلَ الرِّبا، ومُوكِلَه، والواشِمةَ، والمُسْتَوْشِمةَ، والمُصَوِّرَ.

"وعن أبي جُحَيْفة أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن ثَمَن الدم"؛ لأنه نَجِسٌ لا يجوز بيعُه بالإجماع.

"وثمنِ الكلب، وكَسْبِ البَغِيِّ، ولَعَنَ آكل الرِّبَا"، وهو أخذُ الزيادة على ما أَعطى.

"وموكِلَه"؛ أي: معطيَه، وهو المديون الذي يُعطي الزيادة، وإنما لُعِنَا لاشتراكهما في الفعل.

"والواشمة": وهي المرأة التي تَشِم؛ أي: تغرِزُ بإبرة على يدها أو يد غيرها، ثم تُحَشِّي بالكحل.

"والمستوشمة": وهي التي تطلب أن يُجعلَ على يدها وَشْمٌ، وهذا الفعل حرام؛ لأنه تغييرُ خلق الله تعالى؛ ولأن هذا من فِعل الفُسَّاق والجُهَّال.

"والمُصَوِّر" الذي يصور صُورَ الحيوانات دون صُوَرِ الأشجار والثمار ونحو ذلك؛ لأن الأصنام التي عُبِدَت كانت على صور الحيوانات.

* * *

2021 -

عن جابرٍ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمعَ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ عامَ الفَتْح وهو بمَكَّةَ: "إنَّ الله ورسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ والمَيْتَةِ والخِنْزِيرِ والأصنامِ"، فقيل: يا رَسُولَ الله!، أَرَأَيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ، فإنَّهُ يُطْلَى بها السُّفُنُ ويُدْهَنُ بها الجُلُودُ ويَسْتَصْبحُ بها النَّاسُ؟، فقال:"لا، هو حَرامٌ"، ثُمَّ قالَ عِنْدَ ذلِكَ:"قاتلَ الله اليَهُودَ، أن الله لمَّا حَرَّمَ شُحُومَها جَمَلوها ثُمَّ باعوها فَأكَلُوا ثَمنَها".

ص: 385

"وعن جابر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ عام الفتح وهو بمكة: إن الله ورسولَه حَرَّمَ بيع الخَمْرِ، والميتة، والخنزير، والأصنام": جمع صنم، وهو ما يعبدُه الكفار من حجر وغيره، ذكره الرسولُ لأن حرمة بعض المذكورات مستفادةٌ من سنته، أو للدلالة على أن ما حَرَّمه كان حرامًا بتحريمه تعالى، إذ لا ينطِق عن الهوى، وتحريمُ بيع المذكورات يدلُّ على أن مَن أراق خمرَ النصرانيِّ، أو قتلَ خِنزيرًا له لا غرامةَ عليه، وعلى تحريم بيعِ جِلْد الميتة قبل الدباغ لنجاسةِ عَيْنهِ، وعلى تحريم بيعِ الأعيان النَّجِسة وإن انتُفِعَ بها حالةَ الضرورة كالسرقين ونحوه، وعلى تحريم بيعِ ما يُنتفع به من الحيوانات قياسًا على الخنزير كالأسد والفهد والدبّ والقرد ونحوها من حشرات الأرض، وعلى تحريم بيع شعر الخنزير، وعلى تحريم بَيعْ الصُّوَر المتخذَةِ من الخشب والحديد والفضة والذهب.

"فقيل: يا رسولَ الله! أرأيتَ شحومَ الميتة"؛ أي: أخبِرْني عن شحومها.

"فإنه": الضمير للشأن.

"يُطْلَى بها السُّفُنُ، ويُدْهَن بها الجلودُ، ويَسْتَصْبحُ بها الناس": هل يجوز ذلك أم لا؟.

"فقال: لا"؛ أي: لا يجوز ذلك.

"هو"؛ أي: ذلك الفعلُ حرامٌ.

"ثم قال عند ذلك: قاتلَ الله اليهودَ"؛ أي: أهلكَهم ولعنَهم أو عاداهم.

"إنَّ الله لمَّا حَرَّمَ شحومَها": الضمير يرجِعُ إلى غير المذكور، والمرادُ منه البقرُ والغنمُ كقوله تعالى:{الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا} [الأنعام: 146]، والمحرَّمُ عليهم هو شحْمُ الكلى والكَرِش والأمعاء دون شَحْم الظُّهُور والإِلْية؛ لقوله تعالى:{إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا} [الأنعام: 146].

ص: 386

"أجْمَلُوه"؛ أي: أذابوه ليزولَ اسمُ الشَّحْم ويصير وَدكًا هنا.

"ثم باعوه"، الضمير فيهما ضميرُ الشحم لا الشحوم.

"فأكلُوا ثمنه"، وفيه دليلٌ على بطلان كلِّ حيلة يُتوصَّلُ بها إلى مُحَرَّم، فإنه: لا يتغيَّرُ حكمه بتغير هيئته وتبديلِ اسمه.

* * *

2022 -

عن عمرَ رضي الله عنه: أن رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "قاتَلَ الله اليَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا".

"وعن عمرَ أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: قاتلَ الله اليهودَ، حُرِّمتْ عليهم الشحومُ فجَمَلُوها فباعوها"، يقال: جَمَلَه يَجْمُلُه جَملًا، وأَجْملَه: إذا أذابه واستخرج دُهْنَه.

* * *

2023 -

وعن جابرٍ رضي الله عنه: أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نهى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ والسِّنَّوْرِ.

"عن جابرٍ أن رسولَ الله عليه الصلاة والسلام نهى عن ثمنِ الكَلْبِ والسِّنَّور"، كرهَ بعضُهم بيعَ السِّنَّور بظاهر الحديث، وجَوَّزَ الأكثرون بَيعَها، وتأولوا الحديثَ على الوَحْشِيِّ منها للعَجْز عن تسليمِه، فإنه لو رُبِطَ لم ينتفِعْ به؛ لأن نفعَه صيدُ الفأرة، ولو لم يُربَطْ لربَّما ينفُر، ويضيع المالُ المصروف في ثمنه.

2024 -

عن أنسٍ صلى الله عليه وسلم قال: حَجَمَ أَبو طَيْبةَ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فَأمَرَ له بصاعٍ من تَمرٍ، وأَمَرَ أهلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا عنهُ مِنْ خَرَاجِهِ.

"عن أنس أنه قال: حَجَمَ أبو طَيْبةَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم "، قيل: كان أبو طَيْبة

ص: 387

عبدًا لبني بَيَاضَةَ، وقد وضعُوا عليه خَرَاجًا بأن قالوا له: أعطِنا كلَّ شهر كذا، والباقي مِن كَسْبكَ لك.

"فأمرَ له"؛ أي: الرسولُ لأبي طَيْبَة.

"بصاعٍ من تمر، وأمرَ أهلَه": يعني به: ساداته.

"أن يخفِّفوا عنه من خَرَاجه"؛ أي: يُنْقِصُوا من ذلك الخراج شيئًا.

* * *

مِنَ الحِسَانِ: 2025 - عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "إنَّ أَطْيَبَ ما أكَلْتُمْ مِنْ كَسْبكُمْ، وإنَّ أَوْلَادكمْ مِنْ كَسْبكُمْ".

وفي رواية: "إنَّ أَطْيَبَ ما أكلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبهِ، وإنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبهِ".

"من الحسان":

" عن عائشةَ أنها قالت: قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: إن أَطْيَبَ"، أفعل التفضيل مِن الطَّيب وهو الحلال؛ أي: أحل.

"ما أكلْتُم مِن كَسْبِكم"؛ (يعني أحسن الحلالات ما تكسبون بأيديكم.

"وإن أولاكم مِن كَسْبِكم"؛ لأنهم حَصَلُوا بواسطة تزوُّجِكم وسَعْيكم، فيجوزُ لكم أن تأكلُوا إذا كنتم محتاجين مِن كَسْبِ أولادِكم، وإلا فلا، إلا أن تَطيبَ أنفسُهم به.

"وفي رواية" هاهنا: "إن أطيَب ما أكَلَ الرجلُ من كسْبهِ، وإنَّ ولدَه مِن كَسْبهِ".

ص: 388

2026 -

وعن عبدِ الله بن مسعودٍ رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه قال:"لا يَكْسِبُ عَبْد مالًا حَرَامًا، فَيتصَدَّقَ مِنْهُ فيُقْبَلَ مِنْهُ ولا يُنْفِقُ مِنْهُ فَيُبَارَكَ له فيهِ، ولا يتركُهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ إلَاّ كانَ زادَهُ إلى النَّارِ، إنَّ الله لا يَمْحُو السَّيئَ بالسَّيئِ، ولكن يَمْحُو السَّيئَ بِالحَسَنِ، إنَّ الخَبيثَ لا يمحوُ الخَبيثَ".

"عن عبد الله بن مسعودٍ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا يَكْسِبُ عبدٌ مالًا حرامًا فيتصدقُ" - بالرفع - "منه فيقبَلُ منه، ولا يُنْفِقُ منه، فيبارَكُ له" بالرفع أيضًا، له.

"فيه ولا يَتْركُه خلفَ ظهرِه إلا كان" ذلك الترك أو متروكه "زادَه" بالزاي المعجمة؛ أي: زوَّادته منتهية "إلى النار"، وفي بعض النسخ: بالراء المهملة، من الردِّ: المنعُ؛ أي: مانعة عن غير النار ويضطرُّه ويُلْجِئُه إلى النار.

"إن الله لا يمحو السيئَ بالسيئ"؛ يعني: التصدقُ بالمال الحرام سيئة؛ أي: خَصْلَة سيئة، فلا يمحو الله أعمالَ السيئات بهذه السيئة.

"ولكن يمحو السيئَ بالحَسَن، إنَّ الخبيثَ لا يمحو الخبيثَ".

* * *

2027 -

وقال: "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ لحمٌ نَبَتَ مِنَ السُّحْتِ، وكُلُّ لَحْمٍ نبَتَ مِنَ السُّحْتِ كانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ".

"وعن جابر رضي الله عنه أنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: لا يدخلُ الجنةَ لحم نبتَ من السُّحْت" حتى يُحرَقَ بالنار، ويَطهُرَ بها من الحرام.

"وكلُّ لحمٍ نبتَ من السُّحْتِ كانت النار أَولى به"، لتطهِّرَه عن ذلك بإحراقها إياه، هذا على ظاهر الاستحقاق، أما إذا تاب الله عليه أو غفرَ له من غير

ص: 389

توبة، وأَرْضَى خَصْمَه أو نالته شفاعةُ شفيعٍ فهو خارجٌ عن هذا الوعيد، فالحديثُ للزَّجْر والتَّهْديد.

* * *

2028 -

عن الحسنِ بن عليٍّ رضي الله عنهما أنَّه قال: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "دع مَا يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ، فإنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينةٌ، وإنَّ الكَذِبَ رِيبةٌ".

"عن الحسنِ بن عليٍّ رضي الله عنهما أنه قال: حفظتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: دعْ ما يَرِيبُك إلى ما لا يَرِيبُك"؛ أي: اترك ما اعترضَ لك فيه الشك، واذهب إلى ما لا شك فيه، يعني: خذْ ما أيقنتَه حَسَنًا وحلالًا، واتركْ ما شكَكْتَ في كونه حسنًا.

"فإن الصِّدْقَ طمأنينةٌ"؛ أي: مما يَطْمَئِنُّ له القَلْبُ ويسكن إليه.

"وإن الكَذِبَ ريبةٌ"؛ أي: مما يَقْلَقَ له ويضطرب منه، يعني: إذا وجدتَ نَفْسَك ترتابُ في شيءٍ فاترُكْه، فإن نفسَ المؤمن تطمئنُّ للصدق وترتاب للكذب، فارتيابُكَ فيه أَمَارةُ بطلانه، وطُمَأْنِينتُك فيه علامة حَقِّيته.

* * *

2029 -

عن وَابصَةَ بن مَعبدٍ رضي الله عنه: أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا وَابصَةُ! جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ البرِّ والإثْم"؟، قلتُ: نعمْ، قال: فَجَمَعَ أَصابعَهُ فَضَرَبَ بها صدْرَهُ وقال: "اِسْتَفْتِ نَفْسَكَ وَاسْتَفتِ قَلْبَكَ، ثلاثًا، البرُّ ما اطْمَأَنَّتْ إلَيْهِ نفسُك واطْمَأنَّ إلَيْهِ قلبُك، والإثْمُ ما حاكَ في النَّفْسِ وتَرَدَّدَ في الصَّدْرِ وإنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ".

"عن وابصَة بن معبَد أنه صلى الله عليه وسلم قال: يا وابصةُ جئتَ تسأل عن البِرِّ"،

ص: 390

بالكسر: الإحسانُ، وهو في حق الوالدين والأقْرَبين ضدُّ العقوق، وهو الإساءة إليهم وتضييعُ حقوقهم، وقيل: البِرُّ اسم جامعٌ للخير كلِّه.

"والأثم": وهو الذنب.

"قلت: نعم"، وقولُه صلى الله عليه وسلم لواصبةَ وقد أَضْمَرَ في نفسِه أن يسألَ النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك من أعلام النبوة.

"قال"؛ أي: الراوي.

"فجمعَ أصابِعَه فضربَ بها صدْرَه"، الضمير للنبي عليه الصلاة والسلام يعني: أشارَ إلى صَدْرِه.

"وقال": يا وابصةُ.

"استفتِ نفسَك"؛ أي: اطلب الفَتْوى من نفسك.

"استفتِ قلبَك ثلاثًا"، فما سكنَ قلبُك على أنه حَقٌّ فخُذْه، وإلا فلا.

أراد أن يسألَه عما أَشْكَلَ عليه منهما، فأمره صلى الله عليه وسلم بالأخذ بما هو بمَعْزِلٍ عن الاشتباه.

"البِرُّ ما اطمأنَّتْ إليه النَّفْسُ"؛ أي: في كونه حَسَنًا مرضيًّا.

"واطمأنَّ إليه القَلْبُ": عطفٌ على اطمئنان النفس، للتقرير والتأكيد.

ذهبَ الأكثرون إلى أن الأَمَارة التي أشارَ إليها النبي عليه الصلاة والسلام للتمييز بين الأمرين إنما هو في عموم المؤمنين، وليست مختصَّةً ببعضهم دونَ البعض، ومنهم مَنْ ذهب إلى أنها تختصُّ بأهل النظر وأصحاب الفِرَاسات من ذوي القلوب السليمة والنفوسِ المرتاضة، فإن قلوبَهم تصْبُو بالطبع إلى الخير وتنبو عن الشر، وتُلْهَم الصواب غالبًا.

"والإثمُ ما حاك"؛ أي: تَردَّد وأثرَ "في النفس"؛ أي: القلبُ بالتَّخَالج.

ص: 391

"وتردَّدَ في الصدر"، من حاك يَحيك: إذا تردَّد في القلب، ولم يستقرَّ القلبُ عليه.

"وإن أفتاك الناسُ"؛ أي: وإن جعلُوا لك فيه رُخْصة، مثلًا: رجلٌ له مال حلالٌ وحرامٌ إنْ أتاك بشيءٍ من مالِه، والمفتي يقول لك: كُلُّ ما لم تتيقَّن كونه حرامًا جازَ لك أَكْلُه، فلا ينبغي لك أن تأكلَه خوفًا أن تأكلَ الحرام، فإن الفَتْوى غيرُ التَّقْوى.

* * *

2030 -

عن عَطِية السَّعْدِيِّ رضي الله عنه أنَّه قال، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"لا يَبْلُغُ العَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ المُتَّقِينَ حتَّى يَدع ما لا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِمَا بِهِ بَأْسٌ".

"عن عطيةَ السَّعْدِيِّ رضي الله عنه أنه قال: عليه الصلاة والسلام: لا يبلُغُ العبدُ أن يكونَ مِن المتقين حتى يَدعَ"؛ أي: يترُكَ "ما لا بأس به حَذَرًا لما به بأسٌ"؛ أي: خوفًا من أن يقعَ فيما به بأسٌ.

* * *

2031 -

عن أنسٍ رضي الله عنه قال: لَعَنَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في الخَمْرِ عَشْرةً: عَاصِرَهَا، ومُعْتَصِرَهَا، وشَارِبَها، وحَامِلَهَا، والمَحْمُولَة إِلَيْهِ، وسَاقِيَهَا، وبَائِعَهَا، وآكِلَ ثَمَنِهَا، والمُشْتَرِيَ لها، والمُشْتَرَاةَ لَهُ.

"عن أنسٍ رضي الله عنه أنه قال: لعنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الخَمْرِ"؛ أي: في شأنها.

"عشرةً: عاصرَها": وهو الذي يعصِرُ لغيره.

"ومُعْتَصِرَها": وهو من يعصِرُ لنفسه أو: من يطلُبُ عَصْرَها.

"وشاربَها، أو حامِلَها، والمحمولةَ إليه"؛ أي: الذي يطلُبُ أن يَحْمِلَها أحدٌ لأجله.

ص: 392

"وساقِيَها، وبائعها، وأكلَ ثمنِها، والمشتريَ لها"؛ أي: الذي اشتراها.

"والمشترى له"؛ أي: الذي تُشْتَرى له بالوكالة.

* * *

2032 -

عن ابن عمرَ رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَعَنَ الله الخَمْرَ، وشَارِبَهَا، وسَاقِيَهَا، وبَائِعَهَا، ومُبْتَاعَهَا، وعَاصِرَهَا، ومُعْتَصِرَها، وحَامِلَهَا، والمَحمُولَة إلَيهِ".

"وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: لعنَ الله الخمرَ، وشاربَها، وساقيَها، وبائعَها، ومبتاعَها"؛ أي: مشتريَها.

"وعاصرَها، ومعتصرَها، وحاملَها، والمحمولَةَ إليه".

* * *

2033 -

وعن مُحَيصَةَ رضي الله عنه: أنَّه اِسْتَأْذَنَ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم في إِجَارَةِ الحَجَّامِ فَنَهَاهُ، فَلَمْ يَزَلْ يَسْتَأذنه حَتَّى قال:"اِعْلِفْهُ ناضحَكَ وأَطْعِمْهُ رَقِيقَكَ".

"عن مُحَيصَةَ: أنه استأذنَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في إجَارَةِ الحَجَّام"؛ أي: في أُجْرَته، والإِجَارَة: اسم للأُجْرة.

"فنهاه عليه الصلاة والسلام، عن أَكْلِها.

"فلم يزلْ يستأذِنُه حتى قال: اعلِفْه ناضحَك"؛ أي: اصرفْ ما تكتسب بالحِجَامة في عَلَفِ ناضحِك، وهو البعيرُ الذي يُسْتقَى به الماء.

"وأطعِمْه رَقيقَك"، والأكثَرُون على أنه نهيُ تنزيهٍ عن الكَسْب الدَّنيء.

* * *

2034 -

وعن أبي هريرةَ صلى الله عليه وسلم قال: نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وكَسْبِ الزَّمَّارَةِ.

ص: 393

"عن أبي هريرةَ: نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن ثمنِ الكَلْبِ وكَسْبِ الزَّمَّارة"، بفتح الزاي المعجمة وتشديد الميم، قيل: هي الزانية، وقيل: المغنية، من زَمَر: إذا غَنَّى، ويقال للقَصَبة التي تزمر بها: زَمَّارَة.

وذهب بعضٌ إلى تقديم الراء على الزاي، وهي التي تومِئُ بعينها وشَفَتِها؛ أي: يفعل الزواني.

* * *

2035 -

وعن أبي أُمامة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا تَبيعُوا القَيْنَاتِ ولا تَشْتَرُوهُنَّ ولا تُعَلِّمُوهُنَّ، وثَمَنُهُنَّ حرامٌ، وفي مِثلِ هذا أُنْزِلَتْ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} "(ضعيف).

"وعن أبي أمامةَ أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تَبِيعوا القَيْنَات": جمع قَيْنَة، وهي الأَمَة غَنَّتْ أو لا، لكن المراد هنا المغنِّية.

"ولا تشتروهنَّ"، النهيُ مقصورٌ على البيعِ والشراءِ لأجل التَّغَنِّي.

"ولا تعلِّموهنَّ"؛ أي: الغِناءَ.

"وثمنُهنَّ حرامٌ"، وهذا دليلٌ على فساد بيعِها، والجمهورُ صحَّحُوا بيعَها لمَا في هذا الحديث مِن الطَّعْن في رواته، وبتقدير صِحَّتِه أُوِّل بأن هنا مضافًا محذوفًا؛ أي: أخذُ ثمنِهنَّ حرامٌ كأخذِ ثمن العِنَبِ ممن يتَّخِذُه خمرًا؛ لا أنَّ البيعَ غيرُ صحيح.

"وفي مثل هذا نزلت: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} "؛ أي: يشترِي الغِناءَ والأصواتَ المحرَّمةَ التي تُلْهِي عن ذِكْر الله.

"غريب".

ص: 394