المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌فصل (فصل) مِنَ الصِّحَاحِ:   1692 - قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: - شرح المصابيح لابن الملك - جـ ٣

[ابن الملك]

فهرس الكتاب

- ‌8 - كِتَابُ فَضَائِل القُرْآنِ

- ‌فصل

- ‌ فصلً

- ‌9 - كِتابُ الدَّعَوَاتِ

- ‌2 - باب ذِكْرِ الله عز وجل والتَّقرُبِ إليهِ

- ‌3 - باب أَسْماءِ الله تعالى

- ‌4 - باب ثَواب التَّسبيح والتَّحميد والتَّهليل

- ‌5 - باب الاستِغفار والتَّوبة

- ‌فصل

- ‌6 - باب ما يقُول عند المصَّباح والمَسَاء والمَنام

- ‌7 - باب الدَّعَواتِ في الأَوْقاتِ

- ‌8 - باب الاستِعاذَة

- ‌9 - باب جامع الدعاء

- ‌10 - كِتَابُ الحَجِّ

- ‌1 - باب المَناسِك

- ‌2 - باب الإِحْرام والتَّلْبية

- ‌3 - قِصَّةُ حجة الوداع

- ‌4 - باب دُخُول مَكَّةَ والطواف

- ‌5 - باب الوُقوف بِعَرَفة

- ‌6 - باب الدفْع من عَرَفَةَ والمُزْدَلِفَة

- ‌7 - باب رَمْيِ الجِمَار

- ‌8 - باب الهَدْي

- ‌9 - باب الخلق

- ‌فصل

- ‌10 - باب الخُطْبة يومَ النحر ورَمْي أيام التشريق والتوديع

- ‌11 - باب ما يجتنبه المحرم

- ‌12 - باب المحرِم يَجتنِب الصيد

- ‌13 - باب الإِحْصَار وفَوْت الحَجّ

- ‌14 - باب حرَم مكةَ حرَسَها الله

- ‌15 - باب حرَم المَدينة على ساكنها الصلاةُ والسلام

- ‌11 - كِتَابُ البُيُوعِ

- ‌1 - باب الكَسْب وطلَب الحلال

- ‌2 - باب المُساهلةِ في المُعاملة

- ‌3 - باب الخِيَارِ

- ‌4 - باب الرِّبا

- ‌5 - باب المنهي عنها من البيوع

- ‌فصل

- ‌6 - باب السَّلَمِ والرَّهنِ

- ‌7 - باب الاحتِكارِ

- ‌8 - باب الإفلاسِ والإنظارِ

- ‌9 - باب الشَّركة والوَكالةَ

- ‌10 - باب الغَصْبِ والعاريَةِ

- ‌11 - باب الشُّفْعَةِ

- ‌12 - باب المُساقاةِ والمُزارعةِ

- ‌13 - باب الإجارةِ

- ‌14 - باب إحياء المَوَاتِ والشِّرْبِ

- ‌15 - باب العطايا

- ‌فصل

- ‌16 - باب اللُّقَطَة

- ‌17 - باب الفرائضِ

- ‌18 - باب الوصايا

- ‌12 - كِتَابُ النِّكَاحِ

- ‌2 - باب النَّظَرِ إلى المَخطوبة وبيانِ العَورات

- ‌3 - باب الوليِّ في النِّكاح واستِئذانِ المَرأةِ

- ‌4 - باب إعلانِ النكاحِ والخِطبةِ والشَّرطِ

- ‌5 - باب المُحرَّماتِ

- ‌6 - باب المُباشَرةِ

- ‌فصل

- ‌7 - باب الصَّداق

- ‌8 - باب الوَليمةِ

- ‌9 - باب القَسْمِ

الفصل: ‌ ‌فصل (فصل) مِنَ الصِّحَاحِ:   1692 - قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:

‌فصل

(فصل)

مِنَ الصِّحَاحِ:

1692 -

قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَمَّا قَضَى الله الخَلْقَ؛ كتبَ كِتابًا فهوَ عندَهُ فَوْقَ عَرْشِه: إنَّ رَحْمتِي سَبَقَتْ غَضَبي".

وفي روايةٍ: "غَلَبَتْ غَضَبي".

"من الصحاح":

" عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لمَّا قضى الله الخَلْقَ"، المراد هنا الخلق؛ أي: لمَّا خلَقَهم.

"كتبَ كتابًا"، قيل: المراد بالكتاب إما القضاء الذي قضاه وأوجبه، فعلى هذا يكون معنى قوله:

"فهو عنده فوقَ عرشه"؛ أي: فعِلْمُه عنده تعالى فوق العرش لا ينساه ولا ينسخه ولا يبدله، وأما اللوح المحفوظ المذكور فيه الخلق وبيان أحوالِهِم وأرزاقهِم، والأقضية النافذة فيهم، وأحوال عواقب أمورهم، فحينئذٍ يكون معناه: فذكره عنده.

"إن رحمتي سبقتْ غضبي، وفي روايةٍ: غلبتْ غَضَبي" ليس المراد من السبق هنا هو السبق الزماني؛ لأن غضبه ورحمته صفتان راجعتان إلى ثوابه وعقابه، وصفاتهُ لا توصَف بالسبق والغَلَبة لإحداهما على الأخرى، بل المراد منه: بيان سعة الرحمة وشمولِها على الخلق حتى كأنها السابق والغالب، وإن أريد بالرحمة والغضب آثارُهما يَتحقَّق فيهما السبق والغلبة.

* * *

1693 -

وقال: "إنَّ للهِ مائْةَ رَحْمةٍ، أَنْزَلَ مِنها رحمةً واحدةً بينَ الجنِّ

ص: 154

والإنْسِ والبَهائِم والهَوامِّ، فَبها يتعَاطَفُونَ، وبها يَتَراحمُونَ، وبها تَعطِفُ الوَحْشُ على وَلَدِها، وأخَّر تِسْعًا وتسعينَ رحمة يَرحَمُ بها عِبادَهُ يومَ القِيامةِ".

وفي روايةٍ: "فإذا كانَ يومُ القِيامةِ أكمَلَها بهذهِ الرَّحمةِ".

"وعنه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: إن لله تعالى مئة رحمةٍ، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهَوَامِّ"، رحمة الله غير متناهية فلا يُحيطُها التقسيم، وإنما أراد صلى الله عليه وسلم أن يضرِبَ لأمته مثلًا فيعرفوا به التفاوت الذي بين قِسْط أهل الإيمان من الرحمة في الآخرة وبين قِسْط كافة المرحومين في الدنيا.

"فبها"؛ أي: بتلك الرحمة الواحدة.

"يتعاطَفون"؛ أي: يوصلُ الرأفة والشفقةَ بعضُهم إلى بعض.

"وبها يتراحمون، وبها تعطِفُ الوحشُ على وَلدِها"؛ يعني: كلُّ شفقةٍ ورحمةٍ تصِلُ من بني آدم إلى آدمى، وكذا من جنٍّ إلى جنيٍ، ومن الحيوان إلى آخر من جنسه، أو من غير جنسه كلُّ ذلك نتيجةُ تلك الرحمةِ الواحدة التي أنزلها بين خلقه.

"وأخَّر تسعًا وتسعين رحمةً يرحم بها عباده يوم القيامة".

"وفي رواية" سلمان: "إذا كان يومُ القيامة أكملَها"؛ أي: الرحمة الواحدة التي أنزلَها في الدنيا.

"بهذه الرحمة"، التي أخَّرها حتى يصيرَ المجموع مئة رحمة، فيرحم بها عباده من الأنبياء والمؤمنين، وفيه دليل على الإطماع في رحمته تعالى وعلى كثرتها.

* * *

ص: 155

1694 -

وقالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "لو يَعلَمُ المؤمنُ ما عندَ الله من العُقوبَةِ ما طَمعَ بجنَّتهِ أَحَدٌ، ولَو يَعلمُ الكافِرُ ما عندَ الله مِن الرحمةِ ما قَنِطَ مِن جَنَّتهِ أحدٌ".

"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو يعلمُ المؤمنُ ما عندَ الله من العقوبةِ ما طَمِعَ بجنَّتِهِ أحدٌ"، فيه بيانُ كثرةِ عقوبتِه كي لا يغترَّ مؤمنٌ برحمته فيأمنَ من عذابه.

"ولو يعلمُ الكافر ما عند الله من الرحمة" إذا دخلَ في الإسلام.

"ما قنطَ من جنته أحد"، فيه بيانُ كثرةِ الرحمة كي لا يخافَ كافرٌ من الإيمان بعد سنينَ كثيرة كان في الكفر.

* * *

1695 -

وقال: "الجنةُ أَقْربُ إلى أحدِكُم من شِرَاكِ نَعْلِه، والنَّارُ مثْلُ ذلكَ".

"وعن ابن مسعود أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الجنةُ أقربُ إلى أحدكُم من شراكِ نعلِه، والنارُ مثل ذلك"، إشارة إلى المذكور؛ أي: النار مثلُ الجنة في كونها أقربَ من شِرَاك النعل، وإنما كانت الجنةُ والنارُ كذلك؛ لأن سبب دخولهما مع الشخص وهو العمل الصالح والسيئ = هو أقربُ إليه من شِراك نعله.

* * *

1696 -

وقال: "قالَ رجلٌ لَمْ يَعملْ خَيْرًا قطُّ لأهلهِ، وفي رواية: أَسَرفَ رجلٌ على نْفسِه، فلمَّا حضَرَهُ المَوتُ أَوصَى بنيهِ: إذا ماتَ؟ فحَرَّقوهُ، ثم اذْرُوا نصْفَه في البرِّ، ونصفَهُ في البَحرِ، فَوَالله لئِنْ قَدَرَ الله عليهِ ليُعذِّبنهُ عَذابًا لا يُعذبُه أَحَدًا مِن العالَمينَ، فلمَّا ماتَ فعَلُوا ما أَمَرَهم، فأَمرَ الله البَحْرَ، فجمعَ ما فيهِ،

ص: 156

وأَمرَ البرَّ، فجمَعِ ما فيهِ، ثم قالَ لهُ: لِمَ فعلتَ هذا؟ قال: مِن خَشْيَتِكَ يا ربِّ، وأنتَ أعلمُ! فغَفرَ لهُ".

"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: قال رجلٌ لم يعمل خيرًا قطُّ لأهله"، يُعلمَ منه: أن عمل الخير يتعدَّى منه إلى أهله وذوي قرابته، وأنه لم يعمل خيرًا لنفسه أيضًا؛ لأنه لو عمل لنفسه يتعدى منه إليهم.

"وفي روايةٍ: أسرفَ رجلٌ على نفسه"؛ أي: أكثرَ من الذنوب.

"فلمَّا حضره الموتُ أوصَى بنيه إذا ماتَ فحرقُوه، ثم اذرُوا نصفهَ"؛ أي: فَرِّقوا نصفَ رماده "في البر، ونصفَه في البحر، فوالله لئن قدرَ الله عليه"؛ يعني: لئن ضيَّق الله عليه الأمرَ بالمؤاخذة والمعاتبة.

"ليعذبنه عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين، فلَّما مات فعلوا ما أمرهم فأمر الله البحرَ فجمع ما فيه، وأمر البرَ فجمع ما فيه، ثم قال له: لم فعلتَ هذا؟ قال: مِن خشيتك يا ربِّ، وأنت أعلمُ، فغفرَ له"، وإنما غفرَ الله له؛ لأنه ليس منكِرًا للبعث، بل من خشية البعث؛ جهلًا وظنا أنه إذا فعل ذلك تُرِك فلم ينشَر ولم يعذَّب.

* * *

1697 -

وقال عُمر بن الخَطَّاب رضي الله عنه: قَدِمَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم سَبْىٌ، فإذا امرأةٌ مِنَ السَّبْي قد تَحَلَّبَ ثَدْيُها تَسعَى، إذا وَجَدَتْ صبيًا في السَّبْي أخذَتْهُ، فأَلصَقَتْهُ ببَطْنِها، وأرضعَتْهُ، فقالَ لنا النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"أَتُرَوْنَ هذهِ طارِحَةً ولدَها في النارِ؟ "، قلنا: لا وهي تقدرُ على أنْ لا تَطْرَحَهُ، قال:"للهُ أرحمُ بعبادِهِ من هذه بولدِها".

"وعن عمر بن الخطاب: قدِمَ على النبي عليه الصلاة والسلام سبىٌ،

ص: 157

فإذا امرأةٌ من السَّبْي قد تحلَّبَ ثديُها"؛ أي: سال لبن ثديها؛ لكثرته بعدم ولدِها معها.

"تَسْعَى"؛ أي: فيما تكلَّف من العمل، أو في طلب ولدِها فتجيء وتذ هَب.

"إذا وجدت صبيًا من صبيان السبي أخذتْه، فألصقتْه ببطنِها وأرضعته" من غاية شفقتها على ولدها؛ لأنها إذا حنَّتْ على ولد غيرها كانت على ولدِها أحنَّ.

"فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أَتُرَوْنَ هذه طارحةً"؛ أي: تظنُّون أنها تطرَحُ "ولدها في النار"، مع شدة شفقتها عليه.

"قلنا: لا"؛ أي: لا تكون طارحةً فيها.

"وهي تقدِر"، الواو للحال؛ أي: حالَ قدرتها.

"على أن لا تطرحَه، قال: الله أرحمُ بعباده من هذه بولدها"، وفائدة هذه الحال أنها إن اضطرت يمكن طرحُها، والله تعالى منَزَّهٌ عن الاضطرار، فلا يَطرَحُ عبدَه في النار البتةَ.

* * *

1698 -

وقال: "لن يُنجيَ أَحَدًا منكم عملُه! "، قالوا: ولا أنتَ يا رسولَ الله؟ قال: "ولا أنا، إلَاّ أنْ يتغمَّدَنيَ الله منهُ بِرَحْمتِهِ، فسدِّدوا، وقارِبُوا، واكْدُوا ورُوحُوا، وشيئًا مِن الدُّلْجةِ، والقَصْدَ القَصْدَ تَبْلُغُوا".

"وعن أبي هريرةَ أنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: لن يُنجيَ أحدأ منكم عملُه"؛ يعني: لن يتخلَّصَ أحد منكم "من النار بعمله، ولن يدخلَ الجنة بعمله إلا بفضلِ الله ورحمته" يريد صلى الله عليه وسلم أن ينبِّه أمتَه على ألاْ يتَّكِلوا على أعمالهم اغترارًا بها، ويبين أن النجاة والفوزَ برحمته وفضله والعمل غير مؤثِّر فيهما إيجابًا.

ص: 158

"قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمَّدني الله برحمته"؛ أي: يستُرَني بها ويحفظَني كما يُحفَظ السيفُ بالغمد.

"فسدِّدوا"؛ أي: بالِغُوا في السَّدَاد؛ يعني: اجعَلوا أعمالَكم مستقيمة على الحق.

"وقارِبُوا"؛ أي: اطلبُوا قُربةَ الله بقدْر ما تُطِيقُون بلا إفراطٍ وتَفْرِيط.

"واغدُوا"؛ أي: امشُوا في طاعة الله في أولِ النهار.

"ورُوْحُوا"؛ أي: امشُوا في آخر النهار في طاعة الله.

"وشيءٌ من الدُّلجة"، وهي - بضم الدال -: آخرُ الليل؛ أي: ليكن في مشيكم شيءٌ منها، فيقع بعض طاعتكم في الليل، أو (شيء): مبتدأ محذوفُ الخبر؛ أي: وشيءٌ منها مطلوبٌ فيه عملُكم.

"والقصدَ القصدَ"، نصب بمقدَّر؛ أي: الزموا الطريقَ المستقيمَ الوسطَ في العمل، أو خذُوا الأمورَ بلا غلوٍّ ولا تقصير.

"تبلُغوا"، جزم بجواب الأَمر؛ أي: تبلغوا المَقْصد.

* * *

1699 -

وقال: "لا يُدْخِلُ أَحدًا منكم عملُهُ الجنَّةَ، ولا يُجيرُه مِن النَّارِ، ولا أنا، إلا برحمةِ الله تعالى".

"وعن جابر رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يُدْخِلُ أحدًا منكم عملُه الجنةَ ولا يجبره"؛ أي: لا يخلِّصه ولا ينجيه "من النار، ولا أنا، إلا برحمة الله".

* * *

ص: 159

1700 -

وقال: "إذا أَسلَمَ العبْدُ فحَسُنَ إسلامُهُ يُكفِّرُ الله عنهُ كلَّ سيئةٍ كانَ زلَفَها، وكانَ بَعْدُ القِصاصُ: الحسَنةُ بعَشْرِ أَمثالِها إلى سبعمائةِ ضعْفٍ، والسَّيئةُ بمِثْلِها إلا أنْ يَتَجاوَزَ الله عنها".

"وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: إذا أسلمَ العبدُ فحَسُنَ إسلامُه" بكونه عن إخلاص.

"يكفرُ الله"؛ أي: يستُر "عنه" ويعفو "كلَّ سيئةٍ كان زفَّها"؛ أي: قدَّمَها وأسلفها قبل الإسلام.

"وكان بعدُ" بالضم؛ أي: بعد التفكّر بالإسلام، أو بعد الإسلام.

"القصاصُ"، بالرفع؛ أي: المجازاةُ واتِّباع كلِّ عمل بمثله، وفي بعض النسخ بالإضافة.

"والحسنة"، بواو العطف في بعض النسخ؛ يعني: كانت الحسنة بعد الإسلام "بعشرِ أمثالها إلى سبع مئة ضعفٍ"، بخلاف قبل الإسلام، فإنه إذا عمل حسنة في الكفر ثم أسلمَ يُعطَى لكلِّ حسنةٍ ثوابُ حسنة واحدة.

"والسيئةُ بمثلها إلا أن يتجاوز الله عنها"، وبدون العطف في بعض النسخ، فيكون بيانا للقصاص إلى المجازاة، والتَّبع الذي يفعل معه في حسناته وسيئاته يكون كذلك.

* * *

1701 -

وقال: "إنَّ الله كتبَ الحسَناتِ والسِّيئاتِ، فمَنْ هَمَّ بحسنةٍ فلمْ يَعْملْها كتَبها الله لهُ عندَه حسَنةً كاملةً، فإنْ همَّ بها فعمِلَها كتبَها الله لهُ عندَهُ عشرَ حسَناتٍ إلى سَبْعمائةِ ضعْفٍ إلى أَضعافٍ كثيرةٍ، ومَنْ همَّ بسِّيئةٍ فلمْ يعمَلْها كتبَها الله لهُ عندَه حسَنةً كاملةً، فإنْ هوَ همَّ بها فَعَمِلَهَا كتَبها الله له سيئةً واحدةً".

ص: 160

"وعن ابن عباسٍ أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى كتبَ الحسناتِ والسيئاتِ" في اللوح المحفوظ.

"فمن همَّ بحسنةٍ"؛ أي: قصدَ بها.

"فلم يعملْها"؛ أي: لم يتيسَّر له عملُها لعذرٍ.

"كتبَها الله له عنده حسنه كاملة"، وإنما قال: عنده؛ لعدم اطِّلَاع الملائكةِ الكَتَبة على ما في النيَّات والسَّرَائر.

"وإنْ همَّ بها فعَمِلَها كتبَها الله له عندَه عشرَ حسناتٍ إلى سبع مئة ضعفٍ"؛ أي: مثل.

"إلى أضعافٍ كثيرةٍ، ومَن همَّ بسيئةٍ فلم يعملْها" خوفًا من الله.

"كتبَها الله له عنده حسنةً كاملةً"؛ لأن تَرْكَ السيئةِ حسنةٌ.

"فإن هو همَّ بها فعَمِلَها كتبَها الله له سيئةً واحدةً"، وإنما كان كذلك؛ لأن رحمتَه أكثرُ مِن غضبه.

* * *

مِنَ الحِسَان:

1702 -

وقال: "إنَّ مثَلَ الذي يعمَلُ السيئاتِ، ثمَّ يعمَلُ الحسَناتِ كلمثَلِ رجُلٍ كانتْ عليهِ دِرْعٌ ضَيقةٌ قد خنقَتْهُ، ثم عمِلَ حسَنةً فانفكَّتْ حَلْقَةٌ، ثم عمِلَ أخرَى فانفكَّت حَلْقَةٌ أُخْرَى حتى تَخْرُجَ إلى الأَرضِ".

"من الحسان":

" عن عقبة بن عامر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ مَثَلَ الذي يعملُ السيئات"، بضيق صدرِه ورزقه، وتحيُّره في أمره، "ثم يعملُ الحسناتِ كمَثَل رجلٍ كانت عليهِ دِرْعٌ ضَيقةٌ قد خَنَقَتْه"؛ أي: عصرَتْ حَلْقَه وترقُوتَه مِن ضيقها.

ص: 161

"ثم عمل حسنةً فانفكَّت حَلْقَةٌ"؛ أي: انحلَّتْ وتوسَّعَتْ.

"ثم عملَ حسنةً أخرى فانفكَّت حلقة أخرى حتى تخرجَ"؛ أي: تسقطَ تلك الدِّرعْ.

"إلى الأرض"، ويخرج ذلك الرجل من ضيق تلك الدرع.

* * *

1703 -

عن أبي الدَّرداءَ رضي الله عنه: أنه سمعَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقُصُّ على المِنْبَرِ وهو يقولُ: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} "، فقلتُ: وإنْ زَنىَ وإنْ سرَقَ يا رسولَ الله؟، فقالَ الثانيةَ: "{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} "، فقلتُ الثانيةَ: وإنْ زَنىَ وإنْ سرَقَ؟ فقالَ الثالثةَ: "{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} "، فقلتُ الثالثةَ: وإنْ زَنىَ وإنْ سرَقَ يا رسولَ الله؟ قال: "وإنْ رَغِمَ أَنْفُ أبي الدَّرداء".

"عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه سمع رسولَ الله يقصُّ"؛ أي: يَعِظُ الناس "على المنبر وهو يقول: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} "؛ أي: لمن خاف من القيام بحضرةِ ربِّه يومَ القيامة.

" {جَنَّتَانِ}، قلت: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟! فقال الثانية: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}، فقلت الثانية: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟! فقال الثالثة: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46]، فقلت الثالثة: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟! قال: وإن رَغِمَ أنف أبي الدرداء"؛ يعني: مَن خاف الله في معصيةٍ فتركَها يعطيه الله بستانيَن في الجنة، وإن زنى وإن سرقَ في وقتِ وترك لم يُبْطِل زناؤه وسرقته ثوابَ خوفهِ من الله في معصيةِ أخرى غيرِ تلك الزَّنْية والسَّرِقة.

* * *

ص: 162

1704 -

عن عامرٍ الرَّامِ أنه قال: بينا نحنُ عندَه - يَعني: عندَ رسول الله صلى الله عليه وسلم - إذ أَقْبَلَ رجلٌ عليهِ كساءٌ وفي يدِهِ شيءٌ قد التَفَّ عليهِ، فقال: يا رسولَ الله!، مَرَرْتُ بغَيْضَةِ شجَرٍ، فسمعتُ فيها أصواتَ فِراخِ طائرٍ، فأَخذتُهنَّ، فوَضعتُهنَّ في كِسَائي، فجاءَتْ أُمُّهنَّ، فاستدارَتْ على رأْسِي، فكشَفتُ لها عنهنَّ، فوَقَعَت عليهنَّ، فلفَفْتُهنَّ بكِسائي، فهُنَّ أُولاءِ معي، فقال:"ضَعْهنَّ"، فوضعتُهنَّ، وأَبَتْ أُمُّهنَّ إلَاّ لُزومَهنَّ، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:"أتَعجَبُونَ لِرُحْمِ أُمِّ الأَفراخ فِراخَها؟ فَوَالذي بعثَني بالحقِّ لَلَّهُ أرحمُ بِعِبَادِهِ مِنْ أُمَّ الأَفْراخِ بفِراخِها، اِرْجِعْ بهِنَّ حتَّى تضَعَهنَّ مِن حَيْثُ أَخَذْتَهنَّ، وأُمّهنَّ معهنَّ"، فرَجَعَ بهنَّ.

"عن عامر الرَّامِ قال: بينا نحن عنده - يعني: عند النبي عليه الصلاة والسلام إذْ أقبل رجلٌ"؛ أي: رجع وتوجَّه.

"عليه كِساءٌ" بكسر الكاف؛ أي: خرقةٌ.

"وفي يده شيء قد التفَّ"؛ أي: تلفَّفَ.

"عليه بثوبه، فقال: يا رسولَ الله! مررتُ بغيضةِ شجرٍ"؛ الغَيْضَة: الغابُة، وهي مجتمَعُ الأشجار، أضافَها إلى الشجر إمَّا لمزيد البيان، أو يراد بالشجر المرعى.

"فسمعتُ فيها أصواتَ فراخ طائرٍ": جمع فَرْخٍ: ولدُ الطير.

"فأخذْتُهنَّ فوضَعْتُهنَّ في كسائي، فجاءت أمُّهنَّ فاستدارت"؛ بمعنى: دارت.

"على رأسي فكشفتُ لها عنهنَّ"؛ أي: فرفعتُ الكِساءَ عن وجه الفِرَاخ لأجل أمّهنَّ حتى رَأتهنَّ.

"فوقعتْ عليهنَّ فلفَفْتُهنَّ بكِسَائي، فهنَّ أولاء معي، فقال: ضَعْهنَّ، فوضعتُهنَّ": بين يدَيِ النبي عليه الصلاة والسلام، فكشفَ صلى الله عليه وسلم عنهنَّ وعن أمهنَّ.

ص: 163