الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هـ-
ميلاده:
إن كتب التراجم التي بين أيدينا والتي تُرجمت لركن الدين لا تحدثنا عن السنة التي ولد فيها، غير ما جاء في بعضها على سبيل التلميح لا التصريح.
أقول: إن كتب التراجم يمكن تصنيفها بالنسبة إلى موقفها من ميلاد ركن الدين إلى ما يلي:
أ- بعضها لم يتعرض لميلاده، لا بالتصريح ولا بالتلميح، وذلك هو القسم الأكبر.
ب- بعضها تتعرض له بالتلميح دون التصريح؛ بأن تذكر تاريخ الوفاة ثم تذكر عمر ركن الدين حين الوفاة، فكأنها أعطتنا تاريخ الميلاد وإن لم تأت به صريحًا، مع العلم أن ثمة اختلافًا كبيرًا في ذلك بين هؤلاء المؤرخين.
جـ- بعضها الآخر ورد به تصريح بتاريخ الميلاد، وذلك في القليل النارد.
وإليك البيان مع اضطراب أقوال المؤرخين:
أما القسم الأول الذي لم يتعرض لميلاده إطلاقًا، لا بالتصريح ولا بالتلميح، فمنهم: ابن تغري بردي، وحاجي خليفة، وإسماعيل البغدادي والعاملي، وعمر كحّالة.
وأما القسم الثاني، ذلك الذي ذكر تاريخ الميلاد بالتلميح، فإليك بيان ما جاء فيه:
1-
ذكر السبكي "ت 771هـ" في طبقات الشافعية الكبرى أن ركن الدين توفي سنة 715هـ عن سبعين سنة1.
وتابعه في ذلك المقريزي "ت 845هـ" في كتابه السلوك2 ثم ابن حجر "ت 852هـ" في الدرر الكامنة3. فعلى هذا يكون ميلاد ركن الدين سنة 645هـ.
1 ينظر: 9/ 407.
2 ينظر: 2/ 158.
3 ينظر: 2/ 17.
2-
ذكر السيوطي "ت 911هـ" نقلًا عن صلاح الدين الصفدي "ت 764هـ" أن ركن الدين عاش بضعًا وسبعين سنة. وهذا يعني أنه ولد قبل سنة 645هـ.
3-
وذكر العيني في عقد الجمان أن ركن الدين قد بلغ الثمانين، ويعني ما قاله العيني أن ركن الدين ولد سنة "635هـ".
4 ويضطرب ابن قاضي شهبة "851هـ"؛ حيث يذكر أنه توفي بالموصل في المحرم سنة "715هـ"، أو سنة 718هـ، عن نَيِّف وسبعين سنة، أو أنه جاوز الثمانين1، وعلى ما قاله ابن قاضي شهبة يكون ركن الدين قد ولد سنة 635هـ، على رأي، أو ما بين هذا التاريخ و645هـ على الرأي الآخر.
5-
وقد اضطرب أيضًا ابن العماد الحنبلي "ت 1089هـ" في حديثه عن السنة التي توفي فيها ركن الدين، حيث إنه قد ترجم له تحت حوادث سنة 715هـ، ثم عاد فترجم له تحت أحداث سنة 718هـ، ولم يذكر شيئًا عن مولده ولا عن عمره الذي عاشه، غير أنه صرح بأنه قد شاخ2.
وهذه الشيخوخة تبدأ بعد الثمانين إلى ما لا نهاية.
وأما القسم الثالث فنراه يصرح بالسنة التي ولد فيها والسنة التي
1 ينظر: طبقات النحاة واللغويين.
2 ينظر: شذرات الذهب: 6/ 35.
توفي فيها، وقد تفرد بهذا الزركلي في أعلامه؛ حيث يقول وهو بصدد ترجمته:"ابن شرف شاه "645-715هـ": حسن بن محمد بن شرف الحسيني الأستراباذي ركن الدين"1.
والزركلي من المُحدثين، حيث توفي سنة 1390هـ، وأراه قد اختار الرأي القائل بأن ركن الدين توفي سنة 715هـ، عن سبعين سنة، ثم قام بعملية حسابية صغيرة، وهي طرح سبعين سنة من تاريخ الوفاة وهو "715هـ" فكان الحاصل أنه ولد سنة 645هـ.
لكن، وقد اضطربت الروايات التاريخية هكذا، ما الذي نرجحه بالنسبة إلى السنة التي ولد فيها ركن الدين؟
موقفنا من الروايات السابقة:
أبادر فأقول: إنني لا أتفق مع كل هذه الروايات، بل أطرحها جميعًا وأرجح أن ركن الدين ولد قبل أسبق رواية قيلت بشأن مولده "وهي رواية العيني التي نستخلص منها أنه ولد سنة 635هـ". أقول أرجح أنه ولد قبل هذا التاريخ بنحو من ربع قرن. فإن قيل من أين أتيت بهذا التحديد، وما السبيل إلى هذا الترجيح؟
قلنا: إن أسبق رواية قيلت بشأن مولده هي رواية "635هـ"، كما ذكرنا، ثم تعددت الروايات التي نستخلص من بعضها هذا التاريخ ومن بعضها الآخر "645هـ"، وبعضها يتأرجح بين التاريخين.
فإذا كان الأمر كذلك ورجحنا واحدة من تلك الروايات التي تبدأ -عن
1 الأعلام: 2/ 215.
طريق عملية حسابية- بسنة "635هـ" وتنتهى بسنة "645هـ" فماذا نقول إذا علمنا أن ياقوت الحموي المتوفى سنة 626هـ قد ترجم لركن الدين موضوع البحث، حيث جاء في معجم الأدباء "8/ 5" ما نصه:"الحسن بن أحمد الأستراباذي، أبو علي: النحوي، اللغوي، الأديب، حسنة طبرستان، وأوحد ذلك الزمان، وله من التصانيف: كتاب شرح الفصيح، وكتاب شرح الحماسة".
فإن قيل: قد يكون المراد عند ياقوت شخصًا آخر غير الحسن بن أحمد الأستراباذي موضوع البحث؟
أقول: إنني وضعت هذا الاحتمال أمام عيني وذهبت لأستشير كل كتب التراجم، وأبحث عن علماء أستراباذ المتقدمين والمتأخرين، الشافعية والشيعة، ممن سبقوا عالمنا بقليل ولهم شرح الحماسة والفصيح، ولكنني بعد جهد جهيد زال ما في نفسي من شك وتأكدت من أن المراد عند ياقوت هو عالمنا المترجم له، وأن ركن الدين هذا قد شرح الفصيح والحماسة، وقد نصت كتب التراجم التي أتت بعد وفاته على أنه شرح هذين الكتابين من بين مؤلفاته، وقد نقل السيوطي "ت 911هـ" ترجمته عن ياقوت "ت 626هـ"، وجاء كحالة بعد ياقوت بما يقرب من ثمانية قرون لينقل ترجمة ركن الدين عن ياقوت أيضًا ويحيل إلى معجم الأدباء "8/ 5" من بين كتب التراجم التي أشار إليها.
لذا أرى أن ركن الدين قد عاصره ياقوت "ت 626هـ" في
شطر من حياته، وكان ركن الدين شابًا يافعا عرف عنه النبوغ المُبكر في عصره وطارت شهرته، وأنه قد شرح هذين الكتابين في وقت مبكر من حياته، ربما لا يكون قد بلغ العشرين من عمره آنذاك، وهما أول مصنفاته، وصل ذكره وذكر كتابيه إلى ياقوت فترجم له قبل وفاته، وكان ركن الدين لا يزال شابا في مقتبل العمر فأثار ذلك إعجاب ياقوت، وقال عنه:"حسنة طبرستان وأوحد ذلك الزمان". ثم توفي ياقوت سنة "626هـ" وكان ركن الدين لا يزال آنذاك حيا، بدليل أن ياقوت لم يذكر تاريخ وفاته ولا حتى مولده.
وأرى كذلك أن أصحاب الروايات السابقة التي حددت تلميحًا سنة ميلاده لم يكونوا قد اطلعوا على ترجمة ياقوت له، وإلا كانوا قد رجحوا ما رجحناه.
ويؤيد ما رجحناه أيضًا بشأن ميلاد ركن الدين وأنه كان من المعمرين ما قاله ابن العماد الحنبلي؛ حيث نص على أن ركن الدين "قد شاخ"1. ومرحلة الشيخوخة -كما نعلم- تبدأ من بعد الخمسين إلى ما لا نهاية2، وليس بغريب في أي زمن أن يعيش المرء "115" عامًا، أو "120" عامًا أو نحو ذلك، وعلى هذا يكون ركن الدين قد ولد سنة 600هـ، أو حول هذا التاريخ، وهذه
1 شذرات الذهب: 6/ 35.
2 ذكره صاحب اللسان، وأضاف:"وقيل: من الخمسين إلى الثمانين" اللسان "شيخ: 4/ 2373".
نتيجة قد سلكنا في إثباتها سبيل الظن والترجيح، وذلك بعد معايشة تامة لكتب التراجم جميعها، وبعد جهد جهيد في تقصي أخبار ركن الدين والوقوف على ترجماته.
ومما استرعى انتباهي أثناء تَجوالي وتَطوافي بين كتب الطبقات أنني وجدت السيوطي رحمه الله ينقل ترجمته لركن الدين عن ياقوت، ويصرح بذلك عقب الترجمة، بقوله:"قاله ياقوت"1، ثم في موضع آخر يذكر نقلًا عن صلاح الدين الصفدي أن ركن الدين عاش بضعا وسبعين سنة، ولم يقف أمام هذه المسألة ليحققها، ولم يلفت انتباهه أنه على ما نقله عن الصفدي يكون قد ولد بعد وفاة ياقوت، فكيف يترجم ياقوت لمن يأتي بعد وفاته؟ كان من المتوقع أن يحقق السيوطي هذه القضية غير أنه -كما عهدنا عنه رحمه الله لا يكلف نفسه في كثير من الأحيان سوى عناء النقل فقط.
1 بغية الوعاة: 1/ 499.