الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ط-
أخلاقه وصفاته:
كان ركن الدين وجيهًا حليمًا متواضعًا، يقال إنه كان من شدة تواضعه يقوم لكل واحد حتى للسقاء2.
ويقول السبكي في طبقات الشافعية الكبرى1: "وكان جليل القدر معظمًا عند ملوك الزمان حسن السمت والطالع، حكي أنه كان مدرسًا بماردين بمدرسة هناك تسمى مدرسة الشهيد، فدخلت عليه امرأة يومًا، فسألته عن أشياء مُشْكِلة في الحيض، فعجز عن الجواب، فقالت له المرأة: أنت عَذَبَتُكَ3 واصلة إلى وَسَطِكَ وتعجز عن جواب امرأة؟ فقال لها: يا خالة لو علمت كل مسألة أُسأل عنها لوصلت عذبتي إلى قرن الثور".
1 ينظر: الدرر الكامنة: 2/ 16، والشذرات: 6/ 35.
2 9/ 407.
3 عذبة كل شيء: أعلاه أو طرفه. ينظر: القاموس المُحيط/ عذب/ 1: 101. ويقصد بها ههنا: خرقة اللواء؛ أي: العمامة.
ى-
مكانته العلمية وثقافته:
كان ركن الدين رحمه الله نحويا، صرفيا، لغويا، أديبا، فقيهًا. يضاف إلى ذلك أنه كان عالمًا في المنطق والطب وعلم الكلام، وله تصانيف مفيدة في كل هذه المجالات، سوف نتحدث عنها في موضعها من هذا المبحث، إن شاء الله تعالى.
وهذا يعني أنه كان على جانب عظيم من الثقافة والاطلاع. قال صاحب أعيان الشيعة: "كان تلميذ المحقق الطوسي الخواجة نصير الدين، ومن أخص أصحابه ومثله في التحقيق وكان علامة في العلوم العقلية والنقلية"1.
1 أعيان الشيعة: 23/ 145.
وقال كحّالة في معجم المؤلفين1: "عالم مشارك في النحو والتصريف والفقه والمنطق والطب والكلام والأصول".
وسوف تبرز مكانته العلمية بصورة أوضح من خلال ما سوف نعرضه من آراء للعلماء فيه، وذلك في موضعه من بحثنا هذا إن شاء الله تعالى.
فإن قيل: من أين استمد ركن الدين ثقافته؟ قلنا: إنه اشتغل على النصير الطوسي وحصل منه علومًا كثيرة، لدرجة أنه صار معيدًا في درس أصحابه.
يضاف إلى هذا أنه قد شغف بمصنفات ابن الحاجب رحمه الله وعلى وجه خاص بالكافية وشرحها، وبالشافية، ومختصر ابن الحاجب في علم الأصول وهو المعروف باسم:"مختصر منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل".
ومؤلفات ابن الحاجب هذه قد طارت شهرتها وعمّت الآفاق في كل الأوقات وخاصة في عصر ركن الدين الذي هو عصر ابن الحاجب "ت 646هـ"، فتبناها ركن الدين، وتتلمذ عليها، وصار تلميذًا لابن الحاجب بواسطة مؤلفاته هذه.
1 3/ 196.
ك- مذهب ركن الدين الفقهي:
وعده واحدًا من أكابر علماء الشافعية، وتابعه في هذا المقريزي "ت 845هـ"، ونص في كتابه السلوك على أنه كان مدرسًا للشافعية.
وتابعهما في ذلك إسماعيل البغدادي في كتابه هدية العارفين. يضاف إلى ذلك أنه شرح واحدًا من أهم كتب الشافعية، وهو كتاب الحاوي الصغير في فقه الشافعية للقزويني "ت 665هـ"1.
وأيضًا نجده يستشهد بكلام الإمام الشافعي؛ حيث أورد له شاهدًا في الوافية2 بعد أن استشهد به في البسيط3، وهو قول الشافعي رحمه الله:
ولولا الشعر بالعلماء يزري
…
لكنت اليوم أشعر من لبيد4
- صلة ركن الدين بالمذهب المالكي:
اتصل ركن الدين بالمذهب المالكي عن طريق الإمام ابن الحاجب "ت 646هـ" حيث إن المعروف عن ابن الحاجب أنه اشتغل بالفقه على مذهب الإمام مالك رضي الله عنه-5 وفيه صنف غالب مؤلفاته، ومن بينها كتابه منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل ومختصره؛ وهما كتابان في أصول الفقه المالكي. وقد تناول ركن الدين هذا المختصر الأصولي بالشرح،
1 ينظر: الأعلام: 2/ 223.
2 ص72.
3 1/ 136.
4 ديوان الإمام الشافعي ص73.
5 ينظر: وفيات الأعيان: 3/ 248.
وسمي شرحه: حل العقد والعقل في شرح مختصر منتهى الوصول والأمل. ومن هنا جاء اتصال عالمنا ركن الدين بمذهب الإمام مالك رحمه الله.
- اتصاله بالشيعة:
إن أحدًا لم يذكر إن ركن الدين الأستراباذي كان متشيعًا؛ بل كان الرجل سلفيا من أهل السنة يتبع مذهب الإمام الشافعي كما ذكرنا. إذن فمن أين جاء اتصاله بالشيعة؟
أقول: إنه اتصل بالشيعة من الطرق التالية:
أ- تلمذته على نصير الدين الطوسي "ت 672هـ"، وكان النصير الطوسي شيعيا تحدد مذهبه السياسي بتميزه الشديد للاثنى عشرية، مما بوأه مقعد الزعامة للشيعة الإيرانية بفضل مواهبه وتفننه في علوم شتى1.
ب- ألف كتابًا أسماه "نهج الشيعة" ألفه باسم السلطان إدريس بهادرخان2، وواضح أنه ألفه لكسب رضا هذا السلطان الشيعي.
جـ- محاولة علماء الشيعة جاهدين أن يستخلصوه لأنفسهم، فيجعلوه من أعيان الشيعة، ويترجم له العاملي في كتابه أعيان الشيعة3.
ولعل الذي دفع العاملي ليترجم لركن الدين في أعيان الشيعة أنه
1 ينظر: أعيان الشيعة: 46/ 4-19.
2 ينظر: المصدر السابق: 23/ 145.
3 في: 23/ 70، 145، 146.
عرف من أخباره أنه كان تلميذ الخواجه الطوسي المفضل ومن أخص أصحابه، ومثله في التحقيق على حد تعبيره1.
يضاف إلى ذلك ما عرف عن أسرته؛ حيث كان جده الأدنى علي بن الحسن شرف الدين شاه، من علماء الشيعة، ذكر ذلك صاحب الذريعة إلى تصانيف الشيعة2.
وكذلك ما عرف عن ركن الدين من أنه كان فارسي الأصل.
وبلاد فارس كانت مرتعًا للشيعة بوجه عام، وإن كانت مدينة "قُم" مركزًا للعصبية الشيعية منذ زمن بعيد3، وهي في بلاد فارس تضاهي الكوفة في العراق4.
خلاصة القول في عقيدته وهواه:
بعد ما ذكرناه حول عقيدته ومذهبه الفقهي والأدلة التي ذكرناها تأييدًا لما ذهبنا إليه يمكننا القول بأن ركن الدين كان مسلمًا متدينًا ورعا تقيا سلفيا يتبع مذهب أهل السنة على مذهب الإمام الشافعي،
1 المصدر السابق.
2 هو الشيخ أغا بزرك الطهراني. استغرق ستة وعشرين عامًا في تأليف كتاب الذريعة إلى تصانيف الشيعة من سنة 1329هـ إلى سنة 1355هـ. ينظر الكلمة التي كتبها الأوربادي عن حياة المؤلف في مقدمة الكتاب.
3 ينظر: تاريخ الحضارة الإسلامية للمستشرق الروسي "ف. بارتولد" ترجمة حمزة طاهر ص63 الطبعة الثانية.
4 ينظر: الفهرست لابن النديم ص98/ ط. الرحمانية، وينظر كذلك: الفن ومذاهبه في الشعر، د. شوقي ضيف، ص203.