المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أولا: المسائل الخلافية في الكتاب: - شرح شافية ابن الحاجب - ركن الدين الاستراباذي - جـ ١

[ركن الدين الأستراباذي]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة:

- ‌الدراسة: ركن الدين الأستراباذي: حياته وآثاره

- ‌التمهيد: عصر ركن الدين الأستراباذي

- ‌ الحالة السياسية في عصره:

- ‌ الحالة الاقتصادية والاجتماعية في عصره:

- ‌ الحالة العلمية والفكرية والثقافية في عصره:

- ‌ الحياة الدينية في عصره:

- ‌الفصل الأول: ركن الدين: نشأته وحياته وآثاره

- ‌المبحث الأول: نشأته وحياته

- ‌ اسمه ونسبه:

- ‌اضطراب الروايات في زاوية الأسماء وما يتعلق بها من الكنى والألقاب:

- ‌أحمد هو أم محمد:

- ‌ ألقابه:

- ‌ كنيته:

- ‌ أسرته:

- ‌ ميلاده:

- ‌ موطنه:

- ‌ نشأته وحياته العلمية:

- ‌ رحلاته:

- ‌ أخلاقه وصفاته:

- ‌ مكانته العلمية وثقافته:

- ‌ شيوخ ركن الدين وتلاميذه:

- ‌ وفاته:

- ‌ آراء العلماء فيه:

- ‌ المبحث الثاني: آثاره "الموجود منها والمفقود

- ‌ما وصل إلينا من مصنفاته:

- ‌ كتاب البسيط:

- ‌ كتاب المتوسط:

- ‌ الشروح والحواشي على الكتاب:

- ‌أولًا: الشروح:

- ‌ثانيًا: الحواشي

- ‌ شرح الشافية:

- ‌الفصل الثاني: كتاب شرح شافية ابن الحاجب

- ‌المبحث الأول: دراسة الكتاب

- ‌ قيمة الكتاب:

- ‌ منهج ركن الدين في عرض قضاياه التصريفية في هذا الكتاب:

- ‌بين ركن الدين وابن الحاجب:

- ‌أولًا: المسائل الخلافية في الكتاب:

- ‌ثانيا: اللهجات العربية الواردة في الكتاب

- ‌المبحث الثاني: الكتاب "توثيقه ومخطوطاته

- ‌تحقيق عنوانه، وتوثيق نسبته إلى مؤلفه:

- ‌نماذج خطية من النسخ المعتمدة في التحقيق:

- ‌منهجي في تحقيق الكتاب:

- ‌كتاب: شرح شافية ابن الحجاب لأبي الفضائل ركن الدين الحسن الأستراباذي المتوفى سنة "715ه

- ‌مقدمة المؤلف:

- ‌[حد التصريف] :

- ‌[أنواع الأبنية] :

- ‌[الميزان الصرفي]

- ‌[القلب المكاني] :

- ‌[علامات القلب] :

- ‌[الصحيح والمعتل] :

- ‌[أبنية الاسم الثلاثي] :

- ‌[رد بعض الأبنية إلى بعض] :

- ‌[أبنية الرباعي المجرد] :

- ‌[أبنية الخماسي] :

- ‌[أحوال الأبنية] :

- ‌[أبنية الماضي المجرد الثلاثي] :

- ‌[أبنية الماضي الثلاثي المزيد فيه] :

- ‌[معاني: الأبنية في الأفعال] :

- ‌[معاني أبنية الثلاثي] :

- ‌[معاني: فَعِلَ] :

- ‌[معاني فعُل] :

- ‌[معاني أفعَل] :

- ‌[معاني: فَعَّلَ] :

- ‌[معاني: فاعَلَ] :

- ‌[معاني: تَفَاعَلَ] :

- ‌[معاني: تَفَعَّلَ] :

- ‌[معاني انْفَعَلَ] :

- ‌[معاني: افْتَعَلَ] :

- ‌[معاني: استفعل] :

- ‌[أبنية الرباعي] :

- ‌[الفعل المضارع وأبوابه] :

- ‌المشتقات:

- ‌[الصفة المشبهة] :

- ‌المصدر:

- ‌[المصدر الميمي] :

- ‌[المصدر مما جاء على أكثر من ثلاثة أحرف] :

- ‌[اسم المصدر] :

- ‌[اسم المرة] :

- ‌[أسماء الزمان والمكان] :

- ‌[اسم الآلة] :

- ‌[باب المُصَغَّر] :

- ‌[شواذ التصغير] :

- ‌[تصغير الترخيم] :

- ‌[تصغير المبنيات] :

- ‌[باب الاسم المنسوب] :

- ‌[باب الاسم المجموع] :

- ‌[حكم عين الثلاثي المؤنث في جمع المؤنث] :

- ‌[جمع التكسير للثلاثي الصفة] :

- ‌[جمع التصحيح في الصفات] :

- ‌[عود إلى جمع التكسير] :

- ‌[جمع فاعل الاسم] :

- ‌[جمع فاعل الصفة] :

- ‌[جمع ما آخره ألف التأنيث] :

- ‌[جمع أفْعَل: اسما وصفة]

- ‌[جمع فَعْلان: اسما وصفة]

- ‌[تكسير الرباعي والمشبه به] :

- ‌[جمع الخماسي] :

- ‌[اسم الجمع] :

- ‌[شواذ الجمع] :

- ‌[جمع الجمع] :

- ‌[التقاء الساكنين] :

- ‌ الابتداء

- ‌[الوقف] :

- ‌[المقصور والممدود] :

الفصل: ‌أولا: المسائل الخلافية في الكتاب:

‌أولًا: المسائل الخلافية في الكتاب:

حرص ركن الدين -وهو يعالج قضاياه الصرفية ومسائله- على أن يذكر الآراء المختلفة للنحويين الأوائل رحمهم الله في المسألة الواحدة إذا تعددت حولها الآراء والأقوال، وذلك بطريقة سهلة ميّسرة تجذب القارئ وتعينه على فهم المسألة بدقائقها، وكان يُناقش هذه الآراء، ويناقش أيضًا حجج كلّ فريق، ثمّ بعد ذلك يختار لنفسه مذهبًا، مؤيِّدًا ما يختاره بالأدلة المقنعة.

ولكي يتضح منهجه في عرض مسائله الخلافية والخلاف حولها ومناقشة الآراء وموقفه منها نورد طائفة من هذه المسائل، وإليك البيان:

1-

خلافهم حول أصل "كَيَّنُونَة":

ذكر لنا ركن الدين خلافا بين البصريين والكوفيين حول أصل "كَيَّنونة" ولنترك له المجال لنرى ماذا يدور بين الفريقين من خلاف: يقول: "قال البصريون: إنه مغير عن "كَيْنُونة" بحذف العين، بدليل عوده إليه في قوله:

حتى يعود الوصلُ كَيَّنونة

ص: 108

واستدلوا عليه بوجود "فَيْعَلول" كـ"خَيْثَعو". وقال الكوفيون: هو مغيَّر بإبدال ضمة أوّله فتحة، وأصله "كُونونة" على وزن "سُرْجُونة" وهي الطبيعة1، وبعد أن عرض رأي البصريين والكوفيين نراه يرفض رأي الكوفيين بقوله:"وهو ضعيف؛ لأنّه لو كان الأمر في هذا كما قال الكوفيون لم يكن لإبدال الواو ياء وجهٌ، ولا لإبدال ضمّة أوّله فتحة"2.

وهو بهذا يختار رأي سيبويه وجمهور البصريين كما هو واضح3.

2-

أصل الهاء المتطرقة في "هناه":

ذكر ركن الدين في هذه المسألة مجموعة من الأقوال بدأها برأي جمهور البصريين، عدا أبي زيد والأخفش، ثُمَّ ذكر رأيًا ثانيًا لبعض البصريين، ثم ذكر ثالثًا لبعضهم، ورابعًا، وبعد ذلك عرض رأي الكوفيين، ثم ختم الحديث بذكر قول لأبي البقاء العكبري. ولنترك له الزمام ليحدثنا عن أقوالهم التي وقف عليها: يقول: "والهاء في قول امرئ القيس:

وقد رابَنِي قَولها يا هَنَا

هُ ويحك أَلْحَقْتِ شرًّا بشرّ

مبدلة عن الألف المُنقلبة عن الواو في هنوات، على رأي وأصله: هَنَاوٌ؛ فقلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها؛ لأن الفاصل غير

1 الكتاب: ص807.

2 الكتاب: 807.

3 ينظر كتاب سيبويه: 4/ 365، والمنصف: 2/ 15، والممتع: 2/ 502، 503.

ص: 109

حصين، فالتقى ألفان؛ فقلبت الألف الثانية هاء، على وجه الشذوذ، ولو سُلِكَ بها طريق القياس لقلبت همزة.

فإن قيل: من أين جاءت الألف التي قبل الهاء؟

قلنا: هي الألف التي في "هنات" جمع "هن"، فأبدلت الواو المقدرة بعدها ألفًا، ثم أبدلت الألف هاء، وهي المتولدة من إشباع الفتحة.

وإنما قال: "على رأي"، لأنَّ في هاء "يا هناه" أقوالًا للبصريين غير ما ذكره وقولًا واحدًا للكوفيين والأخفش.

أما أقوال البصريين؛ فأحدها: أنها بدل عن الواو1. وثانيها: أنها بدل عن ألف مبدلة من واو2. وثالثها: أن الهاء أصلية وليست بدلًا، وضعف لقلة باب سلس3. ورابعها: أن الألف بدل من الواو التي في هَنَوات، والهاء للسكت.

وأما قول الكوفيين والأخفش، فهو أن الهاء والألف زائدتان، والهاء للسكت والوقف واللام محذوفة: كما حذفت في: هن، وهنة.

ويبطل هذا القول الرابع للبصريين جوازُ تحريكها في السعة، وهاءُ السكت والوقف لا يجوز تحريكُها في السعة.

وأجابوا عنه بأنها إنما حُرِّكتْ لمَّا وصلت؛ تشبيها لهاء السكت بهاء الضمير. وقال أبو البقاء: "إنَّه هَنْ أضيف إلى ياء المتكلم

1 ينظر الممتع: 1/ 401، والإيضاح: 2/ 410، وشرح الشافية للرضي: 3/ 225.

2 ينظر المنصف: 3/ 140-143، والمفصل: 370، والإيضاح: 2/ 410.

3 ينظر الممتع: 1/ 401، والإيضاح: 2/ 411.

ص: 110

فصار: يا هَنِي، ثم أبدلت من الكسرة فتحة ومن الياء ألفًا، كما فعلوا في "غلام"، وألحق في آخره الهاء للوقف، فصار:"يا هناه"، كما قيل يا غلاماه. وهو حسن"1.

فهو بهذا العرض الميسّر قد أوقفنا على كل ما قيل بشأن هذه المسألة من أقوال ومذاهب.

3-

وزن "أشياء" وعلة المنع من الصرف:

تعرض أبو البركات للحديث عن هذه المسألة في كتابه الإنصاف في المسألة "118" إلا أنّ حديثه فيها كان حديثًا مجملًا؛ إذ يقول: "ذهب الكوفيون إلى أنّ "أشياء" وزنه "أفعاء" والأصل "أفعلاء". وإليه ذهب أبو الحسن الأخفش من البصريين. وذهب البصريون إلى أن وزنه "لفعاء" والأصل "فعلاء""2.

ثم شرع يسرد حجج الفريقين ويناقش حجج الكوفيين، على حين نجد ركن الدين فصَّل القول فيها، وينسب كلَّ رأي لصاحبه ولا يعمِّم كما فعل الأنباريّ؛ يقول:"قال الخليل وسيبويه وأتباعهما: وزنه "لفعاء". وأصله "شيئاء" على وزن "فعلاء" فمنع الصرف لألف التأنيث ثم تُقلب اللام إلى موضع الفاء، فصار "أشياء" على وزن "لفعاء". وقال الكسائيّ: وزنه "أفعال" لأنّ "فعلاء" معتلّ العين يجمع على "أفعال" كـ: قَيْل وأقيال. وقال الفرّاء: وزنه: "أفعاء"

1 الكتاب: ص876.

2 الكتاب: ص194.

ص: 111

وأصله "أشيئاء" على وزن "أفعلاء"؛ فخفف بحذف الهمزة الأولى ورأى أن شيئًا أصله: "شَيِّء" على وزن "فيعل" ثمّ خُفِّف كما خُفِّف "مَيْت" ثمّ جمع على "أشياء" كما جمع "نَبِيّ" على "أنبياء" ثمّ حذفت الهمزة التي هي لام الفعل تخفيفًا كراهة اجتماع همزتين بينهما ألف، فصار وزنه "أفعاء"1. ثم يرجح مذهب الخليل وسيبويه على غيره من المذاهب مقدِّما الحجج والأدلة والبراهين التي تؤيِّد اختياره؛ إذ يقول:"ومذهب الخليل وسيبويه أصحّ من مذهبي الكسائي والفرَّاء. أما كونه أصحّ من مذاهب الكسائي؛ فلأنّ مذهب الكسائي مستلزم لمنع صرف الاسم بغير علة، وانتفاؤه معلوم من لُغتهم. والقلب الذي هو مذهب الخليل وسيبويه كثير شائع؛ فارتكابه أولى من ارتكاب ما لا نظير له في كلامهم. وأمّا كونه أصحّ من مذهب الفرّاء؛ فلأنّ مذهب الخليل وسيبويه يستلزم خلاف الظاهر -أعني القلب- وهو كثير شائع، ومذهب الفّراء يستلزم خلاف الظاهر بوجهين أحدهما غير شائع والآخر غير جائز. والأول تقديره "شيئاء". وأن "شيِّئًا" على وزن "فَيْعِل"؛ فإنه خلاف الظاهر مع أنّه لم يسمع؛ فلو كان هو الأصل لكان هو الكثير الشائع، كما أنّه لما كان "ميِّت وبيِّن" أصل "مَيْت وبيْن" كان أكثر من "مَيْت وبَيْن" لكنه ليس كذلك"2.

1 الكتاب، ص194.

2 الكتاب، ص196.

ص: 112

4-

أصل الألف المنقلبة عن التنوين في الاسم المقصور حال الوقف:

قال ركن الدين: "اعلم أنه يوقف على كل شيء منون مقصور ثلاثيا كان أو غير ثلاثي، على الألف باتفاق، سواء كان مرفوعًا أو منصوبًا أو مجرورًا، نحو: هذه عصى ورحى ومسمّى ومُعلَّى، ورأيت عصى وروحى ومُسمّى ومُعلَّى، ومررت بعصى ورحى ومُسَمَّى ومُعَلَّى. لكن اختلفوا في هذه الألف؛ فقال المُبرِّد: هي الألف الأصلية في الأحوال الثلاث. وقال المازنيُّ: هي الألف المبدلة من التنوين في الأحوال الثلاث. وقال سيبويه: هي الألف المبدلة من التنوين حال النصب، والألف الأصلية حالتي الرفع والجرّ واستدلّ على قول المبرد بوجهين: أحدهما: أنهم أمالوا رحى ومسمى ومعلى في الوقف حالة النصب والرفع والجر، فلو كانت الألف فيها عوضا عن التنوين لم تمل. والثاني: أنهم كتبوا معلى ومسمى بالياء في الأحوال الثلاث، فلو كانت الألف عوضًا عن التنوين لوجب أن يكتب ألفًا كما كتبت: رأيت زيدا، بالألف. واستدل على قول المازني بأنه إنما قلب التنوين ألفًا في الوقف حالة النصب، لوقوعه بعد الفتحة، وهذه العلة موجودة في الأحوال الثلاث في هذا الباب فوجب قلبهما ألفًا في الأحوال الثلاث عملا بالعلّة واستدل على قول سيبويه بأن المعتل الذي يشكل أمره يحمل على مثاله من الصحيح، لكنه قد ثبت في الصحيح أنهم يقلبون التنوين ألفًا في حالة النصب ويحذفونه في حالة الرفع، فوجب أن يكون المُعتل كذلك"1.

1 الكتاب: ص533.

ص: 113

واختار رأي سيبويه واعترض على ما قاله المبرد والمازني بقوله: "ويمكن أن يجاب عن دليل المبرد بأنا لا نسلم أن من كان رأيه غير رأي المبرد أمالها وكتبها بالياء، بل أمالها وكتبها بالياء من كان رأيه رأي المبرد، فلم قلتم إنه ليس كذلك. وعن دليل المازني بأنا لا نسلّم أن الفتحة المقتضية لقلب التنوين ألفًا موجودة قبل التنوين في الأحوال الثلاث؛ لأنّ الفتحة المقتضية له هي الفتحة المقدرة لا الملفوظة العارضة ولهذا لا اعتبار للحركة والسكون العارضين، بل للحركة والسكون الأصليين، كما مرَّ في باب التقاء الساكنين"1.

5-

وزن "إنسان":

ذكر ركن الدين خلافًا حول وزن لفظة "إنسان"؛ فبعضهم يرى أن وزنه "فِعْلان"، والبعض الآخر يرى أن الوزن "إفْعان" يذكر ركن الدين هذين المذهبين ثم يختار المذهب الأول ويرى أنه الصواب، يقول:"اختلف في إنسان؛ فقال بعضهم: إنه فِعْلان، من الأنس".

وقال بعضهم: إفعان -من نَسِي- لمجيء تصغير إنسان على أُنَيْسِيَان. والتصغير يردُّ الأشياء إلى أصولها؛ فأصل إنسان أنيسان، فحذفت الياء على غير قياس، فبقي إنسان على وزن "إفعان".

والأول هو الصواب؛ لأن الإنسان موافق لأنس وأنيس في اللفظ والمعنى، فيكون الألف والنون زائدتين، والإنسان ليس بموافق لِنَسِيَ

1 الكتاب: ص534.

ص: 114

لا في اللفظ ولا في المعنى"1.

والرأي الأول اختاره الجوهري في صحاحه، وذكر أن أصحاب الرأي الثاني استدلوا على مذهبهم بقول ابن عباس رضي الله عنه سُمي إنسانًا؛ لأنه عُهِدَ إليه فنسِيَ2.

6-

وزن "هَمَّرِش":

ذكر ركن الدين خلافًا حول وزن "هَمَّرِش"، وأن اتجاهًا يرى أن الميم المكررة زائدة والآخر يرى أن الميم منقلبة عن نون "هَنْمَرِش" يقول:"اختلف في "همّرِش" على قولين: أحدهما: وهو قول الأكثرين: بتضعيف العين؛ أي: تكرير الميم، فالميم الثانية زائدة.

والثانية وهو قول الأخفش: ليس بتضعيف عينه. بل أصله "هَنْمَرِش"؛ فقلبت النون ميمًا، وأدغمت الميم في الميم، فلهذا توهم التضعيف وليس بتضعيف، فوزنه: فَعْلَلِلٌ كجَحْمَرِش. ويؤكد عدم كونه مضعفا مجيء فعلل. ولعدم مجيء فعلل. ولعدم مجيء فعلل لم يظهروا النون؛ لأنه حينئذ لا يحصل الالتباس؛ لتعيين كونه فَعْلَلِلًا، فلو التبس وجب الإظهار؛ لئلا يلتبس المثالان، كما فعل في غيره"3.

1 الكتاب: ص597، 598.

2 ينظر: الصحاح: "أنس": 3/ 904.

3 الكتاب: ص620.

ص: 115

والأول هو رأي الخليل وسيبويه وجمهور البصريين1 والثاني: هو رأي الأخفش، كما ذكر ركن الدين، ووافقه الكوفيون2.

وينشأ عن خلافهما خلاف حول التصغير، فتصغير هَمَّرِش عند الخليل وسيبويه "هُمَيْرِشٌ"، وعند الأخفش "هُنَيْمِرٌ".

7-

اشتقاق لفظة "سُرِّيَّة":

قال ركن الدين: "واختلفوا في اشتقاق سُرِّيَّة؛ فقال بعضهم: إنها من السرِّ الذي هو الجماع أو الذي يكتم؛ لأنها توافق معنى الجماع ومعنى الذي يكتم، لأن الغالب في السرية الإسرار عن حرية وهي فُعْلِيَّةٌ منسوبة إلى السر بمعنى الجماع والإخفاء، وإنما ضمت سينها؛ لأن الأبنية قد تغير في النسب خاصة كما قالوا في النسبة إلى الدهر: دُهْرِيّ، وإلى الأرض السهلة سُهَلِيّ. والجمع السراري فالياءان زائدتان. وقال بعضهم: وزنها فُعْوُلَةٌ -سُرُّورة من السرِّ أيضا- أبدلوا من الراء الأخيرة ياء للتضعيف ثم أدغموا.

وقال بعضهم: إنها من السراة، وهي الخيار؛ لأنه لا يجعل الأمة سُرّيَّة إلا بعدما اختارها لنفسه، ولا يختارها لنفسه إلا إذا كانت سُرِّيَّة، فوزنها عند هؤلاء فُعِّيلَة، فتكون الراء الواحدة زائدة، وكذا الياء الواحدة. وكونها من السر أنسب من كونها من السراة؛ لقوة المعنى واللفظ. أما قوة المعنى؛ فلما تقدم، وأما قوة اللفظ فلكثرة فُعْلِيَّة وعدم فُعَّيلَة. وقال الأخفش: إنها مشتقة من السرور، يسر بها، فوزنها فُعْلُولة إلا أنهم

1 ينظر الكتاب: 4/ 330.

2 ينظر حاشية "3" من ص620 من الكتاب.

ص: 116

أبدلوا من الراء الأخيرة ياء لكثرة التضعيف ثم قلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء"1.

والرأي الأول: هو رأي الجوهري صرح به في صحاحه2، والرأي الأخير حكاه الجوهري عن أبي الحسن الأخفش3. واختار ركن الدين رأي صاحب الصحاح.

8-

اشتقاق لفظة "مَئُوَنة":

قال: واختلف في مئونة؛ فقال بعضهم إنها مشتقة من: مَانَ يَمُونَ، لفظا، وهو ظاهر. ومعنى؛ لأن معنى: مَانَه: قام بمَئُونَتِهِ. ووزنها عندهم فَعُولَة؛ قلبت الواو الأولى همزة.

وقال بعضهم: إنها مشتقة من الأَوْن -وهو الثقل- لاستلزام المَؤُونَةِ الثِّقل، فوزنها عندهم مَفْعُلَة. وأصلها: مَأْوُنَة، فنقلت حركة الواو إلى الهمزة على مقتضى القياس، فصار: مَئُونَة.

وقال الفراء: إنها مشتقة من الأَيْنِ -وهو التعب- بناء على أصله، وهو أن الياء إذا وقعت عينا وكان ما قبلها مضموما قلبت الياء واوا ليسلم ضم ما قبلها، ولم تبدل الضمة كسرة لتسلم كما هو مذهب سيبويه، فأصل "مئونة" على مذهب الفراء: مَأْيُنَة، على وزن مَفْعُلَة، فنقلت حركة الياء إلى الهمزة، ثم قلبت الياء واوا لضمة ما قبلها فصار: مَأْوُنَة.

1 ص601 من الكتاب.

2 ينظر "سرر": 2/ 682.

3 ينظر المصدر السابق.

ص: 117

والأول هو الوجه، لدلالة مَئُونَة على مدلول: مان يمون، مباشرة، وعدم دلالتها على الثقل والتعب، لا مباشرة ولا لزوما، بل اتفاقا؛ لأنه يمونه من غير ثقل ولا تعب في بعض الصور. ولئن سلمنا دلالتها على الثقل والتعب لزوما، لكن لا نسلم دلالتها عليهما مباشرة1.

وبعد أن استعرض هذه المذاهب في المسألة المذكورة واختار الوجه الأول، عاد إلى مذهب الفراء ومن تابعه من الكوفيين قائلا:"وأما مذهب الفراء فأبعد المذاهب؛ لأنه إذا وقعت ياء قبلها ضمة كان الأولى، بل الواجب، أن تبدل الضمة كسرة لتسليم الياء، كما في "أدل" جمع "دلو"2.

9-

خلافهم حول وزن "أوّل":

استعرض ركن الدين مذاهب النحاة؛ فبدأ بمذهب جمهور البصريين، ثم ثنى بمذهب لبعض البصريين، ثم بقول آخر لبعضهم واختار المذهب الأول وعلل له، وفي نهاية المسألة ذكر رأي الكوفيين وأبطله، واستدل على بطلانه. ولنترك الحديث لركن الدين ليحدثنا عن هذه الأقوال والمذاهب: قال: "وكان وزن "أَوَّل" أَفْعَل، لمجيء مؤنثه على الأُولى وجمع مؤنثه على الأُوَل، وظاهر أنهما الفُعلَى والفُعَل، فيكون أَوَّل أَفْعَل، والصحيح أنه من "وول"؛ أي:

1 الكتاب: 602، 603.

2 ينظر ص603.

ص: 118

حروفه الأصول واو وواو ولام؛ فأصله على هذا: أوول؛ فأدغمت الواو في الواو فصار أول. وقال بعضهم: إنه من "وأل"؛ أي: حروفه الأصلية: واو وهمزة ولام. فأصله على هذا: "أو أل"؛ فقلبت الهمزة واوا وأدغمت الواو في الواو، والتزم ذلك لكثرته واستثقال الهمزة بعد الواو وقال بعضهم: من "أول"، أي: حروفه الأصول: همزة وواو ولام. فأصله على هذا: ""أأول"؛ قلبت الهمزة واوا وأدغمت الواو في الواو. والصحيح الأول: لمخالفة غيره القياس. وقال بعضهم: ليس أول على وزن أَفْعَل، بل على وزن فَوْعَل -من أول- فزيدت عليه واو فَوْعَل، وأدغمت في الواو التي هي عين، فصار أول. ويدل على بطلانه مجيء الأول؛ فإنه لا يجيء من "فَوْعل" مثل ذلك"1.

10-

الزائد في التضعيف: الثاني أم الأول؟:

ذكر ركن الدين ثلاثة آراء بشأن هذه المسألة؛ الأول رأي الجمهور، والثاني رأي الخليل، والثالث رأي سيبويه، واختار رأي الأكثرين، يقول: "اعلم أنهم اختلفوا في الزائد في التضعيف نحو كرَّم؛ فقال الأكثرون: هو الثاني، وقال الخليل: هو الأول وجوز سيبويه الأمرين.

والصحيح أن يكون الزائد هو الثاني؛ لأنا نعلم بأن الدال في "قَرْدَد" إنما جعلت بإزاء الراء في "جَعْفَر" والدال التي بإزاء راء

1 الكتاب: ص 588، 589.

ص: 119

"جَعْفَر" هي الثانية: وإذا كان في "قَرْدَد" كذلك كان الزائد هو الثاني في غير "قَرْدَد"، لأنه مثله"1.

11-

الهاء في "هِجْرَع" زائد أم أصلية:

اختلف حول أصالة الهاء في "هِجرع"؛ فذهب الأخفش إلى أنها زائدة، وأن الهجرع مشتق من الجَرع، وذهب ركن الدين إلى أن الهاء أصلية غير زائدة، وأن وزن هجرع: فعلل2.

وركن الدين ههنا يذهب إلى ما ذهب إليه جمهور النحاة واللغويين3، ويستبعد مذهب الأخفش ومن وافقه كعبد القاهر الجرجاني في كتابه "المفتاح"4.

12-

أصل "استطاع":

ذكر ركن الدين خلافا بين سيبويه والفراء، فذكر أن أصل "اسطاع" عند سيبويه:"أطاع" زيدت السين تعويضا عما فات الفعل من التصحيح فصار "اسطاع" ولا اعتداد بالسين عنده؛ لأنها زائدة عنده5.

1 الكتاب: ص621. وقد وثقنا هذه المذاهب في حواشي الصفحة المذكورة.

2 ينظر ص637 من الكتاب.

3 ينظر الكتاب: 4/ 289، والصحاح "هجرع": 3/ 1306، واللسان "هجرع": 6/ 4621، والقاموس "هجرع": 3/ 89، والمقتضب: 1/ 66، 256، 2/ 108، و3/ 338، وإصلاح المنطق: 222، وتهذيبه: 1/ 513.

4 ص89.

5 ينظر ص631. وينظر كتاب سيبويه: 4/ 285.

ص: 120

وذكر أن أصلها عند الفراء: "استطاع" حذفت التاء للتخفيف، فبقي "اسطاع" -بكسر الهمزة- على القياس، ثم فتحت الهمزة على غير القياس1.

وبعد أن يذكر ركن الدين رأي سيبويه والفراء، يقول:"وقول سيبويه أشذ وأقيس؛ لأنه لم يرتكب شذوذا"2.

13-

تثنية اللَّذَيَّا واللتيا:

ذكر ههنا خلافا بين سيبويه والأخفش، وهذا الخلاف بمثابة خلاف بين البصريين، ويعبر عنهم مذهب سيبويه، وبين نظرائهم الكوفيين منضما إليهم أبو الحسن الأخفش من البصريين، قال ركن الدين: "وقالوا في تثنيتهما: اللَّذَيَّانِ واللَّتَيَّانِ، في الرفع واللَّذَيِّين واللَّتَيِّين في النصب والجر. واختلف سيبويه والأخفش في ذلك؛ فسيبويه لا يقدر المزيد في تصغير مفرديهما، وهو ألف اللَّذَيَّا واللَّتَيَّا، والأخفش يقّدره ويحذفه لالتقاء الساكنين.

ولا يظهر أثر الخلاف بينهما في التثنية، بل في الجمع؛ فتقول على مذهب سيبويه في جمع اللَّذَيَّا: اللَّذَيُّون في الرفع، بفتح الذال وضم الياء وتشديدها، واللَّذِيِّين بكسر الذال والياء، في النصب والجر. وتقول على مذهب الأخفش: اللَّذَيٌّون، في الرفع، واللَّذَيِّين

1 ينظر ص631.

2 الكتاب: ص632.

ص: 121

في النصب والجر، بفتح الياء فيهما، فلفظة التثنية والجمع متساوية على مذهبه"1.

14-

خلافهم حول كتابة الألف الثلاثية في الاسم المنون:

قال ركن الدين: "وعلى تقرير كتابة الألف الثلاثية بالياء، فإن كان الاسم الذي فيه الألف منونا فالمختار عندنا أنه يكتب أيضا بالياء، وهو قياس المبرد. وقياس المازني أن تكتب بالألف في الأحوال كلها؛ أي: في النصب والجر والرفع؛ لأنها ألف التنوين في الأحوال الثلاث عنده. وقياس سيبويه أن يكتب المنصوب بالألف وأن يكتب ما سواه، أعني: المرفوع والمجرور، بالياء؛ لأن الألف الموجودة في النصب ألف التنوين عنده، بخلاف الألف الموجودة في الرفع والجر. وقد تقدم في باب الوقف ما يرشد إلى ذلك"2.

وبعد هذا العرض لمسائل الخلاف عند ركن الدين، وبعد أن وضح من خلاله منهجه في عرض المذاهب المتعددة في المسألة الواحدة ومناقشته لها واختيار أصحها، أود أن أشير إلى نقطة مهمة، وهي أن الطابع البصري كان واضحا عند عالمنا الكبير في كل مسألة صرفية يعالجها كما كان واضحا أيضا في معالجته مسائله النحوية، كما أثبتنا من قبل، عند الحديث عن مذهبه النحوي3.

1 الكتاب: ص365، 366.

2 الكتاب: ص1036. وينظر توثيق المذاهب المذكورة في حواش هذه الصفحة.

3 ينظر كتابنا: ركن الدين الأستراباذي وجهوده النحوية والتصريفية، ص148، 190.

ص: 122