الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني
أهداف الإعلام الاجتماعي في القرآن الكريم
"عنى الإسلام بالمجتمع عنايته بالفرد. فكل منهما يتأثر بالآخر ويؤثر فيه. وهل المجتمع إلا مجموعة من الأفراد ربطت بينهم روابط معينة؟. فكان صلاح الفرد لازماً لصلاح المجتمع، فالفرد أشبه باللبنة في البنيان، ولا صلاح للبنيان إذا كانت لبناته ضعيفة.
كما لا صلاح للفرد إلا في مجتمع يساعده على النمو السليم، والتكيف الصحيح، والسلوك القويم. فالمجتمع هو التربة التي تنبت فيها بذرة الفرد. وتنمو وتترعرع في مناخها، وتنتفع بسمائها وهوائها وشمسها" (1).
ويمكن لنا أن نُجْمِل أهداف الإعلام الاجتماعي في القرآن الكريم في النقاط التالية (2):
الإعلام بأسس بناء المجتمعات في الإسلام
.
ومن هذه الأصول العظيمة:
العقيدة والإيمان.
وهي أساس الأسس، التي يُبنى عليها المجتمع المسلم، الذي أراده القرآن الكريم حامياً وراعياً لهذه العقيدة الإسلامية، يستضيء بنورها، وينشره في العالمين. قال الله تعالى {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (3). وناداهم سبحانه، وأمرهم بالإيمان به وبكتبه ورسله واليوم الآخر فقال سحانه {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} (4). ومعنى قيام المجتمع المسلم على العقيدة، احترامها وتقديسها، والالتزام بها، ورد الأباطيل، والشبهات عنها، وبيان فضلها وآثارها في على حياة
(1) - ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده. د يوسف القرضاوي. ص: 5. ط الثالثة. مكتبة وهبة. القاهرة. 2001
(2)
- مستفاد من ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده. د يوسف القرضاوي. ص: 9 وما بعدها. بتصرف كبير
(3)
- سورة البقرة. آية: 285
(4)
- سورة النساء. آية: 136
الفرد والمجتمع، مع تجلية تصور المجتمع المسلم للإله الواحد الأحد. كما قال سبحانه {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (5) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} (1) إن العقيدة الإسلامية بأركانها، وخصائصها، أساس مكين لأي بنيان اجتماعي يقوم عليها، فهي مصدر التصورات، وأساس الحكم والتشريعات، وينبوع الفضائل والأخلاق، وأيُّ بنيان لا يقوم على عقيدة فهو بنيان على الرمال، يوشك أن ينهار.
الشعائر والعبادات.
وهي المقوم الثاني للمجتمع المسلم - بعد العقيدة - فرضها الله على المسلمين، وكلفهم القيام بها ، ليتقربوا بها إليه ، ويبتغوا بها رضوانه ، ويربحوا مثوبته. وتمثل هذه الشعائر، علامات فارقة، وظاهرة، تتميز بهاحياة الفرد المسلم من غير المسلم، كما تتميز بها حياة المجتمع المسلم من غير المسلم. وإقامة هذه الشعائر وتعظيمها دليل على قوة العقيدة في القلوب، واستقرارها في حنايا الصدور. قال تعالى {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} (2). ووصف سبحانه مجتمع المؤمنين فقال جل جلاله {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (3). وهكذا مجتمع المسلمين، أحبة متوادون، ينصر بعضهم بعضاً، ويأمرون بكل حسن جميل من العقائد والأعمال والأخلاق، وينهون عن ضد ذلك من عقائد باطلة، وأعمال سيئة، وأخلاق رديئة، وهم في كل ذلك مقيمون على طاعة ربهم ملازمون لإقامة شعائر دينهم، صلاةً، وزكاةً، وغير ذلك من أوجه
(1) - سورة الحديد. آية: 6:1
(2)
- سورة الحج. آية: 32
(3)
- سورة التوبة. آية: 71
الطاعات، والعبادات. وهذا هو طريق فلاح الأفراد والمجتمعات. قال تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (1).فتميز المجتمع المسلم دون غيره بخصائص وأعمال فريدة، مثل الصلوات الخمس ينادى لها في المساجد، والجُمَع، والحج أعظم اجتماعات البشرية، وفريضة الزكاة وأثرها الاجتماعي الكبير، وفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من العبادات والشعائر التي تعزز روح الوحدة والجماعة بين أفراد المجتمع المسلم.
أفكار ومفاهيم المجتمع المسلم.
حرص الإسلام منذ طلوع فجره على أن يصحح مفاهيم أبنائه ، حتى تستقيم نظرتهم إلى الأمور والواقف، ويتحد تصورهم العام للأشياء والقيم. فلم يدعهم لشطحات الفكر ، ولا انحرافات الهوى ، فيزيغوا عن القصد ، ويضلوا عن سواء الصراط ، وتتفرق بهم سبل الباطل عن سبيل الحق. ولهذا دأب القرآن ، كما د أبت السنة ، على تصحيح المفاهيم المغلوطة والأفكار الخاطئة، والتصورات المنحرفة ، التي تشيع في أذهان الناس.
* فهم بعض الأعراب أن الإذعان مجرد إعلان وتظاهر، فنزل القرآن يصحح هذا المفهوم يقول {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} (2)
* وأشاع بعض أهل الكتاب من اليهود: أن البر أو التقوى هو الاهتمام برسوم معينة، وشكليات خاصة، ولهذا أقاموا الدنيا وأٌقعدوها حين تحول الرسول من بيت المقدس إلى الكعبة، وجعلها الله له قبله، فنزل القرآن يبين حقيقة البر والتقوى والدين الحق فقال {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ
(1) - سورة الحج. آية: 77
(2)
- سورة الحجرات. آية: 14 - 15
وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} (1)
*وحسِب بعض الناس أن طريق الإيمان إلى الجنة مفروش بالأزهار والرياحين لا فتنة فيه ولا اضطهاد ولا عذاب، فنزل القرآن يدرأ هذا الوهم، ويُخَطِّئ هذا الفهم إذ يقول {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)} (2) .. ويقول {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214)} (3).
وهكذا ظل القرآن الكريم 23 عاماً يبين الحقائق ويزيف الأباطيل، ويصحح التصورات والمفاهيم، حتى أصبحت أفكار الإسلام ومفاهيمه وتصوراته هي التي تعمل وحدها في المجتمع المسلم ، مثل: فكرة الإسلام عن الإنسان ، وعن الحياة والدنيا ، وعن المال والغنى والفقر ، وعن التدين والبر والتقوى ، وعن العدل والإحسان ، وعن التقدم والتأخر ، وعن التحضر والتخلف ، وعن الزهد والقناعة ، وعن الصبر والرضا.
مشاعر المجتمع المسلم.
وكما تميز المجتمع المسلم بما يسوده من أفكار ومفاهيم، يتميز أيضاً بما يسوده من مشاعر وعواطف:
* فهناك مجتمعات تسودها مشاعر الحقد الطبقي، أوالتمييز العنصري، أو العصبية القومية. وأما في المجتمع الإسلامي الحق فلا مجال لمشاعر الحقد والصراع بين الطبقات، ولا مشاعر الكبر والتمييز بين الأجناس والألوان. قال سبحانه {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} (4). لما أمرهم سبحانه بتقواه، أعقبه عز وجل ببيان أن
(1) - سورة البقرة. آية: 177
(2)
- سورة العنكبوت. آية: 2 - 3
(3)
- سورة البقرة. آية: 214
(4)
- سورة النساء. آية: 1
الناس جميعاً أصل واحد، ونفس واحدة، وهذا أدعى للتواصل، والترابط، والتلاقي، والتعاون كما قال تعالى {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (1). نعم يتمايز الخلق، ولكن تميزهم عن بعضهم ليس مبنياً على أجناسهم، وألوانهم، وطبقاتهم، وإنما تقواهم لله، وقيامهم بأمره، واجتنابهم لنواهيه.
* وتتفاوت المجتمعات كذلك في مشاعر الولاء والعداء، وهنا نجد ولاء المجتمع المسلم للإسلام وأهله، كما أن عداءه لأعداء الإسلام ومحاربيه، وهذا مبنى على فكرة الولاء لله ورسوله، ومن اتخذ الله ولياً فقد اتخذ عدوه عدواً. قال تبارك وتعالى {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} (2). وقال سبحانه {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} (3).
* والمجتمع الإسلامي يتميز بما يسوده من عاطفة الإخاء الوثيق والحب العميق بين أبنائه، قال سبحانه {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (4) مهما تناءت بهم الديار، وتفرقت بهم الأوطان، واختلفت منهم الأجناس والألوان وتفاوتت بينهم المراكز والطبقات. قال تعالى {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (5)
…
فامتن الله سبحانه على المسلمين بنعمة الإخاء كما امتن عليهم بنعمة الإيمان، وقال يخاطب رسوله عليه الصلاة والسلام {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (6). " لقد كان مسجد
(1) - سورة الحجرات. آية: 13
(2)
- سورة المائدة. آية: 5
(3)
- سورة الممتحنة. آية: 1
(4)
- سورة الحجرات. آية: 10
(5)
- سورة آل عمران. آية: 103
(6)
- سورة الأنفال. آية: 62 - 63
النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة يضم تحت سقفه أجناساً وألواناً وطبقات. ولم يشعروا بأي تفرقة أو تمايز بينهم، فكلهم إخوة، منهم الفارسي كسلمان والرومي كصهيب والحبشي كبلال، والغني كعثمان، والفقير كأبي ذر، وفيهم الأبيض والأسود، والرجل والمرأة، والضعيف والقوي، والرقيق والحر، كلهم إخوة في الإسلام، وتحت راية القرآن" (1).
الأخلاق والفضائل.
يتميز المجتمع المسلم أيضا بأخلاقه وفضائله. فالأخلاق والفضائل جزء أصيل من كيان هذا المجتمع ، وليست من الأعراض الطارئة عليه ، ولا من الأمور الهامشية في حياته ، بل من الصفات الأساسية للمؤمنين المخلصين ومجتمعاتهم المسلمة.
وقد تتابعت آيُ الكتاب العزيز على ذكر جُمَلٍ من الأخلاق والفضائل، التي يسعد من تحلى بها، وتزين بمعانيها في حياته، وأكتفي بذكر موضعين فقط حتى لا أخرج عن المقصود وهو الإشارة والتنبيه لمثل هذه المعاني.
قال سبحانه يصف أفراد المجتمع المسلم {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} (2). هؤلاء هم أولو الألباب، أهل الوفاء، والصلة، والخشية، والمراقبة، الصابرون، المُصَلُّون، المنفقون لله، حسناتهم تغلب سيئاتهم، فاستحقوا حسن العاقبة والمآل.
وقال تعالى {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا
(1) - ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده. ص: 80. بتصرف كبير
(2)
- سورة الرعد. آية: 19 - 22
بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68)} إلى قوله تعالى {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} (1). هؤلاء هم عباد الرحمن حقاً، عاشوا متواضعين، وعلى ربهم مقبلين، ساجدين، وقائمين، متضرعين منيبين، أهل توازن واعتدال في أحوالهم كلها، موحدون مخلصون لله، أبعد خلقه عن مخالفته وعصيانه جل جلاله، كرام لا يجهلون مع الجاهلين، ولا يخوضون مع الخائضين.
وكما أبان القرآن الكريم عن مكارم الأخلاق، وحثَّ عليها، فقد نبَّه، وحذَّر من خبيثها، وكَرَّه من مساوئها، كما في المواضع التالية:
وهذه خصال مرذولة، سافلة، قد نهى عنها ربنا تبارك وتعالى. منها الكذب، والسخرية، والاستهزاء بالآخرين، والسب والشتم، وعيب الآخرين باللسان والإشارة، والظن السييء، والتجسس وتتبع عورات الناس، والغيبة، والكبر، والبطر، والخيلاء. وهي صفات سيئة، تقطع أوصال المجتمع، وتنشر الكراهية، والبغضاء بين الأفراد، والجماعات، ويستحيل معها التواصل بين الأفراد، ووينعدم التعاطف والتواد الذي يحتاج إليه المجتمع المسلم.
(1) - سورة الفرقان. آية: 63 - 72
(2)
- سورة النحل. آية: 116 - 117
(3)
- سورة الحجرات. آية: 11 - 12
(4)
- سورة لقمان. آية: 18 - 19