الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني:
الدور الإعلامي للرسل الكرام
قام الرسل الكرام بالدور الإعلامي الكامل على مر تاريخ البشرية، بما قاموا به من إذاعة للخير ونشر الفضيلة، ودفاع عن الحق، وبذل كل غال ونفيس، وتفنن في تعبيد الناس لربهم.
حملوا الأخبار الصادقة عن ربهم إلى الناس ليهتدوا بها من ظلمات الجهالة وضلالات الشرك والانحراف إلى صراط الله المستقيم، إلى الحياة الطيبة الطاهرة قال سبحانه {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (1).
وقد أمد الله تعالى رسله الكرام بوسائل الإعلام المناسبة والحجج الباهرة، التي أعجزت أعداءهم بوضوحها، وصدقها، ونبل أهدافها، فأذعن لهم ذوو الألباب، وأصحاب البصائر، وأخبتت قلوبهم للأنباء الربانية والتوجيهات الرسالية. قال الله سبحانه وتعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54)} (2).
ورغم العنت الكبير، والمكر السيء، والحرب المستعرة على الرسل الكرام، والكيد المستمر، من كفار الأقوام، المكذبين للآيات والذين يقول الله عنهم {ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ
(1) - سورة التوبة. آية: 70 ..
(2)
- سورة الحج. آية: 52 - 54.
بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (42) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (43) ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (44)} (1)، رغم كل ذلك بقي الرسل الكرام وهم أشرف الإعلاميين وسادات حملة الأخبار صابرين محتسبين، ينوعون في وسائل دعوتهم، كلما أغلق باب، فتحوا أبوابا، إذا انقطع طريق سلكوا طرقا أخرى، يحدوهم الأمل بإبلاغ دعوتهم، قال سبحانه وتعالى يحكي دعوة أحد أنبيائه من أولي العزم نوح عليه السلام {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9)} (2).
فكانت همتهم إعلام البشرية بدين رب البرية:
- يدعونهم إلى التوحيد الخالص، ولسان كل رسول قائل {يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} (3)، ويلفتون أنظارهم إلى بديع صنع الله في الكون لعلهم يهتدون كما قال الخليل إبراهيم عليه السلام {قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (56)} (4).
- يرغبونهم في طاعة الرحمن يقول هود عليه السلام {وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52)} (5)، ويحثونهم على التعلق به سبحانه {وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84)} (6).
- يصححون لهم معاملاتهم، ويوجهونهم لمكارم الأخلاق وينهونهم عن المحرمات كما جاء في قصة شعيب عليه السلام {أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا
(1) - سورة المؤمنون. آية: 42 - 44.
(2)
- سورة نوح. آية: 5 - 9.
(3)
- سورة الأعراف. آية: 59.
(4)
- سورة الأنبياء. آية: 56
(5)
- سورة هود. آية: 52
(6)
- سورة يونس. آية: 84.
بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} (1)، وكما جاء في قصة لوط عليه السلام يقول لقومه {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (166)} (2).
فكان الرسل والأنبياء يبينون للناس حسن عاقبة المؤمنين، ويحذرونهم سوء عاقبة المكذبين، وكلما مضى رسول إلى ربه جاء بعده رسول يحمل الراية، يجدد ما اندرس من الدين الخالص {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} (3).
وفي ظل هؤلاء الرسل تطور الإعلام مضموناً ومحتوىً، ووسيلة وأسلوباً بوحي الله سبحانه إليهم، وهكذا ظلت عناية الله تعالى بالخلق يرسل الرسل، وينزل الكتب، حتى أسلموا الراية إلى خاتم المرسلين وخير من أعلم وعلم، وأدى ووفى، سيدنا محمد الأمين صلى الله عليه وسلم، فكانت رسالته عليه الصلاة والسلام الرسالة الخاتمة الشاملة لجميع البشر ولجميع جوانب الحياة، والكاملة في تشريعها (4)، يقول سبحانه {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (5).
وبهذه الرسالة المحمدية كمل الدين وتمت النعمة {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (6) فاكتملت رسالة السماء الإعلامية إلى البشرية، وبقي القرآن - كما هو شأنه في جميع المجالات - المَفْزَعُ الذي يعتمد عليه لوضع الأسس والأصول، وتحديد الغايات والوسائل.
فما أحوج أمتنا في هذا العصر إلى العودة إلى الحياة بروح هذا الكتاب العزيز، والاستهداء بنوره؛ وإلى التعرف على خصائص هذا الإعلام، وصبغ وسائلنا الإعلامية بها؛ فما هي تلك الخصائص التي يتميز بها الإعلام القرآني عن غيره؟ والإجابة عن هذا السؤال بإذن الله تعالى في الفصل التالي وهو:
(1) - سورة الشعراء. آية: 181 - 183.
(2)
- سورة الشعراء. آية: 165 - 166.
(3)
- سورة فاطر. آية: 24.
(4)
- الإعلام الإسلامي في مواجهة الإعلام المعاصر. ص: 18. بتصرف.
(5)
- سورة سبأ. آية: 28.
(6)
- سورة المائدة. آية: 3