الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث
صور الإعلام السياسي في القرآن الكريم:
تنوعت أساليب القرآن الكريم في بث تعاليمه التي تنظم شأن المسلمين العام، وتوفر لهم قاعدة من التوجيهات والأسس، الكفيلة - عند تطبيقها - بضمان القيام بأمر الناس، والحكم بينهم، على الوجه الذي يتم فيه رعاية مصالح الدنيا والدين معاً.
وكان من هذه الأساليب:
اعتماد التكرار في تقرير الأسس والأركان التي يقوم عليها الحكم الإسلامي،
وهو أسلوب قرآني مبين، يؤسس المعاني، ويؤكد المفاهيم، قال الإمام السيوطي رحمه الله:"وله - أي: التكرار - فوائد: منها: التقرير، وقد قيل " الكلام إذا تكرَّر تقرَّر " (1). وعلى هذا سار الإعلام القرآني، لتقرير القضايا الكبرى، في وجدان الأمة، ومن هذا البيان القرآني تكرار ما جاء في الأمر بـ:
أداء الأمانات.
الحكم بالعدل.
طاعة الله ورسوله وولاة الأمر.
وقد اجتمعت هذه الأسس الثلاثة للحكم الإسلامي (2) في قوله سبحانه {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (3)
الأساس الأول: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} قال العلامة السعدي رحمه الله " الأمانات كل ما ائتمن عليه الإنسان وأمر بالقيام به. فأمر الله عباده
(1) - فوائد التكرار بتصرف من الإتقان للسيوطي 5/ 1648 - 1649.
(2)
- مستفاد من التفسير المنير. د وهبة الزحيلي. 3/ 126 - 135. ط دار الفكر - دمشق 2005
(3)
- سورة النساء. آية: 58 - 59
بأدائها أي: كاملة موفرة، لا منقوصة ولا مبخوسة، ولا ممطولا بها، ويدخل في ذلك أمانات الولايات والأموال والأسرار؛ ....... " (1)
* وقد تكرر الأمر بأداء الأمانة في مواضع مثل قوله سبحانه {فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} (2) فأمر سبحانه مَنْ تحمَّل أمانة أن يقوم بأدائها، ونهى عباده المؤمنين عن التفريط، فيما لديهم من الأمانات، وشدد على وجوب أدائها، ومدح سبحانه الحافظين لها وأورثهم جنة النعيم قال سبحانه {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11)} (3)، وجاء في الشرع الحنيف النهي عن مقابلة الخيانة بمثلها، فقال النبي عليه الصلاة والسلام (أدِّ الأمانة لمن ائتمنك، ولا تخن من خانك)(4)، بل نفى عليه الصلاة والسلام مسمى الإيمان عن فاقد أمانته فقال (لا إيمان لمن لا أمانة له)(5)، وسَلَكه في سِلْك المنافقين فقال عليه الصلاة والسلام (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) (6)، من أجل ذلك جاء هذا النداء الإلهي، خطاباً لجميع المؤمنين إلى يوم القيامة {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (7)، وهو نهي يجمع أنواع الخيانات كلها قليلها وكثيرها.
وبحفظ الأمانات، وأدائها لأصحابها، تثبت أولى أسس الحكم الإسلامي، بحيث يرعى كل أفراد المجتمع المسلم أماناتهم، فيؤدون حق الله بلزوم أحكامه، وأداء شعائره، ويرعى الحاكم أمر رعيته، ويقوم بواجباته، ويحفظ المحكومون أمر بلدهم بطاعة ولاة أمورهم من الحكام والعلماء، وجمع القلوب عليهم، والحفاظ على وحدتهم وجماعتهم.
(1) - تفسير السعدي / 227 - 228.
(2)
- سورة البقرة. آية: 283.
(3)
- سورة المؤمنون. آية: 8 - 11.
(4)
- رواه أبو داود عن أبي هريرة. باب: الرجل يأخذ حقه من تحت يده 3/ 804.رقم الحديث 3534.
(5)
- رواه أحمد. عن أنس بن مالك ص / 378 رقم الحديث / 12410.ط/ بيت الأفكار الدولية. 1998م
(6)
- رواه البخاري. كتاب الإيمان. باب علامة المنافق. ص / 30. رقم الحديث / 33، رواه مسلم. كتاب الإيمان. باب خصال المنافق. ص / 32. رقم الحديث / 59. كلاهما عن أي هريرة.
(7)
- سورة الأنفال. آية: 27.
الأساس الثاني {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} "وهذا يشمل الحكم بينهم في الدماء والأموال والأعراض، القليل من ذلك والكثير، على القريب والبعيد، والبَرِّ والفاجر، والولي والعدو"(1).
والمراد بالعدل الذي أمر الله بالحكم به هو ما شرعه الله على لسان رسوله من الحدود والأحكام، ....... قال:{إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} وهذا مدح من الله لأوامره ونواهيه، لاشتمالها على مصالح الدارين ودفع مضارهما، لأن شارعها السميع البصير الذي لا تخفى عليه خافية، ويعلم بمصالح العباد ما لا يعلمون.
والحكم بالعدل، وهو أصل من أصول الحكم الإسلامي، وهو أساس الملك، به يستتب الأمن والنظام، وتصل الحقوق لأهلها، وهو من مقتضيات الحضارة، والتقدم، والعمران، فلم تهنأ أمة بعيشها إلا في ظلال العدل.
والحكم بالعدل أجمعت عليه الشرائع السماوية، وقد أمر الله به نبيه داود عليه السلام فقال له {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} (2). وقال لنبيه عليه الصلاة والسلام {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (3).
* وقد تكرر الأمر بالعدل في مواضع جمَّةٍ من القرآن، قال سبحانه {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} (4)، ومثله قوله سبحانه {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ
(1) - تفسير السعدي / 227 - 228.
(2)
- سورة ص. آية: 22
(3)
- سورة المائدة. آية: 42
(4)
- سورة النساء. آية: 135.
لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (1)،" يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا قوامين بالقسط، أي بالعدل، فلا يعدلوا عنه يمينا ولا شمالا ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يصرفهم عنه صارف، وأن يكونوا متعاونين متساعدين متعاضدين متناصرين فيه"(2).
وقال سبحانه {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (3)، " فالعدل الذي أمر الله به؛ يشمل العدل في حقه، وفي حق عباده، فالعدل في ذلك أداء الحقوق كاملة مُوَفَّرة، بأن يؤدي العبد ما أوجب الله عليه من الحقوق المالية، والبدنية، والمركبة منهما في حقه وحق عباده، ويعامل الخلق بالعدل التام، فيؤدي كلُّ والٍ ما عليه تحت ولايته سواء في ذلك ولاية الإمامة الكبرى، وولاية القضاء، ونواب الخليفة، ونواب القاضي ....... "(4).
إن العدل يُشْعِر الإنسان بالأمن على ماله، وعرضه، وسائر حقوقه، فينصرف كل إنسان إلى عمله، ويسهم في بناء مجتمعه وأمته، وينطلق في ميادين التنافس الشريف، في ميادين الخير، وبالعدل تتم المساواة، ويتفاضل الناس بحسب قدراتهم وجهدهم. وبهذا يكون الإسلام قد سبق كل الذين دَعَوْا إلى العدل، وأرسى دعائمه، وطبقه أروع تطبيق في حياة المسلمين.
الأساس الثالث: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} ، فأمر بطاعته وطاعة رسوله وذلك بامتثال الأمر، الواجب والمستحب، واجتناب النهي. وأمر بطاعة أولي الأمر وهم: الولاة على الناس، من الأمراء والحكام والمفتين، فإنه لا يستقيم للناس أمر دينهم ودنياهم إلا بطاعتهم والانقياد لهم، طاعة لله ورغبة فيما
(1) - سورة المائدة. آية: 8
(2)
- تفسير ابن كثير 1/ 752.
(3)
- سورة النحل. آية: 90
(4)
- تفسير السعدي / 614 - 615
عنده، ولكن بشرط ألا يأمروا بمعصية الله، فإن أمروا بذلك فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" (1).
فالطاعة لله بتنفيذ أحكامه سبحانه، وطاعة الرسول عليه الصلاة والسلام فيما يبلغه عن ربه ويبينه من أحكام، وطاعة ولاة الأمر فيما لا معصية فيه، ومتى تحققت هذه الطاعة، وقف هذا الأساس الثالث حارساً على سابقَيْهِ، فتُؤَدَّى الأمانات، وتُحْفَظ الحقوق، ويُحْكَم بالعدل، طاعةً لله سبحانه ولرسوله عليه الصلاة والسلام.
* هذا؛ وقد تكرر الأمر بطاعة الله ورسوله لما فيها من تحقق السعادة للمؤمنين في الدنيا والآخرة، وتأتي طاعة ولي الأمر ومَنْ في منزلته بصورة تابعة لطاعتهم لله سبحانه كما جاء في حديثه عليه الصلاة والسلام (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني)(2).
وقال الله تعالى {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} (3).
قال سبحانه {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} (4).
وقال سبحانه {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} (5).
وقال سبحانه {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} (7).
(1) - تفسير السعدي / 227 - 228.
(2)
- أخرجه البخاري كتاب الجهاد والسير. باب يقاتل وراء الإمام ويُتقى به. ص 567. رقم الحديث 2957، ورواه مسلم. كتاب الإمارة. باب طاعة الإمام. ص 527 رقم الحديث 1835. كلاهما عن أبي هريرة.
(3)
- سورة النساء. آية: 80
(4)
- سورة آل عمران. آية: 32
(5)
- سورة الأنفال. آية: 20
(6)
- سورة النور. آية: 54
(7)
- سورة محمد. آية: 33
آيات وآيات تربي المسلم، وتوجه مجتمع المسلمين، وترشد أمة الإسلام إلى طاعة الله سبحانه ورسوله عليه الصلاة والسلام، وطاعة من أوجب الكتاب والسنة طاعته من أولياء الأمور، وأهل الحل والعقد، وهذه الطاعة يترتب عليها رسم هيئة مميزة للأمة، وتحدد ملامح شخصيتها، وأوجه ولائها، حين يكون هَمُّ الحاكم والمحكوم تحصيلَ رضا رب العالمين سبحانه، فتتحد الكلمة، وتتآلف القلوب، وتستقر أحوال الأمة، وتستقيم معايشها، ويتحقق فيهم قول ربهم سبحانه {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)} (1).
ومن استعمال التكرار لتقرير المعاني وتثبيت المباديء ننتقل مع صورة أخرى من أجلى صور الإعلام السياسي في القرآن الكريم وهي:
استخدام القصص القرآني في بيان الممارسات السياسية الصحيحة منها والخاطئة
سبق لنا الكلام على الفوائد العظام، التي تتوافر للمتأملين في القصص القرآني، لما تحمله من تعليم، وعظة، واعتبار، في كافة المجالات التي تتعرض لها القصة القرآنية، ومنها الجوانب السياسية، والتي كان لها نصيب كبير في آيات القرآن وبيانه المعجز، ومن هذه الممارسات:
الشورى في قصص القرآن الكريم
ملكة سبأ ورجاحة عقل وحكمة
قال الله تعالى {قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31) قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34) وَإِنِّي
(1) - سورة الأحزاب. آية: 70 - 71
مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} (1). في هذه الآيات الكريمات، يصور لنا الحق سبحانه، صورة من النظام السياسي القائم في هذه المملكة الغنية، والتي تتمثل في التوافق التام بين الحاكم والرعية، والثقة المتبادلة بين الطرفين، والتعاون على تحصيل الخير والنفع للأمة، والتزام الشورى منهجاً ووسيلة لاتخاذ القرارات المصيرية (ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون).
فرغم الطاعة المطلقة، التي يبديها أشراف الناس، وقادتهم، لبلقيس ملكة سبأ، في الرخاء والشدة، في السلم والحرب (قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين)، إلا أنها كانت من العقل والحكمة بحيث لا تستبد بالأمر، ولا تستأثر بالقرار دونهم، فهي تؤكد حرصها الشديد على سماع آرائهم، والاعتماد على مشورتهم، للحفاظ على مملكتهم، وما يتمتعون به من حرية ورخاء، وتجنيبهم ذل الاستعباد، وقهر الجيوش الغازية.
فضربت لنا الآيات الكريمات، مثلاً عظيماً في فضل الشورى، وأبانت لنا عن درس بليغ، في كيفية إدارة البلاد، في الظروف الاستثنائية المصيرية، حيث يجتمع أهل الرأي والمشورة، أهل الحل والعقد، يتباحثون، ويتشاورون، فينتفع بمشورتهم العباد والبلاد.
وقد كان لهذا النهج السوي، القائم على الشورى، أعظم الأثر في العاقبة الحسنة، التي انتهت إليه مملكة سبأ، وملكتهم الحازمة العاقلة، من الإيمان والإسلام لله رب العالمين.
فرعون: تسلط واستبداد وشورى زائفة
وبضد هذه الصورة المشرقة – وبضدها تتميز الأشياء - بضد هذه الصورة للحكم الرشيد المبني على الشورى في مملكة سبأ، " ينقل القرآن صورة أخرى مظلمة عن الحكم الذي يقوم على التأله والتسلط، مثل حكم فرعون الذي قال للناس:(أنا ربكم الأعلى)، (ما علمت لكم من إله غيري)، والذي لا يستشير في الأمور الهامة إلا بطانته الخاصة، كما رأينا ذلك في قصة فرعون مع موسى، حين حاور فرعون فأفحمه، فهدده بالسجن، فقال موسى: {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) فَأَلْقَى
(1) - سورة النمل. آية: 29 - 35
عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (32) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} (1). فهذه ليست استشارة حقيقية، لأنها تخص (الملأ حوله) فقط، ثم هي استشارة موجهة، فهو لا يأخذ رأيهم في شأن موسى وماذا تكون رسالته، وما حقيقة أمره؟ بل حكم عليه قبل أن يسألهم الرأي:(إن هذا لساحر عليم، يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره) " (2). ولما كانت بطانته وأهل مشورته من المنتفعين، وأصحاب المصالح، الذين لا هم لهم إلا المحافظة على امتيازاتهم الخاصة، لما كانت بطانته كذلك، لم يسمع منهم ناصحاً، يردعه عن غيه، ويرده عن موارد الهلاك، فمضى متجبراً مستكبراً، يدفع الحق، ويستضعف المؤمنين؛ حتى أخذه الله أخذ عزيز مقتدر.
فشتان بين الشورى الجامعة للمنافع، الجالبة للاستقرار، وبين التسلط والاستئثار بالقرار، الجالب للظلم والخراب، وسوء العاقبة في الدنيا والآخرة.
نماذج المُلْك العادل، والمُلْك الظالم المتسلط
"ذكر القرآن في المُلك الممدوح: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (54)} (3) وذكر من آل إبراهيم: يوسف الذي ناجى ربه فقال: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ} (4) وإنما قال من المُلك، لأنه لم يكن مستقلا بالحكم، بل كان فوقه مَلِك، هو الذي قال له:{إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} (5)، وممَّن آتاهم الله المُلك: طالوت، الذي بعثه الله مَلِكا لبني إسرائيل، ليقاتلوا تحت لوائه، {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} (6).
(1) - سورة النمل. آية: 29 - 35
(2)
- ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده. العلامة د يوسف القرضاوي ص / 129 - 130
(3)
- سورة النساء. آية: 54
(4)
- سورة يوسف. آية: 101
(5)
- سورة يوسف. آية: 54
(6)
- سورة البقرة. آية: 247
وذكر القرآن من قصته مع جالوت التي أنهاها القرآن بقوله: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} (1)
وممَّن ذكره القرآن من الملوك: ذو القرنين الذي مكَّنه الله في الأرض وآتاه الله من كل شيء سببا، واتسع مُلكه من المغرب إلى المشرق، وذكر الله تعالى قصته في سورة الكهف، مثنيا عليه. فقال:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} (2)
وفي مقابل هذا ذم القرآن المُلك الظالم والمتجبر، المسلط على خَلق الله، مثل: مُلك النمروذ، وفيه يقول القرآن {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258)} (3).
ومثل: مُلك فرعون الذي قال الله تعالى عنه {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} (4) " (5)
ومن الإعلام السياسي بالقصص القرآني، إلى أسلوب قرآني آخر، وهو:
3 -
تنويع الخطاب
وهذا الأسلوب، أظهر الأساليب القرآنية، وأكثرها استعمالاً، ويأتي في صدارة وسائل الإعلام القرآني، فنجد الخطاب الإلهي في القرآن متنوعاً إنشاءً أو إخباراً، أمراً ونهياً، وترغيباً وترهيباً، ووعداً ووعيداً، وإخباراً وتذكيراً، واعتباراً وإنذاراً.
(1) - سورة البقرة. آية: 251
(2)
- سورة الكهف. آية: 83 - 84
(3)
- سورة البقرة. آية: 258
(4)
- سورة القصص. آية: 4
(5)
- مقال على موقع العلامة القرضاوي بتصرف يسير
http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=5880&version=1&template_id=119&parent_id=13
ولقد كان للإعلام السياسي ومبادئه ومعانيه حظ كبير ونصيب وافر في آيات الكتاب العزيز، لما يقوم به هذا الجانب الإعلامي من رسالة عظيمة في إمداد الناس بالحقائق الثابتة عن أصول إدارة البلاد ونظم الحكم، وتحقيق صلاح واستقرار الأمور في المجتمع المسلم خاصة، والعالم عامة.
وفي النقاط التالية بعض الإشارات لتنويع الخطاب في الإعلام السياسي في القرآن الكريم:
صور من الأمر والنهي في الإعلام السياسي في القرآن الكريم:
الأمر بالوفاء العهود والمواثيق:
وبه تستقيم علاقات الأفراد والدول، وتتفرغ الحكومات لحسن التخطيط والتنمية، وتنضبط المعاملات بجميع صورها، ويشيع جو من الثقة والطمأنينة، تتوحد به الكلمة، وتتراص خلفه الصفوف الوفية من عموم الرعية.
قال الله سبحانه {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (1). قال العلامة السعدي رحمه الله:" هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان بالوفاء بالعقود، أي: بإكمالها، وإتمامها، وعدم نقضها ونقصها. وهذا شامل للعقود التي بين العبد وبين ربه، والتي بينه وبين الرسول، والتي بينه وبين الخلق "(2).
وقال سبحانه {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} (3)"وهذا يشمل جميع ما عاهد العبد عليه ربه من العبادات والنذور والأيمان التي عقدها إذا كان الوفاء بها برا، ويشمل أيضا ما تعاقد عليه هو وغيره كالعهود بين المتعاقدين، وكالوعد الذي يعده العبد لغيره ويؤكده على نفسه، فعليه في جميع ذلك الوفاء وتتميمها مع القدرة"(4).
(1) - سورة المائدة. آية: 1
(2)
- تفسير السعدي. ص / 277 بتصرف.
(3)
- سورة النحل. آية: 91
(4)
- تفسير السعدي. ص / 615
ومن أعظم العهود في النظام السياسي الإسلامي البيعة وهي:
إعطاء العهد من المبايِع على السمع والطاعة للإمام في غير معصية، في المنشط والمكره والعسر واليسر وعدم منازعته الأمر وتفويض الأمور إليه (1).
وقد وردت لفظة بايع في القرآن الكريم، في موضعين، من سورة الفتح:
والثاني قوله تعالى {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} (3).
وفي الآيتين تعظيم أمر البيعة، ووجوب الوفاء بها، خاصة وأن الله تعالى حاضر معهم يسمع أقوالهم ويرى مكانهم، ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، {فَمَنْ نَكَثَ} فإنما يعود وبال ذلك عليه، والله غني عنه، {وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} أي: ثوابًا جزيلا" (4).
والبيعة هي ميثاق الولاء والالتزام بجماعة المسلمين والطاعة لإمامهم، فيلتزم الحاكم بالشريعة، والعدل، والشورى، وتلتزم الأمة بالطاعة، وفي الحديث عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال:"بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ عليه الصلاة والسلام عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ وَأَنْ نَقُومَ أَوْ نَقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ"(5).
(1) - الموسوعة الفقهية الكويتية. مادة: بيعة. 9/ 274. بتصرف.
(2)
- سورة الفتح. آية: 10
(3)
- سورة الفتح. آية: 18
(4)
- تفسير ابن كثير. 4/ 236 - 237. بتصرف
(5)
- رواه البخاري. كتاب الأحكام. باب كيف يبايع الإمامُ الناس. رقم الحديث/ 7199. ص / 1374، ومسلم. كتاب الإمارة. باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية. رقم الحديث 1709. ص / 529.
إنها ميثاق عظيم، وعهد أكيد يوحد صفوف الأمة، ويجمع كلمتها، ويحسم مادة الشرور، والخلاف، والنزاع، والشقاق، وبه قيام الحكم المستقر، والقضاء العادل.
ومن توجيهات الإعلام السياسي في القرآن
الأمر بالشورى (1)
نزلت هذه الآية عقب غزوة أحد، التي خرج إليها الرسول صلى الله عليه وسلم نزولاً على رأي الأكثرية من أصحابه، المخالف لرأيه هو، وقد بينت أحداث تلك الغزوة أن رأي الرسول صلى الله عليه وسلم، كان هو الأصوب والأصح، ومع ذلك فقد أمر الله نبيه بعد هذه الأحداث، بأن يستغفر لأصحابه، وبأن يشاورهم في الأمر، على عموم هذا اللفظ وإطلاقه الشامل لكل صغيرة وكبيرة من شئون المسلمين.
والنص قاطع في أن مبدأ الشورى مبدأ من مبادئ الإسلام الأساسية في الحكم، وإذا كان القرآن الكريم قد فرض الشورى على الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يَسُوغ لحاكم بعده، أن يتنصَّل من وجوبها، أو يتحلل من حكمها." قال الإمام ابن عَطِيَّة: وَالشُّورَى مِنْ قواعد الشرِيعة وعزائم الأَحكام ; مَنْ لا يستشير أهل العلم وَالدِّين فعزله واجِب. هذا ما لا خلاف فيه. " (3). " وقال ابن خُوَيْز مَنْدَاد: واجب على الْوُلَاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون ، وفيما أَشْكَلَ عليهم من أمور الدِّين ، ووجوه الجيش فيما يتعلَّق بالحرب ، ووجوه النَّاس فيما يتعلَّق بالمصالح ، ووجوه الكُتَّاب وَالْوُزَرَاء وَالْعُمَّال فيما يَتَعَلَّق بمصالح البلاد وَعِمَارتها " (4).فجعل الإسلام الشورى فريضةً إلهيةً لا اختيارَ للأمة في التخلي عنها، وهي شاملةٌ لحياة المجتمع في الأسرة وفي شئون الدولة وفي أحوال الأمة التي لا تجتمع على ضلالة. وقد مدحهم سبحانه فقال {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (5) فقد ذكر سبحانه الشورى في
(1) - مستفاد من ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده. العلامة د يوسف القرضاوي ص / 125 - 126
(2)
- سورة آل عمران. آية: 159
(3)
- تفسير ابن عطية. المحرر الوجيز. ص / 376. ط دار ابن حزم – بيروت. 2002م. (في مجلد واحد)
(4)
- تفسير القرطبي. 4/ 161. ط دار الكتب العلمية – بيروت. 1988م
(5)
- سورة الشورى. آية: 38
أوصاف المؤمنين، مقرونة بمجموعة من الصفات الأساسية، التي لا يتم إسلام ولا إيمان إلا بها، وهي: الاستجابة لله تعالى، وإقام الصلاة، والإنفاق مما رزقهم الله، ويلاحظ أن هذه الآية مكية، يراد بها – والله أعلم – إرساء القواعد ووضع الأسس للحياة الإسلامية.
ومما ورد في القرآن من الأساليب الإعلامية في النواحي السياسية:
النهي عن اتباع الهوى
من أعظم دواعي الضلال، وأسباب الهلاك، وفساد الأمم؛ وانهيار الدول، اتباع الهوى، فإنه يهوي بصاحبه إلى المهالك حتى يورده النار، ويهوي بالمجتمعات، فتختل أنظمتها، وتضطرب المباديء والمفاهيم، وتتداعى القيم، "وتأمل، فكل موضع ذكر الله تعالى فيه الهوى، فإنما جاء به في معرض الذم له ولمتبعيه، وقد رُوِيَ هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: ما ذكر الله – عز وجل – الهوى في كتابه إلا ذمه"(1).
" وأصل الضلال: اتباع الظن والهوى، قال تعالى:{إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} (2)، وهذا وصف للكفار فكل من له نصيب من هذا الوصف فله نصيب من متابعة الكفار بقدر ذلك النصيب.
وقال – تعالى – في حق نبيه، صلى الله عليه وسلم، {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (3)، فنزهه عن الضلال والغواية، الذين هما: الجهل والظلم، فالضال هو الذي لا يعمل الحق، والغاوي الذي يتبع هواه.
. فوصفه بالعلم ونزهه عن الهوى. ومتبع الهوى لا بد أن يضل، سواء عن علم أو عن جهل، فإنه كثيراً ما يترك العلم اتباعاً لهواه، ولا بد أن يظلم إما بالقول أو بالفعل، لأن هواه قد أعماه " (4).
ولهذا تتابع النهي في القرآن عن اتباع الهوى، قال سبحانه {فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135)} (5)
(1) - الموافقات. للإمام الشاطبي. 2/ 291. ط دار ابن عفان – السعودية – الخبر 1997. بتحقيق الشيخ مشهور حسن.
(2)
- سورة النجم. آية: 23
(3)
- سورة النجم. آية: 2 - 4
(4)
- الهوى وأثره في الخلاف. د عبد الله الغنيمان ص / 11 - 12 بتصرف. دار ابن الجوزي – الرياض. 1429هـ
(5)
- سورة النساء. آية: 135
وقال سبحانه {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)} (1) وقال سبحانه {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} (2)
وقال سبحانه {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49)} (3) فَنَهَت الآيات عن اتباع الهوى، وبينت مضاره، ومفاسده؛ التي تعم الأفراد والمجتمعات، فيفشو الظلم، ويسود الباطل، وتنتشر الفتن، فلا يهنأ الناس بعيش ولا استقرار.
وكما اشتمل الإعلام السياسي في القرآن على الأمر، والنهي؛ فقد اشتمل أيضاً على:
الترغيب بذكر ثمرات ومحاسن السياسات المبنية على الشريعة الإلهية
كما في قوله تعالى {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} (4)، وقال سبحانه {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (5). ففي هاتين الآيتين، إعلام من الله تعالى لعباده، أنهم إن اتبعوا تعاليم الكتب المنزلة عليهم، والتزموا أحكامها؛ فإنه يهديهم الصراط السوي، وينير لهم دروبهم، حتى يتحقق لهم الأمن، والأمان، والسلام في جميع مجالات حياتهم، ومعايشهم.
وقال سبحانه {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ
(1) - سورة ص. آية: 26
(2)
- سورة المائة. آية: 48
(3)
- سورة المائدة. آية: 49
(4)
- سورة النساء. آية: 174 - 175
(5)
- سورة المائدة. آية: 15 - 16
وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} (1).وفي الآية تأكيد على المعنى السابق، وفيه الترغيب الكبير، والحث الشديد، على التمسك بالأحكام الربانية والشريعة الإلهية، وأن ذلك هو السبيل للفوز بتكفير السيئات ودخول الجنات في الآخرة، وتحصيل الخيرات، والبركات، والعيش الرغيد في الدنيا. والخطاب وإن كان موجهاً لأهل الكتاب، فهو عام لغيرهم، فقوله تعالى {وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ} "يعني القرآن العظيم"(2)، وهو كتاب المسلمين ونحن أحق بذلك منهم، فإن تمسكنا به وحققنا ما اشترطه ربنا تبارك وتعالى عليهم فُزْنا بوعده الصادق الذي لا يتخلف، من الفوز والنعيم الأخروي، والاستقرار والسلام في الحياة الدنيا.
وفي مثل هذا المعنى يقول سبحانه {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (3).
وكما وقفنا على جانب الترغيب سريعاً، نقف هُنَيَّهة عند الترهيب في هذا الجانب:
الترهيب ببيان سوء العاقبة للمنحرفين والبغاة والظالمين
ومن هذا قول الحق تعالى يحكي عن رهط ثمود المفسدين {قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (49) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (4).
(1) - سورة المائدة. آية: 65 - 66
(2)
- تفسير ابن كثير 2/ 110
(3)
- سورة الأعراف. آية: 96
(4)
- سورة النمل. آية: 49 - 52
(5)
- سورة القصص. آية: 39 - 42
ومن هذا أيضا هذه الآيات الجامعات عن هلاك الظالمين قوله تعالى {وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (39) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40)} (1).فتضمنت الآيات ذكر سوء العواقب والحصاد المر الذي يحصده المتجبرون الظالمون، وأصحاب المكر السييء، من فقدان نعيمهم وملذاتهم وعقابهم في الدنيا، مع ما ينتظرهم من العذاب والنكال في الآخرة. وهذا كله عبرة لأولي الألباب، وعظة لمن كان له قلب حي شهيد.
ومن أساليب الإعلام في القرآن الكريم:
مدح الصفات الحميدة التي بنبغي التحلي بها للشخصية السياسية المسلمة
المعايير الأخلاقية، التي جاء بها القرآن الكريم، هي معايير ثابتة، لجميع المكلفين على تنوع وظائفهم وأعمالهم، ولكنها تزداد تأكيداً، في حق ولاة الأمر من الحكام، والوزراء، وسائر أصحاب الولايات. وقد تضمنت آي الكتاب العزيز، الإشارة والمديح لعديد من الصفات، يحتاج إليه بلا شك كل من له صلة بأمر الإدارة والحكم، وإصلاح شئون الأمة، ويجب أن يكون متصفاً بها، ملتزماً بمقتضياتها. ومن هذه الصفات:
الإخلاص والتجرد،
ويُعَبَرُ عنها في عصرنا بـ (النزاهة والشفافية) فيحتاج كل السياسيِّين إلى التمتع بهاتين الصفتين لما لهما من تأثير هائل في اتخاذ القرارات، من دون التأثر بأغراض شخصية، أو ميل فكري، بل تكون مصلحة أمته واستقرارها هدفه في كل الأحوال.
(1) - سورة العنكبوت. آية: 38 - 40
ومن ذلك قوله تعالى على لسان النبي عليه الصلاة والسلام {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} (1). وقوله سبحانه على لسان نوح {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (2).
وقوله سبحانه على لسان شعيب {قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} (3).وتمتع السياسي بهذه الصفات يكسبه ثقة الآخرين، ويرفعه فوق مستوى الشبهات، ويساعد على قبول أطروحاته في شئون الأمة.
ومن الصفات الضرورية أيضاً
العلم
وهي صفة لازمة لمُتَوَلِّي أمراً عاماً يستطيع به التمييز في الأمور، وتدبير شئون الرعية، ومعرفة الحلال والحرام، ونجد الأثر الفادح، والعاقبة المريرة، حين تصدر الجهال، وساد الرويبضة، وسفهاء القوم.
ولهذا نرى الصديق يوسف عليه السلام يسوق مسوغات تعيينه قائلاً، فيما حكاه ربنا تعالى {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} (4). ويأمر الله تعالى عباده المؤمنين بالرجوع لأهل العلم المُسْتَنْبِطين، من أهل الحل والعقد {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} (5)
وبعث اللهُ تعالى طالوتَ ملِكاً، على بني إسرائيل، فلما استنكروا ذلك لفقره، قيل لهم {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247)} (6)، فبالعلم تقوم الحضارات، وتتقدم الأمم، وتمتع السياسيين
(1) - سورة الأنعام. آية 90
(2)
- سورة يونس. آية 72
(3)
- سورة هود. آية 88
(4)
- سورة يوسف. آية 55
(5)
- سورة النساء. آية 83
(6)
- سورة البقرة. آية 247
بالعلم، يفتح لهم آفاق التخطيط الحسن، وتقدير الأمور، فيكثر صوابهم، ويقل خطأهم. ومن الصفات التي يلزم القائمين على أمور الحكم التحلي بها:
القوة والأمانة
من لوازم الشخصية السياسية المسلمة، التمتع بالقوة في الحق، وفي الدفاع عن مصالح أمته، وليس القوة الباطشة الظالمة، فإنها مذمومة، لا يليق بمسلم فضلا عن ولاة أمورهم أن يتلبس بها، وأما الأمانة فإنها عماد الشخصية المسلمة، ولا عجب أن شهرة نبينا عليه الصلاة والسلام كانت (الأمين)، أمانة يقوم بها بتحمل تبعات مسئوليته، ويؤديها على الوجه الأتم والأكمل. وفي القرآن نقرأ قول جليس سليمان عليه السلام {قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39)} (1)، وقول ابنة الرجل الصالح من مدين {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26)} (2) وأبلغ من ذلك كله أمر الله تعالى لنبيه يحيى عليه السلام {يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12)} (3) وبغير هاتين الصفتين، تصبح الشخصية السياسية، مسخاً، بغيضاً، لا يؤتمن على مصلحة نفسه، فضلاً عن أن يكون ولياً لأمر، متحملاً للمسئولية.
ومن الصفات اللازمة للمتصدر للشأن العام:
الصدق
وهذه الصفة - خاصةً - كانت شعار دعوته عليه الصلاة والسلام قال الله تعالى {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (34)} (4)، وبه أمر الله تعالى عباده المؤمنين فقال سبحانه {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)} (5)، ونحن المسلمين أولى الناس بلزوم هذا الخلق الحميد، في جميع معاملاتنا، وعلى كل المستويات، كي تشيع الثقة، والاطمئنان،
(1) - سورة النمل. آية 39
(2)
- سورة القصص. آية 26
(3)
- سورة مريم. آية 12
(4)
- سورة الزمر. آية 33 - 34
(5)
- سورة التوبة. آية 119
ويتحقق الخير للمجتمع كله، قال سبحانه {طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (21)} (1).
ومع وجود غير هذه الصفات - مما ينبغي التمسك به، والمحافظة عليه، كالشجاعة، والحزم، وحسن التأسي والاقتداء، والرفق واللين .... إلخ،- إلا أننا نكتفي بما سبق، ففيه غُنْيَةٌ عن التطويل، بعد وضوح المراد، بفضل الله تعالى.
وبهذه الصفات المستقيمة، والخصال القويمة، نختتم الكلام عن الإعلام السياسي في القرآن الكريم، ومن ثم ننتقل للفصل التالي وفيه نتعرف على الإعلام العسكري، وقد يُسَمَّى (الجهادي - أو الحربي) ومن الله أستمد العون وأستلهم الرشاد.
(1) - سورة محمد. آية 29