الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ت- إبطال إلوهية عيسى عليه السلام وذلك في قوله تعالى {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (1) فالقاريء لهذه الآية يفهم أن تقديرها؛ أنهم إذا اتخذوا عيسى إلهاً، لأنه خلق من غير أب، فآدم أولى، لأنه خلق من غير أب ولا أم، ولا يقول بذلك أحد، وعليه فالمسيح عليه السلام ليس رباً، ولا ابناً للرب، ولا شريكاً في الملك، بل كما قال ربه سبحانه {إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} (2).
وهكذا كان إخراج المعاني في صورة المحسوسات (ضرب الأمثال)، من أعظم السبل الإعلامية، لبيان عقيدة الأمة وثوابتها، وتزييف عقائد المشركين، وإبطالها. ومن ضرب الأمثال ننتقل إلى لون آخر من صور الإعلام العقدي في القرآن الكريم، وهو:
5 -
الإعلام بالجدل والحوار عن صحيح الاعتقاد
، وذلك أن كثيراً من الناس - مع ضلالهم - يحسبون أنهم على شيء من الصواب، مغترين ببعض ما عندهم من الأوهام والظنون والشبهات، ويجادلون عن معتقداتهم الباطلة، وأفكارهم الزائفة، فكان أن جاء القرآن الكريم، بهذا الحوار الراقي، والجدال المثمر، وجعله سبيلاً إعلامياً دعوياً، لنشر الدين، ورد أضاليل الكفار، وشبهات الملحدين، فقال سبحانه {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (3) فأمر الله سبحانه نبيه عليه الصلاة والسلام بالدعوة لدينه ملتزما الحكمة والرفق، مجادلاً بأحسن ما يمكن
(1) - سورة آل عمران: 59
(2)
- سورة الزخرف: 59
(3)
- سورة النحل: 125
من الجدال. وقال عز وجل {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} (1). وقد نقل لنا القرآن الكريم، نماذج عديدة، من صور الحوار
والجدل القرآني، في مجال نصرة العقيدة، منها:
أ- حوارات إبراهيم عليه السلام وقد تعددت أطرافها، ومنها ما كان مع النمرود، وقد اغتر بملكه، وتمرد على خالقه، "وحاج إبراهيم في ربوبية الله؛ فزعم أنه يفعل كما يفعل الله. فقال إبراهيم له:{رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} أي: هو المنفرد بأنواع التصرف، وخص منه الإحياء والإماتة لكونهما أعظم أنواع التدابير، فقال ذلك المحاج:{أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} زعم أنه يفعل كفعل الله ويصنع صنعه، فزعم أنه يقتل شخصا فيكون قد أماته، ويستبقي شخصا فيكون قد أحياه، فلما رآه إبراهيم يغالط في مجادلته ويتكلم بشيء لا يصلح أن يكون شبهة فضلا عن كونه حجة، اطرد معه في الدليل فقال إبراهيم:{فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ} أي: عيانا يقر به كل أحد حتى ذلك الكافر {فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} وهذا إلزام له بطرد دليله إن كان صادقا في دعواه، فلما قال له أمرا لا قوة له في شبهة تشوش دليله، {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} أي: تحير فلم يرجع إليه جوابا وانقطعت حجته وسقطت شبهته" (2).وبهذه الحجة المفحمة، والحق المبين تتساقط مزاعم الكفار والظالمين. ومن جدال القرآن وحواره:
ب- حوارات القرآن مع أهل الكتاب، ومن هذا دعوتهم للحوار، ورد كُفْرِيَّاتهم، وبيان فساد تصوراتهم في مواضع عديدة، منها قوله سبحانه {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا
(1) - سورة العنكبوت: 46
(2)
- تيسير الكريم الرحمن، (تفسير السعدي) ص 130. بتصرف، مرجع سابق.
إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (1) فدعاهم سبحانه إلى الحوار، ووضع أصوله، وما يجب أن يجتمعوا عليه من توحيد الله وعدم الشرك به، وعدم اتخاذ الأنداد من دونه.
ومثل هذا قوله سبحانه {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18)} (3) واجههم الله عز وجل بما يزعمون، ويفترونه من الكذب، ووضعهم في الموضع الذي يستأهلونه، فما هم إلا بشر من البشر، لا مزية لهم، إلا بتقوى الله، والحرص على طاعته، ثم هم في مشيئة الله تعالى، يغفر لمن شاء، رحمةً منه وفضلا، ويعذب من شاء، حكمةً منه وعدلا. ومن صور الحوار في القرآن:
ت- الحوار مع منكري البعث والنشور والحساب، وقد كانت هذه المسألة العظيمة من أعظم معضلات المواجهة بين الرسل وأقوامهم، وقد اشتدوا، واشتطوا في الإنكار والتكذيب، حكى الله عنهم فقال سبحانه {وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا
(1) - سورة آل عمران، آية: 64
(2)
- سورة البقرة، آية: 80 - 82
(3)
- سورة المائدة، آية: 18