الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الجزاء للمنفقين الكرام. قال سبحانه {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276)} (1). وقال تعالى {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39)} (2). وهكذا ينمي القرآن الكريم الإحسان، وحب البذل، في نفوس المؤمنين، فالإنفاق وإن كان في ظاهره نقصان مال المُنْفِق، إلا أنه على الحقيقة تزكية، ونماء لهذا المال، مما يغري المؤمنين ويشجعهم على نبذ الأثرة والبخل، والتحلي بالجود والكرم، طلباً لحسن العاقبة في الدنيا والآخرة. قال الله تعالى {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (20)} (3).
ومن أهداف الإعلام الاقتصادي في القرآن الكريم:
محاربة الجشع، والرغبة الجامحة في الربح السريع
.
وذلك أن الله تعالى أراد مجتمع المسلمين، مجتمعَ تراحم، وتعاطف، وتكافل، لا مجتمع أثَرَة، ولا أنانية، ومع كفالة الحرية التامة في المعاملات الاقتصادية، وإطلاقها فيما أحله الله، ومباركة أرباح المتعاملين، إلا أنه سبحانه أمر باجتناب تلك المعاملات المحرمة، والتي يسودها الجشع، والسعي للربح الفاحش، فقال تعالى {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (4). وقال سبحانه {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (5). وقال سبحانه {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279)} (6). فلم يتوعد الرب جل جلاله هذا الوعيد الشديد إلا لهؤلاء المرابين، الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، ويثيرون الأحقاد، وينشرون
(1) - سورة البقرة. آية: 276
(2)
- سورة الروم. آية: 39
(3)
- سورة المزمل. آية: 20
(4)
- سورة البقرة. آية: 188
(5)
- سورة البقرة. آية: 275
(6)
- سورة البقرة. آية: 278 - 279
روح الأنانية بين المجتمع، خلافا لما يحبه الله ويرضاه للمسلمين حيث قال سبحانه {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (1). وقال تعالى مرشداً وموجهاً أصحاب الأموال الموثرين في تعاملهم مع إخوانهم المدينين {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280)} (2). فلا ربا، ولا جشع، بل إنظار لميسرة وسعة، أو تفضل، وإحسان، وعفو، ومسامحة.
ومن أهداف الإعلام الاقتصادي في القرآن الكريم:
الإعلام ببيان الحلال والطيبات، والتحذير من الحرام والخبائث.
يبدو جلياً في تعريفات الاقتصاد للغربيين ومن وافقهم من العرب المسلمين أنه لا عبرة لديهم بحلِّ أو حرمةِ النشاط الاقتصادي، بل بما يأتي به من ربح، فلا حرج لديهم من أنشطة الدعارة، ومصانع السجائر، وتجارة الخمور، وغيرها، فليس هناك ما يفصل بين الخير والشر عندهم، سوى وجود المنفعة، أو انعدامها. وهذا بلا ريب؛ خلاف ما عليه دين المسلمين، قال الله تعالى {قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100)} (3). وقد حدد الله تعالى من ضمن مهمات الرسول، وضرورات رسالته، عليه الصلاة والسلام، أنه يحل الطيبات، ويحرم الخبائث، قال سبحانه {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} (4). وقد جاء في القرآن أصناف من المحرمات، والخبائث، ومن هذا قوله تبارك وتعالى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ} (5). ومنه قوله سبحانه {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (6). وفي الوقت نفسه يأمر
(1) - سورة الحجرات. آية: 10
(2)
- سورة البقرة. آية: 280
(3)
- سورة المائدة. آية: 100
(4)
- سورة الأعراف. آية: 157
(5)
- سورة المائدة. آية: 3
(6)
- سورة المائدة. آية: 90
سبحانه بالأكل من الطيبات، والإنفاق من أطيب المكاسب، يستوي في ذلك المرسلون والمؤمنون قال سبحانه {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} (1). وقال عز وجل {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} (2). وقال سبحانه {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} (3). ومع الأمر بالطيبات أكلاً، وإنفاقاً، يأبى القرآن على أصحاب الأهواء، والمفتئتين أن يحرموا الحلال، وينكر عليهم، فيقول تعالى {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (4). ويقول سبحانه {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (5). فأسس القرآن الكريم عقيدة أن المُحَرِّمَ والمُحَلِّلَ هو الله رب العالمين وحده، فإذا أمر؛ أمر سبحانه بالطيب الطاهر، وإذا نهى؛ نهى تعالى عن الخبيث النجس.
ومن أهداف الإعلام الاقتصادي في القرآن الكريم:
الإعلام ببيان بعض طرق التوزيع العادل للثروات.
وذلك حتى لا يظل المال دائراً في وَسَطٍ واحد فقط بين التجار أو الأغنياء، بل ينتشر فتكثر الثمرة، وتعم الفوائد، وتنعدم -أو تكاد- الأحقاد والحسد، من أجل ذلك أبان الله تعالى في القرآن عن بعض الوسائل، لتوزيع الثروات في المجتمع المسلم.
ومن هذه الطرق:
(1) - سورة المؤمنون. آية: 51
(2)
- سورة البقرة. آية: 172
(3)
- سورة البقرة. آية: 267
(4)
- سورة الأعراف. آية: 32 - 33
(5)
- سورة المائدة. آية: 87
الزكاة ومصارفها الثمانية يقول تعالى {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (1). فتؤخذ الزكاة من أغنياء المسلمين، وترد على فقرائهم. وكما ورد في زكاة الزروع والثمار قال تعالى {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (2).
ومنها الوصية، يقول سبحانه {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} (3).
ومنها المواريث، يقول سبحانه {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} (4) فأعطى سبحانه كل ذي حق حقه، وتوعد من خالف ذلك بالعذاب المهين فقال سبحانه {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} (5).
ومنها تقسيم الفيء، وفيه قوله جل شأنه {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا
(1) - سورة التوبة. آية: 60
(2)
- سورة الأنعام. آية: 141
(3)
- سورة البقرة. آية: 180
(4)
- سورة النساء. آية: 11
(5)
- سورة النساء. آية: 14
آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (1) فتولى سبحانه توزيع الفيء على هذه الأصناف المذكورة، وذكر العلة من هذا التوزيع، كي لا يبقى المال دائراً فقط بين الأغنياء، فيزداد الفقير فقراً، بينما يزداد الغني غِنَىً، ويقع من هنا الخلل في موازين المجتمع، وعلاقة طبقاته بعضهم ببعض، وأكد على وجوب اتباعه عليه الصلاة والسلام فيما أمر والانتهاء عما نهى عنه وزجر، وربط كل ذلك بتقوى الله سبحانه، والخوف من شديد عقابه.
وبما أبان الله تعالى عن بعض الوسائل، لتوزيع الثروات في المجتمع المسلم، نختم هذا المبحث من أهداف الإعلام الاقتصادي في القرآن الكريم، وننتقل بحول الله وقوته للمبحث التالي وهو:
(1) - سورة الحشر. آية: 7