الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهذا الأمر أوسع من أن تتسع له هذه الإشارة العابرة، ولكن يحسن الاكتفاء بما سلف، حتى لا نجور على موضوع البحث.
وهذا أوان الانتقال لهدف آخر من أهداف الإعلام الثقافي في القرآن الكريم وهو:
بيان نظام الحياة داخل المجتمع المسلم والحث على التزامه
.
وقد أبان القرآن الكريم عن هذا النظام القائم على الدعائم العظيمة والأسس المتينة كالعدالة، والمساواة، والشورى، والتكافل المادي والمعنوي. ونأخذ هنا مثالين اثنين من هذه الدعائم التي تصبغ المجتمع المسلم بما يميزه من الروح العامة، والمبادئ المستقرة:
فالدعامة الأولى: العدالة
تحقيق العدالَة من أعظم الفرائض التي افترضها الله على البشر، جعلها الله سببًا لاستقرار حياة الناس، وشيوع السعادة، والأمن، وجعل انعدامَها سببًا لزوال الأمم، والمجتمعات، فهي أساسُ المُلك، وهي حامي الأمن. وفيما يلي أمثلة، من وجوه تحقيق العدالة:
العدالة في الحكم
يقول الله تعالى {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} (1)
ويقول سبحانه {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42)} (2)
العدالة مع المخالفين
(1) - سورة النساء آية: 58
(2)
- سورة المائدة آية: 42
(3)
- سورة المائدة آية: 8
العدالة في القول، والعمل
يقول سبحانه {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا} (1)
العدالة مع الأيتام، وفي تعدد الزوجات
ومع الأمر بالعدل في جميع الأحوال، مع القريب أو البعيد، مع الحبيب أو البغيض، بين أفراد الأسرة خاصة، وبين أفراد المجتمع عامة، مع روح العدالة السارية في شريان الأمة، تنمو ثقافة إحقاق الحق، وإقامة العدل، والإنصاف، فتستقيم شئون الأفراد، وتستقر المجتمعات.
الدعامة الثانية: المساواة
الناس في شرعة الاسلام، كلهم سواسية كأسنان المشط، لا يتفاضلون الا بالتقوى والعمل الصالح. قال الله تعالى {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (4).
(1) - سورة الأنعام آية: 152
(2)
- سورة النساء آية: 135
(3)
- سورة النساء آية: 13
(4)
- سورة الحجرات آية: 2 - 3
وأفراد المجتمع ذكوراً وإناثاً، بيضاً وسوداً، عرباً وعجماً، أشرافاً وسوقة، أغنياء وفقراء، ليس هناك نفس شريفة وأخرى وضيعة، بل الجميع سواء؛ وأصلهم واحد قال الله تعالى {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ} (1). وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول (النَّاسُ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ)(2).
وتظهر المساواة في إنفاذ أحكام الإسلام، وقوانين الشريعة في جميع المسلمين بلا تمييز بينهم. يقول الله تعالى في أحكام القصاص {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى} (3). ويقول عز وجل {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} (4). وحين شفع أسامة بن زيد رضي الله عنهما، في إعفاء المخزومية من حد السرقة، أبَىَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم-ذلك، ورد الشفاعة في حدود الله؛ لأن ذلك يخل بمبدأ المساواة بين الناس، ويؤدي إلى إيثار ذوي الوجهاء بإعفائهم من العقاب، مع إقامة الحدود على ضعفاء الناس، وبين الرسول صلى الله عليه وسلم أن ذلك الأمر إذا ساد في مجتمع أدى به إلى الزوال، فقال (إِنَّمَا أَهْلَكَ النَّاسَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا)(5)
ولما طلب وجهاء قريش من النبي صلى الله عليه وسلم، أن يطرد الفقراء والمساكين وضعاف الناس الذين التفوا حوله وآمنوا به، كعمار بن ياسر، وبلال، نزل قول الله تعالى
(1) - سورة الروم آية: 20
(2)
- رواه أبو داود. باب في التفاخر بالأنساب رقم الحديث: 5116، والترمذي. أبواب المناقب رقم الحديث: 4233و 42344. كلاهما عن أبي هريرة رضي الله عنه
(3)
- سورة البقرة آية: 178
(4)
- سورة المائدة آية: 45
(5)
- البخاري. كتاب أحاديث الأنبياء. باب حديث الغار. رقم الحديث: 3475، ومسلم. كتاب الحدود. باب قطع السارق الشريف وغيره والنهي عن الشفاعة في الحدود. رقم الحديث:1688. كلاهما عن أمنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها