الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الاستعارة. والإضغان: الاشتمال بالثوب والسلاح، كاشتمال المضاغن علي ضغنه.
فصل الضاد واللام
.
ض ل ل:
قوله تعالي: {ولا الضالين} [الفاتحة: 7] قيل: هم النصارى، {والمغضوب عليهم} [الفاتحة: 7] هم اليهود، لقوله في حق النصارى:{قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرًا وضلوا عن سواء السبيل} [المائدة: 77]. وفي حق اليهود: {من لعنه الله وغضب عليه} [المائدة: 60]. والضلال في الأصل: إما العدول عن الطريق المستقيم وإما الغيبوبة والضياع، والأول يقابله الهداية، والثاني يقابله الوجدان. والضلال يقال لكل عدولٍ عن المنهج عمدًا كان أو سهوًا، يسيرًا كان أو كثيرًا. قال بعضهم: لأن الطريق المستقيم الذي هو المرتضي صعب السلوك أو ممتنعٌ إلا علي من عصم الله تعالي. ومن ثم قال عليه الصلاة والسلام: ((استقيموا ولم تحصوا)).
وقال تعالي: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} [فصلت: 30]. ولهذا روي أن بعض الصلحاء رأي رسول الله صلي الله عليه وسلم في منامه فقال: ((يا رسول الله روي لنا أنك قلت: شيبتني هودٌ وأخوتها. فما الذي شيبك منها؟ فقال: قوله تعالي: {فاستقم كما أمرت} [هود: 112]. قال: وإذا كان الضلال ترك الطريق المستقيم سهوًا كان أو عمدًا، يسيرًا كان أو كبيرًا صح استعمال الضلال فيمن يوجد منه خطأ ما من غير قصد، قال هذا القائل: ولعل من ذلك نسب الضلال إلي مذكرٍ لا ينبغي ذكره هنا. قال: والكفار كذلك وإن كان بين الضلالين بون بعيد. قال: ألا تري أنه قال: {ووجدك ضالًا فهدي} [الضحى: 7] أي غير مهتدٍ إلي ما سبق إليك من النبوة. {قال فعلتها إذًا وأنا من الضالين} [الشعراء: 20]. وقال: {إن أبانا لفي ضلال مبينٍ} [يوسف: 8] تنبيهًا أن
ذلك منهم سهوٌ. انتهي.
ولا شك أن الله تعالي يقول في حق عباده ما شاء وليس لنا أن نقول ذلك إلا علي سبيل الحكاية لكلامه تعالي لا علي الإخبار. ألا تري- وإن كان بين القياسين بون- أن السلطان يدعو أكثر خواصه باسمه وينسب إليه بعض الأوصاف فيتحلي بذلك ويعظم به عند الناس، وليس لأحد الخواص ممن هو في رتبته فضلًا عمن هو أعلي بطنًا أن يخاطبه ببعض ذلك؟ وأما تفسير قوله:{ووجدك ضلًا فهدي} فحسنٌ جدًا، وهو الذي ينبغي أن لا يجوز غيره. ومثله ما قال الهروي: أي لا تعرف شريعة الإسلام فهداك لها، وهو مثل قوله تعالي:{وعلمك ما لم تكن تعلم} [النساء: 113].
قلت: ومثله قوله تعالي: {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} [الشورى: 52] وقيل: الضلال هنا: الضياع. يروي أنه ضل من جده وهو صغيرٌ في بعض شعاب مكة، فرده أبو جهلٍ. وقيل: بل أضلته حليمة عند باب الكعبة فرده الله عليها.
وهذا ونحوه لا بأس به. وأما ما يروي عن بعض المفسرين: كان علي دين قومه أربعين سنةٍ، فإن عني خلوهم من علم الشريعة التي طريقها السمع فمسلمٌ، وإن عني غير ذلك فبرأه الله من ذلك. وسمعت بعض أشايخي يقول: نمت ليلة مهتمًا بهذه الآية فرأيت في المنام كأن قائلًا يقول: مالك؟ فقصصت عليه أمري فقال: المراد ووجد أمتك ضلالًا فهداهم، فحذف المضاف للعلم كقوله:{واسأل القرية} [يوسف: 82] فسري عني فانتبهت من وقتي فلم أصبر إلي الصباح، فأوقدت المصباح فكتبته. وأما أمر موسي عليه السلام فإن حال فعله ذلك كان حال صباه. فنعني بضلاله ما تقدم من أمر الشريعة، أي لم تكن وصلت إلي شريعةٍ بعد. وأما قول إخوة يوسف عن أبيهم ما قالوه. فإن كانوا غير أنبياء فذاك، وإن كانوا هم فيعنون في بعد عن عادة الناس في محبة أولادهم وغيبوبة الإضلال الذي هو مقابل الهداية.
قوله تعالي: {لا يضل ربي} [طه: 52] أي لا يغفل عنه. قوله: {أن تضل إحداهما} [البقرة: 282] أي تنسي بدليل قوله: {فتذكر إحداهما
الأخرى}. وقرئ: {فتذكر} بالتشديد فذلك من النسيان الموضوع عن الإنسان.
والضلال من وجه آخر ضربان: ضلالٌ في العلوم النظرية، كالضلال في معرفة الوحدانية ومعرفة النبوة المشار إليهما بقوله تعالي:{ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالًا بعيدًا} [النساء: 136]. أو ضلالٍ في العلوم العملية كمعرفة الأحكام الشرعية التي هي العبادات. قوله: {في العذاب والضلال البعيد} [سبأ: 8] أي في عقوبة الضلال البعيد. قوله: {أئذا ضللنا في الأرض} [السجدة: 10] أي غبنا، وهو كنايةٌ عن الموت واستحالة البدن. وقرئ بالمهملة وقد تقدم تفسيره.
ويقال: أضللت اللبن في الماء. قوله: {ألم يجعل كيدهم في تضليلٍ} [الفيل: 2] في تضييعٍ وبطلانٍ. قوله: {وضلوا عن سواء السبيل} [المائدة: 77] أي أضلوا غيرهم. والإضلال ضربان: أحدهما أن يكون بسببه الضلال، وذلك علي وجهين، إما أن يضل عنك الشيء كقولك: أضللت الدابة، أي ضلت عني. وإما أن يحكم بضلاله. فالضلال في هذين سببٌ للإضلال. والثاني أن يكون الأمر بالعكس، فيكون الإضلال سببًا للضلال، وهو أن يزين واحدٌ لآخر الباطل فيضل كقوله تعالي:{لهمت طائفةٌ منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم} [النساء: 113] أي يتحررون أفعالًا يقصدون بها ضلالك، فلا يحصل من ذلك التحري إلا ما فيه ضلال أنفسهم.
وإضلال الباري تعالي يقال باعتبارين: أحدهما أن يكون سببه الضلال، وهو أن يضل الإنسان فيحكم الله عليه بذلك في الدنيا، ويعدل به عن طريق الجنة إلي طريق النار في الآخرة، وذلك الإضلال هو حقٌ وعدلٌ، فالحكم عن الضال بضلاله، والعدول به إلي النار عدلٌ. والثاني من إضلاله تعالي وضع جبلة الإنسان علي هيئة إذا راعي طريقًا محمودًا كان أو مذمومًا ألفه واستطابه ولزمه وتعذر صرفه وانصرافه عنه، ويصير ذلك كالطبع، ومن ثم قيل: العادة طبعٌ: [من المتقارب].
923 -
يراد من القلب نسيانكم
…
وتأبي الطباع على الناقل.
وهذه القوة في الإنسان فعلٌ إلهيٌ، قال الراغب: وإذا كان كذلك، وقد ذكر في غير هذا الموضع أن كل شيءٍ يكون سببًا في وقوع فعل تصح نسبة ذلك الفعل إليه.
فيصح أن ينسب ضلال العبد إلي الله من هذا الوجه فيقال: أضله الله، لا علي الوجه الذي يتصوره الجهلة. قال: ولما قلناه جعل الإضلال المنسوب إلي نفسه للكافر والفاسق دون المؤمن بل نفي عن نفسه إضلال المؤمن فقال تعالي: {وما كان الله ليضل قومًا بعد إذ هداهم} [التوبة: 115]{والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم} [محمد: 4] وقال في الكافر والفاسق: {والذين كفروا فتعسًا لهم وأضل أعمالهم} [محمد: 8]{وما يضل به إلا الفاسقين} [البقرة: 26]. قال وعلي هذا النحو تقليب الأفئدة والأبصار في قوله: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم} [الأنعام: 110].
والختم علي القلب في قوله تعالي: {ختم الله علي قلوبهم} [البقرة: 7] وزيادة المرض في قوله: {فزادهم الله مرضًا} [البقرة: 10].
قلت: مذهبه في ذلك مذهبٌ معتزليٌ، والحق أنه يجوز نسبة ذلك إلي الله حقيقة بمعني أنه خلق الإضلال في قلبه كما خلق الهداية في قلب قومٍ آخرين:{لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} [الأنبياء: 23]. قوله: {ربنا ليضلوا عن سبيلك} [يونس: 88] قيل: اللام للعاقبة كقوله: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوًا وحزنًا} [القصص: 8] وقول الشاعر: [من المتقارب].
924 -
وللموت ما تلد الوالدات.
وقول الآخر: [من الوافر].