الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَنقل أَبُو طَالب: (الْوتر سنة، سنه النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ -،
فَمن ترك سنة من سنَنه فَرجل سوء) انْتهى.
وَالَّذِي يظْهر: أَن إِطْلَاق الإِمَام أَحْمد أَنه رجل سوء، إِنَّمَا مُرَاده من اعْتقد أَنه غير سنة، وَتَركه لذَلِك، فَيبقى كَأَنَّهُ اعْتقد السّنة الَّتِي سنّهَا الرَّسُول غير سنة، فَهُوَ مُخَالف للرسول، ومعاند لما سنه.
أَو أَنه تَركه
بِالْكُلِّيَّةِ، وَتَركه لَهُ كَذَلِك، يدل على أَن فِي قلبه مَا لَا يُريدهُ الرَّسُول صلى الله عليه وسلم َ -.
قَوْله: {فَائِدَة: الْأَرْبَعَة وَغَيرهم: مُطلق الْأَمر لَا يتَنَاوَل الْمَكْرُوه، وَخَالف أَبُو بكر الرَّازِيّ} الْحَنَفِيّ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّد التَّمِيمِي - من أَصْحَابنَا -: (هُوَ قَول بعض أَصْحَابنَا)
وَنَقله السَّمْعَانِيّ وَغَيره عَن الْحَنَفِيَّة.
استدلوا للْأولِ: بِأَن الْمَكْرُوه مَطْلُوب التّرْك، والمأمور مَطْلُوب الْفِعْل، فيتنافيان.
وَلَا يَصح الِاسْتِدْلَال لصِحَّة طواف الْمُحدث بقوله تَعَالَى: {وليطوفوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق} [الْحَج: 29]، وَلَا لعدم التَّرْتِيب والموالاة بقوله تَعَالَى فِي آيَة الْوضُوء:{إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [الْمَائِدَة: 6] .
قَالَ ابْن عقيل: (وَكَذَا وَطْء الزَّوْج الثَّانِي فِي حيض لَا يحلهَا للْأولِ) .
(ومرادهم مَا ذَكرُوهُ فِي الْمَسْأَلَة [من] الصّفة الْمَشْرُوطَة) ، قَالَه ابْن مُفْلِح.
وَقَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ: (تظهر فَائِدَة الْخلاف فِي قَوْله تَعَالَى: {وليطوفوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق} [الْحَج: 29] ، فعندنا لَا يتَنَاوَل الطّواف بِغَيْر
طَهَارَة، وَلَا منكوسا، وَعِنْدهم يتَنَاوَلهُ، فَإِنَّهُم وَإِن اعتقدوا كَرَاهَته قَالُوا فِيهِ: يجزيء لدُخُوله تَحت الْأَمر، وَعِنْدنَا لَا يدْخل، لِأَنَّهُ لَا يجوز أصلا، فَلَا طواف بِدُونِ شَرطه، وَهُوَ الطَّهَارَة، ووقوعه على الْهَيْئَة الْمَخْصُوصَة.
- قَالَ -: وَحجَّتنَا: أَن الْأَمر للْوُجُوب حَقِيقَة، وللندب وَالْإِبَاحَة مجَازًا، وَلَيْسَ الْمَكْرُوه من الثَّلَاثَة) انْتهى.
تَنْبِيه: لم يذكر ابْن الْحَاجِب هَذِه الْمَسْأَلَة، بل ذكر مَسْأَلَة: يَسْتَحِيل كَون الشَّيْء وَاجِبا حَرَامًا من جِهَة وَاحِدَة.
وَقَالَ الْبرمَاوِيّ فِي " شرح منظومته ": (هَذِه الْمَسْأَلَة الَّتِي ذَكرنَاهَا فِي الْمَتْن: الْفِعْل إِمَّا مَطْلُوب الإيجاد أَو التّرْك، فَأَما أَن يكون مطلوبهما مَعًا، فَفِيهِ تَفْصِيل.
فَإِن كَانَ من جِهَة وَاحِدَة فممتنع؛ لِأَنَّهُ جمع بَين الضدين، فَلذَلِك صدر ابْن الْحَاجِب كَلَامه فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بقوله:(يَسْتَحِيل كَون الشَّيْء وَاجِبا حَرَامًا من جِهَة وَاحِدَة، إِلَّا عِنْد من يجوز تَكْلِيف الْمحَال) .
وَأما ابْن السَّمْعَانِيّ فَعبر عَن ذَلِك بقوله: (الْأَمر الْمُطلق لَا يتَنَاوَلهُ الْمَكْرُوه، وَذهب أَصْحَاب أبي حنيفَة إِلَى أَنه يتَنَاوَلهُ) ، وَذكر مَا تقدم عَنهُ -.
قَالَ: (وإطلاقه الْمَكْرُوه شَامِل للمكروه تَحْرِيمًا وتنزيها، لِأَن النَّهْي اقْتضى تَركه) .
فَجعل الْبرمَاوِيّ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَاحِدَة - فِيمَا يظْهر -، وَهُوَ ظَاهر كَلَام ابْن الْحَاجِب، وَنحن جعلناهما مَسْأَلَتَيْنِ، تبعا لِابْنِ مُفْلِح فِي " أُصُوله "، وَكَذَلِكَ التَّاج السُّبْكِيّ فِي " جمع الْجَوَامِع ".
لَكِن قَالَ الكوراني - شَارِحه، لما قَالَ فِيهِ:(مُطلق الْأَمر لَا يتَنَاوَل الْمَكْرُوه خلافًا للحنفية) -: (التَّعْبِير عَن هَذِه الْمَسْأَلَة بِمَا عبر بِهِ الشَّيْخ ابْن الْحَاجِب هُوَ اللَّائِق، إِذْ قَالَ: (الْمَكْرُوه مَنْهِيّ عَنهُ، غير مُكَلّف بِهِ) .
وَإِنَّمَا كَانَ لائقا إِذا الْمنْهِي عَنهُ كَيفَ يكون مَأْمُورا بِهِ؟ إِذْ الْمَكْرُوه يمدح تَاركه، فَلَا يتَصَوَّر الْأَمر بِهِ شرعا.
وَعبارَة المُصَنّف قَاصِرَة عَن هَذَا المرام، إِذْ عدم التَّنَاوُل يشْعر بصلاح الْمحل وَلَكِن لم يَقع فِي الْخَارِج، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل عدم التَّنَاوُل لعدم قابلية الْمحل بعد تعلق الْكَرَاهَة بِهِ.
وَقَوله: (خلافًا للحنفية) ، صَرِيح فِي أَن الْحَنَفِيَّة قَائِلُونَ بِأَن الْأَمر يتَنَاوَل الْمَكْرُوه، وَهَذَا أَمر لَا يعقل، لِأَن الْمُبَاح عِنْدهم غير مَأْمُور
بِهِ، مَعَ [كَون] طَرفَيْهِ على حد الْجَوَاز، فَكيف يتَصَوَّر أَن يكون الْمَكْرُوه من جزئيات الْمَأْمُور بِهِ فِي شَيْء من الصُّور، وكتبهم أصولا وفروعا مصرحة بِأَن الصَّلَاة فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة فَاسِدَة، حَتَّى الَّتِي لَهَا سَبَب، مُطلقًا) انْتهى.