الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مخلوقة لله تَعَالَى، وموقوفة على الْمَشِيئَة، وَمَا يتعسر فعله.
فَهَذِهِ الثَّلَاثَة وَاقعَة جَائِزَة بِلَا شكّ، لَكِن هَل يُطلق على خلاف الْمَعْلُوم أَو [وَفقه] أَنه لَا يُطَاق؟ فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال.
أَحدهَا: يُطلق عَلَيْهِمَا، وَالثَّانِي: لَا يُطلق عَلَيْهِمَا، وَالثَّالِث: الْفرق.
فَالْخِلَاف عِنْد التَّحْقِيق فِي الْجَوَاز الْعقلِيّ وَالِاسْم اللّغَوِيّ، وَأما الشَّرْع فَلَا خلاف فِيهِ الْبَتَّةَ، وَمن هُنَا ظهر التَّخْلِيط) انْتهى.
تَنْبِيه: قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (أما تَكْلِيف أبي لَهب وَغَيره بِالْإِيمَان فَهُوَ حق، لَكِن لما أنزل الله:{سيصلى نَارا ذَات لَهب} [المسد: 3] ، لم يسلم لَهُم أَن الله تَعَالَى أَمر نبيه بإسماع هَذَا الْخطاب لأبي لَهب، وَأمر أَبَا لَهب بتصديقه، نعم، بل لَا يقدر أحد أَن ينْقل أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ -
أَمر أَبَا لَهب أَن يصدق بنزول هَذِه السُّورَة.
فَقَوله: إِنَّه أَمر أَن يصدق بِأَن لَا يُؤمن، قَول بَاطِل لم يَنْقُلهُ أحد من عُلَمَاء الْمُسلمين، فنقله عَن الرَّسُول قَول بِلَا علم، بل كذب عَلَيْهِ.
فَإِن قيل: فقد كَانَ الْإِيمَان وَاجِبا على أبي لَهب، وَمن الْإِيمَان أَن يُؤمن بِهَذَا
.
قيل: لَا نسلم أَنه بعد نزُول هَذِه الْآيَة وَجب على الرَّسُول أَن يبلغهُ إِيَّاهَا وَلَا غَيرهَا، بل حقت عَلَيْهِ كلمة الْعَذَاب، كَمَا حقت على قوم نوح إِذْ قيل لَهُ:{أَنه لن يُؤمن من قَوْمك إِلَّا من قد آمن} [هود: 36] ، وَبعد ذَلِك لَا يبْقى الرَّسُول مَأْمُورا بتبليغهم الرسَالَة، فَإِنَّهُ قد بَلغهُمْ فَكَفرُوا حَتَّى حقت عَلَيْهِم كلمة الْعَذَاب بأعيانهم) ، وَالْحَال فِي ذَلِك.
قَوْله: {وَأما الْمحَال لذاته: كجمع [بَين] ضدين} - وَهُوَ المستحيل الْعقلِيّ - {أَو عَادَة: كالطيران} وصعود السَّمَاء وَنَحْوهمَا، {فالأكثر على مَنعه} مُطلقًا، وَاخْتَارَهُ ابْن الْحَاجِب، والأصفهاني وَأكْثر الْمُعْتَزلَة، وَحكي عَن نَص الشَّافِعِي، وَأبي حَامِد، وَأبي الْمَعَالِي، وَابْن حمدَان فِي " نِهَايَة المبتدئين ".
{و [قَالَ] أَكثر الأشعرية والطوفي} - من أَصْحَابنَا - { [بِالْجَوَازِ] } .
قَالَ الْآمِدِيّ: (وَهُوَ لَازم أصل الْأَشْعَرِيّ فِي وجوب مُقَارنَة الْقُدْرَة للمقدور بهَا، وَأَنه مَخْلُوق لله تَعَالَى) .
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (وَأما جَوَاز تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق عقلا فَأكْثر الْأمة نفت جَوَازه مُطلقًا، وَجوزهُ عقلا طَائِفَة من المثبتة للقدر من أَصْحَاب الْأَشْعَرِيّ، وَأَصْحَاب مَالك، وَالشَّافِعِيّ، وَأحمد، كَابْن عقيل، وَابْن الْجَوْزِيّ وَغَيرهمَا) .
{و} قَالَ {الْآمِدِيّ وَجمع} من الْعلمَاء بِالْجَوَازِ {فِي الْمحَال عَادَة:} كالطيران وَنَحْوه، دون الْمحَال لذاته، مِنْهُم معتزلة يغداذ، وَصرح بِهِ
5 -
الْغَزالِيّ فِي " الْمُسْتَصْفى "، وَاخْتَارَهُ ابْن دَقِيق الْعِيد فِي " شرح العنوان ".
قَالَ ابْن حَامِد: (ذهب بعض أَصْحَابنَا إِلَى إِطْلَاق الِاسْم فِي جَوَاز تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق فِي زمِن وأعمى وَغَيرهمَا، وَهُوَ مَذْهَب جهم و [برغوث] ) .
وَلنَا خلاف، هَل الْقُدْرَة لَا تكون إِلَّا مَعَ الْفِعْل أَو قبله؟ بِمَعْنى: سَلامَة الْآلَات، كَقَوْل الْمُعْتَزلَة.
قَالَ ابْن الزَّاغُونِيّ وَغَيره: (من قَالَ لَا تكون إِلَّا مَعَه، كلف كل أحد مَا لَا يطيقه) .
وَقَالَ ابْن شهَاب وَأَبُو الْخطاب: (إِذا قيل: مَا شَيْء فعله محرم، وَتَركه محرم؟ فَصَلَاة السَّكْرَان) .
فَكل هَذَا يدل على تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق.
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (قَالَ الْأَشْعَرِيّ وَكثير من النظار: لَا يكون العَبْد قَادِرًا إِلَّا حِين الْفِعْل، فعلى قَوْلهم، كل مُكَلّف فَهُوَ حِين التَّكْلِيف قد كلف مَا لَا يطيقه حِينَئِذٍ، وَإِن كَانَ قد يطيقه حِين الْفِعْل، [بقدرة] يخلقها الله تَعَالَى لَهُ وَقت الْفِعْل، وَلَكِن هَذَا لَا يطيقه لاشتغاله بضده وَعدم الْقُدْرَة الْمُقَارنَة للْفِعْل، لَا لكَونه عَاجِزا عَنهُ.
وَأما الْعَاجِز عَن الْفِعْل كالزّمِن وَالْأَعْمَى وَنَحْوهمَا فَهَؤُلَاءِ لم يكلفوا بِمَا يعجزون عَنهُ، [وَمثل] هَذَا التَّكْلِيف لَيْسَ وَاقعا فِي الشَّرِيعَة بِاتِّفَاق طوائف الْمُسلمين، إِلَّا شرذمة قَليلَة من الْمُتَأَخِّرين، ادعوا وُقُوع مثل هَذَا التَّكْلِيف فِي الشَّرِيعَة، ونقلوا ذَلِك عَن الْأَشْعَرِيّ وَأكْثر أَصْحَابه، وَهُوَ خطأ عَلَيْهِم) .
وَجه الْمَذْهَب الأول - وَهُوَ الْمَنْع -: قَوْله تَعَالَى: {لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا} [الْبَقَرَة: 286]، وروى مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه أَنه لما نزل:{وَإِن تبدوا مَا فِي أَنفسكُم أَو تُخْفُوهُ} الْآيَة [الْبَقَرَة: 284]، اشْتَدَّ ذَلِك على الصَّحَابَة وَقَالُوا:(لَا نطيقها)، وَفِيه: أَن الله تَعَالَى