الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(قَوْله: {فصل} )
{ [يَصح] [التَّكْلِيف] بِمَا علم الْآمِر انْتِفَاء شَرط وُقُوعه} فِي وقته، {عندنَا وَعند الْأَكْثَر} .
قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (يَصح التَّكْلِيف بِمَا يعلم الْآمِر انْتِفَاء شَرط وُقُوعه عِنْد وقته) .
قَالَ ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله ": (يجوز التَّكْلِيف بِمَا يعلم الله أَن الْمُكَلف لَا يُمكن مِنْهُ، مَعَ بُلُوغه حَال التَّمَكُّن، عِنْد القَاضِي، وَابْن عقيل، وَأبي الْخطاب، وَقَالَ: " إِنَّه يَقْتَضِيهِ مَذْهَب أَصْحَابنَا "، فَلهَذَا يعلم الْمُكَلف بالتكليف قبل وَقت الْفِعْل وفَاقا للأشعرية وَغَيرهم، وَذكره بعض أَصْحَابنَا إِجْمَاع الْفُقَهَاء) انْتهى.
وَقَالَ الْمُوفق وَغَيره: (تنبني على النّسخ قبل التَّمَكُّن) .
قَالَ بَعضهم: (تشبهها؛ لِأَن ذَلِك رفع الحكم بخطاب، وَهَذَا بتعجيز، وَنبهَ ابْن عقيل عَلَيْهِ) .
{ [وَنفى ذَلِك الْمُعْتَزلَة، وَأَبُو الْمَعَالِي] } .
وَزعم غلاة الْقَدَرِيَّة - مِنْهُم وَمن غَيرهم -: كمعبد الْجُهَنِيّ، وَعَمْرو
ابْن عبيد: (أَنه لم يعلم أَفعَال الْعباد حَتَّى فَعَلُوهَا) .
قلت: هَذَا كفر، فلعنة الله على قَائِله، ثمَّ وجدت الشَّيْخ تَقِيّ الدّين قَالَه - فِي هَذِه عَنْهُم -:(إِنَّهُم كفار) .
مِثَال الْمَسْأَلَة: لَو أَمر الله رجلا بِصَوْم يَوْم، وَقد علم - سُبْحَانَهُ - مَوته قبله، وَشرط الصَّوْم الْحَيَاة، فَلَا يُمكن وُقُوعه لانْتِفَاء شَرطه.
وَهَذَا مَبْنِيّ على: أَن فَائِدَة الْخلاف قد تكون الِابْتِلَاء، وَيَتَرَتَّب عَلَيْهِ وجوب الْكَفَّارَة فِي تَرِكَة المجامع فِي نَهَار رَمَضَان، إِذا مَاتَ أَو جن فِي أثْنَاء النَّهَار.
وَجه الصِّحَّة: لَو لم يجز لم يعْص أحد، لِأَن شَرط الْفِعْل إِرَادَة قديمَة أَو حَادِثَة، على اخْتِلَاف الْقَوْلَيْنِ، لِاسْتِحَالَة تخلف المُرَاد عَن إِرَادَته تَعَالَى،
فَإِذا تَركه، علم أَن الله لَا يُريدهُ، وَأَن العَاصِي لَا يُريدهُ.
وَأَيْضًا: لم يعلم تَكْلِيف، لعدم الْعلم بِبَقَاء الْمُكَلف قبله - وَهُوَ شَرط -، وَلَا مَعَه، وَلَا بعده، لانْقِطَاع التَّكْلِيف فيهمَا.
فَإِن فرض زَمَانه موسعا، كالواجب الموسع - بِحَيْثُ يعلم التَّمَكُّن - نقلنا الْكَلَام إِلَى أَجزَاء [ذَلِك] كالمضيق، والتكليف مَعْلُوم.
وَأَيْضًا: لم يعلم إِبْرَاهِيم عليه السلام وجوب الذّبْح.
وَاحْتج الْأَصْحَاب وَابْن الباقلاني: بِالْإِجْمَاع على [تحقق] الْوُجُوب وَالتَّحْرِيم قبل التَّمَكُّن.
ورده أَبُو الْمَعَالِي: بِنَاء على ظن الْبَقَاء.
ورد: بِأَنَّهُ لَا تَكْلِيف مَعَ الشَّك.
وَبِأَن احْتِمَال الْخَطَأ قَائِم فِي الظَّن، وَهُوَ مُمْتَنع فِي الْإِجْمَاع.
قَالُوا: لَو جَازَ، لم يكن إِمْكَان الْمُكَلف بِهِ شرطا فِي التَّكْلِيف، لِأَن هَذَا الْفِعْل لَا يُمكن.
رد: بِأَن الْإِمْكَان الْمَشْرُوط: تَأتي الْفِعْل عَادَة عِنْد اجْتِمَاع شَرَائِطه فِي وقته، وَهُوَ حَاصِل، وَالَّذِي هُوَ شَرط وُقُوع الْفِعْل مَحل النزاع.
على أَنه يلْزم فِي جهل الْآمِر، لجَوَاز امْتنَاع الْفِعْل لانْتِفَاء شَرطه.
قَالُوا: لَو جَازَ لجَاز مَعَ علم الْمَأْمُور اعْتِبَارا بالآمر، وَالْجَامِع عدم الْحُصُول.
رد: بِأَن هَذَا يمْتَنع امتثاله، فَلَا يعزم فَلَا يُطِيع وَلَا يَعْصِي، وَلَا ابتلاء بِخِلَاف مَسْأَلَتنَا.
على أَن الْمجد - على مَا يَأْتِي - قَالَ: (يَنْبَغِي أَن نجوزه كَمَا نجوز تَوْبَة مجبوب من زنى، وأقطع من سَرقَة، وَفَائِدَته: الْعَزْم بتقديره الْقُدْرَة) .
فَمن جَامع صَحِيحا ثمَّ مرض، أَو جن، أَو حَاضَت أَو نفست، لم تسْقط الْكَفَّارَة عِنْد الإِمَام أَحْمد وَغَيره، خلافًا للحنفية، وَأحد قولي الشَّافِعِي، لأَمره عليه السلام الْأَعرَابِي بِالْكَفَّارَةِ، وَلم يسْأَله.
وكما لَو سَافر، وفَاقا للأئمة الْأَرْبَعَة.
قَالَ بعض أَصْحَابنَا: (لَا يُقَال 5: تَبينا أَن الصَّوْم غير مُسْتَحقّ؛ لِأَن الصَّادِق لَو أخبرهُ أَنه سيمرض أَو يَمُوت، لم يجز الْفطر، وَالصَّوْم لَا تتجزأ صِحَّته، بل لُزُومه) .
وَفِي " الِانْتِصَار " وَجه: (تسْقط بحيض ونفاس، لمنعهما الصِّحَّة، وَمثلهمَا موت، وَكَذَا جُنُون، إِن منع طريانه الصِّحَّة) .
وَمن علق طَلَاقا بشروعه فِي صَوْم أَو صَلَاة واجبين، فشرع، وَمَات فِيهِ، طلقت إِجْمَاعًا.
قَوْله: {وَيصِح مَعَ جهل الْآمِر اتِّفَاقًا} .
كأمر السَّيِّد عَبده بِشَيْء.
وَاعْلَم أَن الْآمِر تَارَة يعلم انْتِفَاء شَرط وُقُوع الْمَأْمُور فِي وقته، وَهِي الْمَسْأَلَة الْمُتَقَدّمَة، وَتارَة يجهل ذَلِك، وَهِي هَذِه الْمَسْأَلَة: كأمر السَّيِّد عَبده بخياطة ثوب غَدا، فَهَذَا يَصح اتِّفَاقًا، قَالَه جمع من الْعلمَاء.
لَكِن قَالَ الصفي الْهِنْدِيّ: (فِي كَلَام بَعضهم إِشْعَار بِخِلَاف فِيهِ) انْتهى.
وَتارَة يعلم الْآمِر والمأمور ذَلِك، فَهَذَا لَا يَصح، قطع بِهِ الأصوليون، لِامْتِنَاع امتثاله، فَلَا يعزم، فَلَا يُطِيع وَلَا يَعْصِي، وَلَا ابتلاء، بِخِلَاف الْمَسْأَلَة الَّتِي قبلهَا.
{وَقَالَ الْمجد} ابْن تَيْمِية فِي " المسودة ": {يَنْبَغِي أَن يَصح} .
فَقَالَ - بَعْدَمَا ذكر الْخلاف فِي الْحَالة الأولى -: (وَيَنْبَغِي على مساق هَذَا أَن يجوزوه، وَإِن علم الْمَأْمُور أَنه يَمُوت قبل الْوَقْت، كَمَا تجوز تَوْبَة مجبوب من زنى، وَتَكون فَائِدَته: الْعَزْم على الطَّاعَة بِتَقْدِير الْقُدْرَة) .
قَالَ: (وَلَيْسَت هَذِه مَبْنِيَّة على تَكْلِيف خلاف الْمَعْدُوم، وَلَا على تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق، وَإِن كَانَ لَهُ ضرب من التَّعَلُّق، لَكِن تشبه النّسخ قبل التَّمَكُّن، لِأَن ذَلِك رفع للْحكم بخطاب، وَهَذَا رفع للْحكم بتعجيز، {و} قد {نبه
[ابْن عقيل على ذَلِك] ، وَيَنْبَنِي على أَنه قد يَأْمر بِمَا لَا يُرِيد، وَكَذَلِكَ القَاضِي نبه فِي الْكِفَايَة على الْفرق بَين هَذَا وتكليف مَا يعجز العَبْد عَنهُ، مثل: الطيران، وَالْمَشْي على المَاء، وقلب الْعَصَا حَيَّة) انْتهى.
لفظ ابْن عقيل: (يجوز أَن يرد الْأَمر من الله تَعَالَى مُعَلّقا على اخْتِيَار الْمُكَلف، يفعل أَو يتْرك مفوضا إِلَى اخْتِيَاره، بِنَاء على: أَن الْمَنْدُوب مَأْمُور بِهِ، مَعَ كَونه مُخَيّرا بَين فعله وَتَركه) .
وبناه على أَن الْمَنْدُوب مَأْمُور بِهِ، قَالَ:(خلافًا للمعتزلة) .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (تشبه: أَن يُقَال للمجتهد: احكم بِمَا شِئْت، وَبحث أَصْحَابنَا فِي الْمَسْأَلَة يدل على أَنهم أَرَادوا أَمر الْإِيجَاب، فَلَا يَصح الْبناء على مَسْأَلَة:" الْمَنْدُوب مَأْمُور بِهِ "، بل لحرف الْمَسْأَلَة شَيْئَانِ:
أَحدهمَا: جَوَاز عدم التَّكْلِيف.
وَالثَّانِي: جَوَاز تَكْلِيف مَا يشاؤه العَبْد ويختاره.
فَهِيَ مَسْأَلَتَانِ فِي الْمَعْنى جَمعهمَا ابْن عقيل، وَفِي أثْنَاء الْمَسْأَلَة قد ذكر ابْن عقيل مَا يدل على أَنهم يمْنَعُونَ من أَن يَأْمر الْمُكَلف بِمَا يَشَاء، وَأَن يَأْمُرهُ بِمَا يرَاهُ بعقله، بِخِلَاف مَا يرَاهُ من الْأَدِلَّة السمعية، فَيكون الْخلاف مَعَهم فِي أَن يَأْمُرهُ بِمَا يَعْتَقِدهُ، أَو بِمَا يُريدهُ، وأصحابنا جوزوا الْقسمَيْنِ.
وَهَذِه الْمَسْأَلَة إِن قيل فِيهَا بِالْجَوَازِ الْعقلِيّ فقريب، وَأما الْوُقُوع، فَفِيهِ نوع مُخَالفَة لمسألة كل مُجْتَهد مُصِيب، مَعَ إِمْكَان الْجمع) انْتهى.