الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَلِهَذَا قَالَ الْحَافِظ الْعَلامَة ابْن حجر: (قد صحت الْأَحَادِيث بذلك، فَمَا بَقِي إِلَّا التَّسْلِيم أَو التَّأْوِيل) ، كَمَا تقدم عَنهُ.
فَلَيْسَ لأحد أَن يدْفع حَدِيث النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ -
وَيَقُول بعقله هَذِه الْأَحَادِيث مشكلة، وَيلْزم مِنْهَا الْمَحْذُور الْعَظِيم.
فَقَوْل من نتبع؟ قَول هَذَا الْقَائِل، أَو قَول من اتبع الْأَحَادِيث على حكم صِفَات الله اللائقة بجلاله وعظمته، وَالله أعلم.
ونسأله التَّوْفِيق لما يرضيه عَنَّا من القَوْل وَالْعَمَل وَالنِّيَّة، إِنَّه سميع
قريب مُجيب.
قَوْله: {وَقَالَ [الإِمَام أَحْمد] : (الْقُرْآن معجز بِنَفسِهِ) } .
قَالَ الإِمَام أَحْمد: (من قَالَ: الْقُرْآن مَقْدُور على مثله، وَلَكِن منع الله قدرتهم، كفر، بل هُوَ معجز بِنَفسِهِ، وَالْعجز شَمل الْخلق) .
{قَالَ [جمَاعَة من أَصْحَابنَا: (كَلَام أَحْمد يَقْتَضِي] أَنه معجز فِي لَفظه ونظمه وَمَعْنَاهُ) . [وَهُوَ مَذْهَب الْحَنَفِيَّة] وَغَيرهم، وَخَالف القَاضِي فِي الْمَعْنى} ، وَاحْتج لذَلِك: بِأَن الله تَعَالَى تحدى بِمثلِهِ فِي اللَّفْظ وَالنّظم.
قيل للْقَاضِي: لَا نسلم أَن الإعجاز فِي اللَّفْظ بل فِي الْمَعْنى.
فَقَالَ: (الدّلَالَة على أَن الإعجاز فِي اللَّفْظ وَالنّظم دون الْمَعْنى أَشْيَاء، مِنْهَا: أَن الْمَعْنى يقدر على مثله كل أحد، يبين صِحَة هَذَا: قَوْله تَعَالَى: {قل فَأتوا بِعشر سور مثله مفتريات} [هود: 13] ، وَهَذَا يَقْتَضِي: أَن التحدي بألفاظها، وَلِأَنَّهُ قَالَ: {مثله مفتريات} ، وَالْكذب لَا يكون مثل الصدْق، فَدلَّ أَن المُرَاد مثله فِي اللَّفْظ وَالنّظم) انْتهى.
و {قَالَ ابْن حَامِد} : (فَهَل يسْقط الإعجاز فِي الْحُرُوف الْمُقطعَة أم هُوَ بَاقٍ؟ {الْأَظْهر من جَوَاب الإِمَام أَحْمد: أَن الإعجاز [فِيهَا] بَاقٍ، خلافًا للأشعرية) } .
قَوْله: {وَفِي بعض آيَة إعجاز، ذكره القَاضِي وَغَيره} ، لقَوْله تَعَالَى:{فليأتوا بِحَدِيث مثله} [الطّور: 34]، وَالظَّاهِر: أَنه أَرَادَ مَا فِيهِ الإعجاز، وَإِلَّا فَلَا يَقُول فِي مثل قَوْله تَعَالَى:{ثمَّ نظر} [المدثر: 21]، وَنَحْوهَا: إِن فِي بَعْضهَا إعجازا، وفيهَا أَيْضا، وَهُوَ وَاضح.
{وَقَالَ أَبُو الْخطاب} - فِي النّسخ وَغَيره - {وَالْحَنَفِيَّة: (لَا} إعجاز فِي بعض آيَة، بل فِي آيَة) .
وَهَذَا - أَيْضا - لَيْسَ على إِطْلَاقه، [وَقَالَ] :(بعض الْآيَات الطوَال فِيهَا إعجاز) .
{ [وَقَالَ] بَعضهم: (وَلَا فِي آيَة) } .
وَفِيه كَمَا فِي الَّذِي قبله.
وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي " الشَّامِل " وَغَيره: (إِنَّمَا يتحدى بِالْآيَةِ إِذا كَانَت
مُشْتَمِلَة على مَا بِهِ التَّعْجِيز، لَا فِي نَحْو:{ثمَّ نظر} [المدثر: 21] .
فَيكون الْمَعْنى فِي قَوْله تَعَالَى: {فليأتوا بِحَدِيث مثله} [الطّور: 34]، أَي: مثله فِي الاشتمال على مَا بِهِ يَقع الإعجاز لَا مُطلقًا) .
{و} قَالَ ابْن عقيل {فِي " الْوَاضِح ": (لَا إعجاز وَلَا تحدي بآيتين) } .
قلت: وَفِيه نظر على إِطْلَاقه - كَمَا تقدم - اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال: مُرَاده وَمُرَاد غَيره فِي الْجُمْلَة، وَهُوَ أولى عِنْدِي.
وَقَالَ بعض الْمُحَقِّقين: (الْقُرْآن كُله معجز، لَكِن مِنْهُ مَا لَو انْفَرد لَكَانَ معجزا بِذَاتِهِ، وَمِنْه مَا إعجازه مَعَ الانضمام) .
تَنْبِيه: ظَاهر مَا تقدم: أَن الإعجاز يحصل بِسُورَة، وَلَو قَصِيرَة بطرِيق أولى وَأَحْرَى، ك:{إِنَّا أعطيناك الْكَوْثَر} [الْكَوْثَر: 1]، وَهُوَ ظَاهر قَوْله:{فَأتوا بِسُورَة مثله} [يُونُس: 38] .
وَقَالَ الْآمِدِيّ فِي " الْأَبْكَار ": (الْتزم القَاضِي أَبُو بكر بن الباقلاني فِي أحد جوابيه: أَن الإعجاز فِي سُورَة الْكَوْثَر وأمثالها، تمسكا وتعلقا بقوله تَعَالَى:{فَأتوا بِسُورَة من مثله} [الْبَقَرَة: 23]، وَالصَّحِيح: مَا ارْتَضَاهُ فِي الْجَواب الآخر، وَهُوَ اخْتِيَار الْأُسْتَاذ أبي إِسْحَاق الأسفراييني وَجَمَاعَة: أَن التحدي إِنَّمَا وَقع بِسُورَة تبلغ فِي الطول مبلغا تبين فِيهِ رتب [ذَوي] البلاغة، فَإِنَّهُ قد يصدر من غير البليغ، أَو مِمَّن هُوَ أدنى فِي البلاغة، من
الْكَلَام البليغ مَا يماثل الْكَلَام البليغ الصَّادِر عَمَّن هُوَ أبلغ مِنْهُ، وَرُبمَا زَاد عَلَيْهِ.
قَالَ: فَيتَعَيَّن تَقْيِيد الْإِطْلَاق فِي قَوْله تَعَالَى: {فَأتوا بِسُورَة} [الْبَقَرَة: 23، وَيُونُس: 38] ، لِأَن تَقْيِيد الْمُطلق بِالدَّلِيلِ وَاجِب) انْتهى.
قَوْله: {قَالَ القَاضِي، وَابْن عقيل، [وَغَيرهمَا] : (فِي بعضه إعجاز أَكثر من بعض) } .
قلت: وَهُوَ صَحِيح، وَقد صرح بِهِ أَئِمَّة عُلَمَاء البلاغة.