الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
" أَن الْقُرْآن كَلَام الله، غير مَخْلُوق، تكلم بِهِ تكلما، وأنزله على رَسُوله مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم َ -
على لِسَان جِبْرِيل عليه الصلاة والسلام، بعد مَا سَمعه جِبْرِيل من الله تَعَالَى، فتلاه جِبْرِيل على مُحَمَّد، وتلاه مُحَمَّد على أَصْحَابه، وتلاه أَصْحَابه على الْأمة، وَلم يصر بِتِلَاوَة المخلوقين لَهُ مخلوقا، [لِأَنَّهُ] ذَلِك الْكَلَام بِعَيْنِه الَّذِي تكلم الله بِهِ، وَأطَال فِي ذَلِك)
انْتهى.
وَقد تقدم أَن الْحَافِظ ابْن حجر حكى إِجْمَاع السّلف على أَن الْقُرْآن كَلَام [الله] غير مَخْلُوق، تَلقاهُ جِبْرِيل عَن الله، وبلغه جِبْرِيل إِلَى مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم َ -، وبلغه مُحَمَّد إِلَى أمته.
وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي كتاب " صيد الخاطر ": (نهى الشَّرْع عَن الْخَوْض فِيمَا يثير غُبَار شُبْهَة، وَلَا يقوى على قطع طَرِيقه إقدام الْفَهم، وَإِذا كَانَ قد نهى عَن الْخَوْض فِي الْقدر، فَكيف يُجِيز الْخَوْض فِي صِفَات الْمُقدر؟ وَمَا ذَاك إِلَّا لأحد أَمريْن:
إِمَّا لخوف إثارة شُبْهَة تزلزل العقائد.
أَو لِأَن قوى الْبشر تعجز عَن إِدْرَاك الْحَقَائِق) .
وَاسْتدلَّ لما ذهب إِلَيْهِ الإِمَام أَحْمد، وَالْإِمَام عبد الله بن الْمُبَارك، وَالْإِمَام مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ، وَالْإِمَام عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ، وأئمة الحَدِيث وَالسَّلَف، بِالْكتاب، وَالسّنة، والْآثَار، والفطرة، وَالْعقل.
أما الْكتاب فقد تقدم فِي غيرما آيَة؛ إِذْ الْقُرْآن مَمْلُوء من المناداة، والمناجاة، وَالْقَوْل بالماضي، والمضارع، وَالْكَلَام بِالْفِعْلِ الْمَاضِي، والمصدر الْمُؤَكّد الْمُضَاف إِلَى اسْم الله تَعَالَى.
قَالَ تَعَالَى: {وكلم الله مُوسَى تكليما (164) } [النِّسَاء: 164]، وَقَالَ تَعَالَى:{وَلما جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلمه ربه} [الْأَعْرَاف: 143]، وَقَالَ تَعَالَى:{يَا مُوسَى إِنِّي اصطفيتك على النَّاس برسالاتي وبكلامي} [الْأَعْرَاف:
144 -
] ، وَقَالَ:{يُرِيدُونَ أَن يبدلوا كَلَام الله} [الْفَتْح: 15]، وَقَالَ تَعَالَى:{وَلَكِن حق القَوْل مني} [السَّجْدَة: 13]، وَقَالَ تَعَالَى:{وناديناه من جَانب الطّور الْأَيْمن} [مَرْيَم: 52]، وَقَالَ تَعَالَى:{وَإِذ نَادَى رَبك مُوسَى أَن ائْتِ الْقَوْم الظَّالِمين} [الشُّعَرَاء: 10]، وَقَالَ تَعَالَى:{هَل أَتَاك حَدِيث مُوسَى (15) إِذْ ناداه ربه بالواد الْمُقَدّس طوى} [النازعات: 15 - 16]، وَقَالَ تَعَالَى:{فاستمع لما يُوحى} [طه: 13] ، وَكَانَ يكلمهُ من وَرَاء حجاب لَا ترجمان بَينهمَا، واستماع الْبشر فِي الْحَقِيقَة لَا يَقع إِلَّا للصوت، وَمن زعم أَن غير الصَّوْت يجوز فِي الْعقل أَن يسمعهُ من كَانَ على هَذِه الْبَيِّنَة الَّتِي نَحن عَلَيْهَا [احْتَاجَ] إِلَى دَلِيل، وَقد قَالَ تَعَالَى:{فَلَمَّا أَتَاهَا نُودي من شاطيء الواد الْأَيْمن فِي الْبقْعَة الْمُبَارَكَة من الشَّجَرَة أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنا الله رب الْعَالمين} [الْقَصَص: 30]، والنداء عِنْد الْعَرَب: صَوت لَا غير، وَلم يرد عَن الله وَلَا عَن رَسُوله وَلَا أحد من السّلف أَنه من الله غير صَوت، ومُوسَى مُكَلم بِلَا وَاسِطَة إِجْمَاعًا.
وَقد قَالَ الْبَغَوِيّ فِي " تَفْسِيره " فِي قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة طه: {نُودي يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنا رَبك} [طه: 11 - 12] : (قَالَ وهب: " نُودي من الشَّجَرَة فَقيل: يَا مُوسَى، فَأجَاب سَرِيعا مَا يدْرِي من دَعَاهُ، فَقَالَ: إِنِّي أسمع صَوْتك وَلَا أرى مَكَانك؛ فَأَيْنَ أَنْت؟
قَالَ: أَنا فَوْقك، ومعك، وأمامك، وخلفك، وَأقرب إِلَيْك من نَفسك، فَعلم أَن ذَلِك لَا يَنْبَغِي إِلَّا لله فأيقن بِهِ) انْتهى.
وَذكر أَبُو نصر السجسْتانِي فِي كِتَابه " الرَّد على من أنكر الْحَرْف وَالصَّوْت ": عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي بكر [بن] عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث عَن جرير بن جَابر عَن كَعْب أَنه قَالَ: " لما كلم الله مُوسَى عليه السلام كَلمه بالألسنة كلهَا قبل لِسَانه، فَطَفِقَ مُوسَى يَقُول: وَالله يَا رب مَا أفقه هَذَا، حَتَّى كَلمه بِلِسَانِهِ آخر الْأَلْسِنَة بِمثل صَوته ".
قَالَ: وَهُوَ مَحْفُوظ عَن الزُّهْرِيّ، رَوَاهُ عَنهُ ابْن أبي عَتيق
والزبيدي، وَمعمر، وَيُونُس بن يزِيد، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة، وهم كلهم أَئِمَّة، وَلم يُنكره وَاحِد مِنْهُم.
وَقَوله: " بِمثل صَوته "، مَعْنَاهُ: أَن مُوسَى عليه السلام حَسبه مثل صَوته فِي تمكنه من سَمَاعه وَبَيَانه عِنْده.
ويوضحه قَوْله تَعَالَى: " لَو كلمتك بكلامي لم تَكُ شَيْئا وَلم تستقم لَهُ " انْتهى.
وَذكر الشَّيْخ موفق الدّين فِي قصَّة مُوسَى عليه السلام: (أَنه لما رآى النَّار هالته وفزع مِنْهَا، فناداه ربه: " يَا مُوسَى " فَأجَاب سَرِيعا - استئناسا بالصوت - فَقَالَ: لبيْك لبيْك، أسمع صَوْتك وَلَا أرى مَكَانك فَأَيْنَ أَنْت؟ قَالَ: فَوْقك، وأمام، ووراءك، وَعَن يَمِينك، وَعَن شمالك، فَعلم أَن هَذِه الصّفة لَا تنبغي إِلَّا لله تَعَالَى، قَالَ: فَكَذَلِك أَنْت يَا إلهي، أفكلامك أسمع أم كَلَام رَسُولك؟ قَالَ: بل كَلَامي يَا مُوسَى) .
وَقَالَت بَنو إِسْرَائِيل لمُوسَى: (بِمَ شبهت صَوت رَبك؟) .