الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ونظرية الشريعة أدق منطقاً؛ لأن ألعاب الفروسية ضرورة اجتماعية اقتضتها مصلحة الأفراد والجماعة من الوجهات الصحية والخلقية والحربية والاجتماعية، ولا توجد دولة اليوم إلا وتحض عليها وتشجعها وتلقنها النشء في المدارس كما تلقن العلوم الضرورية، بل إنها أصبحت من العلوم الأولية في المدارس التي تعد رجال البوليس والجيش، وإذا كان لألعاب الفروسية هذه المنزلة في حياة الأمة فمن المنطق أن تعتبر واجباً على الأفراد لا حقاً لهم؛ لأن الواجب هو ما لا يستطيع التخلي عنه، أما الحق فلا حرج على صاحبه أن يأتيه أو يتركه.
* * *
الفرع الخامس
إهدار الأشخاص
373 -
معنى الإهدار: الإهدار هو الإباحة، ويقع على نفس الشخص أو على طرفه أو على ماله، فإذا وقع الإهدار على نفس شخص أبيح جرحه أو قطعه أو قتله، وإذا وقع الإهدار على طرف شخص لم يبح من الشخص إلا قطع هذا الطرف، وإذا وقع الإهدار على مال شخص أبيح ماله كإباحة مال الحربي، والمقصود من هذا البحث إهدار الأشخاص لا إهدار الأموال.
ونستطيع أن نعرف إهدار الأشخاص أو طرفه، كما نستطيع أن نعرف الشخص المهدر بأنه من أبيحت نفسه أو طرفه.
374 -
علة الإهدار: علة الإهدار الوحيدة هي زوال عصمة الشخص، وتزول العصمة إما بزوال سببها، وإما بارتكاب الجرائم المهدرة.
زوال العصمة بزوال سببها: القاعدة العامة في الشريعة الإسلامية أن الدماء والأموال معصومة أي ليست مباحة. وأساس العصمة: إما الإيمان، وإما الأمان.
ومعنى الإيمان: الإسلام، ومعنى الأمان: العهد؛ كعهد الذمة وعهد الهدنة وما أسبه. فبالإيمان تعصم دماء المسلمين وأموالهم؛ لقوله عليه
الصلاة والسلام: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها". وبالأمان تعصم دماء غير المسلمين وأموالهم لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]، وقوله:{فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ} [التوبة: 7]، وقوله:{فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ} [التوبة: 4]، وقوله:{وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَه ُ} [التوبة: 6]، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"المسلمون عند شروطهم"، وقوله:"إننا لا يصلح في ديننا الغدر"، وقوله:"ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل منه صرف ولا عدل"، وقوله:"إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى خصال ثلاث: ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فقبل وكف عنهم، فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم".
والأمان في الشريعة الإسلامية على نوعين: أمان مؤقت، وأمان مؤبد. فالأمان المؤقت ما كان محدوداً بأجل طال هذا الأجل أو قصر، ويقوم هذا النوع من الأمان على معاهدات السلام وعدم الاعتداء، أو على معاهدات الإقامة المعقودة بين دار الإسلام ودار الحرب أي بين الدولة الإسلامية وأي دولة غير إسلامية، ويدخل تحت هذا النوع عقد الهدنة والإذن بالإقامة في دار الإسلام (1) .
والأمان المؤبد هو ما ليس له أجل محدود ينتهي به، ولا يكون إلا بعقد
(1) بدائع الصنائع ج7 ص106، أسنى المطالب ج4 ص210، مواهب الجليل ج4 ص360، 364، المغني ج10 ص578.
الذمة، ولا يتمتع به إلا الذميون الذين يقيمون إقامة كاملة في دار الإسلام وعليهم في مقابل ذلك التزام أحكام الإسلام (1) .
والأصل أن الناس في العالم على نوعين: إما مؤمن بالإسلام وإما منكر به. والمنكرون على نوعين: إما مسالم للإسلام وإما محارب له، فالمسالمون للإسلام من كان بينهم وبين دار الإسلام حالة سلم متبادل، أو عقد من عقود السلم، كعقد الهدنة أو الموادعة أو عقد الذمة، وأما المحاربون فهم من كانوا في حالة حرب مع دار الإسلام، ويسمى هؤلاء بالحربيين وكل من عدا الحربيين من سكان العالم دماؤهم وأموالهم معصومة إما بإسلامهم (2) وإما بمسالمتهم، أو بتعبير آخر: إما بإيمانهم وإما بأمانهم.
وإذا كان أساس العصمة هو الإيمان والأمان فإن العصمة تزول بزوال الأساس الذي قامت عليه، فالمسلم تزول عصمته بردته وخروجه عن الإسلام، والمستأمن والمعاهد والذمي ومن في حكمهم تزول عصمتهم بانتهاء أمانهم ونقض عهدهم، وإذا زالت عصمتهم أصبحوا بزوالها حربيين حكمهم حكم الحربي الذي لم يكتسب عصمة.
وإذا كانت العصمة تعني تحريم الدم والمال فإن زوالها يعني إباحة الدم والمال، وهذا هو الإهدار، ولما كانت العصمة لا تزول إلا عن مرتد أو حربي فمعنى ذلك أن المرتد والحربي مهدران وسبب إهدارهما هو زوال عصمتهما.
زوال العصمة بارتكاب الجرائم المهدرة: وكما تزول العصمة بالردة وبانتهاء الأمان ونقد العهد فإنها تزول أيضاً بارتكاب الجرائم المهدرة، والجرائم المهدرة هي الجرائم التي تجب عليها عقوبات مقدرة متلفة للنفس أو الطرف.
والجرائم المهدرة هي على وجه الحصر:
(1)
الزنا من محصن.
…
...
…
... (2) قطع الطريق
(1) المغني ج10 ص567، نهاية المحتاج ج8 ص80، بدائع الصنائع ج7 ص110.
(2)
راجع الفقرة 211.
أو الحرابة.
(3)
البغي.
…
...
…
... (4) القتل والقطع المتعمدان.
(5)
السرقة.
ويشترط في الجريمة المهدرة شرطان لا يغني أحدهما عن الآخر، أولهما: أن تكون الجريمة ذات عقوبة مقدرة، والعقوبات المقدرة محلها جرائم الحدود وجرائم القصاص فقط، أما جرائم التعازير فعقوباتها غير مقدرة (1) . ثانيهما: أن تكون العقوبة متلفة للنفس أي قتلاً، أو متلفة للطرف أي قطعاً.
وإذا تخلف أحد هذين الشرطين لم تكن الجريمة مهدرة، فالسرقة التي لا قطع فيها كسرقة الأب من الابن، والقتل العمد المعاقب عليه بالدية، لا يعتبر أيهما جريمة مهدرة؛ لأن العقوبة فيها غير متلفة ولو أن العقوبة في حالة الدية مقدرة، ومثل ذلك الزنا من غير محصن والقذف وشرب الخمر، فعقوبات هذه الجرائم الثلاث عقوبات مقدرة ولكنها غير متلفة، ومن ثم فهي جرائم غير مهدرة. وكذلك الحكم لو كانت العقوبة متلفة ولكنها غير مقدرة كالقتل تعزيراً.
وارتكاب الجرائم المهدرة يزيل العصمة من وقت ارتكاب الجريمة لا من وقت الحكم بالعقوبة؛ لأن أساس زوال العصمة هو ارتكاب الجريمة وليس هو الحكم بالعقوبة، وفضلاً عن ذلك فالعقوبات المقدرة ما هي إلا حدود والقواعد العامة في الشريعة أن الحدود واجبة التنفيذ فوراً ولا تحتمل التأخير أو التهاون كما أنها لا تحتمل العفو أو إيقاف التنفيذ، عدا عقوبة القصاص فيجوز العفو فيها من المجني عليه أو وليه، ومن ثم كانت الحدود عقوبات لازمة محتمة لا محيص عنها، ولم يكن هناك ما يدعو لتعليق زوال العصمة على الحكم بالعقوبة.
وإذا كان للمجني عليه أو وليه العفو في عقوبة القصاص فإن ذلك لا يؤثر على القاعدة العامة؛ لأن زوال العصمة في جرائم القصاص نسبي لا عام، فالعصمة تزول بالنسبة للمجني عليه أو وليه فقط ويظل الجاني معصوماً بالنسبة للآخرين،
(1) راجع الفقرتين 51، 103.
فإذا عفا المجني عليه أو وليه سقطت العقوبة المتلفة وعاد الجاني معصوماً عصمة تامة كما كان قبل ارتكاب الجريمة.
وفيما عدا الجرائم السابقة لا تزول العصمة بارتكاب أية جريمة أخرى ولو كانت عقوبتها القتل ما دامت العقوبة تعزيرية؛ لأن لولي الأمر في الجرائم التي يعاقب عليها بالتعزير حق العفو عن الجرائم وحق العفو عن العقوبة، ومن ثم كانت العقوبة غير لازمة حتماً، وكل عقوبة غير محتمة لا تزيل العصمة ولا تهدر الجاني ولو كانت متلفة حتى بعد صدور الحكم بها؛ لأن من الجائز أن يعفو ولي الأمر عن العقوبة في اللحظة الأخيرة.
375 -
المهدرون: ونخرج مما سبق أن المهدرين هم:
(1)
الحربي.
…
...
…
(2) المرتد.
…
... (3) الزاني المحصن.
(4)
المحارب.
…
...
…
(5) الباغي
…
... (6) من عليه القصاص.
(7)
السارق
ولكل واحد من هؤلاء لهم أحكام خاصة، ولهذا سنتكلم عليهم واحداً بعد آخر فيما يأتي:
376 -
أولاً: الحربي: هو أصلاً من ينتمي لدولة في حالة حرب مع الدولة الإسلامية، وهو أيضاً من كان معصوماً بأمان أو عهد فانتهى أمانة أو نقض عهده.
ومن المتفق عليه أن الحربي مهدر الدم، فإذا قتله شخص أو جرحه فقد قتل أو جرح شخصاً مباح القتل أو الجرح ولا عقاب على فعل مباح، وإنما يعاقب الفاعل في بعض الحالات؛ لأنه أحل نفسه محل السلطة التنفيذية وافتات عليها بإتيانه عملاً مما اختصت نفسها به.
ولا عقاب على قتل الحربي إطلاقاً إذا قتل في ميدان الحرب أو قتل دفاعاً عن النفس في غير ميدان الحرب، وفي هذا يتفق حكم الشريعة الإسلامية مع القوانين الوضعية.
أما إذا قتل الحربي في غير ميدان الحرب لغير مقتض كأن ضبط في دار
الإسلام أو استأسر فقتله من ضبطه أو أسره أو قتله غيرهما، فإن القاتل لا يؤاخذ باعتباره قاتلاً؛ لأن الحربي مباح الدم طبقاً للشريعة وضبطه أو أسره لا يعصمه ولا يغير من صفته كحربي، فيبقى دمه مباحاً بعد الضبط أو الأسر، فمن قتله فقد قتل مباح الدم ولا مسئولية على قتل مباح باعتبار فعل القتل، وإنما المسئولية تأتي من كون القاتل اعتدى على السلطة العامة التي يوكل إليها أمر من يضبط أو يؤسر من الحربيين، فمن هذه الوجهة يسأل القاتل ويعاقب لافتياته على السلطة العامة.
وقتل الحربي في ميدان الحرب وفي حالة الدفاع عن النفس يعتبر واجباً، وفيما عدا ذلك فهو حق للقاتل وليس واجباً عليه.
هذا هو حكم الشريعة الإسلامية، وهو يخالف حكم القوانين الوضعية التي تعتبر الفعل قتلاً عمداً وتعاقب عليه على هذا الاعتبار، وإن كان الذي يحدث عملاً أن المحاكم تقدر ظروف الجاني والمجني عليه وتقضي على الجاني بعقوبة مخففة بقدر الإمكان.
والنتيجة العملية أن الشريعة تتفق مع القوانين الوضعية في عقاب القاتل، ولكن الخلاف واقع في تكييف الفعل المعاقب عليه، فالقوانين تعتبره قتلاً والشريعة تعتبره افتياتاً على السلطات العامة.
377 -
ثانياً: المرتد: المرتد هو المسلم الذي غير دينه، فالردة مقصورة على المسلمين ولا يعتبر مرتداً من يغير دينه من غير المسلمين.
ويعتبر المرتد مهدر الدم في الشريعة (1) ، فإذا قتله شخص لا يعاقب باعتباره
(1) يعتبر المرتد مهدر الدم من وجهين: أولهما: أنه كان معصوماً بالإسلام فلما ارتد زالت عصمته فأصبح مهدراً، وثانيهما: أن عقوبة المرتد في الشريعة القتل حداً لا تعزيراً لقوله عليه السلام: "لا يحل قتل امرئ إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزناً بعد إحصان، وقتل نفس بغير نفس"، ولقوله:"من بدل دينه فاقتلوه"، فعقوبة الردة عقوبة متلفة، وعلى هذا تعتبر الردة من الجرائم المهدرة إذا نظر إلى عقوبتها، ولكن لما كان أساس الردة هو الرجوع عن الإسلام وهو الأصل في العصمة فقد نظر في الإهدار إلى الوجه الأول دون الثاني.
قاتلاً عمداً، سواء قتله قبل الاستتابة (1) أو بعدها؛ لأن كل جناية على المرتد هدر ما دام باقياً على ردته.
والأصل أن قتل المرتد للسلطات العامة، فإن قتله أحد الأفراد دون إذن هذه السلطات فقد أساء وافتات عليها فيعاقب على هذا لا على فعل القتل في ذاته. وعلى هذا الرأي فقهاء المذاهب الأربعة (2) إلا أن في مذهب مالك رأياً مخالفاً (3) يرى أصحابه أن المرتد غير معصوم، ولكنهم يرون مع ذلك أن على قاتله التعزير ودية لبيت المال، وحجتهم أن المرتد تجب استتابته، فهو بعد ردته كافر فمن قتله فقد قتل كافراً محرم القتل فتجب عليه ديته لبيت المال؛ لأنه هو الذي يرث المرتد، فكأن أصحاب هذا الرأي يزيلون عصمة المرتد بالردة ويعصمونه بكفره، وهو تناقض ظاهر يكفي لهدم رأيهم، ويمكن الرد عليهم بأنه لما كان مسلماً عصمه الإسلام فلما كفر زالت عصمته، وأن الكفر لا يعصم صاحبه وإنما الذي يعصمه الأمان من ذمة أو عهد أو غيرهما والمرتد لا يدخل تحت واحد منها فلا يمكن اعتباره معصوماً بعد كفره.
ويشترط لعقاب قاتل المرتد على افتياته واستهانته بالسلطات العامة أن تكون هذه السلطات قد اختصت نفسها بمعاقبة المرتد، فإذا كانت لا تعاقب على الردة كما هو حادث اليوم في مصر وغيرها من بلاد الإسلام، فليس لها أن تعاقب قاتل المرتد باعتباره مفتاتاً عليها؛ لأنه لا يعتبر مفتاتاً إلا بتدخله فيما اختصت نفسها به من تنفيذ أحكام الشريعة، فإذا كانت قد أهملت تنفيذ حكم من الأحكام فأقامه الأفراد فليس لهل أن تؤاخذهم على إقامته بحال من الأحوال.
(1) يشترط الفقهاء قبل الحكم بعقوبة الردة أن يستتاب المرتد ويعرض عليه الإسلام من جديد فإن لم يتب قتل حداً.
(2)
البحر الرائق ج5 ص125، الإقناع ج4 ص301، المهذب ج2 ص238، مواهب الجليل ج6 ص233.
(3)
الشرح الكبير للدردير ج4 ص127.
والقاعدة العامة عند الشافعيين أن غير المعصوم معصوم على أنداده، فالمرتد غير معصوم ولكنه معصوم على شبيهه (1) ، فلا يباح دمه لمرتد مثله، فإن قتله فهو قاتل متعمد ولو أسلم فيما بعد، بخلاف ما لو قتله مسلم فإنه لا يعتبر قاتلاً، وكذلك لو قتله ذمي على الرأي الراجح (2) ، ويطبق الشافعيون قاعدتهم هذه على كل المهدرين، ولكن الفقهاء الآخرين لا يأخذون بهذه القاعدة.
وقتل المرتد يعتبر واجباً في الشريعة الإسلامية على كل فرد وليس حقاً؛ لأن عقوبة الردة من الحدود وهي واجبة الإقامة ولا يجوز العفو عنها ولا تأخيرها، ولا يعفى الأفراد من هذا الواجب أن يعهد بإقامته إلى السلطات العامة، ولا يسقط هذا الواجب عن الأفراد إلا إذا نفذته السلطات فعلاً.
وتختلف القوانين عن الشريعة الإسلامية في أنها لا تعاقب على تغيير الدين بالذات، ولكنها تأخذ بنظرية الشريعة وتطبقها على من يخرج على النظام الذي تقوم عليه الجماعة، فالدولة الشيوعية تعاقب من رعاياها من يترك المذهب الشيوعي وينادي بالديموقراطية أو الفاشية، والدولة الفاشية تعاقب من يخرج على الفاشية وينادي بالشيوعية أو الديموقراطية، والدول الديموقراطية تحارب الشيوعية والفاشية وتعتبرهما جريمة، فالخروج على المذهب الذي يقوم عليه النظام الاجتماعي في دائرة القانون يقابل الخروج على الدين الإسلامي الذي يقوم عليه نظام الجماعة في الشريعة الإسلامية.
والخلاف بين الشريعة والقوانين في هذه المسألة خلاف في تطبيق المبدأ وليس خلاف على ذات المبدأ، فالشريعة الإسلامية تجعل الإسلام أساس النظام الاجتماعي، فكان من الطبيعي أن تعاقب على الردة لتحمي النظام الاجتماعي. والقوانين الوضعية لا تجعل الدين أساساً للنظام الاجتماعي، وإنما تجعل أساسه أحد المذاهب الاجتماعية. فكان من الطبيعي أن لا تحرم تغيير الدين وأن تهتم بتحريم
(1) أسني المطالب ج4 ص13، شرح الأنصاري على البهجة ج5 ص3، 4.
(2)
شرح الأنصاري على البهجة ج5 ص3.
كل مذهب اجتماعي مخالف للمذهب الذي أسس عليه نظام الجماعة.
وقد جرى قانون العقوبات المصري مجرى القوانين الوضعية التي أخذ عنها فلم ينص على عقاب المرتد مع أن الإسلام هو أساس نظام الجماعة في كل البلاد الإسلامية، ولكن عدم النص على عقاب المرتد لا يعني أن الردة مباحة؛ لأن الردة جريمة يعاقب عليها بالقتل حداً طبقاً لنصوص الشريعة الإسلامية، تلك النصوص التي لا تزال قائمة، ولا يمكن أن تلغى أو تنسخ بالقوانين الوضعية ما بقي الإسلام قائماً، كما بينا ذلك من قبل (1) ، فمن يقتل الآن مرتداً لا يعاقب على قتله بأي حال، ولا يعتبر مفتاتاً على السلطات العامة؛ لأنه أتى فعلاً مباحاً طبقاً للشريعة وأدى واجباً من الواجبات التي تفرضها عليه.
ويلاحظ أن قانون العقوبات المصري وإن لم ينص على عقاب المرتد إلا أنه لا يسري على كل فعل ارتكب بنية سليمة عملاً بحق مقرر بمقتضى الشريعة (م60 عقوبات) ، وهذا يكفي لإعفاء قاتل المرتد من العقاب؛ لأن إعفاء من يستعمل حقه أساسه إباحة الفعل في الشريعة، وقتل المرتد فعل تبيحه الشريعة وإذا كان قتل المرتد واجباً وليس حقاً فإن كل واجب يساوي الحق ويزيد عليه درجة، فهو يساويه إذا نظرنا إلى ذات الفعل أو من يقع عليه الفعل، فإذا نظرنا إلى الفعل وجدنا أنه مباح في حالة الحق والواجب، وإذا نظرنا إلى من يقع عليه الفعل وجدنا أنه لا يستطيع دفع الفعل باعتباره جريمة؛ لأن من حق الفاعل أن يأتيه عليه سواء في حالة الحق أو الواجب.
ويزيد الواجب على الحق إذا نظرنا إلى مصدر التكليف، فالمكلف بالواجب ملزم بإتيانه، أما صاحب الحق فله أن يأتيه أو يتركه، فالفرق بين الواجب والحق لا يظهر إلا في مسئولية المكلف بالواجب عند تركه، فهو قد يتعرض للعقاب بترك الواجب أما صاحب الحق فلا
(1) راجع الفقرة 191 وما بعدها.
يتعرض بالترك لعقوبة ما، فإذا أعفي صاحب الحق من المسئولية إذا أتى فعلاً مباحاً له أن يأتيه أو يتركه، فأولى أن يعفى المكلف بالواجب إذا أتى فعلاً مباحاً ليس له أن يتركه.
ويضاف إلى ما سبق أن المادة السابعة من قانون العقوبات المصري نصت أيضاً على أن أحكام هذا القانون لا تدخل في أي حال من الأحوال بالحقوق الشخصية المقررة في الشريعة، والواجبات المقررة على الأفراد ليست كما ذكرنا إلا حقوقاً شخصية لهم في إتيان الفعل إذا نظرنا إلى محل الواجب، فالتطبيب واجب على الطبيب يلزمه الشارع بأدائه ولكن تأدية هذا الواجب تعطي الطبيب الحق في جرح المريض أو بتر طرفه. وقتل المرتد واجب على كل فرد يسأل عن تأديته أمام الشارع ولكن تأدية هذا الحق تعطي المكلف بالواجب الحق في قتل المرتد.
ومن واجب الجلاد قطع رقاب المحكوم عليهم بالقتل، ولكن تأدية هذا الواجب تعطيه الحق في قطع رقبة المحكوم عليه. على أننا لسنا في حاجة لهذا التعليل ما دمنا نقول ببطلان النصوص القانونية المخالفة للشريعة.
378 -
(ثالثاً) : الزاني المحصن: تعاقب الشريعة الزاني المحصن بالرجم والزاني غير المحصن بالجلد، وعقوبة الرجم عقوبة متلفة يقصد منها إهلاك الزاني وزجر غيره، أما عقوبة الجلد فغير متلفة ويقصد منها تأديب الزاني وزجر غيره. ولما كانت عقوبة الرجم متلفة وكانت حداً أي عقوبة مقدرة فقد اعتبر الزاني المحصن مهدر الدم.
ومن المتفق عليه عند مالك وأبي حنيفة وأحمد أن ليس على قاتل الزاني المحصن قصاص ولا دية؛ لأن الزاني المحصن يصبح بزناه مباح القتل، ولما كانت عقوبة الزنا من الحدود، والحدود لا يجوز تأخيرها ولا العفو عنها، فإن قتل
الزاني المحصن يعتبر واجباً لا بد منه إزالةً للمنكر وتنفيذاً لحدود الله (1) .
ويتفق الرأي الراجح في مذهب الشافعي مع الرأي السابق، أما الرأي المرجوح في مذهب الشافعي فيرى أصحابه أن قاتل الزاني المحصن يقتل به؛ لأنه قتله لغيره وليس لنفسه فوجب فيه القصاص، كما لو قتل رجل رجلاً فقتله غير ولي الدم (2) . ويرد على ذلك بأن الزاني المحصن مباح الدم للجميع لا لشخص بعينه، وأن قتله متحتم لا خيار فيه، بعكس القاتل فإن دمه لا يباح إلا لولي الدم فقط وله الخيار إن شاء قتل وإن شاء عفا.
وإذا كان لا يجوز مؤاخذة من يقتل الزاني المحصن باعتباره قاتلاً، فإنه يجوز أن يؤاخذ باعتباره مفتاتاً على السلطات العامة (3) بشرط أن تأخذ السلطات العامة على عاتقها أداء هذا الواجب، فإذا أهملت في أداء هذا الواجب أو تخلت عنه فليس لها أن تؤاخذ من أداه بحجة أنه مفتات عليها.
ويشترط الشافعيون في قاتل الزاني المحصن أن يكون معصوماً؛ لأن مهدر الدم لا يعتبر مهدراً لمثله، فالزاني المحصن لا يعتبر مهدر الدم للزاني المحصن، ولا للمرتد، ولا للحربي؛ لأنهم جميعاً في درجة واحدة ودمهم جميعاً مهدر (4) .
أما إذا كان الزاني غير محصن فعقوبته الجلد فقط، فمن قتله في غير حالة التلبس اعتبر قاتلاً عمداً وأقيد به؛ لأنه قتل معصوم الدم، وهذا متفق عليه بين الأئمة الأربعة.
وإذا قتل الزاني غير المحصن في حالة تلبس فلا عقوبة على قاتله عند مالك
(1) حاشية الطهطاوي ج4 ص260، مواهب الجليل ج6 ص231، 233، المغني ج9 ص43.
(2)
المهذب ج2 ص186.
(3)
المرجع السابق، وتبصرة الحكام ج2 ص170.
(4)
تحفة المحتاج ج4 ص10، شرح الأنصاري على البهجة ج5 ص3، 4.
وأبي حنيفة وأحمد، وحجتهم في ذلك قضاء عمر رضي الله عنه، فقد كان يتغدى يوماً فأقبل عليه رجل يعدو ومعه سيف مجرد ملطخ بالدم حتى قعد مع عمر، وجاء جماعة في أثره فقالوا: إن هذا قتل صاحبنا مع امرأته. فقال عمر: ما يقول هؤلاء؟ قال الرجل: لقد ضربت فخذي امرأتي بالسيف، فإن كان بينهما أحد فقد قتلته، فقال لهم عمر: ما يقول الرجل؟ فقالوا: ضرب بالسيف فقطع فخذي امرأته وأصاب وسط الرجل فقطعه اثنين. فقال عمر للرجل: إن عادوا فعد، وأهدر دم القتيل.
ويعلل بعض الفقهاء إباحة القتل في حالة التلبس بالزنا بالاستفزاز الذي ينتاب القاتل فيدفعه للقتل، وهؤلاء يفرقون بين الأجنبية وغير الأجنبية، فإن كانت المزني بها أجنبية فلا يباح القتل، وإن لم تكن أجنبية يباح القتل؛ لأن الزنا بالأجنبية لا يستفز الشخص كما يستفزه الزنا بأهله من زوجة أو أم أو أخت....الخ.
ولكن أغلب الفقهاء لا يعللون الإباحة بالاستفزاز، وإنما يعللونها بتغيير المنكر، فيرون أن قتل الزاني غير المحصن في حالة التلبس تغيير للمنكر باليد وهو واجب على من استطاعه (1) . وأصحاب هذا الرأي لا يفرقون بين الزنا بأجنبية أو بغير أجنبية، ويبيحون قتل الزاني غير المحصن رجلاً كان أو امرأة في حالة التلبس مطلقاً، وهذا هو الرأي الراجح في المذاهب الثلاثة (2) .
أما الشافعي فلا يرى قتل الزاني غير المحصن في حالة التلبس إلا إذا لم يمكن منعه عن الجريمة إلا بالقتل، وفيما عدا هذا يعتبر قتله جريمة يعاقب عليها بعقوبة القتل العمد سواء كانت هناك حالة استفزاز أو لم تكن؛ لأن الاستفزاز
(1) راجع الفقرة 345.
(2)
تبصرة الحكام ج2 ص169، 170، البحر الرائق ج5 ص40، 41، المغني ج10 ص353 وما بعدها.
لا يبيح القتل، ولأن دفع المنكر لا يبيح القتل إلا إذا كان القتل هو الوسيلة الوحيدة لدفع المنكر (1) ، على أن بعض الشافعيين يرى قتل الزاني غير المحصن ما دام قد أولج لأنه مواقع في كل لحظة (2) ، ويبيح هؤلاء لدافع المنكر أن يبدأ بالقتل.
ويستوي عند الفقهاء أن يكون القتل للزنا بصفة عامة قبل حكم القضاء بثبوت جريمة الزنا أو بعد الحكم، والمهم أن تثبت جريمة الزنا على القتيل بأدلتها الشريعة، فإن ثبتت فلا يسأل القاتل عن القتل على التفصيل السابق، وإن لم تثبت فهو مسئول جنائياً عن القتل العمد.
وليس في القوانين الوضعية الحديثة ما يتفق مع الشريعة الإسلامية في عقاب الزنا، فليس في هذه القوانين ما يعاقب على الزنا بالقتل أو ما يعاقب على كل زنا كما تفعل الشريعة، وقد نهج قانون العقوبات المصري نهج القوانين الوضعية السائدة في البلاد غير الإسلامية، لكن نصوص العقوبات أياً كانت لا أثر لها على أحكام الشريعة، وهي نصوص باطلة بطلاناً مطلقاً في كل ما يخالف الشريعة، صحيحة فقط في كل ما يتفق مع أحكام الشريعة أو مبادئها العامة. وقد بسطنا هذا من قبل بسطاً وافياً فلا نعود إليه (3) .
وإذا كان قتل الزاني المحصن واجباً تلزم به الشريعة الأفراد فإن هذا الواجب يدخل تحت الحقوق الشخصية التي نص عليها قانون العقوبات المصري للأسباب التي ذكرناها بمناسبة الكلام على واجب قتل المرتد، ولا نذكر هذا لنبرر به قتل الزاني المحصن فقتله واجب طبقاً للشريعة، ولا عبرة بالنصوص القانونية المخالفة للشريعة، وإنما نذكر ما نذكر في هذا الشأن لنبين مدى اضطراب النصوص القانونية، فبعضها لا يعاقب على ما تبيحه الشريعة من قتل المرتد والزاني وغيرهما من المهدرين كالمادة السابعة من قانون العقوبات، وبعضها يحرم
(1) المهذب ج2 ص186، الأم ج6 ص26.
(2)
شرح الأنصاري على البهجة ج5 ص113.
(3)
راجع الفقرة 191 وما بعدها.
قتل المهدرين كنص المادة (230 عقوبات) ، وعلة هذا الاضطراب أن واضع قانون العقوبات كان يجهل مدى الحقوق المقررة للأفراد في الشريعة ومدى الواجبات المفروضة عليهم.
379 -
(رابعاً) : المحارب: المحارب هو من يرتكب جريمة الحرابة؛ أي الإفساد في الأرض أو قطع الطريق كما يسميها البعض، أو السرقة الكبرى كما يسميها البعض الآخر.
ولجريمة الحرابة أكثر من عقوبة واحدة وذلك ظاهر من قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ} [المائدة: 33] ، فعقوبة الحرابة هي القتل والصلب وقطع الأيدي والأرجل من خلاف والنفي، وأول ما يلاحظ على هذه العقوبات المتعددة أنها ليست جميعاً متلفة.
وقد اختلف الفقهاء في أمر هذه العقوبات هل هي مرتبة على قدر الجريمة أم هي على التخيير؟ وأساس اختلافهم هو تفسير الحرف "أو" فمن رأى البعض أنه جاء للتفصيل والترتيب، ومن رأى البعض أنه جاء للتخيير.
ويرى الفقهاء في مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد أن العقوبات مرتبة على سحب الجناية التي وقعت، فمن قتل ولم يأخذ مالاً قتل، ومن أخذ المال ولم يقتل قطع، ومن قتل وأخذ المال قتل وصلب (1) ، ومن أخاف السبيل ولكنه لم يقتل ولم يأخذ مالاً نفى (2) .
(1) لا يرى أبو حنيفة بأساً من الجمع بين القطع والقتل في هذه الحالة، ويخالفه في هذا صاحباه، ولأحمد رأي يتفق مع أبي حنيفة في هذه النقطة، راجع: بدائع الصنائع ج7 ص93، والمغني ج10 ص305.
(2)
المغني ج10 ص304 وما بعدها، بدائع الصنائع ج7 ص93، أسنى المطالب ج4 ص154، 155.
وعند مالك أن المحارب إذا قتل فلابد من قتله، وليس للإمام تخيير في قطعه ولا في نفيه، وإنما التخيير في قتله أو صلبه، وأما إن أخذ المال ولم يقتل فلا تخيير في نفيه وإنما التخيير في قتله أو صلبه أو قطعه أو نفيه، ومعنى التخيير عند مالك أن الأمر راجع في ذلك إلى اجتهاد الإمام، فإن كان المحارب ممن له الرأي والتدبير فوجه الاجتهاد قتله أو صلبه؛ لأن القتل يرفع ضرره، وإن كان لا رأي له وإنما هو ذو قوة وبأس قطعه من خلاف، وإن كان ليس فيه شيء من هاتين الصفتين أخذ بأيسر ذلك فيه وهو النفي والتعزير (1) .
والحرابة جريمة من جرائم الحدود وعقوبتها حدود، والقاعدة أن عقوبة الحد لازمة فلا تسقط بإهمال تنفيذها ولا بالعفو عنها. ولكن عقوبات الحرابة تسقط استثناء بالتوبة لقوله تعالى:{إِلَاّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المائدة: 34] ، فإذا تاب المحارب سقطت عنه عقوبات القتل والصلب والقطع والنفي؛ أي العقوبات المقررة حداً لجريمة الحرابة، بشرط أن تكون التوبة قبل القدرة عليه، فإن تاب بعد القدرة لم يسقط عنه شيء (2) .
ويترتب على التفصيلات التي ذكرناها أن المحارب يختلف حاله في الإهدار باختلاف رأي الفقهاء فيما إذا كانت العقوبات جاءت على وجه الترتيب أو التخيير، فإذا قلنا إنها جاءت غلى الترتيب فالمحارب يهدر دمه بالقتل، وبالقتل وأخذ المال، وتهدر يده اليمنى ورجله اليسرى بأخذ المال فقط، ولا يهدر منه شيء بإخافة السبيل فقط؛ لأن العقوبة النفي وهو غير متلف. وإن قلنا إن العقوبات على التخيير فالمحارب يهدر دمه بالقتل؛ لأن العقوبة هي القتل
(1) بداية المجتهد ج2 ص380، 381.
(2)
المغني ج10 ص315، بداية المجتهد ج2 ص382.
أو الصلب وكلاهما عقوبة متلفة، وكذلك الحكم في حالة القتل وأخذ المال. أما إذا أخذ المال ولم يقتله أو يصلبه إلا أن له أن يقطعه، فالقطع هو أقل العقوبات الواجبة ولا يمكن النزول عنه. وأما إذا أخاف السبيل فقط فلا يهدر منه شيء ولو أن الإمام أن يقتله أو يصلبه أو يقطعه؛ لأن الإمام أيضاً أن ينفيه والنفي عقوبة غير متلفة.
ويعتبر الجاني مهدراً على الوجه السابق من وقت ارتكاب الجريمة لا من وقت الحكم بالعقوبة. وينبني على هذه القاعدة أن تتغير حالة الإهدار في الجاني عند القائلين بالتخيير في العقوبة؛ لأن من يأخذ المال فقد قد يحكم عليه بالقتل فيصبح مهدر الدم من وقت الحكم بعد أن كان مهدراً في طرفيه فقط من وقت ارتكاب الجريمة، ومن أخاف السبيل فقط إذا حكم عليه بالقتل أو القطع يهدر إهداراً كلياً أو جزئياً من وقت الحكم مع أنه لم يكن مهدراً قبل ذلك.
وتزول حالة الإهدار بتوبة المحارب قبل القدرة عليه ويعود المحارب معصوماً، فمن قتله أو قطعه بعد ذلك فهو قاتل أو قاطع متعمد إذا كان عالماً بالتوبة، فإن لم يكن عالماً فهو قاتل أو قاطع خطأ.
ويعتبر قتل المحارب قبل التوبة أو قطعه واجباً لا حقاً، لأن عقوبات الحرابة من الحدود ولا يجوز تأخيرها، وتنفيذها واجب على كل فرد أصلاً، واختصاص أولي الأمر أنفسهم بإقامة هذه العقوبات لا يسقط واجب إقامتها عن الأفراد إلا إذا أقيمت فعلاً.
ويجوز للسلطات العامة أن تعاقب من يقتل أو يقطع مهدراً لا باعتباره قاتلاً أو قاطعاً، وإنما باعتباره مفتاتاً على السلطات العامة، ولكن يشترط لاستحقاق العقاب في هذه الحالة أن تكون السلطات حريصة على إقامة الحدود طبقاً لنصوص الشريعة.
وإذا كان المحارب مهدراً إهداراً جزئياً كأن أخذ المال ولم يقتل فقتله شخص فهو مسئول عن قتله عمداً، وإذا قطع طرفاً غير الطرف المستحق فهو مسئول عن قطعه عمداً ما لم يقصد الطرف المستحق فيخطئ ويصيب غيره، فإنه يسأل عن قطعه فقط.
وإذا قطع الطرف المهدر فأدى القطع إلى الموت فلا مسئولية على القطع؛ لأن الموت تولد عن القطع واجب، والواجب لا يتقيد بشرط السلامة.
380 -
(خامساً) : الباغي: الباغي هو من يعمل على تغيير نظام الحكم أو الحكام بالقوة، أو يمتنع عن الطاعة متعمداً على القوة. والبغي جريمة توجه ضد نظام الحكم والحكام ولا توجه إلى النظام الاجتماعي، فإذا كانت الجريمة مقصوداً بها النظام الاجتماعي فهي ليست بغياً، وإنما هي فساد في الأرض، والنظام الاجتماعي الذي تقوم عليه الجماعة هو الإسلام وليس لها نظام غيره.
ويشترط الفقهاء في جريمة البغي شروطاً خاصة سبق أن ذكرناها (1) أهمها: أن يكون البغاة متأولين، وأن يكونوا ذوي شوكة ومنعة، وأن يبدءوا في تنفيذ غرضهم بالقوة على رأى، أو أن يأخذوا في التجمع والامتناع بقصد تنفيذ غرضهم بالقوة.
وإذا توفرت شروط جريمة البغي أهدر دم الباغي، فمن قتله فقد قتل شخصاً مباح الدم ولا عقوبة عليه، ويظل دم الباغي مهدراً حتى تنتهي حالة البغي.
ويختلف مذهب أبي حنيفة (2) عن غيره في أنه يهدر دمهم من وقت تجمعهم وامتناعهم ولو لم يبدءوا بالقتال أو الاعتداء. أما مالك والشافعي وأحمد فيشترطون لإهدار دم البغاة أن يبدءوا بالقتال أو الاعتداء. والقاعدة عندهم أن الباغي لا يحل
(1) راجع الفقرة 78.
(2)
البحر الرائق ج5 ص142، بدائع الصنائع ج7 ص236، شرح القدير ج3 ص411.
دمه بغير حرب أو صيال (1) .
وقتال البغاة واجب في الشريعة لقوله تعالى: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات: 9] ، وهذا الواجب ملقىً على عاتق كل فرد، فإذا خصصت السلطات العامة أشخاصاً بأعيانهم لقتال البغاة، فإن هذا لا يمنع غيرهم من أداء الواجب ولا يسقطه عنهم ما دامت حالة البغي قائمة.
وليس للسلطات العامة أن تؤاخذ قاتل الباغي على القتل؛ لأن الباغي مباح القتل، ولكن لهذه السلطات أن تعاقب القاتل باعتباره مفتاتاً على السلطات العامة بشرط أن تكون السلطات قائمة بأداء هذا الواجب ومخصصة له من يقوم بأدائه.
381 -
(سادساً) : من عليه القصاص: القصاص في الشريعة هو العقوبة الأصلية للقتل والجرح العمد، ومعنى القصاص أن يعاقب الجاني بمثل فعله، والقصاص عقوبة مقدرة كما أنه عقوبة متلفة، ويقع القصاص على النفس وعلى ما دون النفس، فإذا وقع على النفس كان قتلاً، وإذا وقع على ما دون النفس كان جرحاً أو قطعاً.
ومن أتى فعلاً يوجب القصاص يعتبر مهدراً فيما أوجبه على نفسه بفعله، فإن وجب عليه القتل فهو مهدر الدم، وإن وجب عليه قطع طرف أو جارحة فهو مهدر في طرفه أو جارحته التي وجب فيها القصاص.
والإهدار في القصاص إهدار نسبي، فلا يهدر الجاني إلا للمجني عليه أو وليه وفيما عدا ذلك فهو معصوم في حق الكافة، وعلة نسبية الإهدار في القصاص أن القصاص حق لا واجب فلا يهدر الجاني إلا لصاحب الحق إن شاء استعماله، فالقتل لا يبيح دم القاتل إلا لولي القتيل، فإذا جاء أجنبي فقتل القاتل ولو بعد
(1) مواهب الجليل ج6 ص278، المهذب ج2 ص236، الإقناع ج4 ص293.
الحكم عليه بالقصاص فقد ارتكب جريمة قتل متعمد؛ لأنه قتل شخصاً معصوم الدم في حقه؛ ولأن من المحتمل أن يعفو ولي الدم عن المحكوم عليه فيمتنع تنفيذ الحكم. وهذا هو رأي جمهور الفقهاء (1) .
والأصل في الشريعة أن إقامة الحدود واستيفاء العقوبات للسلطان، ولا يستثنى من هذا الأصل إلا القصاص فللمجني عليه أو وليه أن يستوفي العقوبة بنفسه.
ومن المتفق عليه أن لولي الدم أن يستوفي القصاص بنفسه في القتل بعد الحكم بالعقوبة وتحديد ميعاد التنفيذ، بشرط أن يكون الاستيفاء تحت إشراف السلطان وبشرط أن يكون ولي الدم قادراً على الاستيفاء ومحسناً له، فإن كان عاجزاً عن الاستيفاء أو لا يحسنه جاز له أن يوكل من يتوفر فيه هذان الشرطان، وليس ثمة ما يمنع من أن يكون الوكيل موظفاً مخصصاً لهذا الغرض.
أما القصاص فيما دون النفس فمختلف عليه، فيرى مالك والشافعي ورأيهما وجه في مذهب أحمد أن المجني عليه أو وليه ليس له أن يستوفي القصاص فيما دون النفس بأي حال سواء كان يحسن القصاص أو لا يحسنه؛ لأنه لا يؤمن مع قصد التشفي أن يحيف على الجاني أو يجني عليه بما لا يمكن تلافيه، وإنما يتولى القصاص من يحسنه من الخبراء، ويقول مالك في هذا:"أحب إلى أن يولي الأمام على الجراح رجلين عدلين، فإن لم يجد إلا واحداً فأرى ذلك مجزئاً إن كان عدلاً"(2) .
ويرى أبو حنيفة ورأيه وجه في مذهب أحمد أن للمجني عليه أن يستوفي القصاص بنفسه فيما دون النفس؛ لأنه حقه فله استيفاؤه بنفسه كسائر الحقوق
(1) المغني ج9 ص356.
(2)
مواهب الجليل ج6 ص253، 254، المهذب ج2 ص197، الشرح الكبير ج9 ص399.
ما دام يحسنه، فإن لم يكن يحسنه فله أن يوكل عنه خبيراً بالقصاص. والقائلون بهذا الرأي في مذهب أحمد لا يرون مانعاً من تعيين رجل خبير بالقصاص بأجر من بيت المال تكون مهمته أن يستوفي نيابة عمن لا يحسنون الاستيفاء (1) .
والأصل في تقرير حق القصاص للمجني عليه أو وليه قول الله تعالى: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ} [الإسراء: 33] ، والمفروض أن مستحق القصاص ليس له أن يستعمل حقه إلا بعد الحكم بالعقوبة وفي الوقت المحدد للتنفيذ.
وفي الوقت الذي منحت فيه الشريعة ولي الدم حق القصاص فإنها منحته حقاً آخر هو حق العفو عن القصاص، وجعلت له أن يعفو على مال أو مجاناً؛ فإذا عفا امتنع القصاص واكن للسلطات العامة أن تعاقب الجاني بما تراه من عقوبة أخرى دون القتل.
وقد حضت الشريعة ولي الدم على العفو بمختلف الأساليب، فجعلت للعافي أن يعفو على مال يأخذه، ووعدته بالثواب في الآخرة وبرضاء الله جل شأنه، من ذلك قوله تعالى:{فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40]، وقوله:{وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134] ، واعتبرت الشريعة العفو رحمة من الله للناس، وذلك قوله تعالى:{فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: 178] ، ويؤثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم فيما روى عنه أنس أنه ما رفع إليه أمر فيه القصاص إلا أمر فيه بالعفو.
وقد يحسب البعض أن تقرير حق القصاص لولي الدم إنما هو إقرار للعادات الأولية التي كانت سائدة في الشعوب الهمجية، ولكنها فكرة خاطئة لا تقوم
(1) بدائع الصنائع ج7 ص246، الشرح الكبير ج9 ص398، 399.
على أساس صحيح، فإن الشريعة حين قررت هذا الحق لولي الدم لم تكن تقر عادات سائدة كما يظن البعض وإنما كانت تنظر قبل كل شيء إلى طبيعة البشر وغرائزهم، وإلى مصلحة الأفراد والجماعة، شأنها في كل ما جاءت به من مبادئ وما قررته من حقوق أو فرضته من واجبات.
وليس ثمة من ينكر أن حب الانتقام طبيعة في الإنسان، وأنه مهما تثقفت طباعه وهذبت غرائزه فإنه يفضل أن ينتقم بيده لنفسه على أن يكون الانتقام بيد غيره، وليس ثمة أيضاً من يجادل في أن الإنسان بطبعه يكون أقرب للعفو عن حقه بنية صحيحة كلما كان قادراً على الوصول لحقه لا يمنعه عنه مانع.
ومن المبادئ المسلم بها أن تقرير القصاص عقوبة للقتل من مصلحة الجماعة؛ لأن القتل أنفى للقتل، ولأن في القصاص حياة، ومن المبادئ السلم بها أيضاً أن العفو عن القصاص بنية صحيحة يؤدي إلى حفظ الأمن وصيانة الدماء وتقليل الجرائم.
على أساس الطبيعة البشرية وعلى أساس هذه المبادئ السليمة المسلم بها قررت الشريعة حق ولي الدم في أن يقتص بنفسه، لترضى بذلك نزعة الانتقام الكامنة في أغواره، ولتحول بينه وبين أن يأخذ حقه بيده قبل المحاكمة أو قبل الموعد المحدد لتنفيذ العقوبة، أو أن يرى العقوبة التي تنفذها السلطات العامة غير كافية لشفاء نفسه فيحاول أن ينتقم من أهل القاتل.
وعلى نفس الأسس جعلت الشريعة لولي الدم أن يقتص أو أن يعفو، فبعد أن مكنته من القصاص كل التمكين، وسلطته على الجاني إلى هذا الحد، حببت إليه العفو، ودعته إليه وأغرته به من الناحية المادية، فجعلت له أن يعفو على مال، وأغرته به من الناحية المعنوية فوعدته رضاء الله وحسن ثواب الآخرة، حتى إذا ما عفا بعد هذا كله عفا بنية صحيحة، وانمحت الزخائم والحزازات وحل الوئام محل الخصام وهو العامل الفعال في حفظ الأمن وإقرار النظام بين الجماعات،
وللسلطة العامة بعد ذلك أن تعاقب القاتل بما تراه ملائماً من العقوبات بشرط أن لا تصل إلى القتل.
فالشريعة إذن قصدت من إعطاء ولي الدم حق القصاص إصلاح النفوس، وإحلال الوئام محل الخصام، وحفظ الأمن والنظام، وتقليل الجرائم، وحمل الناس على احترام الأحكام، ومنعهم من التفكير في الانتقام لأنفسهم وأهليهم، كما أنها قصدت فوق هذا كله حفظ الدماء والأرواح وعدم الإسراف في عقوبة الإعدام بقدر الإمكان.
وحق القصاص حق لا يتجزأ، أما حق العفو فحق قابل للتجزئة، وهذا هو رأي أبي حنيفة والشافعي وأحمد، ويترتب على هذا الرأي أنه لو عفا أحد أولياء الدم سقط حق الباقية في القصاص. ولكن مالكاً يرى أن حق العفو حق لا يقبل التجزئة أيضاً ويترتب على ذلك أن العفو لا يكون له أثر ما لم يكن من جميع أولياء الدم، فإذا عفا أحدهم كان للآخر أن يقتص.
وأبسط الصور في استعمال حق القصاص أن يحكم على الجاني بالعقوبة، فإذا حان موعد التنفيذ نفذ ولي الدم العقوبة أو وكل غيره في تنفيذها، ومن المسلم به أن لا مسئولية على ولي الدم في هذه الحالة، وأن فعله ليس جريمة؛ لأنه يستعمل حقاً قرره له الشارع.
لكن يحدث أن تتملك الرعونة ولي الدم فيقتص قبل الحكم على الجاني أو بعد الحكم وقبل ميعاد التنفيذ، كذلك يحدث أن يعفو ولي الدم عن القصاص تحت بعض المؤثرات ثم يعود فيرى القصاص خيراً له فيقتص بعد العفو، وقد يعفو بعض الأولياء بينما يقتص البعض الآخر، وقد يسارع بعض الأولياء بالقصاص قبل أخذ رأي الباقين وفيهم من يرى العفو، فهل يعتبر مباشر القصاص في هذا الحالات مستعملاً حقاً أم مرتكباً لجريمة؟ وهل يعفى من العقوبة أم يؤاخذ على فعله؟ ذلك ما سنبينه فيما يلي مبتدئين أولاً بحكم هذه
الحالات في القتل ذاكرين بعد ذلك حكمها فيما دون القتل.
382 -
أولاً: حكم قتل الجاني:
(أ) القتل قبل الحكم أو قبل موعد التفيذ: إذا قتل ولي الدم الجاني المستحق للقتل قصاصاً، فسواء قبل الحكم أو بعده وقبل ميعاد التنفيذ فلا عقوبة عليه للقتل؛ لأنه أتي فعلاً مباحاً له ومارس حقاً قرره له الشارع، ولكنه يعاقب على تسرعه وممارسته حقه حلول الوقت المناسب، وعلى افتياته على السلطات العامة التي جعلت لممارسة حق القصاص وقتاً معيناً، والسلطات العامة أن تعاقبه على هذا الافتيات بالعقوبة التعزيرية التي تراها مناسبة (1) .
ويشترط في حالة القتل قبل صدور الحكم بالقصاص أن يثبت القتل على الجاني، فإن لم يثبت اعتبر ولي الدم قاتلاً متعمداً.
وظاهر مما سبق أنه لا فرق بين القتل قبل الحكم أو بعده ما دامت الجريمة ثابتة على الجاني، وعلة ذلك أن حق ولي الدم في القصاص يتولد بمجرد ارتكاب جريمة القتل، لا من وقت الحكم بالقصاص. فولي الدم حين يقتل الجاني قبل الحكم عليه إنما يستعمل حقه في القصاص الذي ثبت له من وقت ارتكاب الجاني جريمة القتل.
والمفروض في المسألة أو ولي الدم واحد، أو أنهم متفقون إذا كانوا متعددين على قتل الجاني، أو ليس فيهم من يرى العفو عنه.
(ب) القتل بعد العفو: يرى أبو حنيفة والشافعي وأحمد أن عفو بعض الأولياء أو كلهم يسقط القصاص؛ لأن القصاص لا يتجزأ فإذا عفا أحدهم أو بعضهم فقد عفا عن بعض القصاص ولا يمكن إحياء بعض الشخص وقتل بعضه. وعلى هذا إذا قتل الجاني من لم يعف من الأولياء وهو عالم بعفو غيره فقد ارتكب
(1) مواهب الجليل ج6 ص233، شرح البهجة ج5 ص3.
جريمة قتل عقوبتها القصاص عند أبي حنيفة وأحمد، أما الشافعي فيفرق بين حالتين:
أولاهما: حالة ما إذا كان القتل بعد أن أقر القضاء العفو وحكم بسقوط القود. وفي هذه الحالة يرى وجوب القصاص.
وثانيتهما: إذا كان القتل قبل أن يحكم بسقوط القود، وحكم هذه الحالة هو حكم القتل قبل استئذان بقية الأولياء يرى فيها البعض القصاص ويرى فيها البعض الدية (1) .
فإذا قتل ولي الدم الجاني بعد العفو وكان لا يعلم بالعفو فهو مسئول عن القتل، ولكن جهله بالعفو يدرأ عنه القصاص، وتكون العقوبة الدية في رأي أبي حنيفةوأحمد، وفي مذهب الشافعي رأيان: رأي يقول بالقصاص، ورأي يقول بالدية، وحجة القائلين بالقصاص أن حق القصاص يسقط بالعفو فكان عليه أن يتأكد من بقاء حقه قبل استعماله، وحجة القائلين بالدية أن حق ولي الدم ثابت في الصاص، والأصل بقاؤه، فإن قتله وهو يعلم بالعفو معتقداً بقاء حقه في القصاص فإن ذلك يكون شبهة تدرأ الحد.
أما مالك فيرى أن العفو لا يتجزأ، وأن العفو لا يعتبر موجوداً إلا إذا كان من كل أولياء الدم المستحقين للقصاص، فإن عفا أحدهم فإن عفوه لا يسقط حق الآخرين في القصاص، فإذا اقتص أحدهم بعد عفو غيره من الألياء الباقين فلا مسئولية عليه؛ لأن عفو هؤلاء غير معتبر ولا أثر له على حق القصاص، ولكن هذا لا يمنع من تعزير المقتص إذا كان في عمله افتيات على السلطات العامة (2) .
(ج) القتل قبل استئذان باقي الأولياء: إذا قتل الجاني أحد الأولياء أو بعضهم قبل استئذان باقي الأولياء، فلولي أو الأولياء القاتلون مسئولون جنائياً عن القتل، وهذا متفق عليه بين الفقهاء عدا مالك، وإن كانوا قد اختلفوا في عقوبة
(1) بدائع الصنائع ج7 ص248، تحفة المحتاج ج4 ص26، المهذب ج2 ص197، المغني ج9 ص465، 466.
(2)
المغني ج9 ص466.
الولي القاتل، فأبو حنيفة وأحمد لا يريان الاقتصاص من القاتل؛ لأن من حقه أن يتلف بعض القتيل فكان هذا شبهة تدرأ القصاص وتوجب الدية بدلاً منه، ويتفق هذا الرأي مع الرأي الراجح في مذهب الشافعي، أما الرأي المرجوح في مذهب الشافعي فيرى أصحابه أن يقتص من الولي؛ لأن بعض القاتل غير مستحق له، قياساً على ما إذا اشترك جماعة في قتل واحد فإن الشريك لا يقتل إلا بعض المقتول ومع ذلك يقتص منه.
ويرد أصحاب الرأي المضاد بأن هذا القياس غير صحيح؛ لأن الشريك لا يقتص منه لإتلاف بعض المقتول وإنما لأنه أتلفه كله، ويرى البعض القصاص من الولي؛ لأنه أتلف كل القاتل وهو لا يستحق منه شيئاً إذ لا يستحق بعضه إلا إذا أصبح كله مستحقاً بموافقة بقية الأولياء، فإذا لم يوافق أحد الأولياء فقد امتنع استحقاق كل القاتل أو بعضه؛ لأن القصاص لا يتجرأ فمن قتل القاتل فقد أتلفه كله دون أن يستحق فيه شيئاً؛ لأن عدم الإذن منع من استحقاق كله، ومن لا يستحق كله لا يستحق بعضه (1) . أما مالك فلا يرى عقوبة القاتل أصلاً؛ لأنه فعل حقه وحقه القصاص (2) .
وأساس رأي الفقهاء الثلاثة أن استئذان بقية الأولياء ضروري؛ لأن أحدهم قد يعفو، أما رأي مالك فأساسه أن عفو البعض دون البعض لا يسقط القصاص وأن القصاص لا يسقط إلا بعفو كل الأولياء المستحقين للقصاص، ولهذا كان القاتل مستعملاً حقه في القصاص.
(د) القتل من العافي: إذا كان القاتل هو نفس العافي فهو مسئول عن
(1) بدائع الصنائع ج7 ص243، المهذب ج2 ص197، الشرح الكبير ج9 ص386، 387.
(2)
الشرح الكبير للدردير ج4 ص212.
فعله، ويعتبر قاتلاً عمداً باتفاق (1) وعقوبته القصاص سواء عفا مجاناً أو على مال (2) ؛ لأن الجاني بالعفو عنه صار معصوم الدم.
(هـ) إتلاف جوارح القاتل: وإذا أتلف ولي الدم جارحة أو عضواً من الجاني ثم عفا عنه ولم يقتله مثل أن يقطع أطرافه أو بعضها فعليه دية ما أتلف في رأي أبي حنيفة وأحمد؛ لأنه قطع طرفاً له قيمة حال القطع بغير الحق، ولأنه - كما يقول أبو حنيفة - استوفى غير حقه فهو مسئول عما استوفاه بغير حق؛ لأن حقه في القتل لا في القطع، وكان القياس أن يقتص منه إلا أن القصاص درئ للشبهة "شبهة أن له تلف الطرف تبعاً للنفس"، وإذا درئ القصاص وجبت الدية، ولكن حقه في الطرف لا يثبت إلا مع ثبوت القتل ضرورة، وهذه الضرورة تتحقق عند التنفيذ بالقتل لا قبل ذلك، فإذا قتل ظهر حقه في الأطراف تبعاً، وإن لم يقتل لم يظهر حقه في الطرف لا أصلاً ولا تبعاً، ومن هذا يتبين أنه استوفى غير حقه (3) .
ويرى الشافعي ومعه أبو يوسف ومحمد من فقهاء المذهب الحنفي أن من يتلف جارحة أو عضواً من الجاني لا يسأل جنائياً إذا عفا عن القتل، ويعزر إذا لم يعف عن القتل عقوبة له على أنه مثَّل به قبل قتله، وحجتهم في عدم المسئولية في حالة العفو أنه قطع طرفاً أو أطرافاً من جملة استحق إتلافها، ومن له إتلاف الكل لا يصح أن يؤاخذ على إتلاف البعض (4) .
ويرى مالك مسئولية الولي إذا أتلف جارحة أو قطع عضواً من الجاني
(1) المقصود بالاتفاق اتفاق الأئمة الأربعة، ولكن هناك من يرى غير رأيهم، فالحسن يرى أن يؤخذ من القاتل الدية، وعمر بن عبد العزيز يرى تعزير القاتل.
(2)
بدائع الصنائع ج7 ص247، حاشية الطهطاوي ج4 ص758، المهذب ج2 ص197، نهاية المحتاج ج7 ص286، المغني ج9 ص461، الشرح الكبير ج9 ص391.
(3)
المغني ج9 ص391، البحر الرائق ج8 ص319، 320.
(4)
المهذب ج2 ص202، بدائع الصنائع ج7 ص304.
سواء عفا عن القتل أو لم يعف، وعليه في ذلك القصاص؛ لأن الجاني يستقاد له ومنه وتعقل جراحاته ما لم يقتل (1) .
383 -
ثانياً: حكم ما دون القتل:
إذا وجب على الجاني قصاص متلف فيما دون النفس كقطع إصبع أو يد أو أذن كان الجاني غير معصوم بالنسبة لمستحق القصاص في حدود ما يستحقه فقط، فليس لمستحق القصاص أن يقطع غير العضو المماثل، فإن فعل فهو قاطع عمداً، وإن قطع العضو المماثل فلا يسأل عن القطع وإنما يسأل عن إفتياته على السلطات العامة وتعجله بالقصاص. أما لو كان القاطع أجنبياً فهو مسئول عن القطع؛ لأن الجاني معصوم في حقه ولم يهدر إلا للمجني عليه أو وليه.
وإذا قطع المستحق طرفاً من الجاني في الوقت المعين للقصاص أو قبله فسرى القطع إلى النفس ومات الجاني منه فلا يسأل المستحق عن الموت، لأنه نشأ عن فعل مباح هو استعمال حق القصاص. وهذا هو رأي الشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد من فقهاء المذهب الحنفي، وحجتهم أن الموت نشأ عن فعل مأذون فيه ولا يعتبر جريمة وما تولد عن مباح فهو مباح، فضلاً عن أن تنفيذ العقوبة ضرورة لابد منها، فلو حمل منفذ العقوبة النتائج التي تتولد عن فعله لتعطل تنفيذ العقوبات.
أما أبو حنيفة فيرى أن المستحق يسأل عن الموت باعتباره قاتلاً شبه متعمد، وحجته أن الفعل المأذون فيه هو القطع وهو حقه ولكنه استوفى أكثر من حقه وجاء بالقتل فعليه مسئوليته (2) .
أما مالك فهو وإن كان يرى منع المستحق من أن يقتص في الأطراف لنفسه إلا أنه يمنعه للمصلحة العامة، مع التسليم بأنه صاحب حق في القصاص،
(1) مواهب الجليل ج6 ص325، المدونة ج16 ص222، المغني ج9 ص391.
(2)
المغني ج9 ص443، المهذب ج2 ص200، تحفة المحتاج ج4 ص27، بدائع الصنائع ج7 ص305.
والمبدأ العام عند مالك أن سراية القود غير مضمونة؛ أي لا يترتب عليها مسئولية جنائية، وعلى هذا فإذا اقتص شخص لنفسه في طرف فسرى إلى النفس فلا مسئولية عليه عن السراية ولكنه مسئول لافتياته على السلطات العامة (1) .
وما ذكرناه عن أحكام العفو في القتل وحالاته المختلفة ينطبق على العفو عن القصاص فيما دون النفس وليس ثمة يدعو لتكراره هنا.
384 -
(سابعاً) : السارق: كل من ارتكب سرقة يجب فيها القطع يعتبر غير معصوم بالنسبة للعضو الذي يجب قطعه، أما ما عدا ذلك كم الأعضاء فتظل على عصمتها: وعلة الإهدار أن القطع عقوبة متلفة وهي حد يجب أن يقام وليس فيه عفو ولا تخيير، ولهذا كان القطع واجباً لا حقاً، وهو واجب على كل فرد وإن تكفلت السلطات العامة بإقامته، ولا يسقط هذا الواجب إلا بأدائه فعلاً.
ويترتب على ما سبق أنه لو عدا إنسان على السارق فقطع يده أو رجله التي يجب قطعها فإنه قطع عضواً غير معصوم وأدى واجباً تفرضه الشريعة عليه، فإذا كانت السلطات العامة قد تكفلت بأداء هذا الواجب فيعاقب القاطع لافتياته على السلطات العامة، ولكنه لا يعاقب على القطع في ذاته، ولكن لا يجوز للسلطات العامة أن تعاقب القاطع باعتباره مفتاتاً إلا إذا كانت قائمة بأداء الواجب (2) .
وإذا كان القطع قبل ثبوت السرقة فلا يسأل القاطع عن القطع إذا أثبت السرقة بعد ذلك، أما إذا لم تثبت السرقة فهو مسئول عن القطع (3) .
(1) بداية المجتهد ج3 ص342، المغني ج9 ص443، مواهب الجليل ج6 ص253.
(2)
مواهب الجليل ج6 ص321، نهاية المحتاج ج7 ص254.
(3)
المغني ج10 ص269، 270، البحر الرائق ج5 ص62.