الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الثالث
الركن الأدبي
273 -
موضوع البحث: سنتكلم في هذا الباب على موضوعين:
أولهما: المسئولية الجنائية.
وثانيهما: ارتفاع المسئولية الجنائية.
وسنخصص لكل موضوع فصلاً خاصاً.
الفصل الأول
المسئولية الجنائية
274 -
موضوع البحث: سنتكلم في هذا الفصل على أساس المسئولية الجنائية، وعلى محل المسئولية الجنائية، وعلى سبب المسئولية ودرجاتها، ثم على قصد العصيان أو القصد الجنائي، وعلى أثر الجهل والخطأ والنسيان على المسئولية، وعلى أثر الرضاء على المسئولية، وعلى الأفعال المتصلة بالجريمة وعلاقتها بالمسئولية. وسنخصص لكل موضوع مبحثاً خاصاً.
* * *
المبحث الأول
أساس المسئولية الجنائية
275 -
عرض تاريخي للمسئولية الجنائية:
أولاً: في القوانين الوضعية: كانت القوانين الوضعية في العصور الوسطى وإلى ما قبل الثورة الفرنسية تجعل الإنسان والحيوان بل الجماد محلاً للمسئولية
الجنائية، وكان الجماد يعاقب كالحيوان على ما نسب إليه من أفعال ضارة، كما يعاقب الإنسان على ما ينسب إليه من أفعال محرمة، وكانت العقوبة تصيب الأموات كما تصيب الأحياء، ولم يكن الموت من الأسباب التي تعفي الميت من المحاكمة والعقاب، ولم يكن الإنسان مسئولاً جنائياً عن أعماله فقط، وإنما كان يسأل عن عمل غيره ولو لم يكن عالماً بعمل هذا الغير، ولو لم يكن له سلطان فعلي على هذا الغير؛ فكانت العقوبة تتعدى المجرم إلى أهله وأصدقائه، وتصيبهم كما تصيبه؛ وهو وحده الجاني وهم البراء من جنايته.
وكان الإنسان يعتبر مسئولاً جنائياً عن عمله، سواء كان رجلاً أو طفلاً مميزاً أو غير مميز، وسواء كان مختاراً أو غير مختار، مدركاً أو فاقد الإدراك.
وكانت الأفعال المحرمة لا تعيَّن قبل تحريمها، ولا يعلم بها الناس قبل مؤاخذتهم عليها، وكانت العقوبات التي توقع غير معينة في الغالب، يترك للقضاة اختيارها وتقديرها، فكان الشخص يأتي الفعل غير محرم من قبل، فيعاقب عليه إذا رأى صاحب السلطان أن فعله يستحق العقاب، ولو لم يكن عوقب أحد من قبل على هذا الفعل، ولو لم يكن الفعل أُعلن تحريمه من قبل. وكانت العقوبات على الفعل الواحد تختلف اختلافاً ظاهراً؛ لأن اختيار نوعها وتقدير كمها متروك للقاضي، فله أن يعاقب بما شاء وكما يشاء دون قيد ولا شرط.
هذه هي بعض المبادئ البالية التي كانت القوانين الوضعية تقوم عليها، وهي مبادئ ترجع في أساسها إلى نظرية المسئولية المادية التي كانت تسيطر على القوانين الوضعية، والتي تنظر إلى الصلة المادية البحتة بين الجاني والجناية، وبين الجاني وغيره من أهله والمتصلين به، ولا تحسب حساباً لملكات الجاني الذهنية، وقدرته على التفكير والتمييز والاختيار، وتوجيه إرادته للفعل، ومدى اتصال ذلك كله بالفعل المحرم وأثره عليه. وقد ظلت هذه المبادئ سائدة في القوانين الوضعية حتى جاءت الثورة الفرنسية
فزعزعت هذه الأوضاع الجائزة، وأخذت تحل محلها من ذلك الحين مبادئ جديدة، تقوم على أساس العدالة وعلى جعل الإدراك والاختيار أساساً للمسئولية، فأصبح الإنسان الحي وحده هو محل المسئولية الجنائية، وأصبحت العقوبة شخصية لا تصيب إلا من أجرم ولا تتعداه إلى غيره، ورفعت المسئولية عن الأطفال الذين لم يميزوا، ووضعت عقوبات بسيطة للأطفال المميزين، وارتفعت المسئولية عن المكرَه وفاقد الإدراك، وأصبح من المبادئ الأساسية في القوانين أن لا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون، وأن لا عقوبة إلا على الأفعال اللاحقة لصدور القوانين، وقيدت حرية القضاة في اختيار العقوبة وتقديرها.
ثانياً: في الشريعة الإسلامية: ومن يعرف شيئاً قليلاً عن الشريعة الإسلامية يستطيع أن يقول وهو آمن من الخطأ إن كل هذه المبادئ الحديثة التي لم تعرفها القوانين الوضعية إلا في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، قد عرفتها الشريعة من يوم وجودها، وإنها من المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الشريعة.
فالشريعة لا تعرف محلاً للمسئولية إلا الإنسان الحي المكلَّف، فإذا مات سقطت عنه التكاليف ولم يعد محلاً للمسئولية.
والشريعة تعفي الأطفال إلا إذا بلغوا الحلم مما لا يعفى من الرجال، لقوله تعالى:{وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} [النور: 59]، ولقول الرسول عليه الصلاة والسلام:"رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يصحو، وعن المجنون حتى يفيق".
والشريعة لا تؤاخذ المكرَه ولا فاقد الإدراك، لقوله تعالى:{إِلَاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} [النحل: 106]، وقوله تعالى:{فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173]، ولقول الرسول عليه الصلاة والسلام:"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
ومن القواعد الأساسية في الشريعة الإسلامية: {أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى *
وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى} [النجم: 38، 39] ، فلا يسأل الإنسان إلا عن جنايته، ولا يؤخذ بجناية غيره مهما كانت صلته به.
ومن القواعد الأساسية في الشريعة الإسلامية أن كل ما لم يحرم فهو مرخص لا عقاب على إتيانه، فإذا حرم فالعقوبة من وقت العلم بالتحريم، أما ما قبل ذلك فيدخل في قوله تعالى:{عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَف} [المائدة: 95] .
وليس للقضاة في الشريعة الإسلامية أي شئ من الحرية في اختيار العقوبة أو تقديرها في جرائم الحدود والقصاص، أما في التعازير فلهم حرية مقيدة، لهم أن يختاروا العقوبة من بين عقوبات معينة، ولهم أن يقدروا كمية العقوبة إن كانت ذات حدين بما يتناسب مع ظروف الجريمة والمجرم، ولكن ليس لهم أن يعاقبوا بعقوبة لم يقررها أولو الأمر، ولا أن يرتفعوا بالعقوبة أو ينزلوا بها عن الحدود التي وضعها أو يضعها أولو الأمر.
هذه هي المبادئ الحديثة التي ابتدأت القوانين الوضعية تعرفها في القرن الماضي، قد عرفتها الشريعة الإسلامية وطبقتها قبل القوانين الوضعية باثنى عشر قرناً. ومن المؤلم حقاً أن يجهل أكثر رجال القانون في البلاد الإسلامية هذه الحقائق الأولية، وأن يخيل إليهم من جهلهم بأحكام الشريعة أن القوانين الوضعية هي أول ما استحدث هذه المبادئ التشريعية.
276 -
نظرية المسئولية الجنائية في الشريعة الإسلامية والأسس التي تقوم عليها: من المتفق عليه أن الأفعال المحرمة يؤمر بها أو ينهى عنها، لأن في إتيانها أو تركها ضرراً بنظام الجماعة أو عقائدها أو بحياة أفرادها أو بأموالهم أو بأعراضهم أو بمشاعرهم أو بغير ذلك من الاعتبارات التي تمس مصالح الأفراد أو مصالح الجماعة ونظامها، والأفعال التي تمس مصالح الأفراد تنتهي بمساس مصلحة الجماعة ونظامها، فالأفعال التي تحرم إذن لم تحرم إلا لحفظ مصالح الجماعة ونظامها، والعقوبات التي تفرض على
هذه الأفعال إنما تفرض لحماية مصالح الجماعة ونظامها (1) والأفعال التي تحرم لا تحرم لذاتها؛ لأن من هذه الأفعال ما قد يستفيد منه الفاعل ويعود عليه بالنفع كالسرقة وخيانة الأمانة والرشوة، فإنها تعود على الجاني بالكسب، وكالزنا فإنه يعود على الزاني باللذة وإطفاء الشهوة، وكالقتل للانتقام فإنه يعود على القاتل بشفاء نفسه من الحقد والشعور بالذلة والعار.
فهناك فوائد محققة تعود على الجاني من ارتكاب الجريمة، ولكن هذه الفوائد التي قد يصيبها الجاني من جريمته تؤدي إلى إفساد الجماعة والإضرار بها وانحلال نظامها، ولتلافي هذه النتائج حرمت هذه الأفعال؛ حماية للجماعة من الفساد وحفظاً لنظامها من التفكك والانحلال.
والأفعال المحرمة بعضها يعتبر بطبيعته جريمة؛ لأنه يتنافى مع الأخلاق الفاضلة كالسرقة والزنا، وبعضها لا يعتبر بطبيعته جريمة ولم يحرمه الشارع؛ لأنه يمس الشرف أو يؤذي الأخلاق، وإنما حرمه لأن في إباحته إضراراً بالجماعة؛ كتحريم حمل السلاح، وتحريم الانتقال من محل موبوء بمرض معد إلى محل غير موبوء، وتحريم الامتناع عن تلقي العلم، فمثل هذه الأفعال تحرم لحفظ مصالح الجماعة ودفع الضرر عنها.
وإذا كانت الأفعال تحرم لمصلحة الجماعة، فإن العقوبة تفرض باعتبارها وسيلة لحماية الجماعة مما يضر بصوالحها ونظامها، ولما كانت العقوبة هي أمثل الوسائل لحماية الجماعة من الجريمة والإجرام، فإن العقوبة بهذا تصبح ضرورة اجتماعية لا مفر منها، ومثل العقوبة في هذا كل وسيلة أخرى تقوم مقام العقوبة في حماية الجماعة من الإجرام والمجرمين.
وإذا كانت العقوبة ضرورة اجتماعية، فإن كل ضرورة تقدر بقدرها، فلا يصح أن تكون العقوبة أكثر مما ينبغي لحماية الجماعة ودفع ضرر الإجرام عنها، كما لا يصح أن تكون أقل مما يجب لحماية الجماعة من الإجرام.
(1) راجع الفقرة 43.
وتعتبر العقوبة محققة لمصلحة الجماعة كلما بعدت عن الإفراط والتفريط، وهي تعتبر كذلك كلما توفرت فيها العناصر الآتية:
1 -
أن تكون العقوبة بحيث تكفي لتأديب الجاني وكفه عن معاودة الجريمة، وأن تكون بحيث يستطيع القاضي أن يختار نوع العقوبة الملائمة لشخصية الجاني وأن يقدر كمية العقوبة التي يراها كافية لتأديبه وكف أذاه، وهذا يقتضي تنوع العقوبات وتعددها للجريمة الواحدة، وجعل العقوبات ذات حدين؛ ليستطيع القاضي أن يختار العقوبة الملائمة ويقدر كميتها من بين حدي العقوبة الأدنى والأعلى (1) .
2 -
أن تكون العقوبة كافية لزجر الغير عن ارتكاب الجريمة بحيث إذا فكر في الجريمة وعقوبتها وجد أن ما يعود عليه من ضرر العقوبة قد يزيد على ما يعود عليه من نفع الجريمة. وهذا يقتضي أن تكون أنواع العقوبات وحدودها العليا بحيث تنفر من الجريمة.
3 -
أن يكون هناك تناسب بين الجريمة والعقوبة، بحيث تكون العقوبة على قدر الجريمة، فلا يصح أن يكون عقاب قطع الطريق كعقاب السرقة العادية، ولا يصح أن تكون عقوبة القتل العمد متساوية مع عقوبة القتل الخطأ. ولقد عاقبت الشريعة مثلاً على السرقة بقطع اليد، ولكنها لم تعاقب على القذف بقطع اللسان، ولا تعاقب على إتلاف الزنا بالخصاء، وعاقبت على القتل العمد بالقصاص ولكنها لم تعاقب على إتلاف الأول بالقصاص.
4 -
أن تكون العقوبة عامة بحيث تطبق العقوبة المقررة للجريمة على من ارتكبها، فلا يعفى منها أحد لمركزه أو شخصه أو غير ذلك من الاعتبارات.
والعقوبة التي تتوفر فيها العناصر السابقة هي العقوبة العادية، ولا يصح أن تقع إلا على من ارتكب الجريمة وهو مدرك مختار، فإذا لم يكن الجاني مدركاً
(1) تسير الشريعة على هذه القاعدة في كل الجرائم إلا جرائم الحدود والقصاص، وقد بينا علة ذلك في الفقرات من 440 إلى 442.
أو مختاراً فلا عقاب كقاعدة عامة، فالمجنون لا يقتص منه إذا قتل غيره، ولا يجلد إذا زنا وهو غير محصن، وكذلك الصغير الذي لم يميز، ولكن امتناع العقوبة العادية لعدم الإدراك أو الاختيار لا يمنع الجماعة من حماية نفسها بالوسائل التي تراها كافية أو ملائمة. فالصغير غير المميز إذا لم يكن الاقتصاص منه إذا قتل فإنه يمكن أن يوضع في ملجأ، أو يرسل به لإحدى الإصلاحيات، والمجنون إذا لم يكن عقابه فإن من الممكن حماية الجماعة من شره بوضعه في مستشفى، وهكذا إذا امتنع عقاب الجاني بالعقوبات العادية، وكان من الضروري اتقاء شره وحماية الجماعة منه، فإن للجماعة أن تتخذ من الوسائل ما تجمي به نفسها من شر الجاني ولو أنه غير مسئول ويمكن عقابه، كأن تضعه في ملجأ أو مستشفى أو مدرسة إلى أمد محدود أو غير محدود بحيث لا يخرج منه إلا إذا أمن شره أو صلح حاله. وهذه الوسائل على اختلاف أنواعها وأثارها تعتبرها الشريعة تعازير، فهي عقوبات ولكنها غير عادية أو هي عقوبات خاصة. والمقصود منها أساساً هي حماية الجماعة، على أنه قد يقصد منها أيضاً التأديب وإصلاح الجاني كما في حالة الصغار.
ويعلل الفقهاء اشتراط الإدراك والاختيار لاستحقاق العقاب العادي بأن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه خلق العباد وخلق الموت والحياة، وجعل ما على الأرض زينة لها ليبلو عباده ويختبرهم أيهم أحسن عملاً، وأنه هيأ لهم أسباب الابتلاء في أنفسهم وفي خارج أنفسهم، فأما في أنفسهم فقد خلق لهم العقول، والأسماع، والأبصار، والإرادات، والشهوات، والقوى، والطبائع، والحب، والبغض، والميل، والنفور، والأخلاق المتضادة المقتضية لآثارها اقتضاء السبب لمسببه، وأما في خارج أنفسهم فقد خلق لهم المنافع والمعاني التي تحرص النفوس عليها وتتنافس في الوصول إليها، كما خلق لهم من المعاني والأسباب ما تكرهه النفوس وتعمل على دفعه عنها، ولم يترك الله جل شأنه الناس ودواعي أنفسهم وطبائعهم، بل ركب في فطرهم وعقولهم معرفة الخير والشر والنافع والضار والألم واللذة ومعرفة أسبابها، ولم يكتف
بمجرد ذلك حتى عرفهم به مفصلاً على ألسنة رسله، وقطع معازير الناس بأن أقام على صدق رسله من الأدلة والبراهين ما لا يبقى معه لهم عليه حجة؛ ليهلك من هلك من بينة، ويحيى من حيى عن بينة، وصرف لهم طرق الوعد والوعيد والترغيب والترهيب، وضرب لهم الأمثال، وأزال عنهم كل إشكال، ومكنهم من القيام بما أمرهم به ترك ما نهاهم عنه غاية التمكين وأعانهم عليه بكل سبب، وسلطهم على قهر طباعهم، وأرشدهم إلى التفكر والتدبر وإيثار ما تقضي به عقولهم، وأكمل لهم دينهم وأتم عليهم نعمته بما أوصله إليهم على ألسنة رسله من أسباب العقوبة والمثوبة والبشارة والنذارة والرغبة والرهبة، وحقق لهم ذلك فجعل بعضه في دار الدنيا ليكون علماً وأمارة لتحقق ما أخره عنهم في دار الجزاء والمثوبة ويكون العاجل مذكراً بالآجل.
وكان من بعض حكمته أن حرم على الناس ما يضر بعقولهم وأبدانهم وأموالهم وما ويضر بأفرادهم وجماعتهم ونظامهم، وشرع لهم من العقوبات عليه ما يقطع أطماعهم ويرد عدوانهم ويمنع تظلمهم، فإن سمعوا وأطاعوا لم يضرهم ذلك شيئاً، وإن عصوا فقد حقت عليهم العقوبة بعصيانهم وعدوانهم، ولا عذر لهم بعد أن عملوا بما حرم عليهم وما ينتظرهم من عقاب، وبعد أن أتوا ما أتوا وهم مختارين مدركين (1) .
أما من لم يكن مدركاً أو مختاراً فلا عقاب عليه؛ لأن المكلف بإتيان فعل أو تركه يجب أن يفهم الخطاب الموجه إليه؛ أي الأمر والنهي، وهو لا يستطيع أن يفهم ذلك إلا إذا كان عاقلاً، كما أنه لا يمكن القول بأن المكلف عصى أمر الشارع إذا كان قد أُكره على الفعل المحرم (2) .
وسنعرض على القارئ فيما يلي نموذجاً مما يقوله الفقهاء في تعليل عدم العقاب في هاتين الحالتين، وهذا
(1) أعلام الموقعين ج2 ص214- 216.
(2)
المستصفي للغزالي ج1 ص83، 84، 90، فواتح الرحموت ج1 ص143 وما بعدها وص 166، أصول الفقه للخضري ص109 وما بعدها.
القول لأبي الحسن الآمدي صاحب كتاب "الإحكام في أصول الأحكام" قال (1) :
"اتفق العقلاء على أن شرط المكلف (2) أن يكون عاقلاً فاهماً للتكليف، لأن التكليف خطاب، وخطاب من لا عقل له ولا فهم محال، كالجماد والبهيمة".
"ومن وجد له أصل الفهم لأصل الخطاب دون تفاصيله من كونه أمراً أو نهياً، ومقتضياً للثواب والعقاب، ومن كون الآمر به هو الله تعالى، وأنه واجب الطاعة، وكون المأمور به على صفة كذا وكذا، كالمجنون والصبي الذي لا يميز - فهو بالنظر إلى فهم التفاصيل كالجماد والبهيمة إلى فهم أصل الخطاب، ويتعذر تكليفه أيضاً إلا على رأي من يجيز التكليف بما لا يطاق؛ لأن المقصود من التكليف كما يتوقف على فهم أصل الخطاب فهو متوقف على فهم تفاصيله".
"وأما الصبي المميز وإن كان يفهم ما لا يفهمه غير المميز، غير أنه أيضاً غير فاهم على الكمال ما يعرفه كامل العقل من وجود الله تعالى، وكونه متكلماً مخاطباً مكلفاً بالعبادة، ومن وجود الرسول الصادق والمبلغ عن الله تعالى، وغير ذلك مما يتوقف عليه مقصود التكليف، فنسبته إلى غير المميز كنسبة غير المميز إلى البهيمة فيما يتعلق بفوات شرط التكليف".
وإن كان مقارباً لحالة البلوغ بحيث لم يبقى بينه وبين البلوغ سوى لحظة واحدة، فإنه وإن كان فهمه كفهمه الموجب لتكليفه بعد لحظة، غير أنه لما كان العقل والفهم فيه خفياً، وظهوره فيه على التدريج، ولم يكن له ضابط يعرف به، جعل له الشارع ضابطاً وهو البلوغ وحط عنه التكليف قبله تخفيفاً عليه، ودليله قوله عليه السلام:"رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق".
"وعلى هذا فالغافل عما كلف به والسكران المتخبط لا يكون خطابه وتكليفه في حالة غفلته وسكره أيضاً، إذ هو في تلك الحالة أسوأ حالاً من الصبي المميز
(1) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ج1 ص215 وما بعدها.
(2)
المكلف هو الشخص الذي يوجه إليه الأمر والنهي.
فيما يرجع إلى فهم خطاب الشارع وحصول مقصوده منه، وما يجب عليه من الغرامات والضمانات بفعله".
"واختلفوا في الملجأ إلى الفعل بالإكراه بحيث لا يسعه تركه في جواز تكليفه بذلك الفعل إيجاداً وعدماً، والحق أنه إذا خرج بالإكراه إلى حد الاضطرار، وصار نسبة ما يصدر عنه من الفعل إليه نسبة حركة المرتعش إليه، كان تكليفه به إيجاداً وعدماً غير جائز إلا على القول بتكليف ما لا يطاق وإن كان ذلك جائزاً عقلاً لكنه ممتنع الوقوع سمعاً لقوله عليه السلام: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، والمراد منه رفع المؤاخذة
…
وأما إن لم ينته إلى حد اضطرار فهو مختار وتكليفه جائز عقلاً وشرعاً".
هذه هي نظرية المسئولية في الشريعة الإسلامية، وظاهر مما سبق أنها تقوم على أساسين:
أولهما: أن العقوبة فرضت لحماية الجماعة وحفظ نظامها وتحقيق الأمن لها، فهي ضرورة اجتماعية استلزمها وجود الجماعة، وكل ضرورة تقدر بقدرها. فإذا اقتضت مصلحة الجماعة أن تكون العقوبة قاسية غلظت العقوبة، وإذا اقتضت مصلحة الجماعة أن تخفف العقوبة خففت العقوبة، وإذا اقتضت مصلحة الجماعة استئصال المجرم استؤصل منها: إما بقتله وإما بحبسه حتى يموت أو ينصلح حاله.
ثانيهما: أن العقوبة العادية لا يستحقها إلا من كان مدركاً مختاراً من المكلفين، فإذا لم يكن المكلف مدركاً أو مختاراً فلا مسئولية عليه وبالتالي لا عقاب، ولكن هذا لا يمنع الجماعة من أن تحمي نفسها من الشخص غير المسئول بالوسيلة الملائمة لحاله وحال الجماعة، ولو كانت هذه الوسيلة عقوبة ما دامت تلائم حال المعاقب.
277 -
نظرية المسئولية الجنائية في القوانين الوضعية: وإذا كانت الشريعة قد عرفت النظرية التي بسطناها من ثلاثة عشر قرناً ولم تعرف غيرها
فإن القوانين الوضعية قد عرفت أكثر من نظرية واحدة، فقبل الثورة الفرنسية كانت المسئولية الجنائية قائمة على أساس النظرية المادية، ومقتضاها العقاب على أي فعل أياً كان مرتكبه، وبغض النظر عن صفته وحالته، وقد أدت هذه النظرية إلى عقاب الإنسان والحيوان والجماد، وأدت إلى عقاب الأحياء والأموات والأطفال والمجانين.
وبعد الثورة الفرنسية قامت المسئولية الجنائية على أساس من فلسفة الاختيار، ويسمى هذا المذهب بالمذهب التقليدي، وخلاصته أنه لا يصح أن يسأل جنائياً إلا من يتمتع بالإدراك والاختيار، وأن الإنسان وحده هو الذي تتوفر فيه هاتان الصفتان، وأن الإنسان بعد سن معينة يستطيع أن يميز بين الخير والشر ويختار بينهما، ومثل هذا الشخص هو الذي توجه إليه أوامر الشارع ونواهيه، فإذا خالف الشارع مع قدرته على الإدراك والاختيار كان من العدل أن يعاقب جزاء على مخالفتة أمر الشارع. فأساس المسئولية هو الإدراك والاختيار، والعقوبة مفروضة ضماناً لتنفيذ أمر الشارع، وجزاء عادلاً على مخالفته.
وبعد أن ساد المذهب التقليدي زمناً ظهر المذهب الوضعي، وهو قائم على فلسفة الجبر، وخلاصته أن المجرم لا يأتي الجريمة مختاراً، وإنما يأتيها مدفوعاً إليها بعوامل لا قبل له بها ترجع إلى الوراثة والبيئة والتعليم والتركيب الجثماني، وإذا كان الجاني لا خيار له في ارتكاب الجريمة فقد امتنع عقابه طبقاً للمذهب التقليدي، ولكن يمكن عقابه إذا اعتبرت العقوبة وسيلة من وسائل الدفاع عن الجماعة وحمايتها، وعلى أساس هذا المذهب يعاقب الإنسان سواء كان مختاراً أو غير مختار، مدركاً أو غير مدرك، عاقلاً أو مجنوناً، وإنما تختلف العقوبة التي تصيب كل جان باختلاف سنه وعقليته، وقد أخذت بعض القوانين بهذا المذهب ومنها القانون السوفيتي الصادر في سنة 1926، ولكن أكثر الدول لم تأخذ به.
ثم ظهر بعد ذلك مذهب آخر قصد منه التوفيق بين المذهبين السابقين، ويسمى مذهب الاختيار النسبي، ويرى أصحابه الإبقاء على المذهب التقليدي، لأن الإنسان مهما كان اختياره محدوداً فإن لإرادته دخلاً في الجريمة، ولكن المذهب الجديد يضيف إلى المذهب القديم فكره أخرى، وهي أن للمشرع أن يحمي الجماعة من إجرام الأشخاص الذين يمتنع عقابهم لانعدام إدراكهم أو اختيارهم، بأن يتخذ معهم إجراءات خاصة مناسبة لحالتهم. وهذا المذهب هو الذي يسود القوانين الوضعية اليوم (1) .
ويلاحظ أن المذهب القانوني الأخير يؤدي إلى نفس النتائج التي يؤدي إليها مذهب الشريعة الإسلامية، ولا يفترق عنه إلا في أن نظرية الشريعة أدق منطقاً وأفضل صياغة، فهي تجعل العقوبة ضرورة اجتماعية ووسيلة لحماية الجماعة، وتفرق في تطبيق وسائل حماية الجماعة بين الشخص المختار المدرك وبين فاقد الإدراك أو الاختيار، أما المذهب القانوني فأساس العقوبة فيه مخالفة أمر الشارع وتحقيق العدالة، وهذا الأساس مأخوذ عن المذهب التقليدي، وهو أساس يتعارض منطقياً مع معاقبة غير المسئول، أو إتخاذ أي إجراء ضده، إذ لا يمكن أن يقال إن فاقد الإدراك والاختيار خالف أمر الشارع، وإذا لم يكن قد خالف أمر الشارع فليس من العدالة في شئ أن يؤاخذ بأي وجه من وجوه المؤاخذة. والشريعة الإسلامية وإن كانت تجعل أساس المسئولية الجنائية الإدراك والاختيار، والمدرك المختار مسئولاً كلما خالف أمر الشارع، وتعتبر فاقد الإدراك أو الاختيار غير مسئول، إلا أنها تجعل العقاب ضرورة اجتماعية ووسيلة لحماية المجتمع، وهذا يجعل من حق الشارع عقاب المسئول جنائياً بالعقوبة التي تحمي الجماعة منه، كما يجعل من حق الشارع أن يتخذ ضد غير المسئول الوسائل الملائمة لحماية الجماعة من شره وإجرامه إذا دعت الضرورة لذلك.
(1) القانون الجنائي لعلي بدوي ص330، 335.
ويجب أن لا ننسى بعد هذا أن نظرية الشريعة الإسلامية عُرفت من القرن السابع الميلادي، وأن أحدث المذاهب الوضعية لم يعرف إلا في القرن العشرين، وأن ما يقال من أن القوانين تقوم على أسس حديثة لا تعرفها الشريعة هو قول أقل ما يقال فيه أنه يخالف الواقع.
278 -
معنى المسئولية الجنائية في الشريعة: معنى المسئولية الجنائية في الشريعة أن يتحمل الإنسان نتائج الأفعال المحرمة التي يأتيها مختاراً وهو مدرك لمعانيها ونتائجها، فمن أتى فعلاً محرماً وهو لا يريده كالمكره أو المغمي عليه لا يسأل جنائياً عن فعله، ومن أتى فعلاً محرماً وهو يريده ولكنه لا يدرك معناه كالطفل أو المجنون لا يسأل أيضاً عن فعله.
فالمسئولية الجنائية في الشريعة تقوم على ثلاثة أسس: أولها: أن يأتي الإنسان فعلاً محرماً. ثانيها: أن يكون الفاعل مختاراً. ثالثها: أن يكون الفاعل مدركاً (1) . فإذا وجدت هذه الأسس الثلاثة وجدت المسئولية الجنائية، وإذا انعدم أحدها انعدمت.
279 -
معنى المسئولية الجنائية في القوانين الوضعية: معنى المسئولية الجنائية في القوانين الوضعية الحديثة هو نفس معنى المسئولية الجنائية في الشريعة الإسلامية، وأسس المسئولية في القوانين هي نفس الأسس التي تقوم عليها المسئولية في الشريعة، ولا يخالف الشريعة إلا القوانين التي تقيم نظرية المسئولية على فلسفة الجبر، وعدد هذه القوانين محدود.
والقوانين الوضعية عامة لم تكن كذلك قبل الثورة الفرنسية، فقد كان للمسئولية الجنائية في ذلك الوقت معنى أخر، وهو أن يتحمل الفاعل أياً كان نتيجة فعله، سواء كان إنساناً أو غير إنسان، مختاراً أو غير مختار، مميزاً أو غير مميز،
(1) اخترنا التعبير بالإدراك على التعبير بالتمييز لأن الفقهاء يجعلون التمييز أدنى درجة من الإدراك.