الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفرع الثالث
لا جريمة ولا عقوبة بلا نص في جرائم التعازير
93 -
أثر القاعدة في جرائم التعازير: طبقت الشريعة قاعدة أن لا جريمة ولا عقوبة بلا نص في جرائم التعازير أيضاً، وكان من المنطقي أن تطبقها؛ لأن القاعدة من القاعد الأساسية في الشريعة فلا يمكن إهمالها، ولكن الشريعة لم تطبق القاعدة على الوجه الذي طبقتها به على جرائم الحدود، أو جرائم القصاص والدية، ولم تتقيد بالحدود الضيقة التي قيدت بها تطبيق القاعدة في هذه الجرائم، وإنما توسعت الشريعة في تطبيق القاعدة على جرائم التعازير إلى حد ما؛ لأن المصلحة العامة وطبيعة التعزير تقتضي هذا التوسع الذي جاء على حساب العقوبة في أغلب الأحوال، وعلى حساب الجريمة في القليل النادر.
وقد جاء هذا التوسع على حساب العقوبة؛ لأنه لا يشترط في جرائم التعازير أن يكون لكل جريمة عقوبة معينة محددة يتقيد بها القاضي كما هو الحال في جرائم الحدود أو جرائم القصاص والدية، فللقاضي أن يختار لكل جريمة ولكل مجرم العقوبة الملائمة من مجموعة من العقوبات شرعت لعقاب الجرائم التعزيرية كلها، وللقاضي أن يخفف العقوبة وأن يغلظها.
وجاء التوسع على حساب الجريمة؛ لأنه يجوز في بعض الجرائم التي تمتاز بصفات معينة أن لا ينص على الجريمة بحيث يعينها النص تعييناً كافياً، بل يكفي أن ينص عليها بوجه عام.
94 -
ما هو التعزير؟: ولأجل أن نتبين أثر القاعدة تماماً في جرائم التعازير يجب أن نعرف قبل كل شئ ما هو التعزير.
التعزير: هو تأديب على
ذنوب لم تشرع فيها الحدود (1) ، أي هو عقوبة على جرائم لم تضع الشريعة لها عقوبات معينة محددة، فهو يتفق مع الحدود (2) من وجه وهو أنه تأديب استصلاح وزجر يختلف بحسب اختلاف الذنب، ولكنه يختلف عنها من وجهين (3) :
أولهما: أن لكل حد عقوبة معينة أو عقوبات لا محيص من توقيعها على الجاني، أما في التعزير فهناك مجموعة من العقوبات تبدأ من النصح وتنتهي بالجلد والحبس، وقد تصل للقتل في الجرائم الخطيرة، ويترك للقاضي أن يختار من بين هذه المجموعة العقوبة الملائمة للجريمة لحال المجرم ونفسيته وسوابقه، وللقاضي أن يوقع أكثر من عقوبة، وله أن يخفف العقوبة أو يشددها وله أن يوقف التنفيذ إن رأى في ذلك ما يكفي لردع الجاني وتأديبه.
ثانيهما: أن عقوبة الحد لا يجوز لولي الأمر فيها العفو، أما عقوبات التعزير فلولي الأمر العفو عنها كلها أو بعضها.
95 -
الشريعة لم تنص على كل جرائم التعازير: لم تنص الشريعة على كل جرائم التعازير، ولم تحددها بشكل لا يقبل الزيادة والنقصان، كما فعلت في جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية، وإنما نصت على ما تراه من هذه الجرائم ضاراً بصفة دائمة بمصلحة الأفراد والجماعة والنظام العام، وتركت لأولي الأمر في الأمة أن يحرموا ما يرون بحسب الظروف أنه ضار بصالح الجماعة أو أمنها أو نظامها، وأن يضعوا قواعد لتنظيم الجماعة وتوجيهها، ويعاقبوا على مخالفتها. والقسم الذي ترك لأولي الأمر من جرائم التعازير أكبر من القسم الذي نصت عليه الشريعة وحددته، ولكن الشريعة لم تترك لأولي الأمر حرية مطلقة فيما يحلون أو يحرمون بل أوجبت أن يكون ذلك متفقاً
(1) الأحكام السلطانية ص205، بدائع الصنائع ج7 ص63، أسنى المطالب ج4 ص161.
(2)
المقصود بالحدود: العقوبات المقدرة وهي المقررة لجرائم الحدود وجرائم القصاص والدية.
(3)
الأحكام السلطانية ص206، 207