المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الإعفاء من العقوبة صفة قائمة في شخص الفاعل. بعكس الأمر - التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي - جـ ١

[عبد القادر عودة]

فهرس الكتاب

- ‌[مقدمة المؤلف]

- ‌تقديم وتوجيه

- ‌1 - موضوع البحث:

- ‌2 - محتويات الجزء الأول:

- ‌3 - مدى المقارنة بين الشريعة والقانون الوضعي:

- ‌4 - المذاهب الشرعية المقارن بها:

- ‌5 - علة الاقتصار على المذاهب الأربعة:

- ‌6 - لغة البحث:

- ‌7 - الفقهاء والشراح:

- ‌8 - لماذا بدأت بالقسم الجنائي

- ‌9 - كيف دفعت لدراسة الشريعة

- ‌10 - حاجة الكتب الشرعية إلى تهذيب:

- ‌11 - طريقة التأليف:

- ‌12 - كيف وصمت الشريعة بعدم الصلاحية

- ‌13 - وجه الخطأ في قياس الشريعة بالقانون:

- ‌14 - لا قياس بين مختلفين:

- ‌15 - نشأة القانون:

- ‌16 - نشأة الشريعة:

- ‌17 - لا مماثلة بين الشريعة والقانون:

- ‌18 - الاختلافات الأساسية بين الشريعة والقانون:

- ‌19 - المميزات الجوهرية التي تميز الشريعة عن القانون:

- ‌20 - الأدلة على توفر هذه المميزات في الشريعة:

- ‌21 - نظرية المساواة:

- ‌22 - نظرية مساواة المرأة بالرجل:

- ‌23 - نظرية الحرية:

- ‌24 - حرية التفكير:

- ‌25 - حرية الاعتقاد:

- ‌26 - حرية القول:

- ‌27 - نظرية الشورى:

- ‌28 - نظرية تقييد سلطة الحاكم:

- ‌29 - نظرية الطلاق:

- ‌30 - نظرية تحريم الخمر:

- ‌31 - نظرية تعدد الزوجات:

- ‌32 - نظريات في الإثبات والتعاقد:

- ‌33 - نظرية الإثبات بالكتابة:

- ‌34 - نظرية إثبات الدين التجاري:

- ‌35 - نظرية حق الملتزم في إملاء العقد:

- ‌36 - نظرية تحريم الامتناع عن تحمل الشهادات:

- ‌37 - أحكام أخرى في آية الدين:

- ‌38 - تذكير:

- ‌منهج البحث

- ‌الكتاب الأول في الجريمة

- ‌القسم الأول من الكتاب الأول

- ‌الباب الأولماهية الجريمة

- ‌الباب الثانيأنواع الجريمة

- ‌الفصل الأولالتقسيم المبني على جسامة العقوبة

- ‌الفصل الثانيتقسيم الجرائم بحسب قصد الجاني

- ‌الفصل الثالثتقسيم الجرائم بحسب وقت كشفها

- ‌الفصل الرابع[تقسيم الجرائم بحسب طريقة وكيفية ارتكابها ووقوعها]

- ‌المبحث الأول[تقسيم الجرائم بحسب طريقة ارتكابها]

- ‌المبحث الثانيتقسيم الجرائم بحسب كيفية ارتكابها

- ‌المبحث الثالثتقسيم الجرائم بحسب كيفية ارتكابها

- ‌الفصل الخامس[تقسيم الجرائم بحسب طبيعتها]

- ‌المبحث الأولتقسيم الجرائم بحسب طبيعتها الخاصة

- ‌المبحث الثانيتقسيم الجرائم بحسب طبيعتها الخاصة

- ‌القسم الثاني من الكتاب الأولالأركان العامة للجريمة

- ‌الباب الأولالركن الشرعي للجريمة

- ‌الفصل الأولالنصوص المقررة للجرائم والعقوباتأي الأحكام الجنائية الشرعية

- ‌المبحث الأولالأحكام الجنائية الشرعية وأثرها في الجريمة والعقوبة

- ‌الفرع الأوللا جريمة ولا عقوبة بلا نص في جرائم الحدود

- ‌الفرع الثانيلا جريمة ولا عقوبة بلا نص في جرائم القصاص والدية

- ‌الفرع الثالثلا جريمة ولا عقوبة بلا نص في جرائم التعازير

- ‌القسم الأول: التعزير على المعاصي

- ‌القسم الثاني: التعزير للمصلحة العامة

- ‌القسم الثالث: التعزير على المخالفات

- ‌الفرع الرابعكيف طبقت القوانين الوضعية القاعدة

- ‌المبحث الثانيأدلة الأحكام الشريعةأي مصادر التشريع الجنائي

- ‌الفرع الأولالقرآن

- ‌الفرع الثانيالسنة

- ‌الفرع الثالثالإجماع

- ‌الفرع الرابعالقياس

- ‌المبحث الثالثتفسير الأحكام الجنائية، أي النصوص الجنائية

- ‌الفرع الأولالقواعد اللغوية الموضوعة للتفسير

- ‌الفرع الثانيالقواعد التشريعية التي تراعى عند التفسير

- ‌المبحث الرابعتعارض الأحكام (أي النصوص) ونسخها

- ‌المبحث الخامسعلاقة الأحكام الشرعية بأحكام القوانين

- ‌الفصل الثانيسريان النصوص الجنائية على الزمان

- ‌الفصل الثالثسريان النصوص الجنائية على المكان

- ‌الفصل الرابعسريان النصوص الجنائية على الأشخاص

- ‌الباب الثانيالركن المادي للجريمة

- ‌الفصل الأولالشروع في الجريمة

- ‌الفصل الثانيالاشتراك في الجريمة

- ‌المبحث الأولالاشتراك المباشر

- ‌الباب الثالثالركن الأدبي

- ‌الفصل الأولالمسئولية الجنائية

- ‌المبحث الأولأساس المسئولية الجنائية

- ‌المبحث الثانيمحل المسئولية الجنائية

- ‌المبحث الثالثسبب المسئولية ودرجتها

- ‌المبحث الرابعقصد العصيان: أو القصد الجنائي

- ‌المبحث الخامسأثر الجهل والخطأ والنسيان على المسئولية

- ‌المبحث السادسأثر الرضاء بالجريمة على المسئولية الجنائية

- ‌المبحث السابعالأفعال المتصلة بالجريمة وعلاقتها بالمسئولية الجنائية

- ‌الفصل الثانيارتفاع المسئولية الجنائية

- ‌المبحث الأولأسباب الإباحةاستعمال الحقوق وأداء الواجبات

- ‌الفرع الأولالدفاع الشرعي

- ‌المطلب الأولالدفاع الشرعي الخاص، أو "دفاع الصائل

- ‌المطلب الثانيالدفاع الشرعي العامأو "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

- ‌الفرع الثانيالتأديب

- ‌الفرع الثالثالتطبيب

- ‌الفرع الرابعألعاب الفروسية

- ‌الفرع الخامسإهدار الأشخاص

- ‌الفرع السادسحقوق الحكام وواجباتهم

- ‌المبحث الثانيأسباب رفع العقوبة

- ‌الفرع الأولالإكراه

- ‌الفرع الثانيالسكر

- ‌الفرع الثالثالجنون

- ‌الفرع الرابعصغر السن

- ‌الكتاب الثاني في العقوبة

- ‌الباب الأولالعقوبة - مبادئ عامة

- ‌الباب الثانيأقسام العقوبة

- ‌الفصل الأولالعقوبات المقررة لجرائم الحدود

- ‌المبحث الأولعقوبات الزنا

- ‌المبحث الثانيعقوبة القذف

- ‌المبحث الثالثعقوبة الشرب

- ‌المبحث الرابععقوبة السرقة

- ‌المبحث الخامسعقوبة الحرابة

- ‌المبحث السادسعقوبة الردة والبغي

- ‌الفصل الثانيالعقوبات المقررة لجرائم القصاص والدية

- ‌الفصل الثالثعقوبات الكفارات

- ‌الفصل الرابععقوبات التعازير

- ‌الفصل الخامسمدى صلاحية العقوبات الشرعية

- ‌الفصل السادسالعقوبات في القانون المصري ومدى صلاحيتها

- ‌الباب الثالثتعدد العقوبات

- ‌الباب الرابعاستيفاء العقوبات

- ‌الباب الخامسالعود

- ‌الباب السادسسقوط العقوبة

الفصل: الإعفاء من العقوبة صفة قائمة في شخص الفاعل. بعكس الأمر

الإعفاء من العقوبة صفة قائمة في شخص الفاعل. بعكس الأمر في أسباب الإباحة فإن الإباحة أساسها وجود صفة في الفعل لا يجعله محرماً، وعلى هذا نستطيع أن نميز بين أسباب الإعفاء من العقوبة وبين أسباب الإباحة بأن الإعفاء يرجع لصفة في الفاعل وأن الإباحة ترجع لصفة في الفعل.

وسنخصص فيما يأتي مبحثاً لكل حالة من حالات رفع العقوبة.

* * *

‌الفرع الأول

الإكراه

389 -

تعريف الإكراه: يعرف الفقهاء الإكراه: بأنه فعل يفعله الإنسان بغيره فيزول رضاه أو يفسد اختياره. وبأنه فعل يوجد من المكره يحدث في المحل - أي المكره - معنى يصير به مدفوعاً إلى الفعل الذي طلب منه. وبأنه عبارة عن تهديد الغير على ما هدد بمكروه على أمر بحيث ينتفي به الرضاء (1) . ويعرفه البعض بأنه ما يفعل بالإنسان مما يضره أو يؤلمه (2) . ويرى البعض أن حد الإكراه هو أن يهدد المكره قادر على الإكراه بعاجل من أنواع العقاب يؤثر العاقل لأجله الإقدام على ما أكره عليه وغلب على ظنه أنه يفعل به ما هدد به إذا امتنع مما أكرهه عليه (3) .

390 -

أنواع الإكراه: الإكراه نوعان: نوع يعدم الرضاء ويفسد الاختيار، وهو ما خيف فيه تلف النفس، ويسمى إكراهاً تاماً أو إكراهاً ملجئاً. ونوع يعدم الرضاء ولا يفسد الاختيار، وهو ما لا يخاف فيه

(1) البحر الرائق ج8 ص179.

(2)

مواهب الجليل ج4 ص45.

(3)

أسنى المطالب وحاشية الشهاب الرملي ج3 ص282.

ص: 563

التلف عادة كالحبس والقيد لمدة قصيرة، والضرب الذي لا يخشى منه التلف، ويسمى إكراهاً ناقصاً أو إكراهاً غير ملجئ (1) .

والإكراه الناقص لا يؤثر إلا على التصرفات التي تحتاج إلى الرضاء كالبيع والإجارة والإقرار، فلا تأثير له على الجرائم.

أما الإكراه التام فيؤثر فيما يقتضي الرضاء والاختيار معاً كارتكاب الجرائم، فمن أكره على جريمة زنا مثلاً ينبغي أن يكون الإكراه الواقع عليه بحيث يعدم رضاه ويفسد اختياره، والإكراه التام هو الذي سنتكلم عنه.

ويرى بعض الفقهاء في مذهب أحمد ورأيهم مرجوح أن الإكراه يقتضي شيئاً من العذاب مثل الضرب والخنق وعصر الساق وما أشبه، وأن التوعد بالعذاب لا يكون إكراهاً، ويستدلون على ذلك بقصة عمار بن ياسر حين أخذه الكفار فأرادوه على الشرك بالله فأبى عليهم، فلما غطوه في الماء حتى كادت روحه تزهق أجابهم ما طلبوا، فانتهى إليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فجعل يمسح الدموع من عينه ويقول:"أخذك المشركون فغطوك في الماء وأمروك أن تشرك بالله ففعلت، فإن أخذوك مرة أخرى ففعل ذلك بهم"، ويستدلون أيضاً بما قاله عمر رضي الله عنه: ليس الرجل أميناً على نفسه إذا أجعته أو ضربته أو أوثقته. فهؤلاء الفقهاء يرون أن الإكراه مادياً وسابقاً على الفعل الذي يأتيه المركه فلا يعتبر الفاعل مكرهاً؛ في رأيهم (2) .

ويرى أصحاب الرأي الراجح في مذهب أحمد ما يراه مالك وأبو حنيفة والشافعي، فيرون أن الوعيد بمفرده إكراه، وأن الإكراه لا يكون غالباً إلا بالوعيد بالتعذيب أو بالقتل أو الضرب أو بغير ذلك، أما ما مضى من العقوبة

(1) البحر الرائق ج3 ص80.

(2)

المغني ج8 ص260، الشرح الكبير ج8 ص240.

ص: 564

فإنه لا يندفع بفعل ما أكره عليه، ولا يخشى منه شيئاً بعد وقوعه، إنما الخشية والخوف مما يهدد به، فإذا وقع الفعل المهدد به انتهت الخشية وذهب الخوف، فالذي يندفع إذن بإتيان الفعل المكره عليه هو ما يتوعد به من العقوبة أو التعذيب وليس ما وقع فعلاً (1) .

وعلى هذا فالإكراه يصح أن يكون مادياً، ويصح أن يكون معنوياً، الإكراه المادي هو ما كان التهديد والوعيد فيه واقعاً، أما الإكراه المعنوي فهو ما كان الوعيد والتهديد فيه منتظر الوقوع.

391 -

شروط الإكراه: يشترط لوجود الإكراه توفر الشروط الآتية، فإن لم تتوفر فلا يعتبر الإكراه قائماً ولا يعتبر الفاعل مكرهاً:

أولاً: أن يكون ملجئاً - أي مما يستضر به ضرراً كبيراً - بحيث يعد الرضاء كالقتل والضرب الشديد والقيد والحبس الطويلين. وتقدير الوعيد الذي يستضر به مسألة موضوعية تختلف باختلاف الأشخاص والأسباب المكره عليها، فقد يكون الشيء إكراهاً في حق شخص دون آخر وفي سبب دون آخر، فبعض الأشخاص قد لا يتضرر من الضرب عدة أسواط والبعض قد يتضرر من ضربة سوط واحدة، والبعض قد يرحب بمكثه في السجن أمداً طويلاً، والبعض قد يضار ببقائه في السجن ليلة واحدة، والتهديد بالضرب والحبس والقتل لا يعتبر إكراهاً في جريمة القتل، ولكنه يعتبر إكراهاً في جريمة الشرب أو السرقة، والضرب اليسير في حق من يبالي به ليس إكراهاً، ولكنه يعتبر إكراهاً في حق ذوي المروءات إن وقع على وجه يكون إخراقاً بصاحبه وعضالة وشهرة في حقه.

(1) المغني ج8 ص261، البحر الرائق ج8 ص80، أسنى المطالب ج3 ص282، 283، مواهب الجليل ج3 ص45، 46.

ص: 565

والتهديد بالشتم والسب والقذف ليس إكراهاً باتفاق (1) .

وأمر صاحب السلطان يعتبر في ذاته إكراهاً دون حاجة إلى اقترانه بالوعيد أو التهديد إذا كان المفهوم أم جزاء المخالفة هو القتل أو الضرب الشديد أو الحبس والقيد الطويلان. وأمر من لا سلطان له لا يعتبر إكراهاً إلا إذا كان المأمور يعلم أنه إن لم يطع وقعت عليه وسائل الإكراه، أو كان الآمر قد اعتاد إيقاع هذه الوسائل على من يخالف أمره (2) .

وأمر الزوج لزوجته في حكم أمرر السلطان إن كانت تخشى أن تقع عليها وسائل الإكراه عند عدم الطاعة، فإن أطاعت وهي لا تخشى شيئاً من هذا فلا يعتبر الأمر إكراهاً (3) .

ويعتبر الوعيد إكراهاً إذا وجه لنفس المكره، وهذا متفق عليه، فإذا وجه لغيره فهناك اختلاف. فيرى المالكية أن الوعيد إكراه ولو وقع على أجنبي (4) . ويرى بعض الحنفية أن الوعيد ليس إكراهاً إذا وقع على غير المكره، ولكن بعضهم يرى أن هذا إكراه إذا وقع على الولد أو الوالد أو على ذي رحم محرم، وهذا يتفق مع رأي الشافعية (5) . ويرى الحنابلة أن الوعيد إكراه إذا وقع على الابن أو الأب (6) .

والوعيد بإتلاف المال إكراه عند مالك والشافعي وأحمد إذا لم يكن المال يسيراً، فإن كان المال يسيراً فلا إكراه، وتقدير ما إذا كان المال يسيراً أو غير

(1) المغني ج8 ص261، مواهب الجليل ج4 ص45.

(2)

حاشية ابن عابدين ج5 ص112.

(3)

حاشية ابن عابدين ج5 ص125.

(4)

مواهب الجليل ج4 ص45.

(5)

حاشية ابن عابدين ج5 ص110، أسنى المطالب وحاشية الشهار الرملي ج3 ص283.

(6)

الإقناع ج4 ص4.

ص: 566

يسير يرجع فيه إلى الشخص نفسه ومقدار ثروته، فقد يكون المال يسيراً بالنسبة لشخص وغير يسير بالنسبة لشخص آخر (1) .

والأصل في مذهب أبي حنيفة أن الوعيد بإتلاف المال ليس إكراهاً ولو كان إتلاف المال يلحق ضرراً جسيماً بصاحبه؛ لأن محل الإكراه الأشخاص لا الأموال، ولكن بعض فقهاء الحنفية يرى الوعيد بإتلاف المال إكراهاً، وأصحاب هذا الرأي يختلفون فيما بينهم فيشترط بعضهم أن يكون الوعيد بإتلاف كل المال ليكون إكراهاً، والبعض لا يشترط إتلاف كل المال ويكفي عندهم لاعتبار الإكراه قائماً أن يكون الوعيد بإتلاف جزء من المال يستضر بإتلافه ضرراً كبيراً (2) .

ويجب أن يكون الوعيد بفعل محذور أي غير مشروع، فإن كان الفعل المهدد به مشروعاً فلا يعتبر الفاعل مكروهاً، فمن كان محكوماً عليه بالجلد أو الحبس وهدد بتنفيذ العقوبة عليه إن لم يرتكب جريمة فارتكبها فعليه عقوبتها ولا يعتبر أنه كان في حالة إكراه؛ لأن الفعل الذي هدد به مشروع فلا يعتبر أن التهديد هو الذي حمله على الفعل بل يعتبر أنه قد أتى الفعل بمحض إرادته (3) .

ثانياً: أن يكون الوعيد بأمر حال (4) يوشك أن يقع إن لم يستجب المكره فإن كان الوعيد بأمر غير حال فليس ثمة إكراه، لأن المكره لديه من الوقت ما يسمح له بحماية نفسه ولأنه ليس في الوعيد غير الحال ما يحمله على المسارعة بارتكاب الفعل، ويرجع في تقدير ما إذا كان الوعيد حالاً أو غير حال إلى ظروف المكره وإلى ظنه الغالب المبني على أسباب معقولة.

(1) مواهب الجليل ج4 ص45، أسنى المطالب ج3 ص282، الإقناع ج4 ص4، المغني ج8 ص261.

(2)

البحر الرائق ج8 ص82.

(3)

حاشية ابن عابدين ج5 ص120، أسنى المطالب ج3 ص282، المغني ج8 ص260.

(4)

حاشية ابن عابدين ج5 ص109.

ص: 567

ثالثاً: أن يكون المكره قادراً على تحقيق وعيده؛ لأن الإكراه لا يتحقق إلا بالقدرة، فإن لم يكن المكره قادراً على فعل ما هدد به فلا إكراه. ولا يشترط في المكره أن يكون ذا سلطان كحاكم أو موظف؛ لأن العبرة بالقدرة على الفعل المهدد به لا بصفة المكره.

رابعاً: أن يغلب على ظن المكره أنه إذا لم يجب إلى ما دعي إليه تحقق ما أوعد به، فإن كان يعتقد أن المكره غير جاد فيما أوعد به، أو كان يستطيع أن يتفادى الوعيد بأي طريقة كانت، ثم أتى الفعل مع ذلك، فإنه لا يعتبر مكرهاً. ويجب أن يكون ظن المكره مبنياً على أسباب معقولة.

392 -

حكم الإكراه: يختلف حكم الإكراه باختلاف الجرائم، ففي بعض الجرائم لا يكون للإكراه أي أثر، وفي بعضها ترتفع المسئولية الجنائية ويباح الفعل، وفي بعضها تبقى المسئولية الجنائية وترتفع العقوبة، فالجرائم بالنسبة للإكراه على ثلاثة أنواع:

(1)

نوع لا يؤثر عليه الإكراه فلا يبيحه الإكراه ولا يرخص به.

(2)

نوع يبيحه الإكراه فلا يعتبر جريمة.

(3)

نوع يرخص به الإكراه فيعتبر جريمة ولكن لا يعاقب عليه.

393 -

الجرائم التي لا يؤثر عليها الإكراه: اتفق الفقهاء على أن الإكراه الملجئ لا يرفع العقوبة عن المكره إذا كانت الجريمة التي ارتكبها قتلاً أو قطع طرف أو ضرباً مهلكاً (1)، وحجتهم في ذلك قوله تعالى:{وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَاّ بِالْحَقِّ} [الأنعام: 151]، وقوله:{إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا} [الأحزاب: 57] ، ويعللون عقاب المكره بأنه قتل المجني عليه متعمداً ظالماً لاستبقاء نفسه معتقداً أن في قتله نجاة نفسه وخلاصه من شر المكره.

(1) البحر الرائق ج8 ص74، 77.

ص: 568

والظاهر أن الفقهاء يرون أن كل جريمة يمكن أن تباح أو يرخص بها للإكراه إلا قتل الإنسان والاعتداء عليه اعتداء مهلكاً، فإنه كبيرة والتساهل فيها يؤدي إلى خطر جسيم، ولذلك يتشددون في هذه الناحية ويجمعون على عدم تأثير الإكراه على العقوبة في هذه الجرائم. ولكنهم اختلفوا على نوع العقوبة، فمالك وأحمد يريان القصاص من المكره (1) . وفي مذهب الشافعي رأيان أرجحهما يرى القصاص والثاني يرى أصحابه أن تكون العقوبة الدية على اعتبار أن الإكراه شبهة تدرأ القصاص (2) . وفي مذهب أبي حنيفة (3) اختلاف على العقوبة، فزفر يرى القصاص، وأبو حنيفة ومحمد يريان الاكتفاء بتعزير المكره أي عقابه بالعقوبة التي يراها الشارع ملائمة، وأبو يوسف يرى الدية على المكره.

ونظرية فقهاء الشريعة في عقاب المكره على القتل وقطع الأطراف والضرب المهلك تتفق تماماً في النتيجة مع ما يراه أصحاب النظرية المادية من شرح القوانين الوضعية، وهم الذين يرون أن في حالة الإكراه يتعارض حقان أو مصلحتان، وأن الفاعل يختار بين الجريمة والخطر الذي يتهدده، أو بين تضحية نفس وتضحية الغير، ولا يرون العقاب إذا ضحى بالأقل قيمة لتضحية رغيف لإحياء شخص جائع، أما إذا تساوت المصلحتان أو ضحى بأكبرهما قيمة يرون عقاب الفاعل (4) .

وقد طبقت هذه النظرية في إنجلترا في حادث ملخصه أن يختاً غرق ونجا من ركابه القبطان وآخر وخادم، واستقلوا قارباً للنجاة فبقوا به ثمانية عشر يوماً يقاسون أشد الآلام، وبعدها اتفق القبطان ورفيقه

(1) مواهب الجليل ج6 ص242، المغني ج9 ص331، الإقناع ج4 ص171.

(2)

تحفة المحتاج ج4 ص7، المهذب ج3 ص189.

(3)

بدائع الصنائع ج7 ص179.

(4)

الموسوعة الجنائية ج1 ص492.

ص: 569

على قتل الخادم ليشربا دمه وليقتاتا بلحمه، وقتلاه فعلاً، فحكم عليهما بالإعدام، ثم استبدل الإعدام بالحبس.

394 -

الجرائم التي يباح فيها الفعل: يرفع الإكراه المسئولية الجنائية في كل فعل محرم يبيح الشارع إتيانه في حالة الإكراه كأكل الميتة وشرب الدم، ولقوله تعالى:{وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119]، ولقوله:{اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173] ، فأكل الميتة وشرب الدم كلاهما محرم في غير حالة الإكراه، ولكنه يباح إذا أكره الإنسان عليه، ومن ثم فلا مسئولية على إتيان الفعل ولو أنه محرم أصلاً، لأن التحريم يزول بالإكراه، بل أن المكره ليأثم فيما بينه وبين ربه طبقاً للرأي الراجح إذا امتنع عن مطاوعة المكره؛ لأنه يلقي بنفسه في التهلكة بامتناعه وعدم مطاوعته (1) .

ويشترط في الإكراه الذي يرفع المسئولية الجنائية ويبيح الفعل أن يكون إكراهاً ملجئاً، فإن كان ناقصاً فإنه لا يحل الفعل فيبقى الفعل محرماً معاقباً عليه.

ويمكن معرفة الأفعال التي يرفع فيها الإكراه المسئولية الجنائية من مراجعة النصوص التي حرمتها، فإن كانت أحلتها عند الضرورة أو الإكراه فهي من هذا النوع، وإن لم تكن أحلتها فهي ليست منه. وعلى كل حال فهذه الأفعال خاصة بالمطاعم والمشارب المحرمة كأكل الميتة ولحم الخنزير وشرب الخمر الدم والنجاسات.

ويختلف الفقهاء في شرب الخمر، فأبو حنيفة والشافعي وأحمد يرون الإكراه يبيح الفعل، أما مالك فيرى الإكراه يرفع العقوبة ولا يبيح

(1) بدائع الصنائع ج7 ص176، المهذب ج2 ص245 وما بعدها، مواهب الجليل ج3 ص229.

ص: 570

الفعل فيظل الفعل محرماً على أصله، ولكن الفاعل لا يعاقب لعدم التكليف؛ أي لانعدام الاختيار (1) .

مسئولية المكره المدنية عن هذه الجرائم: والأصل أن الإنسان لا يسأل جنائياً ولا مدنياً عن فعل مباح، والإكراه في هذا النوع من الجرائم يحل الفعل، ومن ثم فلا يسأل الفاعل مدنياً عن الجريمة في ذاتها، وإنما يسأل عن كل فعل آخر صحبها إذا ألحق هذا الفعل ضرراً بالغير، فلحم الخنزير مثلاً محرم أصلاً ولكن الإكراه يبيح للإنسان أن يتناول هذا اللحم، ولا يعتبر تناوله جريمة ولا مسئولية على الآكل من الوجهة المدنية إذا اشترى اللحم، أما إذا غصبه أو سرقه ممن يملكه فإنه يسأل مدنياً قبل المالك بقيمة ما غصب أو سرق. والواقع أن المسئولية المدنية هنا ليست عن أكل اللحم وإنما هي عن الغصب أو السرقة فكلاهما جريمة لا يعاقب عليها للإكراه، والإعفاء من العقاب لا يمنع من المسئولية المدنية عن هاتين الجريمتين.

395 -

بين الشريعة والقانون: وتختلف الشريعة عن القوانين الوضعية في أنها تجعل الإكراه مبيحاً لبعض الأفعال المحرمة، بينما القاعدة في القوانين الوضعية أن الإكراه لا يبيح الفعل وإنما يرفع العقوبة فقط، والواقع أن الأفعال التي يبيحها الإكراه في الشريعة محدودة وقد حرمت هذه الأفعال أصلاً، لأن في إتيانها ضرراً بمن يأتيها، فشرب الخمر وأكل الميتة ولحم الخنزير محرمة؛ لأنها تضر بصحة الشارب والآكل قبل كل شيء، فهي أفعال محرمة لمصلحة الفاعل لا لمصلحة الغير، فكان من العدل أن تباح إذا أدى تحريمها لإلحاق ضرر أكبر بالفاعل، أو بتعبير آخر إذا انتفت حكمة التحريم، أما ما عدا ذلك من الأفعال فأساس التحريم فيها مصلحة الغير، وسواء أكره الشخص على إتيانه أو أتاه مختاراً فإن

(1) المراجع السابقة، ومواهب الجليل ج5 ص318، تبصرة الحكام ج2 ص227.

ص: 571

الفعل يمس مصلحة الغير، فأساس التحريم قائم في حالتي الإكراه والاختيار، ومن ثم بقى الفعل جريمة في الحالين، ولكن لما كان الفاعل قد أتى الفعل وهو مكره فقد رفعت عنه عقوبة الفعل للإكراه.

ولعل منطق الشريعة في هذه الناحية أدق من منطق القوانين الوضعية التي تسوي في الحكم بين الجرائم جميعاً وإن اختلف أساس التحريم فيها. فالقانون المصري مثلاً يعاقب على استعمال اللحم المذبوح خارج السلخانة (1) ، والحكمة في تحريم الاستعمال الخوف من أن يكون اللحم من حيوان مصاب بمرض معد فيمرض الآكل، فإذا اضطر الجوع إنساناً ليأكل من هذا اللحم اعتبر فعله جريمة بالرغم من أن التحريم قصد به أصلاً المحافظة على حياة الآكل، بالرغم من أن تحريم الفعل في حالة الاضطرار يؤدي إلى القضاء على حياة الآكل، واكتفى برفع العقاب عنه مع أن علة التحريم في هذه الحالة منعدمة. وهكذا لا نجد الشريعة خالفت القوانين الوضعية إلا وجدنا الحق والعدل والمنطق في جانب الشريعة.

396 -

الجرائم التي ترتفع فيها العقوبة: يرفع الإكراه التام العقوبة في كل الجرائم الأخرى عدا ما سبق مع بقاء الفعل محرماً على أصله، ولعة ذلك أن المكره لا يأتي الفعل راضياً عنه ولا مختاراً له اختياراً صحيحاً؛ والمرء لا يسأل عن فعله إلا إذا كان مدركاً مختاراً، فإذا انعدم الإدراك أو الاختيار فلا عقاب على الفاعل. فالسبب في الإعفاء راجع إلى الشخص لا إلى الفعل في ذاته، ومن ثم رفعت العقوبة عن الفاعل وبقى الفعل محرماً.

وكل ما يشترط لرفع العقوبة عن المكره أن يكون الإكراه تاماً، فإن كان ناقصاً لم ترتفع العقوبة، ويستوي أن يكون الإكراه التام مادياً أو معنوياً.

(1) المادة الأولى من لائحة السلخانات.

ص: 572

ومن الجرائم التي تدخل تحت هذا القسم القذف والسب والسرقة وإتلاف مال الغير، فهه الجرائم وغيرها مما يدخل تحت هذا القسم لا عقاب عليها إذا أكره الإنسان على إتيانها إكراهاً تاماً، لقوله تعالى:{إِلَاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} [النجل: 106]، ولكن تبقى الأفعال المكونة لهذه الجرائم محرمة لقوله عليه الصلاة والسلام:"كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله".

واختلف الفقهاء في زنا الرجل، فقال أبو حنيفة أولاً: إن الرجل لا يزني إلا منتشراً، والانتشار دليل على الشهوة والاختيار، فإذا زنا فهو غير مكره وعليه العقوبة، ثم عدل أبو حنيفة عن هذا الرأي؛ لأن الانتشار قد يكون دليل على الفحولية لا دليل الاختيار (1) .

وفي مذاهب مالك والشافعي وأحمد من يرى رأي أبي حنيفة الأول ولكنهم قلة ورأيهم مرجوح، والرأي الراجح في المذاهب الثلاثة هو أن الإكراه يعفي الرجل من عقوبة الزنا؛ لأن التهديد والتخويف يكون على ترك الزنا لا على إتيانه، والفعل في ذاته لا يخاف منه فليس ثمة ما يمنع الانتشار (2) .

أما المرأة المكرهة على الزنا فلا عقوبة عليها باتفاق، لقوله عليه السلام:"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه"، وقد جرى العمل بهذا من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم حيث يروى أن امرأة استكرهت على عهده فدرأ عنها الحد.

ولا فرق في حالة المرأة بين الإكراه بالإلجاء؛ أي أن تغلب على أمرها بقوة مادية وهو ما نسميه اليوم بالإكراه المادي، وبين أن تكره بالتهديد وغيره وهو ما نسميه اليوم بالإكراه المعنوي، ومن القضايا المشهورة قضية امرأة عطشت فاستسقت راعياً فأبى أن يسقيها إلا أن تمكنه من نفسها ففعلت، فلما رفع أمرها لعمر استشار علياً رضي الله عنهما فأفتى علي بأنها مضطرة ولا عقاب عليها لقوله تعالى:

(1) بدائع الصنائع ج7 ص180.

(2)

مواهب الجليل ج5 ص294، تحفة المحتاج ج4 ص91، المغني ج10 ص158، 159.

ص: 573

{فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} فلم يعاقبها عمر.

حكم المسئولية المدنية: يسأل المكره مدنياً في هذا القسم عن الأضرار التي أصابت غيره من الجرائم التي ارتكبها ولو أنه معفى من عقوبتها؛ لأن القاعدة في الشريعة أن الدماء والأموال معصومة؛ أي أن الاعتداء عليها محرم، وأن الأعذار الشريعة لا تبيح عصمة المحل؛ أي أن ما اعتبره الشارع عذراً للفاعل لا يبيح نفس الفعل المحرم. فإذا أعفى الفاعل من العقوبة فهو ملزم بتعويض غيره من الأضرار التي سببها له بإنجاء نفسه من الهلكة والضرر.

وتتفق الشريعة في هذا القسم مع القوانين الوضعية الحديثة ولا تختلف عن القانون المصري الذي ينص على رفع العقاب عمن ارتكب جريمة ألجأته إلى ارتكابها ضرورة وقاية نفسه أو غيره من خطر جسيم على النفس على وشك الوقوع به أو بغيره ولم يكن لإرادته دخل في حلوله ولا في قدرته منعه بطريقة أخرى (1) .

والقوانين الوضعية وإن كانت رفعت العقوبة عن المكره إلا أنها تجعله مسئولاً مدنياً عن الأضرار التي أحدثها بالغير؛ شأنها في ذلك شأن الشريعة.

397 -

أساس نظرية الإكراه في الشريعة: بينا فيما سبق أن أساس حالة الإكراه المبيح للفعل، ونبين الآن أساس ما عداه من حالات الإكراه. والظاهر من تتبع آراء الفقهاء أنهم يرون أن الإكراه يعدم الرضا ولا يعدم الاختيار، فالمكره لا ينعدم اختياره إطلاقاً وإنما يفسد فقط ويضيق مداه بحيث لا يستطيع أن يختار إلا بين أمرين: إما ارتكاب الجريمة وإما تعريض نفسه لوعيد المكره. وإذا كانت المسئولية الجنائية تقوم على اختيار فإنها لا تنعدم إلا إذا انعدم الاختيار، ولا يعتبر الاختيار منعدماً إذا انحصر وضاق مداه على

(1) راجع المادة 61 من قانون العقوبات المصري.

ص: 574

الوجه السابق؛ لأن المكره يستطيع أن يختار على أي حال.

والمكره حين يختار ارتكاب الجريمة يلحق الضرر بغيره، وحين يختار الوعيد يلحق الضرر بنفسه، وكلاهما أمر تأباه الشريعة، فهي تحرم على الناس الإضرار بالغير كما تحرم على الناس أن يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، فالمكره حين يختار إنما يختار بين محرمين أو بين ضررين.

وقد وضعت الشريعة قاعدتين لحكم هذه الحالة: أولهما: أن الضرر لا يزال بالضرر، ومقتضى هذه القاعدة أنه لا يجوز للإنسان أن يدفع الضرر بمثله، فليس له أن يدفع الغرق عن أرضه بإغراق أرض غيره، ولا أن يحفظ ماله بإتلاف مال غيره، وليس للمضطر أن يتناول طعام مضطر آخر، وهكذا.

وثانيتهما: أن أخف الضررين يرتكب لاتقاء أشدهما، ومقتضى هذه القاعدة أنه إذا لم يكن بد من ارتكاب أحد الضررين فيجوز للإنسان أن يرتكب أخفهما لدفع الأشد، ولا يجوز له أن يرتكب أشد الضررين لدفع أخفهما. فتطبيق هاتين القاعدتين يوجب على المكره أن يأتي من الأمرين أمراً واحداً بعينه، فإذا اتاه فهو لا يختار في الواقع وإنما يضطر إلى إتيانه اضطراراً بحكم الإكراه أولاً ونزولاً على حكم الشريعة ثانياً، وإذن فاختياره ينعدم تماماً إذا نزل على حكم قاعدتي الضرر سالفي الذكر، فتنعدم المسئولية الجنائية لانعدام الاختيار وترتفع العقوبة. أما إذا خالف حكم قاعدتي الضرر ودفع الضرر بمثله، أو دفع الضرر الأخف بالأشد، فقد اختار، وهذا الاختيار لا يعدم المسئولية الجنائية ولا يرفع العقوبة ولو كان مداه ضيقاً.

وقد جاءت أحكام الإكراه في الشريعة تطبيقاً دقيقاً لما سبق، فإذا قتل المكره غيره أو قطع طرفه أو ضربه ضرباً مهلكاً فإنما يفعل هذا ليدفع عن نفسه القتل أو ما يؤدي إلى القتل من القطع أو ضرب مهلك، وليس له أن يدفع الضرر بمثله أو بأشد منه، فإذا فعل ذلك فقد اختار وهذا الاختيار على ضيق مداه لا يرفع عنه المسئولية الجنائية فيعاقب على القتل والقطع والضرب المهلك. أما ما عدا هذا

ص: 575

من الجرائم كالسرقة والقذف والسب والزنا والتبديد وإتلاف الأموال فليس فيها ما يساوي التهديد بتلف النفس، فإذا ارتكب المكره الجريمة لينجي نفسه من الهلكة فإنه لا يدفع الضرر بمثله، وإنما يدفع أشد الضرين بأخفهما، ولا يختار بين الضررين نزولاً على حكم الشريعة، وإذن فهو مكره على إتيان الجريمة ولا خيار له في إتيانها أو تركها، وإذا انعدم اختياره انعدمت المسئولية الجنائية وارتفعت عنه العقوبة.

398 -

بين الشريعة والقوانين الوضعية: هذه هي نظرية الإكراه في الشريعة، ومن له إلمام بالقوانين الوضعية يرى أن نظرية الشريعة جمعت بين نظريتين يقول بهما شراح القوانين: إحداهما: النظرية الشخصية، والثانية: النظرية المادية، وقد جمعت نظرية الشريعة بين أفضل ما في النظريتين القانونيتين وسلمت من عيوبهما، ذلك أن أصحاب النظرية الشخصية يرون أن أساس الإكراه هو انعدام حرية المكره في الاختيار، أما أصحاب النظرية المادية فيرون أنه كان مختاراً وأن فكرة توفر الاختيار وانعدامه لا تصلح أساساً لتعليل الإكراه، والصحيح عندهم أنه في حالة الإكراه يكون هناك تنازع بين حقين أو مصلحتين، وأن هذا التنازع يقتضي تضحية أحدهما ما دام أقل قيمة من الآخر، أما إذا تساوت قيمة الحقين أو المصلحتين أو زادت قيمة أحدهما فأصحاب النظرية ينقسمون على بعضهم، فمنهم من يرى العقاب إذا تساوى ضرر الجريمة مع ضرر الإكراه أو زاد عليه، ومنهم من لا يرى العقاب في أي حال؛ لأن الجريمة في هذه الحالة لا تهم الجماعة، ولأن المجرم لا يعتبر خطراً، وهو تعليل غير مقنع ولا يبرر الجريمة على أساس قانوني (1) .

399 -

الإكراه والضرورة: ويلحق بالإكراه حالة الضرورة من حيث الحكم، ولكنها تختلف عن الإكراه في سبب الفعل، ففي الإكراه يدفع

(1) الموسوعة الجنائية ج1 ص492، شرح قانون العقوبات للدكتورين كامل مرسي والسعيد مصطفى ص376 وما بعدها.

ص: 576

المكره إلى إتيان الفعل شخص آخر يأمر المكره بإتيان الفعل ويجبره على إتيانه، أما في حالة الضرورة فلا يدفع الفاعل إلى إتيان الفعل أحد، إنما يوجد الفاعل في ظروف يقتضيه الخروج منها أن يرتكب الفعل المحرم؛ لينجي نفسه أو غيره من الهلكة، كمن يركب مع آخرين قارباً مملوءاً بالأمتعة يكاد يغرق لثقل حمولته فإن نجاة الركاب تقتضي تخفيف حمولة القارب وإلقاء بعض الأمتعة التي تثقله في الماء.

ومن أمثلة على حالة الضرورة الجوع الشديد والعطش الشديد، فإن الجائع أو العطشان إذا لم يجد ما يأكله أو يشربه من طريق مباح هلك، وقد يندفع الجائع أو العطشان تحت تأثير الجوع والعطش إلى سرقة ما يسد رمقه أو يطفئ عطشه كما قد يندفع إلى تناول طعام أو شراب محرم، ومثل ذلك يقال عمن كاد يهلك من البرد إذا أشعل ناراً في حطب آخر ليستدفئ أو أشعلها له غيره. ففي كل هذه الأحوال يوجد نفس الفاعل أو يوجد غيره في حالة أو في ظروف مهلكة فيندفع الفاعل إلى إتيان فعل محرم لإنجاء نفسه أو لإنجاء غيره من الهلكة.

400 -

شروط حالة الضرورة: يشترط لوجود حالة الضرورة أربعة شروط:

1 -

أن تكون الضرورة ملجئة بحيث يجد الفاعل نفسه أو غيره في حالة يخشى منها تلف النفس أو الأعضاء.

2 -

أن تكون الضرورة قائمة لا منتظرة، فليس للجائع أن يأكل الميتة قبل أن يجوع جوعاً يخشى منه.

3 -

أن لا يكون لدفع الضرورة وسيلة إلا ارتكاب الجريمة، فإذا أمكن دفع الضرورة بفعل مباح امتنع دفعها بفعل محرم، فالجائع الذي يستطيع شراء الطعام ليس له أن يحتج بحالة الضرورة إذا سرق طعاماً.

4 -

أن تدفع الضرورة بالقدر اللازم لدفعها، فليس للجائع أن يأخذ من طعام غيره إلا ما يرد جوعه.

ص: 577

401 -

حكم حالة الضرورة: يختلف حكم حالة الضرورة باختلاف الجريمة، فهناك جرائم لا تؤثر عليها الضرورة، وجرائم تبيحها الضرورة وجرائم ترتفع فيها العقوبة للضرورة.

402 -

الجرائم التي لا تؤثر عليها الضرورة: ليس للضرورة أثر على جرائم القتل والجرح والقطع، فليس للمضطر بأي حال أن يقتل غيره أو يقطعه أو يجرحه لينجي نفسه من الهلكة، فإذا كان جماعة في قارب مشرف على الغرق لثقل حمولته فليس لأحدهم أن يلقي غيره في الماء ليخفف حمولة القارب ولينجي نفسه وغيره من الهلكة، ولا يعفيه هذا إذا فعله من العقاب.

ومن المتفق عليه أن الشخص الذي يحرم قتله أو جرحه أو قطعه هو الشخص المعصوم، أما المهدر فقتله مباح بل هو واجب في أكثر الأحوال.

ويحرم مالك أكل لحم الإنسان في حالة الضرورة ولو كان مهدراً، فمن جاع حتى أوشك أن يهلك ولم يجد إلا مهدراً فليس له أن يأكل من لحمه ما يرد جوعه سواء كان المهدر حياً أو ميتاً، وهذا هو الرأي الراجح في مذهب أبي حنيفة (1) .

ويجيز الشافعي وأحمد أكل لحم المهدر في حالة الضرورة سواء كان المهدر حياً أو ميتاً، ويوافقهما في هذا بعض الحنفية بل يبيح الشافعي وبعض الحنفية أكل لحم الميت المعصوم في حالة الضرورة؛ لأن حرمة الحي أعظم من حرمة الميت، أما أحمد فيحرم أكل لحم المعصوم الميت (2) .

ويبيح الشافعي للمضطر أن يقطع من جسمه فلذة ليأكلها في حالة الضرورة إذا ظن السلامة مع القطع (3) . ويخالفه في هذا بقية الفقهاء.

وليس للمضطر أن يأخذ من مضطر مثله ما يقيم حياته؛ لأنه أحق به حيث

(1) مواهب الجليل ج3 ص233، حاشية ابن عابدين ج5 ص296.

(2)

المغني ج11 ص79، أسنى المطالب ج1 ص571.

(3)

أسنى المطالب ج1 ص571.

ص: 578

يساويه في الضرورة وينفرد في الملك، فإن أخذه منه فمات فهو مسئول عن موته ويعتبر قاتلاً له بغير حق (1) .

وللمضطر أن يأخذ ما يقيم حياته من غيره إذا لم يكن في حاجة إليه، وإن احتاج الأمر إلى قتال قاتله عليه، فإن قُتِل المضطر فقاتله مسئول جنائياً عن قتله ولا يعتبر في حالة دفاع، وإن قتله المضطر فهو هدر؛ لأنه ظالم بقتاله المضطر فأشبه الصائل. وليس للمضطر أن يقاتل على شئ كلما استطاع أن يأخذه بشراء أو استرضاء مهما تغالى صاحب الشيء في الثمن؛ لأن المضطر لا يلزمه شرعاً إلا ثمن المثل (2) ، وهذا هو رأي مالك والشافعي وأحمد، ولا يختلف عن رأي أبي حنيفة إلا في أنه يبيح للمضطر أن يقاتل الممتنع باليد لا بالسلاح (3) .

403 -

الجرائم التي تبيحها الضرورة: تباح الجريمة للضرورة إذا كانت الشريعة تنص على إباحتها في حالة الضرورة، وهذا النوع من الجرائم خاص بالمطاعم والمشارب كأكل الميتة ولحم الخنزير وشرب الدم والنجاسات، فهذه الجرائم وأمثالها يباح إتيانها في حالة الاضطرار باتفاق، وبشرط أن يقتصر الفعل المحرم على القدر الذي يسد الضرورة، فمن اضطره الجوع إلى أكل الميتة فله أن يأكل منها بقدر ما يسد رمقه ويأمن معه من الموت على رأي، أو بقدر ما يشبعه على رأي آخر، ولكن ليس له أن يزيد على ما يشبعه إلا إذا كانت الضرورة مستمرة كما لو كان منقطعاً في صحراء (4) .

(1) المغني ج11 ص80، مواهب الجليل ج6 ص240.

(2)

المغني ج11 ص80، أسنى المطالب ج1 ص572، مواهب الجليل ج3 ص234.

(3)

حاشية ابن عابدين ج5 ص296.

(4)

أحكام القرآن للجصاص ج1 ص130، أسنى المطالب ج1 ص570، المغني ج11 ص73.

ص: 579

وللمضطر التزود من الطعام أو الشراب المحرم إذا كان يعلم أن الضرورة مستمرة، بشرط أن لا يطعمه ولا يشربه إلا إذا تجددت الضرورة (1) .

وقد اختلفوا في إتيان الفعل المحرم الذي يباح للضرورة، فقال البعض ورأيهم الراجح: إن إتيان الفعل واجب على المضطر وليس حقاً له، فالمضطر إلى الطعام أو الشراب يأثم إذا لم يأكل المحرم أو يشربه لقوله تعالى:{وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195]، ولقوله:{وَلَا تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29] ، فوجب على الإنسان كلما قدر على إحياء نفسه بما أحله الله أن يتناوله ليحيي نفسه، ويرى البعض الآخر ورأيهم مرجوح أن إباحة الأكل والشرب رخصة للمضطر له أن يأتيها أو يتركها، فإتيان الفعل حق لا واجب (2) .

404 -

الجرائم التي ترفع الضرورة عقوبتها: وفيما عدا النوعين السابقين من الجرائم فإن المضطر إذا أتى الجرائم الأخرى مدفوعاً إلى ارتكابها بالضرورة فإنه يعفى من العقوبة مع بقاء الفعل محرماً، ومثل ذلك سرقة الجائع الطعام أو الشراب، وإلقاء أمتعة الركاب في البحر إذا أشرف المركب على الغرق.

ويشترط للإعفاء من العقوبة أن لا يأتي المضطر الفعل إلا بالقدر الذي يدفع الضرورة، فليس للجائع أن يأكل من طعام غيره إلا ما يرد جوعه، وليس له أن يأخذ معه شيئاً، وليس لراكب القارب المشرف على الغرق أن يلقي من أمتعة الركاب إلا بالقدر الذي يمنع غرق القارب.

ويشترط للإعفاء من العقوبة أن يكون الفعل المحرم مما يرد الضرورة، فإذا لم يكن كذلك فلا إعفاء، فمن يسرق أمتعة من آخر ليبيعها ويشتري بثمنها

(1) مواهب الجليل ج3 ص233، أسنى المطالب ج1 ص570، المغني ج11 ص75.

(2)

أحكام القرآن للجصاص ج1 ص128.

ص: 580