الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ونص الآية يشمل عدداً من المبادئ التشريعية والنظريات الفقهية، وسنبين أهمها فيما يلي:
33 - نظرية الإثبات بالكتابة:
فرضت الشريعة الإسلامية الكتابة وسيلة لإثبات الدين المؤجل سواء كبرت قيمة الدين أو صغرت، وذلك قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} ، وقوله:{وَلَا تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ} ، ويدخل تحت لفظ الدين كل التزام ايا كان نوعه، لأن الالتزام ليس إلا ديناً في ذمة الملتزم له، فيدخل تحت لفظ الدين القرض والرهن والبيع بثمن مؤجل والتعهد بعمل وغير ذلك (1) .
أما التصرفات التي تتم في الحال فليس من الواجب كتابتها ما دام كل متعاقد قد وفى بالتزاماته واستوفى حقوقه؛ كمن يشتري شيئاً من آخر ويتسلمه ويسلمه الثمن في الحال، ومثل هذه التصرفات يجوز إثباتها بغير الكتابة مهما بلغت قيمته إذا أثبتت باعتبارها وقائع لا باعتبارها التزامات؛ لأن الوقائع المادية يجوز إثباتها بكل طرق الإثبات.
وظاهر من النص الذي فرض الكتابة أنه نص عام ومرن إلى حد بعيد، وأنه يصلح للتطبيق اليوم كما كان صالحاً من ثلاثة عشر قرناً، وكما سيكون صالحاً للمستقبل البعيد، وهذه إحدى مميزات الشريعة التي هيأتها لتكون غير قابلة للتعديل والتبديل.
ويوم نزل هذا النص على رسول الله صلى الله عليه وسلم كان العرب أميين يعيشون في أعماق البادية وفي خشونة من العيش، وأمثال هؤلاء تقل بينهم المعاملات بحيث لا تحتاج إلى تشريع خاص، ولو أن الشريعة كانت كالقانون
(1) كذلك يمكن قياس أي التزام على الدين إذا احتفظ لكلمة الدين بمعنى القرض لأن كليهما شئ مقوم التزم بع بعد مضي أجل معين.
تأتي على قدر حاجة الناس لما جاء بها شئ خاص بإثبات الالتزامات، أو لجاء بها من الأحكام ما يتفق مع أمية العرب وجهالتهم، أما أن تجئ الشريعة على هذا الوجه فتفرض على الأميين كتابة الصغير والكبير فذلك هو السمو الذي تتميز به الشريعة الكاملة الدائمة. فرضت الشريعة الإسلامية الكتابة بين الأميين لتحملهم على أن يتعلموا فتتسع مداركهم وتتثقف عقولهم، ويحسنوا فهم هذه الحياة الدنيا؛ فيصبحوا - وقد تعلموا - أهلاً لمنافسة الأمم الأخرى وللتفوق والسيطرة عليها، وهذه أغراض اجتماعية وسياسية بحتة، أما الغرض القانوني فهو حفظ الحقوق وإقامة الشهادات والابتعاد عن الريب والشكوك.
فالشريعة حين أوجبت الكتابة في الصغير والكبير جاءتنا بنظرية عظيمة ذات وجوه سياسية واجتماعية وقانونية، وهذه النظرية التي نزل بها القرآن على الرسول في القرن السابع الميلادي هي من أحدث النظريات في القوانين الوضعية وفي المذاهب الاجتماعية الحديثة، فالدول قد بدأت من أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن الحالي تفرض على شعوبها أن يتعلموا تعليماً إجبارياً رجالاً ونساء، وهذا الذي تفرضه الدول على الشعوب إنما هو تطبيق للنظرية الإسلامية في ناحيتها السياسية والاجتماعية. وقد بدأت الدول تأخذ بالناحية القانونية من النظرية في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، حين اشترط القانون الفرنسي الذي أخذت عنه القوانين الأوروبية أن يكون الدين مكتوباً إذا زاد عن مقدار معين، ولكن شراح القانون رأوا أن الإثبات بالكتابة تكون أكمل وأكثر توفيقاً لو اشترطت الكتابة في الصغير والكبير، وظلوا ينادون برأيهم هذا حتى حققته أخيراً بعض دول أوروبا، ولا يزال الشراح في الدول الأخرى ينادون به ويأملون تحقيقه. وإذن فأحدث نظريات الإثبات في عصرنا الحاضر هي نفس نظرية الشريعة الإسلامية أخذت بها بعض القوانين الوضعية ولا يزال الشراح في بعض